الإثنين ٢٣ - سبتمبر - ٢٠١٩ ٠٩:٤٨ صباحاً

مريم خضراوي: الاستقصاء حول قضايا البيئة يجب ألا يغفل البشر

بدأت الصحفية التونسية مريم خضراوي العمل الصحفي عام 1998 بعد تخرجها في معهد الصحافة وعلوم الأخبار بتونس، مع مجلات وصحف تصدر باللغة الفرنسية. عام 2000 انتقلت للعمل مع وكالة تونس إفريقيا للأنباء، التي تشغل فيها حالياً منصب رئيس قسم الدسك الاقتصادي والمالي. تغطي مريم مواضيع البيئة وتنشر مقالات حولها في نشرة بيئية تصدرها وكالة تونس إفريقيا كل أسبوعين، وتركز على معظم تظاهرات البيئة داخل تونس وخارجها.

ما هي أهمية توثيق الانتهاكات البيئية في العمل الاستقصائي؟

لابد أن تظفر البيئة بحيز أكبر في التغطيات الصحفية، لقناعتي بأن كرم الطبيعة تجاه الإنسان له حدود، والدليل على ذلك ما يحدث اليوم في العالم جراء التغيرات المناخية. حاولت خلال السنوات الأخيرة العمل على لفت الأنظار إلى مواضيع البيئة من خلال مقالات عديدة حول المناخ والتصرف في النفايات والتصحر والآفات الزراعية وشجعت كل المبادرات لكتابة تقارير حول هذه القضايا.

بعد ثورة 2014 في تونس أصبح الأمر ملحا أكثر، لأن البيئة أصبحت القضية الخاسرة في صحافتنا العربية عامة، وفي تونس بشكل خاص، بسبب تزايد الانتهاكات البيئية بشكل كبير في ظل غياب أي عقاب.  

ساعدتني الدورة التدريبية التي شاركت فيها بإشراف أريج  في تونس على فهم قضايا البيئة وتناول مواضيعها بعمق أكبر.

كان تحقيق “خطر البطاريات المستعملة على البيئة وصحة الإنسان” أول تحقيقاتي البيئية مع أريج، وفي نهاية العام الماضي نشر تحقيقي الثاني “مطمورة روما”، الذي يتمحور حول البذور وخطر الاستيلاء عليها من قبل شركات أجنبية.  

ما النصائح التي تقدمينها لزملائك من تجربة العمل على تحقيقات بيئية؟

يجب أن يحبوا العمل الاستقصائي البيئي، ويغرموا به قبل التوثيق، لأنه شيق وممتع ومفيد بقدر التحقيقات في قضايا أخرى.

ويجب أن تكون لهم عيون غير التي يرى بها البشر العاديون، عيون ثاقبة وذكية لأن القصص البيئية تكون أحيانا في كل مكان، وتحتاج منا فقط أن نقترب أكثر، ونسأل سؤالا بسيطا: لماذا يحدث هذا؟

في التحقيق حول القصص البيئية يمكن القول إن الوصول إلى المعلومة أقل صعوبة في نظري من القصص الأخرى، إلا إذا تعلق الأمر بجهة متنفذة تقوم بانتهاكات، إذ يصبح الموضوع أكثر صعوبة.

كما أنصح الصحفيين الاستقصائيين بالبحث في مواقع المنظمات الدولية مثل منظمة الأغذية والزراعة، منظمة الصحة العالمية ومنظمات أخرى، لما تمتلكه هذه المنظمات من تقارير ومعلومات مرتبطة بالبيئة.

أضف إلى ذلك، المعلومات الثمينة حول البيئة التي قد نجدها في دراسات  وأطروحات جامعية والتقارير في محرك البحث Google Scholar.

وفي اعتقادي أن توثيق التحقيقات البيئية من خلال الصورة المميزة أصبح مطلوبا، فالصورة تروي القصة، وإذا كانت هذه القصة مرتبطة بحياة الناس يجب على الصحفي أن يلتقط اللحظات الإنسانية لإظهار تأثير الانتهاكات على البشر، وألا ينسى تخصيص حيز كبير لقصص المتضررين، تروى من خلالهم  وعلى طريقتهم.

المواضيع البيئية تحتاج عادة إلى معرفة علمية، ولهذا على الصحفي الاستقصائي البيئي أن يكون مثقفا في المواضيع التي يعمل عليها، وأن يحاول جمع كل الوثائق المتاحة قبل الشروع في التحقيق، ليكون التحقيق أكثر دقة ووضوحا في طرح المفاهيم والأسئلة والاستعانة بخبراء علميين لتفسير الأمور الصعبة خلال فترة تنفيذ التحقيق.

ويجب  الرجوع دائما إلى القوانين وكراسات الشروط والدراسات المرتبطة بالتأثير البيئي، والاستعانة أيضا بخبير قانوني لتفسير ما يصعب فهمه ولتسهيل النقاط القانونية وتبسيطها للمتلقي العادي الذي لا يملك خبرة قانونية.

ما هي أهم الصعوبات التي تعترض العمل الاستقصائي في تونس؟

قد يبدو غريبا القول بعدم وجود عوائق كبيرة تعترض العمل الاستقصائي في تونس مقارنة بالعديد من البلدان الأخرى.

العمل الصحفي عامة أصبح أيسر بكثير الآن مقارنة بفترة ما قبل الثورة في تونس، ويكفي فقط أن يتسلح الصحفي بالمهنية وبالنفس الطويل والإصرار للوصول إلى هدفه.

مجلس نواب الشعب صادق على  القانون الأساسي المؤرخ  في 24 مارس 2016  والمتعلق بالحق في النفاذ إلى المعلومة. فالنفاذ إلى المعلومة هو العائق الأهم عموما في كل عمل صحفي. ومن شأن هذا القانون الذي صدر بالرائد الرسمي (الجريدة الرسمية) والذي من بين أهدافه تعزيز مبدأي الشفافية والمساءلة، خاصة في ما يتعلق بتسهيل عمل الصحافة مع المرفق العمومي.

صحيح أننا كصحفيين نكتشف أن القوانين في بلداننا العربية خاصة  في أغلب الأحيان حبر على ورق، ولكن هنا أيضا يأتي دور الصحفي في الإصرار على الحصول على المعلومة بالقانون أو حتى التنبيه إلى خرق هذا القانون.

شخصيا اعتبر أن ما يعترض العمل الاستقصائي في تونس هو صعوبات يمكن التغلب عليها وليست عوائق كبيرة. الصعوبات تتمثل أساساً في تداخل صلاحيات المؤسسات الحكومية التي تملك المعلومة، وهو ما يترك لها الفرصة لحجب المعلومة والتلاعب بالصحفي، فكل جهة تتنصل من المسؤولية وترسله للجهة الأخرى، مما يهدر وقته وطاقته، وهو ما يدفع الصحفي الذي لا يملك الإصرار إلى الملل والتراجع عن العمل. ومن هنا يجب على الصحفي أن يكون حاضرا وملما بموضوعه وعلى علم بكل التفاصيل حتى لا يهدر طاقته في البحث بلا جدوى.

وبالنسبة للصحافة الاستقصائية عامة لا تزال شكلا صحفيا جديدا في تونس، ويجب أن نعد لها جيلا من الصحفيين إعدادا جيدا من خلال تدريبهم التدريب الجيد.