يكشف التحقيق عن أن شركة “أرامكو” السعودية تطلق حملات دعائية عبر وسائل التواصل الاجتماعي، للترويج لجهودها في خفض الانبعاثات، في المقابل تكشف تقارير الشركة عن زيادة نسبة انبعاثات الكربون، وارتفاع كثافة الانبعاثات الكربونية، وتصاعد حجم حرق الغاز، الناتج عن عمليات إنتاج واستخراج النفط.
على أرضية ملعب “ميتلايف” في ولاية نيوجيرسي الأميركية، حين سدّد فيران توريس الكرة التي منحت إسبانيا لقبها الثاني في بطولة كأس العالم 2026، كانت المدرّجات تتلوّن بأحمر قانٍ يهتف فرحاً بهدف فريقه وأزرق سماويّ يودّع لقبه. ما بدا دخيلاً على المشهد لم يكن لوناً بل اسماً: “أرامكو” السعودية، أكبر شركة نفط في العالم، على لوحات خضراء تُطوِّق الملعب، متماهية مع لون العشب تحتها.
على مدار البطولة، بُثَّت نحو عشرة آلاف دقيقة من المباريات دولياً، ظهر خلالها اسم أكبر مُنتِج للنفط في العالم بوصفه “شريك الطاقة العالمي الرئيسي والحصري” للبطولة، “لا شريك النفط”. وهو فارق في الصياغة لا يبدو عفوياً.
يقول أستاذ التسويق في جامعة نورث وسترن، تيم كالكينز، خلال حديثه لبرنامج “ماركت بليس” الاقتصادي الأميركي، إن النفط علامة تجارية سلبية، “لكن الجميع يُقدّرون الطاقة”. أما كريستيان كوتس أولريكسن، زميل شؤون الشرق الأوسط في معهد بيكر بجامعة رايس، فيرى أن ما تفعله أرامكو وعلامات تجارية أخرى “يُوصف عادةً بالغسيل الرياضي”.
غير أن هذه الرسالة لا تُبثّ من المدرجات وحدها؛ فلها نسخة أكثر رسمية، تُقال في المؤتمرات الدولية بلغة الأرقام والتعهدات.
“علينا اعتماد تحولات منهجية في أعمالنا، تتضمن عناصر رئيسة ثلاثة بشكل متكامل؛ القدرة على تحمل التكاليف في مجال اقتصاديات الطاقة، وأمن الإمدادات، بالإضافة إلى خفض الانبعاثات الكربونية، والاستدامة”.
بتلك الكلمات، أكد النائب التنفيذي للرئيس في قطاع التنقيب والإنتاج، فهد العبد الكريم، التزام شركة “أرامكو السعودية” بخفض انبعاثات الكربون في قطاع الطاقة خلال اجتماع “بيكر هيوز” السنوي، الذي انعقد في فلورنسا بإيطاليا في شباط/فبراير 2025.
تعد كلمة المسؤول التنفيذي في أرامكو حلقة في سلسلة تصريحات وحملات دعائية، أطلقتها الشركة النفطية ما بين عامي 2020 و2026، عبر مؤتمرات دولية وإعلانات ممولة على وسائل التواصل الاجتماعي؛ لـ”إبراز جهودها في خفض الانبعاثات”.
على النقيض من ذلك، تُظهر تقارير الاستدامة الصادرة عن الشركة زيادة نسبة انبعاثات الكربون، وارتفاع كثافة الانبعاثات الكربونية، وتصاعد حجم حرق الغاز؛ نتيجة لزيادة إنتاج الشركة.

ويُشير فيديو ترويجي منشور في آذار/مارس 2026 -على الصفحة الرسمية لشركة “أرامكو”، عبر منصة “إكس”، وقد حظي بـ 16 ألف مشاهدة- إلى أن الكثافة الكربونية لكل برميل نفط استخرجته أرامكو عام 2025 بلغت 10 كيلوغرامات من مكافئ ثاني أكسيد الكربون لكل برميل نفط مكافئ. وهو الرقم الذي تصفه أرامكو في تقرير الاستدامة لعام 2025، بأنه “من أدنى كثافات انبعاثات الكربون لكل برميل في أنشطة المنبع بين كبرى شركات النفط والغاز في العالم”.
كما روجت الشركة عبر إعلان مدفوع على “ميتا” عام 2026 بأنها “تُنتج الطاقة على نطاق واسع، مع انخفاض كثافة الكربون في المراحل الأولية”.
لم تذكر “أرامكو” في إعلانها الممول عبر منصة “إكس” أن الكثافة الكربونية لكل برميل من إنتاجها ارتفعت من 9.1 إلى 10 كيلوغرامات من مكافئ ثاني أكسيد الكربون، ما بين عامي 2018 و2025.
ولا تزال كثافة الانبعاثات الكربونية للشركة بعيدة عن المستويات التي تعهدت بتحقيقها؛ فقد سبق أن أعلنت “أرامكو” أنها تستهدف وصول الكثافة الكربونية لكل برميل إلى 8.6 كيلوغرام من مكافئ ثاني أكسيد الكربون لكل برميل نفط مكافئ عام 2030، ثم 7.7 كيلوغرام في 2035، على أن تصل أنشطة الشركة إلى صافي انبعاثات صفري عام 2050.
حاولنا مقارنة كثافة الانبعاثات الكربونية لكل برميل بين أرامكو ومنافساتها، فتعذّرت المقارنة لاختلاف المؤشر بين شركة وأخرى. في حين تستخدم أرامكو كثافة الكربون في الاستخراج على نطاق 1+2، تعتمد بريتيش بتروليوم على كثافة الغازات الدفيئة في الاستخراج والإنتاج والغاز المسال على نطاق 1+2، في حين تعتمد شل على مؤشر كثافة الكربون الصافية لكامل سلسلة القيمة.
وتتضح الفجوة بصورة أكبر عند مقارنة إجمالي الانبعاثات المطلقة بين الشركات. فوفقاً لبيانات Carbon Majors، الصادرة عن مركز الأبحاث “Influence Map”، في كانون الثاني/يناير 2026، والتي تقيس انبعاثات 166 كياناً من كبرى شركات النفط والغاز والفحم والإسمنت في العالم، تصدرت “أرامكو السعودية” القائمة العالمية بحجم انبعاثات بلغ 1786 مليون طن مكافئ ثاني أكسيد الكربون؛ ما يعادل 4.28 في المئة من إجمالي الانبعاثات العالمية.

كما جاءت “أرامكو السعودية” في المرتبة الثالثة في قائمة الكيانات الأكثر إطلاقاً للانبعاثات الكربونية، بين عامي 1854 و2024، بـ 72,457 مليون طن مكافئ ثاني أكسيد الكربون.
ووفق تقارير الشركة لعام 2025، ارتفع إجمالي انبعاثات النطاقين 1و2 (وفقاً للسوق) بنسبة 5.1 في المئة، كما ارتفعت كثافة الانبعاثات الكربونية الناتجة عن أعمال قطاع التنقيب والإنتاج بنسبة ثلاثة في المئة، مقارنة بعام 2024.
ويأتي ذلك على خلاف الرسائل الترويجية التي نشرتها “أرامكو” عبر شركة “ميتا” عام 2024، للترويج لإنشاء محطتي غاز طبيعي في السعودية؛ إذ قالت إن المشروع “يمثل بداية حقبة جديدة في استخراج الغاز الطبيعي”، ويهدف إلى زيادة إنتاج الغاز وخفض انبعاثات ثاني أكسيد الكربون بنحو 40 مليون طن سنوياً.
وتعكس زيادة الانبعاثات الكربونية للشركة تركيزها على توسيع الإنتاج، وهو ما أقرّت به صراحة على موقعها الإلكتروني؛ إذ عزت ارتفاع الانبعاثات الناجمة عن أنشطة التنقيب والإنتاج خلال عام 2025 إلى “زيادة إنتاج الغاز لتلبية الطلب المحلي المتزايد في المملكة (السعودية)”.
وتمتلك الحكومة السعودية 81.48 في المئة من أسهم “أرامكو” ملكية مباشرة، فيما يمتلك صندوق الاستثمارات العامة (الصندوق السيادي السعودي) وبعض شركاته 16 في المئة؛ ما يعني أن معظم انبعاثات الشركة تصدر عن كيان تسيطر عليه الدولة، التي وقّعت اتفاقية باريس عام 2016، وتعهدت في 2021 بخفض انبعاثاتها بمقدار 278 مليون طن سنوياً بحلول عام 2030.
وبلغ إجمالي إنتاج “أرامكو” من المواد السائلة (نفط خام ومكثفات وغازات مسال) 10.6 مليون برميل يومياً عام 2025، مقابل 10.2 مليون برميل يومياً في 2024، بزيادة قدرها نحو أربعة في المئة.
كما حققت الشركة أرباحاً تشغيلية في قطاعي التنقيب والإنتاج بقيمة 731.8 مليار ريال سعودي عام 2025 (195.1 مليار دولار أميركي)، مقابل 801 مليار ريال سعودي (213.5 مليار دولار أميركي) عام 2024. وتُرجع “أرامكو” هذا التراجع في الأرباح إلى انخفاض أسعار النفط من متوسط 80.2 عام 2024 إلى متوسط 69.2 دولار للبرميل في 2025، لكنها قابلت ذلك بزيادة جزئية في الكميات المباعة من النفط الخام.
كما قدّمت الشركة، عبر حملاتها الإعلانية على “ميتا”، تقنية “التقاط الكربون وتخزينه” بوصفها أحد الحلول الرئيسة لخفض الانبعاثات، مرددةً في إعلاناتها بين عامي 2020 و2025 أن “خفض الانبعاثات يحتاج إلى حلول”.
وخلال مشاركته في مبادرة “مستقبل الاستثمار” عام 2023، أكد فهد الضبيب، نائب الرئيس للاستراتيجية وتحليل الأسواق في “أرامكو”، أهمية “تنظيم وتيرة التحول في قطاع الطاقة لتحقيق توازن واقعي بين خفض الانبعاثات والنمو الاقتصادي”، وفقاً للوصف المصاحب لفيديو روّجت له الشركة عبر إعلان ممول على منصة “فيسبوك” بين 27 تشرين الأول/أكتوبر و7 تشرين الثاني/نوفمبر 2023. وتضمن الفيديو إعلان فهد الضبيب أن “أرامكو” تعتزم إنشاء واحد من أكبر مراكز احتجاز الكربون واستخدامه وتخزينه في مدينة الجبيل، متوقعاً دخوله الخدمة عام 2027.
في المقابل، قلص تقرير “آفاق الطاقة العالمية 2025″، الصادر عن وكالة الطاقة الدولية في تشرين الثاني/نوفمبر 2025، تقدير فاعلية تقنية احتجاز الكربون واستخدامه وتخزينه في تحقيق صافي انبعاثات صفري؛ إذ لم تعد الوكالة تعزو إليها سوى نحو خمسة في المئة من إجمالي خفض الانبعاثات المطلوب عالمياً، مقارنة بنحو 13 في المئة في تقريرها الصادر عام 2021. ويعكس هذا التراجع، الذي تراكم على مدى خمسة أعوام، قناعة الوكالة بأن وتيرة نشر التقنية عالمياً جاءت أبطأ مما كان متوقعاً.
كما تشكك دراسات علمية حديثة في جدوى تقنيات احتجاز وتخزين الكربون؛ إذ تشير دراسة بعنوان “احتجاز الكربون وتخزينه: مراجعة قائمة على الأدلة تكشف محدودية التقنية وإخفاقها في الوفاء بوعودها”، نشرتها دورية Petroleum Research في تشرين الأول/أكتوبر 2025، إلى أنه على الرغم من استثمار أكثر من 40 مليار دولار عالمياً في تقنية التقاط وتخزين الكربون، فإن التقنية غير قادرة على احتجاز سوى أقل من 0.1 في المئة من الانبعاثات العالمية لثاني أكسيد الكربون السنوية؛ ما يثير تساؤلات جادة بشأن فعاليتها بوصفها “حلاً مناخياً”.
وبعد سلسلة من الإعلانات الممولة للترويج لهذه التقنية، وقّعت أرامكو في كانون الأول/ديسمبر 2024، على هامش منتدى مبادرة السعودية الخضراء بالرياض، الاتفاقية النهائية لمساهمي مركز الجبيل لاحتجاز وتخزين الكربون، بأكبر حصة ملكية بنسبة 60 في المئة، وتتقاسم شركتا “ليندي” و”إس إل بي” الأسهم الباقية مناصفة، على أن تنتهي المرحلة الأولى منه عام 2027.
ورغم مرور أكثر من عام على التوقيع، لا يزال المشروع يُوصف في تقرير الاستدامة لعام 2025 بـ”المشروع المُخطط له”، ولا تُشير أي من البيانات الرسمية أو الدعائية إلى اسم قانوني محدد للكيان، مكتفيةً بوصفه “مشروعاً مشتركاً” بين الأطراف الثلاثة.
وللتحقق من الكيان القانوني للمشروع، راجعنا القوائم المالية الموحدة لـ”أرامكو” لعام 2025، ولا سيما إيضاح “الاستثمارات في المشروعات المشتركة والشركات الزميلة”، الذي يُفترض، وفقاً لمعيار الإفصاح الدولي IFRS 12، أن يتضمن أسماء المشروعات المشتركة ذات الأهمية النسبية الجوهرية.
لكنّنا لم نعثر على أي ذكر صريح للمشروع أو ما يكشف عن اسمه القانوني. ومع أن المعيار يجيز تجميع المشروعات غير الجوهرية من دون الإفصاح عن أسمائها، يترك ذلك احتمالاً قائماً بأن استثمار “أرامكو” في المشروع لم يبلغ، حتى الآن، الحد الذي يوجب الإفصاح عنه بصورة منفصلة.
وتجدر الإشارة إلى أن توقيع اتفاقية مساهمين لا يُنشئ، في حد ذاته، استثماراً محاسبياً يظهر في القوائم المالية. فطالما لم يُتخذ “قرار الاستثمار النهائي” ولم يُضخ رأس المال، فلا تنشأ “حصة في منشأة أخرى” تستوجب الإفصاح عنها، وفقاً لمعيار الإفصاح الدولي IFRS 12.
ولم تكن المؤتمرات والإعلانات الممولة وحدها ساحة الخطاب المناخي لأرامكو. فبالتوازي معها، كانت الشركة تبني منصة أوسع جمهوراً وأقل عرضة للمساءلة: ملاعب العالم.
ففي نيسان/أبريل 2024، أعلن الاتحاد الدولي لكرة القدم أن “أرامكو” أصبحت “شريكاً عالمياً حصرياً للفيفا ضمن فئة الطاقة” حتى نهاية 2027، في صفقة لم يفصح أي من الطرفين عن قيمتها، تغطي مونديال 2026 وكأس العالم للسيدات 2027.
ولم يمر ذلك من دون اعتراض من داخل الملعب؛ ففي تشرين الأول/أكتوبر 2024، وقّعت أكثر من 100 لاعبة كرة قدم محترفة رسالة مفتوحة تطالب “فيفا” بإعادة النظر في الصفقة، مستندة إلى إسهام الشركة في أزمة المناخ، وإلى سجل حقوق الإنسان في السعودية.
أما الكلفة المناخية للرعاية نفسها، فقد تناولها تقرير “نقطة فيفا العمياء مناخياً”، الصادر في تموز/يوليو 2025 عن مؤسسة “Scientists for Global Responsibility” البريطانية، بالتعاون مع صندوق الدفاع البيئي الأميركي، وشبكة “Cool Down” الرياضية للعمل المناخي، ومعهد “New Weather”. ويقدّر التقرير أن مونديال 2026 هو الأكثر تلويثاً في تاريخ البطولة، بنحو 9.02 مليون طن من مكافئ ثاني أكسيد الكربون.
ولم تكن كرة القدم أول هذه الشراكات ولا آخرها. ففي العاشر من آذار/مارس 2020، وقّعت “أرامكو” شراكة عالمية طويلة الأمد مع “فورمولا 1”. وامتد الحضور إلى الكريكيت عام 2022؛ إذ دخلت الشركة في شراكة مع المجلس الدولي للكريكيت، جرى تمديدها أربع سنوات.
أما في الغولف، فقد حملت بطولات اسم الشركة؛ مثل “سلسلة أرامكو للفرق” و”أرامكو السعودية الدولية للسيدات”.
وبحسب مشروع “قبضة السعودية على الرياضة العالمية”، الصادر عن مؤسسة “Play the Game” الدنماركية في كانون الأول/ديسمبر 2024، تُعد “أرامكو” ثاني أكبر راعٍ رياضي سعودي، بـ71 رعاية موزعة على كرة القدم والغولف والكريكيت وغيرها، رغم وصفهم الشركة بأنها أكبر مساهم مؤسسي في انبعاثات غازات الاحتباس الحراري العالمية منذ عام 1965.
ويشير التقرير إلى أن هذا التوسع يقوده ياسر الرميان، رئيس مجلس إدارة أرامكو، ومحافظ صندوق الاستثمارات العامة (الصندوق السيادي السعودي)، ورئيس الاتحاد السعودي للغولف، ورئيس مجلس إدارة نادي نيوكاسل يونايتد الإنجليزي. وهو المسؤول ذاته الذي روّجت الشركة، عبر إعلان ممول على “ميتا”، لخطابه عن تقنيات إدارة الكربون في منتدى مبادرة السعودية الخضراء.
وخلف هذه الرعايات الـ71 تكمن مفارقة: لا يمكن لتلك الرعايات والحملات الدعائية أن تزيد مبيعات أرامكو من النفط الخام ومشتقاته (95.8 في المئة من إيراداتها)، فسقف إنتاجها تحدده وزارة الطاقة السعودية والتزامات “أوبك+”. فإذا لم يكن الهدف استقطاب مشترين جدد، فما الذي تسعى الشركة إلى شرائه بهذه الرعايات؟
وتُظهر بيانات مكتبة إعلانات “ميتا” أن عدداً من المنشورات الممولة تزامن مع فعاليات دولية مرتبطة بالعمل المناخي. فقد روّجت “أرامكو” للفيديو الذي يتحدث فيه فهد الضبيب عن مشروع مركز احتجاز الكربون واستخدامه وتخزينه في الجبيل خلال الأسابيع الأخيرة، التي سبقت انطلاق مؤتمر الأمم المتحدة لتغير المناخ (COP28) في دبي، الذي انعقد بين 30 تشرين الثاني/نوفمبر و12 كانون الأول/ديسمبر 2023.
وبحسب سجل الإعلانات، أزالت ميتا الإعلان لاحقاً بعد أن صنفت مضمونه ضمن فئة “الإعلانات المتعلقة بالقضايا الاجتماعية أو الانتخابات أو السياسة”، وهي فئة تُلزم المعلنين بالإفصاح بوضوح عن الجهة الممولة للإعلان، وهو ما لم يتوفر في الإعلان المنشور من “أرامكو”.

وبالبحث في مكتبة بيانات ميتا في تلك الفترة، نجد إعلاناً آخر لأرامكو بعنوان: “كيف يُسهم مجمع مصفاة جازان في بناء منظومة طاقة أكثر ذكاءً وأقل انبعاثاً للكربون؟”. نُشر الإعلان في 30 تشرين الثاني/نوفمبر 2023، أي يوم انعقاد قمة المناخ، وشاهده أكثر من 30 ألفاً قبل أن تحذفه ميتا.
وذكر تقرير لمؤسسة “كربون كوبي” أن شركات النفط العملاقة دفعت في إعلانات ممولة على “ميتا” نحو خمسة ملايين دولار، لنشر معلومات مناخية مضللة قبل قمة المناخ التي عقدت في دبي عام 2023.
كما نشرت “أرامكو” إعلاناً ثالثاً في 4 كانون الأول/ديسمبر 2023، بعد يومين من إعلان توقيعها “ميثاق إزالة الكربون لقطاع النفط والغاز”. ويتضمن المنشور الممول مقطع فيديو يتحدث فيه ياسر الرميان، رئيس مجلس إدارة أرامكو، خلال منتدى مبادرة السعودية الخضراء، عن استثمارات الشركة في تقنيات إدارة الكربون، إلى جانب تقنيات احتجاز الكربون وتخزينه.
وجاء الترويج لخطاب الشركة عن “التوازن الواقعي بين خفض الانبعاثات والنمو الاقتصادي”، قبل مشاركة أرامكو، إلى جانب شركة إكسون موبيل الأميركية، في قيادة “ميثاق إزالة الكربون لقطاع النفط والغاز” الذي وقعته نحو 50 شركة نفط وغاز خلال القمة، تعهدت بموجبه بإزالة الكربون من العمليات التشغيلية، مع تأكيد استمرار تلبية الطلب على الطاقة، من دون التزام معلن بخفض إنتاج النفط والغاز.

وصف ديفيد تونج، مدير الحملات الصناعية العالمية في منظمة “Oil Change International” -وهي منظمة مقرها العاصمة واشنطن متخصصة في كشف التكاليف الحقيقية للوقود الأحفوري، والدفع نحو التحول للطاقة النظيفة- الميثاق بأنه “حصان طروادة” شركات النفط والغاز الكبرى لغسل سمعتهم البيئية؛ بما يحتويه من وعود فضفاضة، والتزامات مُعاد تدويرها. إلى جانب أن الميثاق لا يتناول سوى الانبعاثات التشغيلية، في حين يتجاهل ما بين 80 و90 في المئة من التلوث المناخي الذي تسببه شركات إنتاج النفط والغاز، الناجم عن حرق النفط والغاز الذي تنتجه.
ولم يقتصر الأمر على الترويج لخفض الانبعاثات الكربونية؛ إذ نشرت “أرامكو”، بالتزامن مع انعقاد مؤتمر الأمم المتحدة لتغير المناخ (COP28) في دبي نهاية عام 2023، إعلاناً ممولاً على “ميتا” تعهدت فيه بالوصول إلى “صفر حرق روتيني للغاز” في أقرب وقت ممكن. لكن “ميتا” أزالت الإعلان بعد يوم واحد فقط من نشره، للأسباب نفسها التي أزالت من أجلها الإعلان السابق.
رغم ما تزعمه أرامكو من نوايا خفض حرق الغاز، يُظهر تقرير الاستدامة لعام 2025 ارتفاع حجم الغاز المحروق من 27.5 مليار قدم مكعب قياسي في 2023 إلى 32.5 مليار في 2025، بزيادة قدرها 18 في المئة. كما ارتفعت كثافة الحرق من 5.64 قدم مكعب قياسي لكل برميل مكافئ نفطي في عام 2023 إلى 6.65 في عام 2025.
وتأتي السعودية ضمن أكثر الدول التي شهدت حرقاً للغاز في 2025، بإجمالي 2.4 مليار متر مكعب من الغاز المحروق، وفق بيانات البنك الدولي.
وسبق أن أعلنت كل من الحكومة السعودية وأرامكو عن دعمهما لمبادرة البنك الدولي التي أطلقها عام 2015، للوصول إلى وقف حرق غاز روتيني بحلول عام 2030، لما يسببه حرق الغاز من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون، وإطلاق الكربون الأسود، وغيرها من الملوثات التي تؤدي إلى تسارع وتيرة تغير المناخ.
تواصلنا مع “أرامكو” للرد على ارتفاع نسب انبعاثاتها الكربونية، وزيادة معدلات حرق الغاز الروتيني، لكنّنا لم نتلقَّ رداً حتى تاريخ نشر التحقيق.
حتى تموز/يوليو 2026، الشهر الذي أسدل فيه الستار على المونديال، واصلت أرامكو الترويج لرسائلها المناخية على منصّة “ميتا” عبر إعلانات ممولة عن دعم التنوع الحيوي والحياة البرية في المملكة (السعودية)، ورعايتها لجائزة أفضل لاعب شاب في كأس العالم، إلى جانب إلهام الجيل القادم من المهندسين عبر ربط طلاب STEM بمهندسي فريق أستون مارتن أرامكو للفورمولا1.
وفي الوقت نفسه، تُعلن أرامكو، عبر موقعها الإلكتروني، أن: “خفض كثافة الكربون في المراحل الأولية من سلسلة التوريد يبدأ بطرح الأسئلة الصحيحة”.
غير أن الأسئلة الصحيحة لا تحتاج إلى إعلان ممول كي تُطرح، وإجاباتها لا تُقرأ على اللوحات المحيطة بالملعب، بل في تقارير الشركة نفسها: كثافة كربونية ارتفعت من 9.1 إلى 10 كيلوغرامات لكل برميل بين عامي 2018 و2025، رغم تعهد الشركة بخفضها إلى 8.6 كيلوغرام بحلول عام 2030؛ وانبعاثات مطلقة بلغت 1786 مليون طن من مكافئ ثاني أكسيد الكربون، تضعها في صدارة الشركات عالمياً، وتمثل 4.28 في المئة من إجمالي الانبعاثات العالمية.
بالإضافة إلى غاز محروق ارتفع بنسبة 18 في المئة خلال عامين ليبلغ 32.5 مليار قدم مكعب قياسي؛ ومشروع لاحتجاز الكربون في الجبيل، بعد أكثر من عام على توقيع اتفاقية مساهميه، لا يزال يُوصف في تقرير الشركة نفسه بأنه “مشروع مخطط له”.
تنتهي شراكة “أرامكو” مع “فيفا” بنهاية عام 2027، كما ينتهي في العام نفسه عقدها مع المجلس الدولي للكريكيت. ويمتد عقد رعايتها لـ”أستون مارتن” حتى عام 2028، فيما تستمر شراكتها مع “فورمولا 1” حتى عام 2030، وهو الموعد الذي تعهدت فيه بخفض كثافتها الكربونية إلى 8.6 كيلو غرام لكل برميل. وحتى ذلك الحين، تبقى المسافة بين التعهد والواقع محاطة بأسئلة لم تجد إجاباتها بعد.
أُنتج هذا التحقيق بالشراكة بين أريج ومواطن