نور مصطفى18 أغسطس 2026مصر — الصعيد والمحافظات الحدودية
تم إنشاء الصورة باستخدام الذكاء الاصطناعي
160+امرأة وفتاة على الأقل في الوقائع الموثقة بهذا التحقيق
50+سيدة من عائلة واحدة اقتيدت في واقعة البلينا بسوهاج، 2025
30+عامًا من تكرار الممارسة نفسها، من 1995 إلى 2025
يكشف التحقيق عن نمط متكرر تنتهجه بعض الأجهزة الأمنية في مصر، يتمثل في اقتحام بيوت المطلوبين أمنياً واحتجاز نسائهم كرهائن للضغط عليهم لتسليم أنفسهم، في مخالفة لمبدأ «شخصية العقوبة» الذي يكفله الدستور المصري، وغياب أي أثر رسمي أو محضر يوثق احتجازهن.
في ظهيرة يوم حار من أيام تموز/يوليو 2024، كان المنزل يعيش ساعات انقطاع الكهرباء المعتادة ضمن خطة تخفيف الأحمال، وهدوءاً لم يقطعه سوى محاولات أفراد الأسرة مقاومة الحر، الذي بدا أشد وطأة على الأطفال.
وخلال لحظات، دوّت أصوات سيارات ومدرعات الشرطة، التي توقفت أمام المنزل، الواقع في أحد النجوع التابعة لمركز الأقصر، جنوب مصر. اقتحمت قوات الأمن، يتقدمها عدد من الضباط، المنزل وعدداً من المنازل المجاورة؛ وسط ذعر الأهالي.
“صرخنا لأنهم طلعونا بلبس البيت.. وإحنا مالناش ذنب”. تتذكر المشهد “نجاة علي”، التي اقتيدت إلى عربة الترحيلات، لتجد بداخلها ثلاث نساء أخريات كانت القوة قد أخذتهن من منازل مجاورة.
تركت نجاة خلفها باباً مفتوحاً وثلاثة أطفال، فيما ظلت ابنتها الكبرى، تلميذة الصف الخامس الابتدائي، تتابع اقتياد أمها، وهو المشهد الذي لم يفارقها بعد ذلك، فأمضت بسببه الأشهر الستة التالية تعاني نوبات إغماء متكررة، في المدرسة كما في البيت، بحسب شهادة الأم.
لم تكن نجاة متهمة في أي قضية، وإنما اقتادتها الشرطة بسبب صلة قرابة تجمع عائلة زوجها بأحد المطلوبين على ذمة قضية جنائية، للضغط عليه ودفعه إلى تسليم نفسه.
ما تعرضت له “نجاة علي” لم يكن حالة فردية؛ فعدة شهادات جمعتها معدّة التحقيق من محافظات الصعيد والمحافظات الحدودية في مصر، خلال السنوات الخمس الماضية، تكشف نمطاً يتكرر بالكيفية نفسها: نساء، وأمهات وزوجات وأخوات وقريبات -ما لا يقل عن 160 امرأة وفتاة في الوقائع الموثقة في هذا التحقيق- تقتادهن قوات الأمن من بيوتهن، لا لاتهامات موجهة إليهن أو جرائم ارتكبنها، بل للضغط على أقاربهن المطلوبين أمنياً لإجبارهم على تسليم أنفسهم.
وفي كل شهادة تقريباً، تتحول صلة القرابة وحدها إلى سبب للاحتجاز، وتُستخدم المرأة وسيلة ضغط على ذويها، في ممارسة تخالف مبدأ “شخصية العقوبة” الذي يكفله الدستور والقانون المصري، ويقصر المسؤولية الجنائية على المتهم وحده.
“العقوبة شخصية، ولا جريمة ولا عقوبة إلا بناء على قانون، ولا توقع عقوبة إلا بحكم قضائي، ولا عقاب إلا على الأفعال اللاحقة لتاريخ نفاذ القانون”.
المادة (95) من الدستور المصري
الدستور المصري: الباب الرابع؛ سيادة القانون
قبل عدة أيام من ذلك الاقتحام، شهد النجع مشادة على ملكية أرض زراعية تطورت حتى انتهت بمقتل شخصين وإصابة آخرين، فرّ المتهم الرئيسي، على إثر على ذلك، من منزله ليصبح مطلوباً على ذمة القضية، التي تتحفظ معدّة التحقيق على ذكر بياناتها حماية للشهود.
ومع تعذر الوصول إليه، بدأت الشرطة تتردد على النجع، لكن حملاتها لم تكن تستهدف مخبأ الفارّ بل بيوت أقاربه، وتحديداً النساء. ففي الحملة الأولى، ألقت القوات القبض على والدة المتهم، على أمل أن يدفعه احتجازها إلى الخروج من مخبئه وتسليم نفسه، غير أن ذلك لم يحدث.
فكانت الحملة الثانية، التي وسعت دائرة الاحتجاز إلى قريبات أبعد صلة، وكانت “نجاة علي” واحدة منهن.
في شهادتها، تستعيد نجاة ما جرى لبيتها قبل أن تُقتاد منه؛ فالقوة التي اقتحمت المنزل لم تكتفِ بالبحث عن المطلوب الغائب، إنما طال التفتيش ما بنته الأسرة بيدها: “الحوش كسروه… قعدوا يهدوا في الحاجات اللي بانينها إحنا بالطين ويفتشوا هنا ويفتشوا هنا”.
وحين تحاول نجاة تفسير ما حدث لها، لا تتوقف كثيراً عند تفاصيل الجريمة التي لا تعرف عنها شيئاً، بقدر ما تتوقف عند موقعها هي من المعادلة؛ امرأة تُؤخذ من بيتها لا لشيء فعلته، لكن بسبب قرابة زوجها بالمتهم المطلوب، وتختصر ذلك بقولها: “ربنا أعلم بمين قتل ومين اتقتل، بس الحكومة كانت تييجي كل شوية تاخد حريم… والحريم يعني لو راحت ولا جت ملهاش دخل”.
أما ابنتها الكبرى، التي فتحت الباب للقوة الأمنية بعدما هدّدوا بكسره، فلم تنتهِ محنتها بانتهاء ساعات الاحتجاز؛ إذ ظلت تعاني إغماء متكرراً لعدة أشهر بالمدرسة. وبعد إجراءات وفحوصات طبية كثيرة، استقر الأطباء على أن ما تعانيه البنت يعود لصدمة نفسية بسبب ما عايشته من مشاهد الاقتحام، حتى أنها تصحو من نومها باكية وتصرخ: “الحقيني يا أمي”.
“نجاة” تتحدث عن معاناة ابنتها بعد ترهيب الشرطة لها أثناء واقعة اقتحام المنزل
لم تكن نجاة وحدها في عربة الترحيلات؛ فبين النساء الثلاث اللاتي سبقنها كانت “أمينة محمود”، التي جاءت شهادتها لتُطابق رواية نجاة في جوهر ما جرى.
غير أن ما ترويه أمينة يمضي أبعد من الاقتياد؛ فقد سبقه اعتداء بالضرب طالها هي وزوجها على يد الضباط، وهم يلحون في السؤال عن مكان المطلوبين: “ضربونا أنا وجوزي، موتونا من الضرب”.
ولم ينجُ الأطفال مما جرى؛ فرضيعتها اقتيدت معها إلى العربة قبل أن تُنتزع منها وهي تبكي. أما كبرى بناتها فلاحقتها قوة أمنية وهي تحاول الهرب وسط الحقول، خوفاً مما رأت.
وتؤكد أمينة أن ما جرى في بيتها يتكرر مع كل حادثة بالنجع، تستدعي قدوم الشرطة، حيث تُقتاد نساء للضغط على المطلوبين من الرجال لتسليم أنفسهم.
أمينة: “الشرطة وصلت بأكثر من 20 مدرعة لاحتجازي”.
“الحرية الشخصية حق طبيعي، وهي مصونة لا تُمس، وفيما عدا حالة التلبس، لا يجوز القبض على أحد، أو تفتيشه، أو حبسه، أو تقييد حريته بأي قيد إلا بأمر قضائي مسبب يستلزمه التحقيق”.
المادة (54) من الدستور المصري
الدستور المصري: الباب الثالث؛ الحقوق والحريات والواجبات العامة
أمينة ونجاة، كانتا الأوفر حظاً من رفيقات لهما في عربة الترحيلات؛ فقبل دخولهما مركز الشرطة، تحركت وساطات وجهاء النجع وكبار عائلاته، فأُفرج عنهما ونجتا مما لم تسلم منه أخريات؛ وفي مقدمتهن والدة أحد المطلوبين، التي تروي لنا تفاصيل أخرى.
حين داهمت القوات النجع خلال حملتها الأولى؛ لم يكن المتهم المطلوب في بيته. ومع ذلك، خرجت الحملة لهدف آخر؛ للقبض على نساء بيته، للضغط عليه لتسليم نفسه. وهكذا اقتيدت والدة المتهم، صابرة عبد الرازق، من دارها: “هدوا البيوت… وخدونا إحنا الولايا”. وتضيف أن الطريق إلى القسم لم تكن أهون من الاقتحام على امرأة مسنة تغادر بيتها قسراً لأول مرة في حياتها: “ما كناش عارفين راسنا من رجلينا.. أول مرة نطلع من بيوتنا”.
خلف بوابة قسم الشرطة، وضعت صابرة في غرفة تكتظ بنساء مثلها، حيث أمضت أربعة أيام من دون أن يوجه إليها أي اتهام، أو تعرض على نيابة، أو تسأل عن فعل نُسب إليها. وبحسب شهادتها؛ كان لمحتجزيها سؤال واحد يعاد عليها كل مرة: “أين ابنك؟”، وقيل لها بلا مواربة إن الإفراج عنها مُعلق على تسليمه نفسه.
في اليوم الرابع، لم يستطع زوجها المسن تحمل احتجازها، وعلى الرغم أنه ليس المطلوب تحديداً؛ سلم نفسه وأُفرج عنها.
غير أن وجود الأب في القبضة لم يغنِ شيئاً؛ فالمطلوب لم يسلم نفسه، والضغط برجل، حتى وإن كان والده، ليس كالضغط بنسائه، فجاءت حملة جديدة تعيد المشهد من أوله.
اقتيدت صابرة إلى قسم الشرطة مرة أخرى، ومعها هذه المرة زوجة ابنها المطلوب، ليبقى السؤال كما هو: “أين ابنك؟، أين زوجك؟”.
ظلت صابرة داخل القسم هذه المرة أسبوعاً كاملاً؛ كان طعام المحتجزات وشرابهن يصلان المُحتجزات من أهل النجع وعمدته، لا من الجهة التي تحتجزهن. وفي نهاية المطاف انتهت القصة كما بدأت؛ لا بقرار نيابة ولا بانتهاء تحقيق لم يبدأ أصلاً بشكل قانوني، بل بتدخل وسطاء: “الناس اتدخلت وقالوا كفاية، طلعوا الولايا”.
صابرة: “هدوا البيوت وخدوني”.
“يجب على مأمور الضبط القضائي أن يسمع فوراً أقوال المتهم المضبوط، وإذا لم يأتِ بما يبرئه، يرسله في مدى أربع وعشرين ساعة إلى النيابة العامة المختصة. ويجب على النيابة العامة أن تستجوبه في ظرف أربع وعشرين ساعة، ثم تأمر بالقبض عليه أو بإطلاق سراحه”.
قانون الإجراءات الجنائية رقم 150 لسنة 1950
قانون الإجراءات الجنائية: الباب الثاني، الفصل الثالث (في القبض على المتهم)
ما جرى لنساء هذا النجع، لا أثر له في أي سجل رسمي؛ فالقضية التي اقتيدت النساء على خلفيتها لا يحمل أي من محاضرها اسم امرأة واحدة وجه إليها اتهام أو أحيلت على النيابة، ولم يُحرر لأي من المقتادات محضر يثبت يوماً واحداً من احتجازهن، ولا يثبته سوى ما اعتمده هذا التحقيق: شهادات مستقلة، جمعت كل واحدة على حدة، وتطابقت في وقائعها الجوهرية.
على بعد عشرات الكيلومترات، ومن محافظة إلى أخرى، وتحديداً في قرية تابعة لأحد مراكز قنا، يمسك بطرف الحكاية هذه المرة رجل لا امرأة؛ “همام عبد العاطي” فعل ما فعله زوج صابرة، حين وضع نفسه في قبضة الشرطة كي يصرفها عن نسائه، لكنّ ضابطاً هذه المرة لم يقبل به بديلاً وحيداً.
بدأت الوقائع يوم الجريمة نفسه من عام 2022؛ حين قُتل رجل من عائلة أخرى اتهم فيه اثنان من أشقاء همام، فداهمت بيتهم قوة أمنية. يقول همام إن القوة الأمنية ضمت رئيس المباحث ومعاونه، بالإضافة إلى ثلاث أو أربع عربات شرطة، فلم تجد المتهمين الفارين؛ إنما وجدت همام وشقيقتيه، فلم يفعل ما قد يفعله غيره، وفق حديثه: “وقفت ومرضيتش أهرب… الظابط مكانش عاوز يستكفي بيا”. وضعوه بالبوكس (عربة شرطة) أولاً، ثم صدر الأمر، من أعلى الضباط رتبة كما يقول، بوضع شقيقتيه معه.
في المركز، احتُجزت الشقيقتان في غرفة منفصلة مع امرأتين من قرى مجاورة، حتى خرجن اليوم التالي بوساطة العمدة. أما همام فظل أربعة أيام عُرض خلالها على النيابة باتهام انتهى ببراءته؛ فالشاب الذي لم يهرب، صار له في “دفاتر الدولة” قيد وتهمة وجلسة وحكم، أما شقيقتاه فليس لهما في تلك السجلات حرف واحد، كأن ليلتهما خلف جدران المركز لم تحدث.
همام: “المفروض مايخدوش الحريم (النساء) طالما فيه راجل هيروح معاهم”.
ما يرويه همام، سبق أن تفجر في محافظة قنا نفسها علناً وعلى الملأ؛ ففي آب/أغسطس 2017 انتشر فيديو لمشادة على باب مركز شرطة فرشوط، بين عضو مجلس النواب حينها حمزة أبو سحلي ومسؤولين أمنيين، قالت الرواية الأمنية وقتها إن الخلاف بشأن امرأتين متهمتين محرر ضدهما محضر.
فيما روى النائب في مداخلة تلفزيونية، أنه توجه إلى المركز بعد استغاثة بالقبض على امرأتين من بلدته دون “وجه حق”، على خلفية خصومة بين عائلتين. ليجد النائب إحداهما مغشياً عليها في حالة إعياء شديد، وقد أصيب ابنها بطلق ناري قبل ساعات.
طلب النائب نقلها إلى المستشفى فقوبل طلبه بالرفض، فعرض نقلها بسيارته الخاصة على مسؤوليته، لينتهي الأمر بمواجهة مع مساعد مدير الأمن؛ مُنع فيها النائب نفسه من مغادرة المركز بعض الوقت، ولم ينهِ الموقف سوى اتصالات بمدير الأمن والمحافظ ومساعد وزير الداخلية.
برر النائب موقفه وقتها بأن تقاليد الصعيد ترفض احتجاز النساء من دون مبرر قانوني. وبعد سنوات من الواقعة، يشرح لمعدّة التحقيق الآلية ذاتها بوصفها ممارسة مستقرة في التعامل الأمني مع المطلوبين: “لما بياخدوا مراته ولا أخته ولا بنته وهو هارب وعليه قضايا وعليه أحكام، بيكون غصب عنه من الناحية الصعيدية… وبيضطر إلى تسليم نفسه”.
ومن قنا إلى محافظة سوهاج، تكشف الممارسة عن وجهها الأوسع؛ ففي أيلول/سبتمبر 2025، وعلى خلفية مقتل رجل في خصومة بين عائلتين بقرية الحلافي التابعة لمركز البلينا، لم تطرق قوات الأمن باب بيت واحد، إنما داهمت منازل عائلة المتهم كلها، واقتادت العشرات من نسائها وفتياتها إلى مركز الشرطة؛ وهي الوقائع التي لم تعد هذه المرة حبيسة شهادات الأهالي وحدهم، فقد وثقتها “الشبكة المصرية لحقوق الإنسان” في بيان وصف ما جرى بـ”العقاب الجماعي”، وطالب بالإفراج الفوري عن المحتجزات ووقف الممارسات الانتقامية.
من داخل العائلة، يروي “طه” ما جرى بلسان من عاش لحظة انفلات كل شيء؛ شارع تشتبك فيه العائلتان، وقوات تداهم المكان فلا تجد المتهم، فتلقي القبض على مَن تجد من عائلته. يقول طه إن أكثر من 50 امرأة من نساء العائلة، احتُجزن: “أيوه حصل… حصل فعلًا”.
وبسؤاله عن التهم الموجهة إليهن، يضيف: “لا والله مفيش تهم ولا أي حاجة، بس عشان تخلص المشكلة”.
وتعزز هذه الشهادة صورة من شكوى -حصلت معدّة التحقيق على نسختها- تحمل أسماء النساء والأطفال المحتجزين في الواقعة داخل المركز.

طه: احتجازهن كان بغرض “إنهاء المشكلة”.
“لكل من علم بوجود محبوس بصفة غير قانونية، أو في محل غير مخصص للحبس، أن يخطر أحد أعضاء النيابة العامة، وعليه بمجرد علمه أن ينتقل فوراً إلى المحل الموجود به المحبوس وأن يقوم بإجراء التحقيق، وأن يأمر بالإفراج عن المحبوس بصفة غير قانونية، وعليه أن يحرر محضراً بذلك”.
المادة (43) من قانون الإجراءات الجنائية رقم 150 لسنة 1950
قانون الإجراءات الجنائية: الباب الثاني، الفضل الثالث (في القبض على المتهم)
ومن أقصى جنوب مصر إلى شمالها الغربي، نجد الممارسة نفسها في مجتمع القبائل؛ ففي قرية النجيلة بمحافظة مطروح، وفي الأسبوع الثاني من نيسان/أبريل 2025، نصبت قوات الأمن كميناً للقبض على متهم بالاتجار في المخدرات يدعى فايز عميرة.
لكنّ الكمين انتهى بمقتل ثلاثة من أفراد القوة وفرار المتهم وابن عمه، فجاء الرد على من لم يفروا ولم يُتهموا؛ حملة داهمت البيوت واحتجزت 24 امرأة، بينهن زوجة حميد، داخل قسم شرطة النجيلة بلا سند قانوني.

وبعد يوم من الاحتجاز، اتفق ضباط القسم والعمدة، حمد بولقرع، على الإفراج عن النساء مقابل تسليم شابين من عائلة المتهم، بينهما أخوه غير الشقيق يوسف عيد فضل السرحاني. فسلمهما عمدة النجيلة بنفسه، حمد بولقرع، إلى ضابط الأمن الوطني وأُفرج عن النساء، وبعد ساعات قليلة عُثر على السرحاني ورفيقه فرج رياش الفزاري مقتولين في منطقة صحراوية، فيما أعلنت وزارة الداخلية أنهما قُتلا في “تبادل لإطلاق النار”، وأنكرت احتجاز النساء من الأساس، وهي الواقعة التي وثقتها المبادرة المصرية للحقوق الشخصية في بيان علني.مطروح74 سيدة محتجزةسيناء32 سيدة محتجزةالصعيد60 سيدة محتجزةأعداد النساء اللاتي احتُجزن في ثلاثة أقاليم مصرية. المصدر: بيانات جمعها فريق التحقيق.
يقول نقيب محامي مطروح السابق، ممدوح الدربالي، إن أخذ النساء رهائن بلا سند أمر شائع في المحافظة، عاصر منه بنفسه ثلاث وقائع مشابهة؛ أقساها حين اقتادت الشرطة 50 امرأة من إحدى قبائل مطروح لعجزها عن ضبط مطلوبين منها.
يضيف أن الأهالي استنجدوا به، فذهب إلى القسم ليجد النساء يفترشن الأرض، ولم يُفرج عن الخمسين يومها إلا بعد تدخل نائب برلماني عن الحزب الوطني المنحل قبل ثورة يناير 2011.
وفي واقعة النجيلة، كتب الدربالي رسالة مباشرة إلى وزير الداخلية، نشرها عبر صفحته الشخصية على موقع التواصل الاجتماعي فيس بوك، بحسب روايته، فيما أصدرت نقابة المحامين بمطروح بياناً -حصلت معدّة التحقيق على نسخته- أكدت فيه أن الشرطة احتجزت نساء لا صلة لهن بواقعة القتل من دون وجه حق، وبالمخالفة للقانون. وأكد البيان أن اقتحام بيوتهن انتهك المادة 58 من الدستور، التي تحظر دخول المنازل أو تفتيشها إلا بأمر قضائي. ويختصر الدربالي توصيفه لما جرى في كلمتين: “شغل عصابات”.
لفتت النقابة إلى أن المادة 280 من قانون العقوبات المصري رقم 58 لسنة 1937، ينص على معاقبة كل من قبض على أي شخص أو حبسه أو حجزه من دون أمر أحد الحكام المختصين بذلك، وفي غير الأحوال التي تصرح فيها القوانين واللوائح بالقبض على ذوي الشبهة يعاقب بالحبس أو بغرامة لا تتجاوز مئتي جنيه مصري.
المادة (280) من قانون العقوبات المصري رقم 58 لسنة 1937
ومن شمال مصر الغربي إلى شمالها الشرقي تتسع الرقعة؛ ففي سيناء، وثق تقرير نشره موقع الجزيرة نت احتجاز 32 امرأة وفتاة من قبيلة الفواخرية؛ إحدى أكبر قبائل شمال سيناء والعريش، بلا سند قانوني، بعد عجز الشرطة عن القبض على اثنين من المطلوبين أمنياً، فأُخذت النساء لإجبار الرجلين على تسليم نفسيهما.
المسار القانوني لمواجهة هذا الاحتجاز موجود نظرياً، ويرسمه محامٍ، فضّل عدم ذكر اسمه، بخطوات محفوظة من التكرار؛ “فاكس” عاجل إلى وزير الداخلية والنائب العام يثبت أن المرأة بحوزة الشرطة بيومها وساعتها، حتى يتفادى تحرير محضر لاحق بتاريخ أو رواية مغايرة، فإن لم تفلح المساعي الودية مع المباحث، فمحضر في النيابة يحاصر الجهة المحتجزة بسؤال بلا مخرج: إن كن شاهدات فليطلق سراحهن، وإن كن متهمات فلماذا لم يعرضن على النيابة خلال أربع وعشرين ساعة كما يوجب القانون؟.
وبحسب المحامي، فإن الأهالي نادراً ما يسلكون هذا المسار، لأن الضغط القانوني على رجل الأمن قد يدفعه إلى حماية نفسه بتوريط المحتجزات أنفسهن: “يضعهن في محضر ويتنصل قائلاً إنهن مجرمات، وعليك أنت أن تثبت براءتهن”.
في مواجهة إثبات غير متكافئة أصلاً؛ كلام الضابط فيها مصدق لأنه رجل سلطة، وكلامك مرسل ما لم يسنده دليل؛ وهكذا تصبح الشكوى نفسها هي الخطر: قد تنقلب المرأة المحتجزة بلا تهمة إلى متهمة بمحضر ملفق، فيختار الأهالي الصمت، وفق المحامي.
وتؤكد المحامية بالنقض والإدارية العليا، إسراء سلامة، أن احتجاز النساء بلا سند قانوني مخالف للدستور المصري الصادر عام 2014، ولقانون العقوبات؛ فالإجراءات الجنائية لا تُطبق إلا على مرتكب الجناية وحده، لا على أقاربه أو أهله.
ولا تتحدث إسراء عن النصوص وحدها؛ فبين يديها حالات لنساء احتُجزن على هذا النحو، غير أن أغلبهن، كما تقول، يقررن عدم المطالبة بحقوقهن أو حتى إثبات ما جرى لهن: “للأسف أغلبهم بتخاف تطالب بحقها، خشية من الضباط أو الأمناء يستقصدوهم أو يأذوا أهلهم”.
وتروي محامية من صعيد مصر، فضّلت عدم ذكر اسمها، أنها دخلت بنفسها وسيطة بأحد أقسام الشرطة بقنا لإخراج محتجزات، عارضةً على الضباط معادلة صارت مألوفة: “بنجيب المتهم وبنخرج الست”، غير أن تكرار الممارسة ولّد أثراً معاكساً؛ فمن المطلوبين -كما تقول- من لم يعد يسلم نفسه حين يُلقى القبض على نسائه، بل يترك الأمر يمضي قائلاً: “خليها ياخدوها”، لعلمه أنها لم ترتكب جرماً وأنها “ستقضي يومين في المركز” ثم تعود، فتدفع المرأة ثمن الاحتجاز وحدها.
ما وثقه هذا التحقيق من شهادات ليس بداية القصة؛ فقبل ثلاثين عاماً وثقت منظمة هيومن رايتس ووتش الممارسة ذاتها في تقرير صدر في كانون الثاني/يناير 1995، بعنوان “مصر: أخذ الرهائن والترهيب على يد قوات الأمن”، جمع حالات تعود إلى عام 1990، بينها امرأة خمسينية احتجزت ستة أيام في قسم شرطة بالمنيا لأن ابنها مطلوب، ولخصت وضعها للمنظمة بكلمتين: “كنت رهينة”.
ووثق التقرير ما لا يقل عن 250 رهينة أخذوا في شهر واحد من عام 1992 بمحيط مدينة قنا وقراها، و70 شكوى احتجاز قُدمت للنائب العام بالمحافظة نفسها خلال شهرين فقط. من بين الحالات التي وثفها التقرير؛ امرأة سبعينية مريضة احتُجزت مرتين لإجبار ابنها الفار على تسليم نفسه، بالإضافة إلى أربعين محتجزاً من قرية واحدة. كما وثق التقرير حالات هدم بيوت طينية، وتدخلات أهلية أفضت إلى الإفراج عن المحتجزين.
كما كشف التقرير أن هذه الاحتجازات كلها كانت تجري بلا قيد في أي سجل رسمي، ولا إقرار من جهاز الشرطة بوجود المحتجزين أصلاً، حتى إن أمن الدولة أقر يومها لمحامي دفاع بأن شرط الإفراج عن موكليه المحتجزين هو تسليم شقيقهما المطلوب نفسه.
وخلص التقرير إلى أن اتساع هذه الممارسة في قرى الصعيد، يدل على أنها صارت ممنهجة، إن لم تكن بتوجيهات من مستوى رفيع داخل الجهاز الأمني.
وبعد ثلاثة عقود، عادت منظمة هيومن رايتس ووتش لتوثق الممارسة ذاتها، في تقرير أصدرته في أيار/مايو 2025، عن واقعة النجيلة بمطروح، مؤكدة احتجاز ما بين 20 إلى 24 امرأة وفتاة لإجبار أقارب على تسليم أنفسهم، كما وثقت إنكار وزارة الداخلية للاحتجاز رغم تعدد مصادره.
وبين التقريرين، يظهر تحول لافت في هذا النهج؛ فرهائن التسعينيات كانوا في أغلبهم أقارب مطلوبين في قضايا العنف السياسي، أيام المواجهة المسلحة بين الدولة والجماعات الإسلامية، وتحت غطاء حالة طوارئ ممتدة. أما رهائن اليوم، فيُلقى القبض عليهم في قضايا جنائية عادية؛ ثأر وخلاف على أرض، وجرائم قتل فردية ومخدرات.
ولا يقف التجريم عند حدود القانون المصري؛ فمصر طرف في العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، الذي تحظر المادة 9 (1) منه الاعتقال التعسفي وتحظر المادة 17 (1) التدخل التعسفي في شؤون الأسرة. وصدقت مصر عام 1990 على اتفاقية حقوق الطفل التي لا تجيز مادتها 37 (ب) احتجاز طفل إلا كملاذ أخير ولأقصر فترة مناسبة، وهي النصوص ذاتها التي استندت إليها هيومن رايتس ووتش في توصيف هذه الممارسة منذ 1995، مؤكدة أن حالة الطوارئ نفسها لا يمكن أن تبرر اعتقال أي شخص لمجرد صلته العائلية بمطلوب أمني.
في النهاية، لا تزال النساء هي الحلقة الأضعف خاصة في المجتمعات القبلية والعائلية، ويُستخدمن أداة للضغط على المطلوبين أمنياً، من دون سند قانوني، بالمخالفة لكل القوانين والأعراف والدستور المصري.
أنتج هذا التحقيق بدعم من أريج.
* تم تغيير بعض تفاصيل الأحداث لحماية الشهود
* أغلب الأسماء الواردة في شهادات التحقيق مستعارة