عصرنا الذهبي!

2016/06/22
التاريخ : 22/06/2016

نيوأورلينز/ الولايات المتحدة احتفى المشاركون في أهم مؤتمر لصحافة المساءلة والعمق بـ”عام الصحافة الاستقصائية الذهبي” بلا منازع. 1850 إعلاميا وإعلامية من مختلف بقاع الأرض، قدحوا هنا، قبل أيام، شعلة المواجهة ضد الفساد واستغلال السلطة، في اصطفاف نادر لفرسان السلطة الرابعة.
ثلاث محطات فاصلة على سكّة ثورة الاستقصاء الدولي ساهمت هذا العام في تغيير مزاج الصحفيين الاستقصائيين وتوسيع نطاق تأثيرهم. باتوا الآن على قناعة بأن في اتحادهم قوة. إنجازاتهم وجهودهم المضنية عزّزت ثقتهم بمهنتهم وقدرتها على كشف قضايا تهم الرأي العام، وتوثيق الحقائق ذات الصلة، وكشف ضحايا هذه الممارسات، ثم مواجهة المتسببين من باب تفعيل دور الإعلام في المساءلة وحفز الحاكمية الرشيدة والشفافية. كما أظهرت قوة التكنولوجيا وصحافة البيانات في نبش الوثائق من قواعد المعلومات الرقمية، وتبادلها، وتحليل مضامينها. وكذلك التشبيك والتشاور بين الصحفيين خارج أطر الرقابة التقليدية من خلال فضاءات مشفّرة خارج سيطرة الحكومات؛ سواء كانت ديمقراطية أم سالبة للحريات.
في هذا المؤتمر، تكلّل جهد العاملين في مشروع “وثائق بنما” بحصدهم جائزة “تحقيق العام”، ضمن سلسلة جوائز صحافة البيانات لشبكة المحررين الدوليين في فيينا.
على مدى تسعة أشهر، أبحر 370 إعلاميا، من جنسيات مختلفة، في الشبكة العنكبوتية، ونجحوا في تفسير بيانات 11.5 مليون وثيقة لعملاء شركة “موساك فونسيكا” للخدمات القانونية في بنما. وبذلك أنجزوا أوسع تحقيق استقصائي عابر للقارات، عرف بسلسلة “وثائق بنما”، عن الشركة التي تمتلك منظومة مصرفية تجعلها ملاذا ضريبيا آمنا ومغريا.
كشفت التسريبات أن الشركة قدمت خدمات تتعلق بحسابات خاصة برؤساء دول وشخصيات عامة وسياسية ورياضية، إلى جانب أقطاب عالم المال والأعمال. أفضى جهد الصحفيين إلى استقالة رئيس وزراء آيسلند، ووزير التجارة الإسباني، وكبير قضاة أرمينيا. كما فُتحت مئات التحقيقات المتعلقة بالتهرب الضريبي وشبهات تبييض الأموال حول العالم.
بعد معركة بنما، لم تعد الملاذات الضريبية أماكن سرية.
قبل هذا الإنجاز، فاز تحقيق استقصائي عن فضيحة هزّت جنوب شرق آسيا بجائزة بوليتزر؛ الأهم على مستوى العالم، وجائزة منظمة الصحفيين والمحررين الأميركيين. كشف هذا التحقيق -الذي أنجزه 80 صحفيا وصحفية- عن فضيحة “رقيق” صيد الأسماك؛ أكثر من 4000 “مستعبد” من كمبوديا وبورما ولاوس على يد مافيات تتاجر بثمار البحر التي يصطادونها بالدم والعرق، مع ثماني دول و50 ولاية أميركية، رغم أن واشنطن سنّت قانونا يحرّم استيراد منتجات من دول لا تكافح الإتجار بالبشر والرق.
ثالثا، أفرجت حكومة أذربيجان عن الزميلة خديجة إسماعيلوف -تحت الضغوط الدولية- بعد خمسة أشهر من الاعتقال بتهم مفبركة؛ مثل استغلال السلطة والتهرب الضريبي، بعد أن كشفت عن فساد نخب حاكمة في بلادها من خلال شركات في ملاذات ضريبية آمنة.
بعد اعتقالها، أطلق عشرات الصحفيين “مشروع خديجة”، لاستكمال مشوارها الاستقصائي، ونشروا/ بثّوا عشرات التحقيقات التي تكشف مزيدا من حالات الفساد في أذربيجان. كما كتبوا مئات المقالات وضغطوا على حكوماتهم كي تطالب بالإفراج عنها. خديجة ما تزال ممنوعة من السفر، لكنها باتت خارج القفص. سجن خديجة أظهر لحكومة أذربيجان أن الكتابة في ملف الفساد هناك لم يتوقف.
في الحالات الثلاث، عمل الصحفيون الاستقصائيون بتناغم وإسناد متبادل. تشاركوا في المسؤوليات، وأثبتوا أن في الاتحاد قوة. لم يعودوا “ذئابا وحيدة” كما وصفتهم البروفيسورة شيلا كورنيل، رئيس أهم معهد للصحافة الاستقصائية، في كلمتها أمام المؤتمر الذي اختتم أعماله في مدينة نيوأورلينز يوم الأحد الماضي.
وفي الحالات الثلاث، برز تأثير التعاون الذي أنتج تحقيقات أسطع من نور الشمس. نطاق التأثير هذا يتعاظم منذ 20 عاما عبر سلسلة مؤتمرات دورية تُعنى بصحافة الاستقصاء، بدءا بأميركا مرورا بأوروبا ثم أفريقيا والشرق الأوسط، وانتهاء بآسيا. في هذه المؤتمرات، تُبنى الصداقات، وتُنسج تحالفات، ويتبادل المجتمعون خبراتهم التراكمية مدعومين بجسور من الثقة. على الأرض، تنشط أزيد من 100 منظمة غير ربحية حول العالم في ترسيخ قواعد صحافة الاستقصاء، وتوفر دعما ماليا وتقنيا وقانونيا لرواد الاستقصاء، بهدف نشر هذا النهج الغائب عن غالبية غرف التحرير حول العالم بسبب ارتفاع كلفته السياسية والاقتصادية. كما يستهلك الاستقصاء جهد ووقت الصحفي الذي يحفر في عمق القضية، ويعمل بصمت لينفذ إلى لب الحقيقة وكشفها. غالبية هذه المنظمات ممولة من مانحين يسعون إلى تطوير الإعلام.
هذا التشبيك العابر للحدود يدل على أن صحافة المساءلة لم تعد محصورة بتفعيل المراقبة داخل حدود الدولة الواحدة. فالصحفيون الاستقصائيون حول العالم يتعاونون منذ اليوم في كشف قضايا فساد، والتغير المناخي، والجريمة، وماذا نأكل وماذا نرتدي؛ لأن جميع هذه الملفات دخلت مرحلة التدويل، حسبما كشفت سلسلة تحقيقات بنما، و”عبيد السمك”، واعتقال خديجة.
إذ إن العولمة مسّت كل شيء؛ من الاقتصاد إلى السياسة والصحافة. انهارت كل الحدود الجغرافية والقيود التي تفرضها الحكومات، وبخاصة الدكتاتورية منها، كما الأجندات التي يفرضها ممولو وسائط إعلامية على صحافة المساءلة والعمق. إنها صحافة تنمو وتترسخ حول العالم، والجميع بات يشعر بنفوذها. ولم تعد محصورة بأميركا، حيث انطلقت قبل 200 عام مدعومة بتعديلات دستورية وضعت حرية الرأي والتعبير والوصول إلى المعلومات على رأس أولويات البلد. كما تسندها جامعات تؤهل هذا النوع من الصحفيين، ومؤسسات إعلام تستثمر في صحافة النوعية.
اليوم، ينتشر جيش الصحفيين الاستقصائيين حول العالم. ولن يتمكن أي مركز قوّة أو سلطة من وقف تقدمه.


تليقاتكم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.