يكشف التحقيق عن تسبب المجمع الكميائي التونسي في تلوث مدينة قابس، رغم حصوله على قروض بيئية طيلة 18 عاماً، ما تسبب في احتجاجات مطالبة بتفكيك ونقل المجمع الكيميائي.
رائحة لاذعة تتسلل إلى أنفها، فتهب منتفضة من نومها. تحمل معها ذاكرة مثقلة بالمرض ونوبات الاختناق وواقع بيئي متردٍ. تندفع نحو النافذة، تفتحها على أمل أن تكون مخطئة، لكن تجد الأفق مغطّى بسحب الدخان، فتخبو آمالها سريعاً.
في ذلك الحي القابسي المتاخم للميناء، يقتحم المجمع الكيميائي بيت دليلة كل يوم بانبعاثاته النافذة؛ إذ لا يفصلها عنه سوى خط سكة حديد وخطوات قليلة.
قابس التي نشأت فيها دليلة، بشاطئها الفيروزي، الذي تحول إلى مكب داكن لفضلات الميناء والمجمع؛ مياهه كثيفة لزجة، أقرب إلى النفط منه إلى البحر.

في أحد الأيام، كانت الانبعاثات القادمة من المجمع أشد من المعتاد، كان أطفالها بالمدرسة، فشعرت بقلق متزايد حيالهم. بعدها بدقائق، سمعت أن حالات اختناق وقعت بين التلاميذ، سقط بعضهم أرضاً وهم يعانون صعوبة في التنفس، فيما عجز آخرون عن الوقوف أو تحريك أرجلهم بشكل طبيعي، وفق ما أكده أعضاء حركة “ستوب بولوشن” التونسية.
تعيش قابس منذ أيلول/سبتمبر 2025 على وقع موجات متكررة من الاختناقات السامة، في فترات متقطعة، خاصة بين الأطفال، وأُعلن في مصادر إخبارية إصابة نحو مئتي طفل بحالات اختناق.
هذه الملوثات دفعت الأهالي للاحتجاج مجدداً في تشرين الأول/أكتوبر 2025، للمطالبة بنقل “المجمع الكيميائي التونسي” إلى منطقة غير مأهولة بالسكان، بعد أن فقدوا الأمل في تنفيذ وعود الحكومة عام 2017 بتفكيك المجمع ونقله. زاد من غضب الأهالي أن الحكومة عام 2025، أعلنت زيادة عمليات استخراج الفوسفات بمقدار خمسة أضعاف.
وجاءت الوعود الحكومية بعد نحو عام من تجديد الحصول على قرض من بنك الاستثمار الأوروبي بقيمة 19 مليون يورو، لصالح المجمع عام 2016؛ بهدف الحد من تأثيراته البيئية. واليوم، بعد عشرة أعوام من هذا القرض، و18 عاماً من بدء تلقي المجمع قروضاً أوروبية، يستمر التلوث وتتواصل معاناة دليلة وغيرها من سكان قابس.
ورداً على ما شهدته المدينة الساحلية من احتجاجات عارمة، لجأ المجمع -هذه المرة- إلى بنك الاستثمار الإفريقي للحصول على منحة بيئية، ووافق البنك على المنحة في كانون الثاني/يناير 2026، لتحقيق الأهداف ذاتها التي سعت إليها القروض الأوروبية سابقاً.
غازات تملأ سماء قابس
تعيش دليلة في منطقة شط السلام، التي تبعد قرابة أربعة كيلومترات عن مركز محافظة قابس، بجوار المجمع الذي يضم وحدات تصفية مادة الفوسفات. ويُنتج هذا المجمع الحكومي نحو 54 في المئة من الإنتاج التونسي لحمض الفوسفور.
ويَنتج عن تصفية مادة الفوسفات في مرحلة إنتاج الحمض الفوسفوري والأسمدة الفوسفاتية مادة الفوسفوجيبس أو الجبس الفوسفاتية، التي تخرج في شكل رواسب رطبة. وتحتوي هذه المادة على عدة عناصر كيميائية ومعادن ثقيلة.
وخلصت دراسة أجراها مختبر “جيوسيانس إنفيرونمان” في تولوز الفرنسية عام 2025 إلى وجود مستويات مقلقة من التلوث في خليج قابس، ناجمة عن التصريفات الصناعية، خاصة الفوسفوجيبس. وأشارت الدراسة إلى أن هذا التلوث يرتبط بمخاطر صحية جسيمة بين السكان.
كما عزت دراسة أجراها باحثون في مستشفى قابس الجامعي زيادة حالات الالتهاب الرئوي بين السكان إلى ارتفاع نسبة ثاني أكسيد الكبريت، والجزيئات الدقيقة التي يبلغ قطرها 10 ميكروميترات أو أقل، في هواء المدينة.
وحذرت حركة “ستوب بوليوشن” التونسية من تسبب غياب معايير السلامة داخل المجمع في كوارث بيئية، وأعلنت الحركة انطلاق سلسلة من الاحتجاجات من أجل الدفع قدماً بقرار تفكيك الوحدات الكيميائية للمجمع ونقلها.
يؤكد مروان ترجمان، عضو الحركة، استمرار احتجاجات أهالي قابس، لحين وضع حد لانبعاثات المجمع وما ينتج عنها من حالات اختناق، مؤكداً تفشي عدة أمراض في قابس، خصوصاً في المناطق السكنية القريبة من المجمع.
وفضلاً عن تأثيرها الصحي في السكان، تسهم صناعة الأسمدة -خاصة الأسمدة القائمة على النيتروجين- بنحو خمسة في المئة من إجمالي انبعاثات غازات الاحتباس الحراري العالمية.
ومن خلال الجولة الميدانية التي أجرتها معدة التحقيق، وثقنا استمرار الانبعاثات الصادرة عن المجمع، والتي تغطي سماء المدينة.
هذه الانبعاثات يتعدى تأثيرها السلبي صحة الإنسان؛ فعلى شواطئ قابس تجد الطيور البحرية وقد غطى الزيت ريشها حتى شلّ حركتها، فسقطت حتى الموت، وسلاحف بحرية ضخمة انتهى بها المطاف إلى نفوقها على الشاطئ أيضاً، في حين هجرت الأسماك مياه قابس هرباً من التصريفات الملوثة.
صور الأقمار الصناعية · Google Earth
اختر السنة لعرض صورة القمر الصناعي الخاصة بها (الافتراضي: 2025)202020212025

في تموز/يوليو 2025، توصل مستشارون، استعان بهم بنك التنمية الإفريقي، إلى تجاوز انبعاثات صادرة من المصنع الحدود الآمنة لتلوث الهواء.
وقد قدّمت المجموعة التونسية I2E/IHE -وهي شراكة بين شركة I2E للهندسة البيئية ومعهد الدراسات العليا IHE، وهو جامعة خاصة- تقرير تدقيق للامتثال البيئي والاجتماعي بتكليف من بنك التنمية الإفريقي. وقد قيّم التقرير المشروع الذي بلغت تكلفته 110 ملايين دولار أميركي، ونُشر من قِبل البنك والشركة التونسية.
وعبر الاستشعار عن بعد، توصلنا إلى ارتفاع متوسط غازات ثاني أكسيد الكبريت وثاني أكسيد النيتروجين، بالمقارنة بالنسب الآمنة لجودة الهواء التي وضعتها منظمة الصحة العالمية عام 2021.
أظهرت نتائج 2025 أن متوسط تركيز ثاني أكسيد الكبريت بلغ 331.52 ميكروغرام/م³، في حين وضعت منظمة الصحة العالمية الحد المسموح به 20 ميكروغراماً/م³، ووصل متوسط ثاني أكسيد النيتروجين إلى 46.63 ميكروغرام/م³، مقابل الحد الآمن المسموح به المقدر 10 ميكروغرامات/م³.

شاطئ قابس — آثار التلوث الصناعي على البيئة البحرية | تصوير: خديجة بن صالح
على حافة قاربه الخشبي المتهالك، يحاول عادل سحب شباكه؛ ينظر إليها نظرة شاردة؛ شباك نظيفة بشكل مثير للقلق، فقد ينتهي يومه بلا صيد. يسترجع عادل ذكريات الصيد في شواطئ قابس، فيقول إنه اعتاد ركوب البحر والعودة في اليوم ذاته بصيد ثمين. أما اليوم فيضطر إلى قضاء شهور طويلة بالبحر، دون الرجوع للمنزل، ومع ذلك فقد يرجع برزق زهيد من الصيد.
يصف عادل ما آلت إليه الأمور: “البحر مات”، وبصوت أثقلته الهموم يضيف: “كنا نخرج فجراً، مئات المراكب تشق العباب. اليوم، نحن لا نصطاد السمك، بل نصطاد العدم… حتى البحر الذي كان يطعمنا، صار يلفظنا”.
يؤكد المعهد الوطني لعلوم وتكنولوجيا البحار تراجع مساحات عشبة “البوسيدونيا” في خليج قابس بنسبة 88 في المئة منذ سبعينيات القرن الماضي، ما أدى إلى تدهور الثروة السمكية في المنطقة.
وتُظهر صور الأقمار الصناعية وتحليلات مؤشر عكارة المياه (NDTI) أن مياه محيط المجمع تشهد ارتفاعاً في مستويات الرواسب العالقة والمواد الكيميائية، مقارنة بالمناطق الأبعد.
يشكل الفوسفات جزءاً رئيسياً من النشاط الاقتصادي في تونس منذ اكتشافه عام 1896، حيث بلغ إنتاجه خلال عام 2024 نحو 3.3 مليون طن.
ووفق وحدة أبحاث الطاقة بواشنطن، يشكل احتياطي الفوسفات التونسي 3.38 في المئة من الاحتياطي العالمي.
وفي سبيل تطوير إنتاج الفوسفات في تونس، رصد بنك التعمير والاستثمار الأوروبي مئة و10 ملايين يورو قرضاً لشركة “قفصة” الحكومية المُنتجة للفوسفات، قبل أن تحيله إلى المجمع لمعالجته وتحويله لحمض الفوسفريك وأسمدة.
ويهدف هذا القرض إلى تحديث آليات العمل في الشركة، عبر شراء معدات التعدين الحديثة، وتعزيز الممارسات البيئية، وزيادة الإنتاج السنوي.
ويحمل مستند الموافقة على القرض عدداً من المخاطر المرتبطة بتمويل شركة قفصة؛ أبرزها علاقتها بشركة “المجمع الكيميائي التونسي” بوصفها مشترياً رئيسياً للفوسفات. ويلفت المستند إلى تقارير تناولت ممارسات بيئية سلبية للمجمع؛ من بينها تلويث البيئة البحرية في قابس، رغم أن جهات إقراض مختلفة -إلى جانب الحكومة- سعت إلى معالجة الآثار البيئية ذات الأولوية المرتبطة بأنشطة المجمع.
وما لم يأتِ هذا المستند على ذكره أن جهات أوروبية سبق أن أقرضت المجمع الكيميائي التونسي، لتطوير ممارسته البيئية، لكن بلا جدوى.
في 2008، أبرمت الحكومة التونسية اتفاقية الحصول على قرض من بنك الاستثمار الأوروبي بقيمة 55 مليون يورو، لتطوير بعض منشآت المجمع، لتتوافق مع المعايير البيئية التونسية.
ويستهدف القرض -على وجه الخصوص- الحد من انبعاثات ثاني أكسيد الكبريت في “السخيرة”، شمالي قابس، وتحديث مكبات الفوسفوجيبس، ووقف إلقاء حمض الهيدروفلوريك في البحر، كما يستهدف في “المظيلة” (100 كيلومتر غربي قابس) الحد من انبعاثات ثاني أكسيد الكبريت.
وانتهى العمل بهذا القرض عام 2013، وفي منتصف عام 2016، منح البنك ذاته المجمع قرضاً بقيمة 19 مليون يورو لتقليل الأثر البيئي لأنشطته، لا سيّما انبعاثات الغازات الدفيئة، مع إنشاء نظام مراقبة بيئية لجميع مواقع الإنتاج. كما حصل هذا المشروع على دعم مالي إضافي قيمته عشرة ملايين يورو من المفوضية الأوروبية.
وفي أيار/مايو 2019، أعلنت الإدارة العامة للمناجم التونسية مشروعات التأهيل البيئي لوحدات إنتاج المجمع في قابس. لكن في كانون الأول/ديسمبر من العام نفسه، انتقد المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية تعرض شط السلام بقابس لغازات سامة منبعثة من المجمع، وأرجع ذلك إلى “تقادم وتردي المنشآت الصناعية والغياب الكلي للأمن البيئي والصحي”.
وتظهر صور الأقمار الصناعية استمرار أعمدة الدخان المتصاعدة من المجمع في الفترة بين 2020 و2025.
ووصل الأمر إلى ذروته في 2025 بتجدد الاحتجاجات المطالبة بنقل المجمع خارج محيط المناطق السكنية، وبعد عدة أشهر لجأ المجمع إلى بنك التنمية الإفريقي الذي وافق على تخصيص مئة وعشرة ملايين دولار لتمويل مشروع دعم التحديث البيئي للمجمع.
ويهدف هذا المشروع، الذي تبلغ تكلفته الإجمالية مئة و44 مليون دولار (منها 34 مليون دولار من المجمع الكيميائي التونسي)، إلى تحديث مرافق الإنتاج، والحد من التلوث، وتحسين كفاءة الطاقة في قابس والصخيرة والمظيلة.
وهي الأهداف نفسها التي وضعها بنك التنمية الأوروبي قبل عشرة أعوام، وشُرع في تنفيذها منتصف عام 2019، كما أعلنت الإدارة العامة التونسية للمناجم.
تواصلنا مع بنك الاستثمار الأوروبي لسؤاله عن مصير القروض التي منحها للمجمع الكيميائي التونسي، ولم نتلقَّ رداً حتى تاريخ نشر التحقيق.
كما تواصلنا مع المجمع الكيميائي التونسي، ووزارة البيئة التونسية، ولم يردنا أي رد على أسئلتنا عن استمرار التلوث الجوي والبحري في خليج قابس، ومصير القروض الممنوحة للمجمع، وخطة إنفاق القروض الجديدة، بما يضمن الاستفادة منها.
المستفيدون
صنفت المفوضية الأوروبية “صخور الفوسفات” بأن “وضعها حرج”؛ إذ لا تمتلك أوروبا منها سوى موارد محدودة، لذا تعتمد على الواردات لصناعة الأسمدة، التي من المتوقع أن يزيد الطلب عليها.
ووفق بنك إعادة الإعمار والتنمية الأوروبي، فإن صادرات الفوسفات التونسي للاتحاد الأوروبي عام 2023 شكلت 20 في المئة من صادرات هذه المادة، محتلاً بذلك المركز الثاني بين جهات الاستيراد، تتبعه الولايات المتحدة بنسبة 15 في المئة.
ووفق تقرير مركز سياسات الغذاء والزراعة بولاية تكساس، فإن إنتاج الولايات المتحدة من صخور الفوسفات تراجع من 45 مليون طن متري عام 1995 إلى نحو 20 مليون طن عام 2023، على الرغم من زيادة استخدام الأسمدة الفوسفاتية، وقد أدى ذلك إلى تزايد الاعتماد على الواردات.
وفي الفترة بين 2019 و2020، شكلت الأسمدة الفوسفاتية المغربية نحو 72 في المئة من واردات الولايات المتحدة، استناداً إلى لجنة التجارة الدولية الأميركية.
إلا أن الولايات المتحدة توجهت إلى دول أخرى مثل تونس، بعد الدخول في نزاع قضائي مع الشركة الحكومية المغربية لصناعة الفوسفات، عقب فرض رسوم تعويض على واردات الأسمدة الفوسفاتية المغربية في آذار/مارس 2021.
وتبلغ قيمة صادرات المجمع الكيميائي التونسي من الفوسفات المستخدم في صناعة الأسمدة بين 2021 و2025 نحو تسعة مليارات دولار، وذهبت 15 شحنة من المجمع في الفترة نفسها إلى الولايات المتحدة.
وتشير البيانات إلى أن شركتي “يوروكيم” و”كوتش” هما الأكثر استيراداً بين الشركات الأميركية للفوسفات المستخدم في صناعة الأسمدة من تونس، بعدد تسع شحنات. وأعلنت الشركتان اتباع سياسات تخفيض انبعاثات غازات الاحتباس الحراري؛ إذ ذكرت شركة “كوتش” أنها خفضت الانبعاثات بنسبة 11 في المئة منذ عام 2014.
كما أوضحت تقارير شركة “يوروكيم” عن وصولها إلى تركيبات حديثة تهدف إلى تقليل انبعاثات ثاني أكسيد الكربون بنسب تصل إلى 79 في المئة، والأمونيا بنسبة تصل إلى 80 في المئة، في إطار التزامها بأهداف التنمية المستدامة الصادرة عن الأمم المتحدة.
وتجبر وكالة حماية البيئة الأميركية الشركات بالإفصاح عن حجم الانبعاثات، كما تفرض على المخالفين غرامات مالية؛ إذ فرضت على “كوتش” غرامات تلوث هواء بقيمة 278 مليون دولار.
وأدرجت الوكالة الفوسفات المستخدم في صناعة الأسمدة في لائحة المواد السامة، التي يجب الإبلاغ عن استيرادها من الخارج. كما لم تخبر “يوروكيم” وكالة حماية البيئة عن استيرادها العديد من المواد الكيميائية في الفترة بين 2016 و2019، من ضمنها الفوسفات.
يقول بوب سوسمان، ممثل مركز الصحة البيئية الذي رفع الدعوى على يوروكيم: “هناك العديد من المواد الكيميائية التي استوردتها الشركة من دون إبلاغ وكالة حماية البيئة، وكانت كميات الاستيراد ضخمة للغاية؛ نحن نتحدث عن ملايين، وفي بعض الحالات، مليارات الأرطال من المواد الكيميائية المستوردة”.
ويضيف: “أعتقد أنهم أدركوا تقصيرهم في الإبلاغ عن هذه المواد الكيميائية، ولم يكن لديهم أي دفاع يُذكر، ولذلك وافقوا على الإبلاغ عنها وتقديم النماذج اللازمة إلى وكالة حماية البيئة، وتوصلنا إلى اتفاقية تسوية”.
بعد وصول إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى الحكم تقلصت صلاحيات وكالة حماية البيئة، فوفق تحليل أجرته مبادرة الحوكمة والبيانات البيئية لسجلات وكالة حماية البيئة عام 2025؛ فإن أنشطة وكالة حماية البيئة لم تُغطِ جميع اختصاصاتها التشريعية. ويُعدّ سجل وكالة حماية البيئة في عهد ترامب الأسوأ بين جميع الإدارات خلال العشرين عاماً الماضية.
المتضررون
في 2026، تواصل وحدات المجمع الكيميائي التونسي في قابس العمل على معالجة الفوسفات، وتصدير مشتقاته إلى الخارج، ومعه تستمر الانبعاثات الغازية في بيئة مأهولة بالسكان.
فيما تستشعر دليلة بأن صوت أهالي قابس غير مسموع، وأن هذه القضية لم تكن لتلقى الاهتمام لو لم تتحول إلى قضية رأي عام. وتضيف بحزن: “نحن لا نريد أكثر من حق أطفالنا في الحياة، لا نريد لهم أن يعيشوا الدمار نفسه الذي عشنا فيه”.
ولا تغيب عن دليلة تلك المعادلة الثقيلة التي يرددها المسؤولون؛ هي تدرك أن هذا الكابوس الجاثم خلف السكة الحديد هو شريان يضخ المال في عروق البلاد، وقوة اقتصادية يُحسب لها ألف حساب في موازنات الدولة. لكنّها، وهي ترقب أطفالها يغالبون سعالهم تحت سقف بيتها المتآكل، تهمس بصوت يرتجف مرارة: “ألا توجد مقايضة أخرى غير أرواحنا؟!”.
التحقيق بالتعاون مع أوزون ونشر بالإنجليزية في Mongabay.