مصعب الشوابكة: لماذا العزوف عن العمل الصحفي المشترك؟

2016/10/26
التاريخ : 26/10/2016

عمان نت في جولةٍ سريعة على أغلبِ الصحف اليومية، والمواقع الإخبارية الإلكترونية، تجد أن العمل الصحفي المشترك بين الصحافيين في المؤسسة الصحفية الواحدة قليل جداً، إن لم يكن معدوداً. بالإضافة إلى عدم التعاون والتشبيك بين المؤسسات الصحفية العربية.

الواقعُ المعاشُ للمجتمعِ العربي، بحاجة إلى قصصٍ صحفيةٍ كبرى، تكشف مواطن الخلل في قطاعات الدولة، من تسيبٍ، وفسادٍ، وتضاربِ مصالح، وتفشي الرشوة في مؤسساتٍ خدمية، هذه القصص بحاجة إلى فريق عمل من الصحافيين، يتخصص كل منهم بجانب منها، وفقاً لمهاراته.  

لكن التعاون، ومشاركة المعرفة والخبرات والمهارات، في أدنى مستوياتها بين الصحافيين.

في بلاد الغرب، تخلى معظم الصحافيين عن “الأنا”، والعمل الفردي، وتعاونوا بأعمال صحفية مشتركة، لصالح نشر قصص محترفة، تحرك المياه الراكدة، وتساهم في خدمة الصالح العام.   فنادراً ما تجد صحفياً أعد تحقيقاً لوحده من منظمة (OCCRP) المتخصصة في نشر تحقيقات صحفية عن الجريمة المنظمة والفساد، ومقرها سرايفو البوسنة، فهناك العمل المشترك، والتعاون بين الصحافيين حاضر دائماً.  

فقد كشف أربعة صحافيين منها، استمرار التجارة الدولية مع شبه جزيرة القرم رغم العقوبات الدولية المفروضة عليها، وأظهروا من خلال تحقيق استقصائي مشترك، أن أكثر من 600 سفينة دخلت موانئ القرم خلال العامين الماضيين، تعود ملكيتها لرجال أعمال غربيين وشرق أوسطيين، دون أن تحاكم السلطات الأوكرانية صاحب أو قائد سفينة واحد.  

وزع الزملاء الأربعة المهمات الصحافية بينهم لإنجاز التحقيق، فواحد يتتبع حركات السفن، وما تحمله من بضائع، وتواريخ إبحارها، ونقاط انطلاقها، وزميله يتحرى عن الملاك، وجنسياتهم، والأموال المدفوعة، وآخر يبني شبكة المصادر، ويقابلها ويتواصل معها، ويترجم بين لغات الوثائق والمصادر المختلفة، عدا عن مهام أخرى يقوم بها الفريق، بإنشاء بنك المعلومات، وتحليلها، والكتابة والتحرير، وتسطير القصة وضبط جودتها.  

وفي تجربة آخرى لهذه المؤسسة الملهمة، نشر ثلاثة صحافيين، بقيادة بول رادو، قصة أحد أعضاء برلمان مولدافيا السابق، كيف كان العقل المدبر لجرائم غسيل الأموال، وسرقتها، وتهريبها من بنوك وشركات ودول، بالتحايل عليها.  

عربياً،يسري فودة رائد العمل الصحفي الاستقصائي، تشارك مع زميله جايلز تريندل في كتابة سيناريو تحقيق “أجراس الخطر 2″، والذي ناقش أحداث الحادي عشر من سبتمبر- أيلول، فودة وتريندل لم يكونا وحيدين، فقد كان معهما نحو 11 باحثاً ومساعد إنتاج لكي يخرج التحقيق العابر للحدود على شاشة الجزيرة قبل أكثر من عشر سنوات.  

بالتأكيد هناك تجارب عربية آخرى، لكنها متواضعة وأقل من الطموح، سواء على مستوى الصحافيين أو المؤسسات، تحت مظلة شبكة “أريج”،حيث نشر صحافيون تحقيقات صحفية مشتركة، وعابرة للحدود، إضافة إلى تعاونها مع عدد من المؤسسات الإعلامية العربية والدولية بالنشر والإنتاج المشترك.  

محلياً، هناك محاولات مشابهة في العمل الصحفي المشترك لمجلة “حبر” الإلكترونية، وأخرى من طرف “راديو البلد” بإنتاج أعمال مشتركة بين صحافيين أردنيين وعرب، ومؤسسات صحفية أخرى، نجح بعضها، وفشل الآخر بسبب الرغبة بالحفاظ على علاقات جيدة مع ساسة ورجال مال وأعمال، والخوف من السقوف المرتفعة.

لكن لماذا يعزف أغلب الصحافيين الأردنيين والعرب، ومؤسساتهم عن العمل الجماعي والمشترك؟  

لا يشجع معظم رؤساء ومديري التحرير الصحافيين على العمل التشاركي والجماعي، وتبدأ المشكلة بتحديد صحافي لكل قطاع ليقوم بتغطيته، ومهمته تسليم قصص وأخبار صحفية بشكل منتظم عن قطاعه، فما يهم رئاسة التحرير بشكل رئيسي هو تأمين العدد الكافي من المواد القابلة للنشر،تغطي صفحات الجريدة، أو التقارير الصوتية التي تبث عبر إذاعته.  

العامل المادي يلعب دوراً هنا، فالمؤسسات الصحفية في بلادنا، لا تسمح بعمل أربعة صحافيين على قصة واحدة، وترى في ذلك مضيعة للوقت والجهد والمال، مهما كان حجم القصة كبيرا، وقيمتها بنتائجها عظيمة..  

عقدة “الأنا”، و”الكردت” الصحفي، تقف حجر عثرة بوجه العمل المشترك بين الصحافيين ومؤسساتهم على السواء، وخاصة بإنتاج القصص الكبرى، فبعضهم يعتقد أنه الأجدر بالعمل على قصة جيدة تحمل اسمه فقط.   التنافس ضروري ومحفز للعمل، إلا أنه لا يعني الفردية، فالتنافس في العمل الصحفي غايته إحداث التغيير نحو الأفضل، وهوما يحتاج لعمل تشاركي جماعي.  

الخوف الدائم من عدم الإنصاف بتوزيع مهام العمل، يحد من الإنتاج الصحفي المشترك، لكن حل ذلك يتمثل بالتنظيم، والإشراف المحترف، الذي يقود الفريق للظفر بالجائزة الكبرى، وهي نشر قصة تكون “صوت صارخ في البرية”.  

ثقافة العمل المشترك، وتوزيع الأدوار ما زالت ضحلة، لصالح العمل الفردي، في ظل غياب واضح لتنظيم وتخطيط العمل.  

بيئة العمل الصحفية، وخاصة الاستقصائية منها غير مشجعة في بلادنا، لخلق نماذج على غرار تجربة (OCCRP) البوسنية، مع وجود سقوف تضيق الخناق على حرية الرأي والتعبير، والصحافة والنشر.  

تكمن أهمية العمل الصحفي التشاركي، وخاصة في الصحافة الاستقصائية، بإحداث حالة من التكامل، وتعويض النقص خاصة في قضايا تتبع الأموال بين البلدان، والجرائم المنظمة العابرة للحدود، وقضايا الفساد التي تطال الرؤوس الكبيرة. ولا ننسى أن العمل المشترك يساهم في توفير الحماية لأعضاء الفريق.  

فأوراق بنما خير شاهد إلى ذلك، بما أحدثته من تكامل وتعاون بين أكثر 300 صحفي، وحوالي 100 مؤسسة إعلامية حول العالم، ولو بقيت هذه الوثائق في يد صحيفة واحدة، أوصحفي واحد، لما أحدثت ثورتها في عالم التقصي. ولربما أغلقت الصحيفة، أو قتل الصحافي.  

العمل الصحفي الاستقصائي عمل بحثي وتوثيقي من طراز رفيع، يحتاج إلى تعدد وجهاتالنظر، للإحاطة بجميع زوايا القصة بدقة أكثر، ومهنية أعلى، ونتائج أفضل، وهذا يتطلب التشبيك بين الصحافيين بإنتاج قصصهم. لأحداث التغيير المنشود.  

يقع على عاتق رؤساء ومديري التحرير، ورواد صحافة الاستقصاء العربية اليوم، بناء جيل جديد من الصحافيين يؤمن بأهمية العمل المشترك، عبر إدماجهم في غرف الأخبار والتحقيقات للعمل مع من يسبقهم خبرة.

بعيداً عن عقلية حراس البوابة، وكتاب السلطة، وصحافة العلاقات العامة. تلك هي الخطوة الأولى لإنتاج جيل جديد يتقن دوره كسلطة رابعة للمساءلة والمحاسبة.   العمل التشاركي جعل من (OCCRP) نموذجاً يحتذى، كونها واحدة من أكثر المؤسسات الصحفية فاعلية بإحداث التغيير الحقيقي، تقول المؤسسة إن تحقيقاتها: أدت إلى تجميد نحو 4.2 مليار دولار من قبل الحكومات، وإصدار 115 مذكرة توقيف، وفتح 55 تحقيقاً جنائياً، وإقالة 12 مسؤولاً.  

الصحافة مهنة إنسانية كالطب، ومهمة الصحافي تشخيص أمراض المجتمع، والعمل بكل طاقته مع طاقم من الزملاء، لإنقاذ حياة المريض.  

فتعالوا نعمل معاً


تليقاتكم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.