كلمة تيم سباستيان.. المتحدث الرئيس في حفل الافتتاح 5 ديسمبر/ كانون الأول 2014

2014/12/5
التاريخ : 05/12/2014

سيداتي وسادتي

طاب مساؤكم جميعاً..

قبل أن أبدأ، دعوني أخبركم قصة قصيرة، حصلت معي قبل 33 عاماً – بالتحديد  قبل أن يولد البعض منكم – عندما كنت أعمل مراسلاً خارجياً لقناة الـ”بي بي سي”، في بولندا.

بالطبع لم تكن الدولة التي تعرفونها اليوم؛ الدولة الحرة المزدهرة …. ولكن بولندا التي كانت تعيش في كنف نظام حرم شعبه لعقود من الحقوق الإنسانية الأساسية: حرية التعبير، الحق في انتخابات حرة  ومحاكم مستقلة.

هذا الأمر انقلب رأساً على عقب عام 1980، عندما رفعت الحكومة أسعار السلع الغذائية الأساسية، وصرخ الشعب بالملايين “هذا يكفي”.

واندلعت اعتصامات غير مشروعة في أنحاء البلاد، ونشأ اتحاد عمال حر سمي  بحركة “التضامن” من خلال لجان تنظيمية في المدن والبلدات والقرى. وهددوا بإغلاق البلد بأكملها من الأسفل الى أعلى إذا لم تستجب الحكومة لمطالبهم.

وقد أثبتوا أن لديهم القدرة على فعل ذلك.

فاضطرت الدولة للتفاوض، وتم تسجيل اتحاد العمال رسمياً كحزب – أول اتحاد عمال حر في عالم الشيوعية – ليبدأ رحلته في الكفاح والمطالبة بالحقوق الأساسية.

لكن في ديسمبر 1981، وتحت طبقات الثلج المتساقط على العاصمة وارسو، عادت الحكومة لتفرض نفسها تحت جنح الليل.

توغلت الدبابات في المدن، واتخذت مواقعها على الجسور وحول منشآت السلطة الرئيسية. جيش من الشرطة السرية اعتقل أعضاء اتحاد العمال، وأغلق الحدود.

وبعدها قاموا بالشيء الذي لا يمكن تصوره:  عطلوا جميع الإتصالات في أنحاء البلاد ومع الخارج.

بالتأكيد في ذلك الوقت، لم يكن هناك وجود للهواتف النقالة، أو لمواقع التواصل الإجتماعي مثل “تويتر” وفيسبوك”، أو أجهزة الكمبيوتر المحمولة.

أغلقوا جميع مقاسم الهواتف الخاصة أو التجارية في أنحاء البلاد.

وفي غضون ثلاث ساعات، تم وضع بولندا تحت قانون الأحكام العرفية، وكمموا أفواه عشرات الملايين. لم يكن بإمكان أحد التواصل مع من يسكن في الشارع المجاور لمنزله فكيف مع الخارج.

وفي صباح 13 ديسمبر/ كانون الأول 1981، تم عزل بولندا عن بقية العالم، بينما قبع أعضاء اتحاد العمال في السجون أو مختبئين. انتشر الجيش في الشوارع، وفرضت السلطات الشيوعية السيطرة بالقوة، وعادت الدولة بكاملها إلى الرقابة، مع التعتيم على أي موضوع لا يتوافق مع أهواء الشيوعيين.

أتذكر عندما وصلت إلى مكتب الرقابة الإعلامية التابع للجيش، لأسألهم إذا كان بالإمكان إرسال تقريري المكتوب إلى لندن، لأن لديهم خط اتصال بيانات واحد مفتوح: خط واحد فقط.

أخذوا التقرير وبعد عشر دقائق أعادوه لي مرة أخرى، ولكن النص بالكامل كان مظللاً بالأسود بقلم الرقيب، ما عدا اسمي والتاريخ.

فسألته: “ماهذا”؟

ابتسم الرجل وقال: “يمكنك إرسال اسمك، والتاريخ والمكان فقط”.

سألته: “هذا كل شيء”؟

أجابني: “نعم، هذا كل شيء، أهلاً بك إلى بولندا”.

ستتساءلون لماذا اقول لكم كل هذا؟

لأن الأولوية الوحيدة والمهمة التي يشترك بها الطغاة والديكتاتوريون – في أي جزء من العالم وفي أي حقبة- هي إسكات صوت الحرية والأصوات المستقلة لجميع الناس.

لأن هذا الصوت هو من يهددهم في المقام الأول. ولأنه السلاح الأقوى الذي يمتلكه الشعب. فهذا الصوت هو الذي يسمح لهم بالمطالبة بحكومة جديدة، والمطالبة بإنتخابات حرة، ومحاكم مستقلة، وحق مساءلة الشرطة والأجهزة الأمنية.

إنه مفتاح جميع الحقوق الأخرى.

لذلك ليس من الغريب حرصهم على إسكات هذا الصوت.. ولا عجب أن يتم خنق هذه الاصوات بصورة ممنهجة بلداً تلو الآخر في الشرق الأوسط، وشمال إفريقيا.

هنا في هذه المنطقة، بعض الحكومات التي تعد بحرية التعبير والرأي هي ذاتها التي تمزق تلك الوعود أمام عيونكم.

وتخبركم هذه الحكومات أن هذا الأمر لمصلحة حمايتكم.

الصحفيون يجرمون ببساطة لكتابتهم مقالات وتقارير لا تلائم السلطة أو من يجلس في كراسي الحكم.

تجريم الصحفيين لا يتم بسبب كتابتهم أكاذيب وحقائق منقوصة ولكن لأنهم يكتبون أموراً لا تعجب بعض الوزراء، أو رئيس الوزراء، أو رئيس الدولة.

لن يشفع في أحيان كثيرة أن يدافع الصحفي عن نفسه ويقول إنك تكتب وتنشر الحقيقة. في تقريرها لهذا العام حول الإعلام العربي، أوضحت اليونيسكو أن السلطات تضايق الصحفيين من خلال قضايا التشهير هذه،  والتي لا تستخدم إلا لغرض تقييد حرية الإعلام.

في العام الماضي، اتهمت النيابة العامة في المغرب رئيس تحرير صحيفة بتهمة التشهير بموظف حكومي، لأنه نشر خبرا عن شربه “شامبانيا” على حساب دافعي الضرائب مع أن لدى الصحفي فاتورة تثبت صحة كلامه.

وفي تونس، واجه أستاذ جامعي، ومدون، ذات الإتهام لإنتقاده مصاريف وزراء سابقين.

ثم هناك تهمة “الإضرار بالعلاقات مع دولة عربية”… وهذا هو الجهاز الذي يملك الإمكانية لمنع التقارير التي لا تتناسب ووجهات نظر السلطة، دون الرجوع إلى  صحتها من عدمها.

وهنا في الأردن، اتهم ناشر ورئيس تحرير موقع “جفرا الإخباري، بذات التهمة سالفة الذكر: “الإضرار بالعلاقات مع دولة عربية”.  وأوقفا 100 يوم، بقرار من محكمة أمن الدولة قبل أن يطلق سراحهما.

 اليوم ينتظران المحاكمة أمام محاكم مدنية، حسب قانون المطبوعات والنشر.

تم ذلك رغم وعد قطعه الملك شخصيا قبل نحو ست سنوات، تحديدا في نوفمبر/ تشرين الأول 2008، بأنه لن يتم حبس أي صحفي في الأردن. وقال آنذاك: “احتجاز الصفحيين محظور، لا أرى سبباً لاحتجاز صحفي أو صحفية لأنهم كتبوا شيئاً أو عبروا عن وجهة نظر”.

إذن، يبدو أن الحقيقة في هذه المنطقة، لا تجعلكم أحراراً.

ولكن على نقيض ذلك أصبحت من أخطر السلع التي يمكن أن تمتلكها، ولحظة نشرك للحقيقة يمكن أن تسجن، ويمكن أن تقتل أيضاً.

وأنت تعلمون هذا الأمر أفضل مني، بالتأكيد.

ولأكن صريحاً معكم جداً، أنتم تعملون في إحدى أخطر المهن، وفي إحدى أخطر المناطق في العالم، وكما نوه المغفور له جلالة الملك حسين: “هذا جوار صعب للغاية”. واليوم هو أصعب من ذي قبل.

أنا أعلم أنكم – معشر الإعلاميين – تواجهون يومياً الضغوط والأخطار وبشكل مقزز. فأنتم تريدون إخبار الحقيقة لكنكم تدركون ثمن إغضاب المتنفذين.

ربما كان لديك عائلة تعيلها، وتسأل نفسك كيف يمكنهم تدبير شؤونهم إن طردت من عملك بسبب قولك أشياء تغضب السلطات؟ ما هو الأمر الجيد الذي ستجلبه  لأطفالك إذا كان أبيه أو أمه عاطل عن العمل؟ أو أسوأ من ذلك إذا تم سجن أحد الأبوين.

في مجتمعاتكم انتم تعلمون تماماً ما هي الخطوط الحمراء، أنتم تعلمون ما هي المواضيع الآمنة التي يمكن أن تكتبوا عنها، والمواضيع الخطرة.

من سيلومك إذا تحدثت برفق او بنعومه عن وزير ما أو موظف حكومي، او اذا أخفيت شيئا من الحقيقة لتحتفظ بمهنتك وعملك ومصدر رزقك؟

في عام 2011، أثارت جريدة (بننسولا) القطرية موضوعاً نادراً وجريئاً، حين تحسرت على غياب حرية الصحافة في البلاد، وشكت من أن لدى الصحفيين حماية ضئيلة من الدولة. وذكرت أن “أي شخص يمكنه أن يتقدم بشكوى ضد صحفي أو جريدته، وتقوم الشرطة باستدعاء الصحفي واستجوابه بطريقة مزعجة”. العديد من المدعين العامين يهاتفون الصحفي في الخامسة صباحاً، أثناء نومه. العملية برمتها مؤلمة ومذلة للصحفي، الذي يحاول التهرب من الكتابة حول مواضيع حساسة أو أمور معينة.

أثير هذه القضايا اليوم لأن عددا كبيرا من الإعلاميين الشباب في هذه المنطقة أثاروها معي. والسؤال الأكثر شيوعا هو: كيف أستطيع القيام بعمل مهني ومحترف عندما يكون هناك رقابة صارمة في الدولة؟

وبكلمات أخرى، كيف يمكنني أن أقول الحقيقة وأبقى بعيداً عن السجن؟

وكما أرى، فإن هذا السؤال يعكس معاناة العديد من الصحفيين.

بالتأكيد ليس هناك إجابة ميسرة وبسيطة. على كل شخص أن يقرر لنفسه ما هي الحدود التي يستطيع أن يتجاوزها.

ولكنني أعتقد أن هناك عاملاً حاسماً قد تغير بالنسبة للصحفيين. اليوم عليك كصحافي ان تقرر: من أنت وما هي طبيعة المهنة التي تريد أن تمارسها.

فالصحافي اليوم كمن يسير على الطريق السريع. لكنك لا تستطيع السير على جميع المسارات دفعة واحدة، عليك أن تختار مساراً وتثبت عليه. أما خيار منتصف الطريق – بحيث تكون حراً في يوم، وتقبل القيود في اليوم التالي – فيبدو أنه يضيق بسرعة. إذ أن الدول العربية واحدة تلو الأخرى، تريد أن تعرف إذا كنت معها أم ضدها، وستصنفك وفقاً لذلك.

إذن، وصلت الصحافة هنا إلى نقطة حرجة، ولا يمكن أن تكون المخاطر أعلى من ذلك. وإذا استمرت شعلة التعبير الحر في التناقص في هذه المنطقة، ستمر أجيال عديدة قبل أن يروا هذه الشعلة مرة أخرى… وقبل أن تسمع الأصوات المستقلة مجدداً في وسائل الإعلام العربية، وقبل أن تستطيع الحكومات أن تحاسب على سياساتها.

أتذكر دوماً محادثة جرت مع صحفية تونسية، بعد أن أجبر بن علي على التنحي والخروج من البلاد مطلع 2011. قالت لي بحزن: “جميعنا تكيفنا مع النظام السابق، جميعنا أراد الحصول على المال كل شهر، لنرسل أطفالنا إلى مدارس أفضل، ونحتفظ بوظائفنا”، ثم نظرت مباشرة إلى عيني وهمست: “بالتالي ليس لأحدنا أي شيء ليفخر به”.

وسأضيف فقط إلى ما قالته: “القرارات التي تأخذها، حول طبيعة ونوعية الصحفي الذي تريد أن تصبح عليه، ونوعية الصحافة التي تريدها أن تنتشر في الوطن العربي، ستكون القرارات التي سيتعايش معها أطفالك وأحفادك وأحفاد أطفالك من بعدك”.

لذلك، أحث الجميع للتفكير بحرص شديد، في الكيفية التي تنوون بها القيام بهذه المهمة الحيوية لإعلام المواطنين (الشعب). ما هي الخطوط الحمراء بالنسبة لك، ماهي الأمور التي تقبل ان تفعلها وما لا تقبل؟ لا بد ان يأتي ذلك الوقت قريبا.

البعض منكم، بالطبع، قام بالاختيار مسبقاً.

منذ وقت ليس ببعيد، نقل أحد زملائي عن صحفي مصري بارز قوله: “لن أقوم بزعزعة القارب من خلال انتقادي للرئيس السيسي، إنه القارب الوحيد الذي نملكه، لن أكتب عن الأخطاء أو المشاكل، السيسي يحتاج إلى دعمنا بالكامل”.

أستطيع أن أفهم وجهة النظر تلك. ولكن إذا كان هذا حقاً ما تؤمن به، سأوصيك أن تنضم إلى الحكومة وأن تكتب لهم بياناتهم الصحفية، وبذلك تزيل كل شكوك حيال الجهة التي تعمل عندها.

ولأكون واضحاً أكثر، ليس هناك أي خطأ في القيام بتلك الخطوة…فالحكومات تضم عديد الاشخاص من الموهوبين ممن يعملون لدىها بتفان لخدمة ما  يعتقدون أنه للمصلحة العامة. هؤولاء  يريدون إبقاء الأمور هادئة ومستقرة، دون إغضاب العامة.

كل ما سبق جيد ومفيد، ولكنه ليس “صحافة”.

بالنسبة لي، وببساطة من لا يقوم بهز المركب فهو لا يقوم بمهمته. انه مثل الجراح الذي يرفض إجراء عملية.

في هذه الحالة لديك المسمى الوظيفي ولكنك لن تقوم بالعمل. وبناء على ذلك، اسأل ماهي فائدتك لمجتمعك ولمهنتك؟

السبب الرئيس في اجتماعكم هنا اليوم، هو لأنكم تعلمون تماماً ما يجب على الصحفي أن يقوم به. عليه أن يتصرف كحارسٍ يقظ على مصالح المجتمع، ليخبر المجتمع تماما بما يجري من أخطاء ويرفق المعلومات التي تساعد على تصحيح المسار ويكشف المعاناة والظلم، ليتحدث عن اليائسين والضعفاء. عليه أن يجعل الحياة أفضل لا أن يبقى صامتاً ويقبل بالظلم، أو عدم الكفاءة، أو ما هو أسوأ من ذلك مثل التعذيب والقمع، وانتهاكٍ للحقوق الأساسية.

ما أقصده هو ان لا تقوموا بعمل الحكومة..

أقصد هنا ما حدث في أكتوبر/ تشرين الأول 2014 – حين قرر 17 رئيس تحرير صحف يومية مصرية العمل بالإنابة عن الحكومة؛ بمن فيهم رؤساء تحرير صحف حكومية مثل الأهرام وصحف خاصة مثل المصري اليوم والشروق.

ما فعلوه في الواقع أنهم قدموا عرضاً رسمياً سخيا أو شيكا على بياض للحكومة وبذلك حققوا المثل القائل: “لا أرى شراً، لا أسمع شراً، لا أتكلم شراً” معلنين الثقة الكاملة في مؤسسات الدولة مع الدعم لأي تدابير تتخذها الحكومة في مواجهة الإرهاب —  ويالها من هدية للحكومة. قالوا:”نؤكد التزامنا بحرية التعبير، ولكن نكرر رفضنا لمحاولات التشكيك في مؤسسات الدولة كافة، أو في التطاول على الجيش أو الشرطة او على القضاء، بما ينعكس سلباً على أداء هذه المؤسسات”.

وبعبارة أخرى قالوا للعامة: “لا تنتظروا منا أي انتقاد بناء لسياسة الدولة، أو تمحيص وتدقيق لأي من القرارات القضائية أو الحكومية، أو قرارات الشرطة، أو الأجهزة الأمنية، فجميعهم يعملون بكفاءة، ولن نقترب منهم”.

رأيي هنا لا يهم… الأهم من ذلك ما يعتقده أكثر من 600 صحفي مصري تحرك بسرعة ليوقعوا على بيان أدانوا فيه خطوة رؤوساء التحرير، بأشد العبارات المتاحة، واصفين تلك الخطوة بـ”انتكاسة لحرية الإعلام”، وقتل متعمد للمهنة، وإهدار لكرامة كل صحفي مصري.

وأضافوا: “رؤساء التحرير تخلوا طوعاً عن حرية الرأي والتعبير، وقدموها للسلطة التي مازالت تلحق الضرر بالحريات وتحاكم الصحفيين”.

ومهما كان رأيك في موقف رؤساء التحرير، وردة الفعل حولها فإن الصحافيون ال 600 قرروا اتخاذ موقف واضح بحدود واضحة وقرروا ان يقولوا للسلطات كفى.

لكن هل يعني ذلك أن المعركة بدأت الآن بشكل جدي؟،

أشك في ذلك، ولكن ذلك يعني أن عديد من الصحافيين لن يستسلموا بسرعة دون قتال حالهم حال السلطات.

وقد حذرت اللجنة الدولية لحماية الصحفيين، الشهر الماضي، من أن الصحافة في مصر تواجه خطراً حرجاً في الفترة التي تسبق الإنتخابات البرلمانية المقررة قبل نهاية مارس 2013. وذكرت اللجنة: “تتابع الحكومة اتخاذ إجراءات صارمة ضد الصحافة، مجبرة الأصوات المستقلة والناقدة على الصمت، أو النفي، والسجن”، وأضافت: “تكميم وسائل الإعلام الإخبارية، وتهديد الأصوات الناقدة، يقلل من أي فرص لحوار ونقاش مفتوح — وهو الشرط المسبق لأي انتخابات حرة ونزيهة”. 

التعليقات الصادرة عن اللجنة الدولية لحماية الصحافيين رددتها ايضا الكثير من المجموعات الأخرى العاملة في هذا المجال.

 لذلك لا تتخيلوا أن بقية العالم نسي الصعوبات التي تواجهونها… أو تناسى تشديد القيود عليكم والعقوبات القاسية — فقط لأنك تمارس عملك.

أريج، اليوم وبعد ثمان سنوات، تتمتع بدعم قوي وملتزم من عدة حكومات ومؤسسات غربية.

واهتمامهم: ينصب في منحكم الأدوات اللازمة لتقوموا ب”عمل احترافي جيد” تودون القيام به، بحيث تضعون حكوماتكم أمام المساءلة، وتتقصون الطريقة التي يديرون بها سلطاتهم، لتتأكدوا جيداً طريقتهم في إنفاق نقودكم أموال الضرائب.

أما بالنسبة لمنظمات حقوق الإنسان الدولية، ووكالات الأمم المتحدة فهم لن يتغاضوا عن هذه الأمور أيضا.

إن قضية حرية الصحافة ما تزال حيّة، في نطاقها العام، وستستمر حتى تناقش علناً.

على سبيل المثال، واجهت مصر الشهر الماضي، انتقادات واسعة من دول غربية حول سجلها في حقوق الإنسان، أثناء حضورها جلسة مجلس حقوق الإنسان في جنيف، ضمن آلية المراجعة الدورية الشاملة. وانتقدت تركيا والولايات المتحدة الأميركية بشدة قانون تقييد المظاهرات، وأشارت النرويج إلى قضية احتجاز الصحفيين، فيما دعا المدافعون عن حقوق الإنسان إلى إطلاق سراحهم بشكل فوري. من جانبها، رفضت الحكومة الانتقادات مدعية أن الجميع لديه تصور مغلوط وغير دقيق. وأصرت على نفي وجود سجناء سياسيين، وأنه لا يوجد هناك أشخاص في السجن بدون سبب أو خارج الأطر القانونية.

وأشادت كل من السعودية وروسيا، بدور مصر في حقوق الإنسان.

من جانبها قررت سبع منظمات مصرية لحقوق الإنسان، عدم حضور الاجتماع، خوفاً على ما يبدو من تعرضهم للانتقاد المحتمل في تلك الجلسة.

ماذا يخبرنا كل ما سبق؟

يجب أن يحذرنا بأن مسألة حقوق الإنسان في الإجمال، بما في ذلك حرية الصحافة، ستتحول إلى ساحة قتال مرير متنازع عليها في هذه المنطقة، في المستقبل القريب.

ولا ينبغي لأحد – خصوصا الصحافيين- أن يدخل منطقة الصراع هذه دون أن يدرك المخاطر الشخصية الكبيرة التي تنطوي على هذا الأمر.

وقد رسمت اليونيسكو صورة كئيبة للمشهد الإعلامي الذي نعيشه، إذ أن الاتجاه السائد، يعرض الصحافة كقوة إخلال، ومصدر للشقاق والانفصال.

علاوة على أنه في البلدان التي شهدت تغييراً في القيادة السياسية، نادراً ما اعترفت النخب الجديدة بدور الحارس الرقابي للصحافة. ولم تنط بوسائل الإعلام المملوكة للدولة مهمة الخدمة العامة أو الانخراط مع حرية الإعلام.

وعوضاً عن ذلك، استمرت إلى حد كبير في انعدام استقلالية التحرير.

إذن، الأمور لا تسير في صالحك، أي إذا كنت تريد القيام بعمل جيد واحترافي، قل الحقيقة وابقى بعيداً عن السجن. ولن تكون صعبة كما يتصور البعض، إذا كنت تعول على دعم الجمهور، على الأقل.

ولكن الاتجاه الذي تتحدث عنه اليونيسكو- حول رؤية الصحفيين كمثيرين للشغب، ومزعزعي الاستقرار،والناس الذين أفسدوا المجتمع – تغلغل تدريجيا في الوعي العام.

أحد الصحفيين المصريين، ممن كانوا هنا الشهر الماضي، أخبرني: “أستطيع التحقيق، يمكنني الإشارة إلى الخطأً، يمكنني النقد، ولكن الناس لا يريدون ذلك، ويقولون لي لماذا تضعنا في أمور نحن في غنى عنها، نحاول الحصول على بعض السلام والهدوء، لماذا تحاول دائماً أن تثير الأمور”.

وتشاركه الرأي أيضاً صحفية هنا في الأردن، إذ تقول: “المجتمع لا يهتم بحرية الإعلام. فعندما حجبت الحكومة بعض مواقع الإنترنت، تظاهر أمام نقابة الصحفيين الأردنين 50 صحفياً فقط”.

وأكثر من نحو ألف عضو لم يهتموا، كما لو أنها ليست مشكلة بالنسبة إليهم. ولم يلقى الموضوع اهتمام النواب أو من الجمهور، لأن الغالبية لم تشارك ببساطة بمهرجانات الاحتجاج التي حاولت مواقع إنترنت تنظيمها”.

وأخبرني أحدهم: “جميع الصحف، بما في ذلك وسائل الإعلام المملوكة للقطاع الخاص، تتبع النهج الرسمي. حتى أن بعض الأردنيين لا يريدون أن يسمعوا كلمتي حرية وإصلاح، بعدما شاهدوا ما حدث في ليبيا واليمن وسورية. بالنسبة لهم، الإصلاحيون هم جزء من مؤامرة أجنبية لزعزعة استقرار الدولة”.

العديد من الناس يرون ذلك هكذا، والأرقام تنمو شيئاً فشيئاً. لذلك، لن تنالوا أي جوائز من مجتمعاتكم لقاء بحثكم عن الحقيقة، حتى لو نجحت ونشرت قصتك، وهو موضوع آخر.

حتى في تونس، والتي ينظر إليها كأحد أنجح الانتفاضات العربية، أظهر استطلاع رأي خاص هذا العام، أن نحو 30 % سيكونون سعداء إذا عاد الديكتاتور زين العابدين بن علي إلى السلطة؛ الرجل الذي أحكم قبضته وسيطرته على شبكات الصحافة والبث الإذاعي، وأطلق النار على كل من يقف في طريقه. وثلث السكان لا يرون أي مانع من عودته. وبعد كل ذلك، الباجي قائد السبسي الذي وصل إلى القمة في جولة الاقتراع الأولى،  كان أحد معاوني بن علي، ويبلغ من العمر 88 عاماً، هو جزء من منظومة أقصيت قبل ثلاثة أعوام بكثير من الصخب والاحتفال. إذن لماذا لا يأتون بالبقية مرة أخرى؟

هذه وجهات نظر بعض الأشخاص.

يقولون: “الأسعار ارتفعت، والبطالة في ازدياد، والحياة تصبح أكثر صعوبة مع كل هراء الديمقراطية هذا. إنظر إلى القبور الجمعية في ليبيا وسورية، ألق نظرة على ملايين اللاجئين الذين يتدفقون عبر الحدود، من يحتاج أياً من هذا؟ أنظر ماذا استفدنا من ذلك”؟

هذا ما تواجهونه.

 ليس فقط الحكومات التي تسعى للتحكم بصوتك، ولكن هناك قطاعات من الجمهور لا تريد أن تسمع، لأنك أردت الحرية أكثر مما أرادته.

“هل تعتقد أن الديمقراطية، والخطاب الحر، والحقوق الأخرى كافة ستأتي بالفائزين، وأنهم بالفعل يعدّون الخاسرين حولهم. حياة البعض محطمة، الأسر مكلومة، الشركات انهارت، والرجل العامل العادي والمرأة، من سيصبحون قريباً في الشارع وقد يتسولون يوما ما للبقاء على قيد الحياة”.

أتذكر منذ عدة سنوات، عندما كنت أتحدث مع محامي مصري حول قضية حقوق إنسان، وبدأ بالضحك، ثم قال: “هذا ليس ما يريده الناس، على الأقل هم يطلبون أمورا أخرى أكثر؛ يريدون وظائف، نقود، دواء للمرضى، حياة هادئة، وإذا استطاع الديكتاتور أن يؤمن لهم ذلك، فلن يلتفتوا إلى خطابك الحر، وصحافتك الحرة، من ستظن أنهم سيضحون به أولاً”؟

إذن مهنتكم تترككم وحيدين في الساحة. وغالباً ناكرة للجميل. وليس معنى كلامي أنها لا تستحق العمل بها، البحث عن الحقيقة ليس فعلاً خاطئاً، قد يكون غير مريح، أو محرجاً للبعض.

 ولكنه بالتأكيد ليس خطأ.

يقول الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه – الخليفة الراشدي الرابع- قبل 1400 سنة: “إذا أراد الله سبحانه وتعالى أن يذل عبداً، حرمه من الحقيقة أولاً”، وهذا الكلام صحيح في زمننا كما كان صحيحاً في زمانهم.

هؤلاء الذين حرموا من الحقيقة، يذلون يومياً، حول العالم.

وأريد أن أحثكم على عدم خوض هذه اللعبة.

لنعد إلى السؤال الذي أُسال مراراً وتكراراً، كيف تقوم بعمل جيد وتبقى بعيداً عن السجن؟

حسناً، إليك بعض الأمور التي يجب أن لا تفعلها.. لا تكذب، ولا تتعمد إخفاء الحقيقة، قاعدتان ذهبيتان، قبل أي شيء. بعد ذلك، ادفع الحدود وارفع السقف عندما تستطيع. فالمعارك الصغيرة تستحق خوضها مثل المعارك الكبيرة. كن منصفاً، وانظر في جميع جوانب القضية أو الجدال، كن دقيقاً والتزم بالمعايير الصحيحة.

 حتى إذا كان هناك نسبة من الناس لا تريد. أعدكم أن جزءا كبيرا من المجتمع خارج المشهد ما يزال يصر على معرفة الحقائق.

إلى جانب ذلك، ليس هناك عيب في أن تعمل من أجل فئة تريد الاطلاع بدل العمل من أجل الجميع.

من حق الأجيال اللاحقة أن تعلم ماذا جرى هنا والآن. كيف كان الواقع، كيف تصرف الناس، من فعل ماذا ولمن؟

وحتى نضعها بصورة مبسطة أكثر، إنها الطريقة التي تتعلم بها المجتمعات، واحترافك الصحافي يساعد على تحديد الدروس التي يسعى إليها المجتمع. ومساهماتك هي أيضاً جزء أساسي وجوهري من قصة الحياة على هذا الكوكب، ما أطلق عليه أحد الصحفيين الأميركيين المشهورين “كتابة التسخة الأولى من التاريخ “.

صدقوني، إنه المساهمة في كتابة ذلك لشرف كبير.

وهناك سبب آخر، لماذا يتحتم على الصحفيين أن يتمتعوا باستقلاليتهم. يحتاج المجتمع إلى أن يسمع وجهات نظر مختلفة ومعتقدات مختلفة، سيما تلك التي لا تروق للغالبية.

وحرية التعبير، تعني الدفاع عن أشخاص قد لا تكن لهم المودة، بالقدر الذي تدافع فيه عن الذين تحبهم. لأنه إذا كان هناك فرد واحد لا يتمتع بحرية التعبير فلا أحد غيره يتمتع بها.

لماذا عمل المدافعون عن حقوق الإنسان في مصر مع جماعة الأخوان المسلمين، كل تلك السنوات، عندما كانوا يسجنون ويضطهدون على يد نظام حسني مبارك. فعلوا ذلك، ليس لأنهم يحبون وجهات نظرهم، ولكنهم أدركوا أنه إذا كان هناك شخص واحد حرم من حقوقه الأساسية، فالمجتمع بأكمله في خطر.

إذا كان بإمكان الحكومات إسكات فرد واحد من خلال الإفلات من العقاب، فيمكنها أن تفعل ذلك مع أي شخص.

أكرر، إذا لم يكن هناك شخص واحد آمنا، فلن يكون هناك أحد آمن على الإطلاق.

إذن حقك في التحدث بحرية، يصون حرية الآخرين في التحدث بحرية أيضاً.

وإذا لم يكن لدينا صحافة حرة، كيف سيكون لدينا مجتمعات متسامحة؟ هل لاحظتم كيف يموت التسامح في هذه المنطقة، وفي مناطق كثيرة من العالم. لأن التراجع كان يتعمق ببطء ولكن بشكل حتمي على مدى سنوات عديدة.

ونرى غالباً مجموعات من البلطجية أو الميليشيات أو الطغاة، يقررون ما نشاهد وما نقرأ وما نسمع، طاردين وجهات النظر البديلة. يخبروننا أنهم وحدهم من يمتلك الحق في تقرير طريقة عيش المجتمعات.

هذا ما نحصل عليه عندما لا يكون هناك خطاب حر.

حكومة واحدة.

قاض واحد.

آلة بربوغندا واحدة.

والعديد العديد من السجون.

حرية الصحافة تتيح لك العديد من الأفكار ووجهات النظر، وتجعلك تقرر بشكل شخصي ما تريده وما لا تريد. وهي لا تعاملك مثل الطفل، الذي يكرر درس اليوم خلف أستاذه.

العالم مليء بالأمور التي لا تعجبنا. ولكنك تتخذ قرارك الشخصي حول ذلك الموضوع، وتحترم حق الآخرين ليفعلوا ذات الأمر. إذن هناك الكثير من الأمور على المحك، عند النظر إلى مستقبل الصحافة في الوطن العربي.

فكرة أخيرة، قبل أن أنتهي.

بدأت خطابي هذا، حول أحداث بولندا في عام 1981، وكيف كافح الشعب الدكتاتورية والشيوعية وفرضت الأحكام العرفية في البلاد وحظرت حرية الصحافة.

ولكن ذلك لم يدم طويلاً، لسبب بسيط، وهو أن الناس لم تستسلم.

وعلى مدى سنوات، اضطرت الحكومة البولندية للرضوخ والاستماع لمطالب الحرية، وأجبرت على إجراء انتخابات حرة، وأخيراً أجبرت لأن تختفي من الساحة السياسية تماماً.

ولم تسقط الشيوعية في بولندا وحدها – ولكن بعد 10 سنوات على احتجاجات البولنديين- انهار النظام الشيوعي في كامل أوروبا وفي روسيا أيضاً.

وحصل التغيير. بشكل دائم، لا يمكن تصوره، وجريء وجذري.

حصل هذا الأمر لأن عددا كافيا من الناس أرادوا ذلك، ولأنهم شعروا بالإلهام، وأدركوا أن هناك طرقاً أفضل للعيش.

عملكم في مجال الصحافة يجعلكم وكلاء التغيير، تنقلون ما قيل وما حدث، وربما الأهم من ذلك، تركزون على ما قيل، وما لم يتم فعله. ويمكنكم المساعدة في بناء مجتمع قوي ومتماسك، يناقش ويجادل علناً وبصدق مع نفسه. المجتمع الذي يعرف أكثر، وبناء على ذلك يهتم أكثر بالأشخاص الذين يعيشون داخله.

ومن دون جهودكم الحقيقية في حقل الصحافة، هناك خطر أن يمشي العديدون “أثناء النوم” نحو المستقبل دون أن يعرفوا ما يدور حولهم في مجتمعاتهم.

يقدمون بدون وعي نحو حكومات المستقبلية، نظام قضائي مستقبلي، وقيود مستقلية، بدون أن يكون لديهم الفرصة لأن يختبروا حكوماتهم، ويسألونها، ويقررون بأنفسهم ما إذا كانوا يريدونها أم لا.

 وإذا حصل هذا سيصيبنا الندم إلى الأبد.

شكراً لكم جميعاً.

أخبار ذات صله


تليقاتكم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.