سوريا: موضوع التحقيقات الاستقصائيّة ومصنعها

2016/10/23
التاريخ : 23/10/2016

السفير: مع دخول الحرب عامها الخامس في سوريا، يتنامى الاهتمام بالصحافة الاستقصائية. باتت سوريا تشكّل ملعباً للصحافيين الاستقصائيين، حيث يمكن، على الأقل، إيجاد موضوع واحد لكل صحافي. قدّمت الحرب مواضيعها لكنّ المصادر لا تزال قلقة. أدوات غير مكتملة. لا أرقام. ظروف اقتصادية سيئة، في ظلّ غياب إعلام خاص تنافسيّ يقتصر على الإذاعات. صحفٌ ومجلات لا يتجاوز عددها العشرة مع تقطّعات في الطباعة والصدور، بعد ان كان عددها قد وصل إلى 337 مطبوعة، قبل الأزمة.
على الرغم من ذلك، تُبذَل جهود في وزارة الإعلام السورية لتفعيل الصحافة الاستقصائية؛ عبر تقديم دعم مادي ودورات بمدربين متخصصين. وقريباً ورش عمل لوزراء التنمية البشرية وبعض المعنيين، حول الإعلام الاستقصائي لتسهيل عمل الصحافيين وليثق المسؤول بأن مهمة الاستقصاء ليست شخصية أو للتشفّي.
يقول مدير الإعلام التنموي في وزارة الإعلام عمار غزالي في حديثه لـ «السفير»: «بدأ الاشتغال على الوحدات الاستقصائية في المؤسسات الإعلامية الرسمية كافة منذ العام 2014، التابعة لدائرة الإعلام الاستقصائي في مديرية الإعلام التنموي (قريباً تصبح مديرية الإعلام التنموي الاستقصائي). دُرِّبت الفرق خلال ورش عمل من قبل متخصّصين بالتعاون بين وزارة الإعلام واللجنة الوطنية السورية لليونيسكو. ومن المتوقع أن يكون أول مشروع استقصائي منجزاً العام المقبل».
كذلك يجري العمل على تأسيس «شبكة الإعلاميين الاستقصائيين السوريين»، وهي غير مرتبطة باتحاد الصحافيين، ويُنشر قريباً دليلٌ خاصٌ بها. «يضمّ الفريق الاستقصائي حوالي خمسة وثلاثين صحافيًا متمكّناً من وسائل الإعلام الرسمية وستقام ورشة عمل للإعلام الخاص؛ إذ لم يخضع من دخل سوق العمل من الإعلاميين في سنوات الأزمة لدورات تدريبية تخصصية. لدينا محاضرون جيدون ومتميزون لكننا لا نزال نفتقر إلى المدرّبين».
يؤكد المتخرج من قسم العلاقات الدولية بأن دعم الإعلام التنموي يقتصر على الحكومي منه، معتبراً أن الأمر ليس سهلاً خصوصاً في ظلّ غياب الإعلانات والإنتاجات الدرامية المسوَّقة بشكل جيد. «على سبيل المثال نحن بصدد إنتاج خمسين فاصلاً إذاعياً وتلفزيونياً حول قضايا اللجوء والمرأة والعنف والاتجار بالأشخاص. لكن الأدوات التسويقية تقتصر في سوريا على الفنانين، لا يوجد رياضي أو مسرحي أو موسيقي مؤثر. ومن جانب آخر لا نستطيع قياس الأثر في ظلّ انقطاع التيار الكهربائي وخروج بعض القنوات التلفزيونية عن الخدمة في بعض المناطق الأكثر استهدافاً».
من جانبه يرى الدكتور عربي المصري، الأستاذ في كلية الإعلام في جامعة دمشق، أن سوريا أصبحت مقرّاً لاستقطاب الصحافيين مثل أي بلد يمرّ بأزمة. ويقول في حديثه لـ «السفير» إن «نسبة كبيرة من الصحافيين يدخلون بطريقة غير نظامية إلى مناطق خارج سيطرة الدولة ويُجرون تحقيقات على مستوى كبير من الأهمية لصحف ومواقع عالمية. لقد أصبح السوريون بحدّ ذاتهم موضوعاً مهماً للتقصّي». ويضيف: «تفرض الأزمات زيادة مشاكل ويصدر عنها تجار أزمة. من هنا تصبح الصحافة الاستقصائية بشروطها الثلاثة محققة جداً». يقول المستشار عن سوريا ـ العام قبل الماضي ـ في شبكة «أريج» لتطوير الصحافة الاستقصائية العربية: «من أهم الاستقصاءات التي صدرت في العام 2015 كانت لصحافي سوري مستقل في تركيا، تناول التلاعب بأرواح المهاجرين عبر بيعهم سترات نجاة محشية بمواد مغرقة. ومن التحقيقات التي أجراها صحافيون سوريون لصالح شبكة أريج كانت عن استغلال العمالة السورية في تركيا».
قبل الأزمة كان طرح مشكلة الصحافة الاستقصائية في سوريا يقابل بأن التوقيت غير مناسب. يعلّق المصري الذي يتعاون حالياً مع «أريج» بصفة دكتور في كلية الإعلام على هذه النقطة قائلاً: «قبل الأزمة وخلالها دعمت الشبكة الصحافة الاستقصائية العربية بشكل جيد. في العام 2008 مثلاً، فاز تحقيق حول الاعتداء على قلعة أثرية في شمال سوريا. في العام 2010 فاز خمسة صحافيين سوريين بجوائز عن تحقيقات أجروها في سوريا بتمويل من الشبكة ونشرت في مختلف وسائل الإعلام السورية. أيضاً في دليلها «على درب الحقيقة» أو في مناهجها وضعت الشبكة أمثلة عدة عن تحقيقات لصحافيين سوريين، وهذا يدلّ على تأثيرهم الكبير. لكن التقييم يقتصر حاليًا على عدد الجوائز التي نالها سوريون خلال مؤتمرات أريج التسعة الماضية، تقريباً لا يخلو مؤتمر من جائزة لتحقيق بتوقيع صحافي سوري». في هذا ال سياق يشير المصري إلى أن تحقيق «أطفال بلا نسب» لصحافيين سوريين اشتغلا عليه من دمشق هو مرشح قوي للجائزة المقبلة أواخر شهر تشرين الثاني في منطقة البحر الميت.
يؤكد المصري أنه «من الواضح أن هناك توجّهاً على مستوى كبير في الدولة لاعتبار الصحافة الاستقصائية حاجة وطنية»، معتبراً أن الأمر يحتاج إلى نشر ثقافة التقصّي في المجتمع، عندما تثق الناس بصحافتها تلجأ إليها، ويبني الصحافي تحالفه مع الناس بطريقة أسهل».
الرهان هنا ليس على الحملة المكثفة لتفعيل دور الصحافة الاستقصائية وحسب؛ بل على التغيرات في وسائل الإعلام والقطاع الخاص والحكومي. بحيث تتفاعل لجعل دور وسائل الإعلام مركزيًا، في مقاربة شؤون الناس.


تليقاتكم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.