حمود المحمود: استقصاء الفساد والجريمة المنظّمة ساهم في ظهور عصر الفرق الصحافيّة العابرة الحدود

2016/12/6
التاريخ : 06/12/2016

الحياة: في المؤتمر الأخير لشبكة الصحافيين الاستقصائيين الدولية في النروج قبل نحو عام من الآن، افتتح رئيس المؤتمر كلمته بعبارة: «العالم الآن أصبح قصة صحافية واحدة». ولم تنته أيام المؤتمر الثلاثة في مدينة ليلهامر الوادعة، حتى ظهرت الجوائز التي تكرم أفضل التحقيقات الصحافية في العالم لتنطق بالعبارة ذاتها. فقد فاز بالجائزة الأولى تحقيقان استقصائيان، أحدهما أنجز في شرق الكرة الأرضية، والآخر في غربها، والاثنان جمع بينهما قاسم مشترك: فريق من الصحافيين من بلدان مختلفة، يكشف فريقاً من المافيا ينشط في بلدان مختلفة.

وربما للمصادفة الطريفة، أنّ التحقيقين كان لهما من اسمهما نصيب، قدما من خلال عنوانيهما إلهاماً للصحافيين الذين يتعاونون عبر الحدود في كشف الفساد. فكان عنوان التحقيق الأول: «التحالف غير المقدس» ويكشف عن تحالف المافيا في دول أوروبا الشرقية، وصولاً إلى شرق آسيا لتبييض الأموال، وقام بالتحقيق فريق من الصحافيين عبر حدود أكثر من دولة في شرق أوروبا والشرق الأوسط والأدنى، بقيادة فريق صحافي من «منظمة التحقيقات الاستقصائية في الفساد والجريمة المنظمة OCCRP». والتحقيق الثاني أيضاً حمل عنواناً يحمل معنى تمدد الجريمة عبر الحدود، وهو «إمبراطورية الرماد»، وأنجزه فريق من الصحافيين في البرازيل وأميركا الجنوبية، لكشف إمبراطورية من مهربي التبغ بين دول أميركا اللاتينية.

إطــــلاق شعار «العالم قصة واحدة» لم يكن إيذاناً ببدء التعـــاون الصحافي عبر الحدود، بل كان توصيفاً لحالـــة فـــرضت نفسها في السنوات الأخيرة أكثر فأكثـــر مع تطور وسائل التواصل الاجتماعي وتكنولوجيا الإنترنت والتشفير. فقد وجد الصحافيون بعد تسريبات «أوف شور ليكس» و»سويس ليكس» و»لكوس ليكس» في 2011، عندما وصلت الى الاتحاد الدولي للصحافيين الاستقصائيين ICIJ وثائق عن الشركات والحسابات السرية في سويسرا ولوكسمبورغ وغيرهما مما يسمى بالملاذات الضريبية الآمنة، اكتشف خلالها الصحافيون أنّ الفاسدين وأقطاب الجريمة المنظمة يتقدمونهم بخطوات كبيرة في طريقة عملهم.

فالتعاون بدا واضحاً ومنذ سنوات طويلة، بين مسؤول فاسد أو رجل أعمال متهرب ضريبياً في بلد ما، وبين مكتب قانوني يغطي قانونياً في بلد ثان، وبنك يسهّل في بلد ثالث، وسلطات أخـــرى تسمـــح بتسجيل شركات ســرية وتخفي أسماء مالكيها في بلد رابع، لتكتمل حلقة من التحالف «غير المقدس» بين أركان شبكة الفـــساد وتبييض الأموال بين أشخاص ومؤسسات قد لا يعرفون بعضهم ولا تجمعهم سوى المصالح. وهنا ظهرت الحاجة الى تطوير أدوات الصحافيين ومهاراتهم والتعاون عبر الحدود لتعقّب هذه الشبكات. فظهرت للمرة الأولى تحالفات منظمة «ومقدّسة» بين الصحافيين عبر الحدود، لمواجهة تلك التحالفات «غير المقـــدسة» بين شبكات الفساد، وأصبحنا في السنوات الأخــيرة، نرى الفرق الصحافية تعتلي منصات التتويج لتُكرّم بجوائز عالمية كانت لسنوات حكراً على أفراد من الصحافيين، لم تحقق تحقيقاتهم ربما التأثير والانتشار العالمي اللذين يمكن أن تحدثهما تحقيقات الفرق الصحافية العابرة للحدود.

وكما كان تحالف شبكات الفساد معتمداً على تقاسم الأدوار وفق الاختصاص والموقع، فقد بدأت الفرق الصحافية تواجه التحالف غير المقدس بآخر مقدس. فالبنك الذي يساهم في حركة الأموال القذرة، تمت مواجهته ضمن فريق المحققين الصحافيين بصحافي متدرب على ملفات المصارف وقراءتها وفهم الحركة والقوانين التي تحكمها في كل بلد. والمحاسب الذي يتلاعب بالميزانيات للتهرب الضريبي، تمت مواجهته بصحافي متخصص في قراءة الميزانيات والموازنات، وما بين السطور من طرق للتهرب أو التجنب الضريبي.

كما واجهت الفرق الصحافية فرق التهريب عبر الشحن البحري، وتغيير أعلام السفن وطرق تسجيلها، بصحافيين أصبحوا خبراء في تعقب شحنات النقل البحري، وتبدل السفن وتبدّل ملكياتها، والأسماء الخفية لبعض مالكيها في سلطات مختلفة. بل أكثر من ذلك، فقد ظهر خبراء صحافيون متخصصون في تعقّب شحنات الأسلحة، وفي تعقّب ملكيات الشركات بطرق قانونية لا يتوقع الوكلاء القانونيون للشركات، أنّ ثمة صحافيين باتوا يتقنونها، فقد باتوا يصلون إلى المالك الحقيقي لشركات الأوف شور، مهما كانت طرق إخفائها معقدة: «ترست، أوف شور، شل، شلف…» إلخ.

يطوّر الصحافيون أدواتهم في مواجهة تطور سريع في عالم الجريمة والفساد، الى درجة ظهر فيها هذا التحالف الصحافي المقدس في مواجهة التحالف غير المقدس للفساد، تماماً كما ظهر ما يسمّى «الهاكر الأخلاقي» في مواجهة «الهاكر غير الأخلاقي».

باتت اليوم الفرق الصحافية تتكامل لإنجاز تحقيق واحد متكامل، فقد تكون نقطة قوة أحد أعضاء الفريق أنّه مقيم في هذا البلد أو ذاك، وثان قد تكون نقطة قوته في خبرته بالبنوك، وآخر قد يكون متخصصاً بالميزانيات والرابع بشركات الأوفشور والخامس بخبرته التكنولوجية. ولدينا حالات انضمّ فيها الى الفريق الصحافي محامون وخبراء في التهرب الضريبي أو خبراء في البيئة وهكذا، الى درجة أن بعض التحقيقات الاستقصائية التي عملت عليها فرق صحافية متكاملة من هذا النوع، دفع بعض الحكومات الى الاستعانة بالخبراء الصحافيين لمساعدتها في حل ألغاز لأعمال المافيا والتهريب والجريمة المنظمة في أكثر من بلد.

محاولات التحالف بين الصحافيين الاستقصائيين عالمياً بلغت ذروتها هذا العام، عبر التحقيق الاستقصائي الأضخم في التاريخ وهو «وثائق بنما»، حيث شارك نحو 400 صحافي من أكثر من 100 بلد وأكثر من 100 مؤسسة إعلامية في أكبر فريق وتحالف صحافي لكشف فساد وتهرّب وتجنّب ضريبي وتضارب مصالح قامت به شركة قانونية واحدة تسمى موساك فونسيكا، وسهلت لنحو نصف مليون شخص في العالم من رجال أعمال ومسؤولين وغيرهم تسجيل شركات خفية «أوفشور».

ولم تكن تلك الـ11.5 مليون وثيقة سوى دليل آخر على أنّ العمل الجماعي لدى الصحافيين الاستقصائيين لم يعد خياراً بل بات ضرورة حتميه. فالصحيفة الألمانية زوديتشه تسايتونغ، والتي حصلت على الوثائق أولاً، اعترفت بأنّها غير قادرة لوحدها على إدارة تحقيق صحافي بهذا الحجم الضخم من الوثائق، كما فعلت قبلها بعام صحيفة لوموند الفرنسية، والتي كانت تلقت أولاً تسريبات وثائق سويس ليكس. وكما لجأت لوموند قبل عام، إلى الاتحاد الدولي للصحافيين الاستقصائيين لطلب التعاون وحشد الشركاء عبر العالم، كذلك فعلت الصحيفة الألمانية، لتصبح وثائق بنما في حيازة الفريق الأقدر على إدارة الجانب التقني «بتطوير منصات إلكترونية للبحث في هذه الوثائق وإدارتها»، والجانب العملي بـ»انتقاء فريق من 400 صحافي ومن أكثر من مائة بلد، والإشراف على عملهم وتنسيق أوركسترا التعاون في ما بينهم».

كان نحو عشرة من الصحافيين العرب بين هذا العدد المختار من الفريق العالمي عبر شراكة مع «إعلاميون من أجل صحافة استقصائية عربية» (أريج) التي عقدت خمس ورشات لتدريب صحافيين عرب على تعقّب الفساد العابر للقارات، حيث كان كل واحد من الفريق عنصراً لا يستبدل ولا يستعاض عن خبرته ووجوده أينما كان.

لقد فرضت عولمة السياسة والاقتصاد، عولمة أيضاً في الإعلام، وعولمة في المعلومات، لكنّ أياً منّا لا يستطيع أن يزعم أنّه يمكن أن يكون خبيراً في كل البلدان، ولا يمكن أن يستغني أي منّا بفضل عولمة المعلومات عن البحث عن شريك محلي. فالشريك المحلي يمكن أن يقدم بخبرته وفهمه بيئة العمل في بلده، ما لا تستطيع اكتسابه لمجرد وصولك إلى معلومات متاحة عبر الإنترنت، فضلاً عن الخبرة التي يكتسبها كل فرد في الفريق عبر مراحل من الزمن عمل فيها على تحقيقات وقصص مشابهة أو متعلقة بالأشخاص والشركات ذاتهم.

وعلى رغم انتشار سياسات التحالفات السياسية والعسكرية التي بدأت تعود الى دواع أمنية واقتصادية حول العالم، فإنّ ما يميز التحالف الصحافي العالمي أنّ المصلحة المشتركة التي تجمعه هي «المصلحة العامة» في مكافحة الفساد والجريمة المنظمة، وهو ما قد يجعل الصحافيين في دولتين متناحرتين يتحالفون معاً ضد الفساد في كلا البلدين. وهذا ما وجدناه في تحالف الصحافيين من مائة دولة ضمن «وثائق بنما»، فكان الصحافي الروسي متحالفاً مع الأميركي، ومعهم الصيني والعربي والكوري الجنوبي والياباني والتركي وغيرهم، جميعهم في خندق واحد.


تليقاتكم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.