الجوردن تايمز في عيدها الأربعين!!!

2015/11/4
التاريخ : 04/11/2015

رنا الصباغ
تستحق يومية “الجوردن تايمز” افتخار الأردنيين ببصمتها الاستثنائية على خارطة الصحافة الأردنية وهي تحتفل بعيدها الأربعين. كما تستحق دعم الدولة الأردنية بمكوناتها الرسمية والشعبية لأنها أستطاعت الصمود في أرض وعرة وبيئة مالية صعبة لتحافظ على مكانتها كمدرسة رائدة تحتضن تقاليد الصحافة المحترفة قدر المستطاع وترفع قيم الحرية، الديمقراطية والليبرالية السياسية والتنوير الاجتماعي والانفتاح التعليمي الذي نحتاجه جميعا.
ذلك أن هذه الصحيفة نجحت بأقل الإمكانات في توطين هذه التقاليد وتخريج أجيال من الإعلاميين المستقلين وكتاب زوايا محترفين وجيش من الدبلوماسيين الناجحين والوزراء المتميزين. وخرّجت أيضا نشطاء مجتمع مدني يدافعون عن قضايا حقوق الإنسان والمرأة والطفل، بدل أن ينحصر دورها في أن تكون منبر علاقات عامة للحكومات باللغة الانجليزية وترجمة حرفية عن شقيقتها “الرأي” لجمهور محدود.
صمدت أسرة تحريرها أمام جبال من التحديات؛ صعوبة المحافظة على مراسليها ومحرريها الأكفاء والمخضرمين نتيجة تدني مرتباتها مقارنة مع المتطلبات اللغوية والتحريرية وضغط العمل اليومي، أزمتها المالية المستمرة وضعف تقدير غالبية أعضاء مجالس الإدارات التي تعاقبت على المؤسسة الصحفية الأردنية وبخاصة بعد رحيل جيل الأباء المؤسسين والداعمين: أمثال محمود الكايد والحاج جمعة حماد طيب الله ثراهما.
نجاتها بحد ذاته أعجوبة في زمن “الإعلام المرعوب” وتداخل المرجعيات التي تدير ملف السلطة الرابعة إلى جانب تراجع مناسيب الحريات العامة مقابل تنامي الرقابة الذاتية تحاشيا للمساءلة القانونية، رضوخا لتشريعات وتعليمات مسلطة على رقاب من اختار مهنة المتاعب؛ بما فيها قانونا المطبوعات والنشر ومحاربة الإرهاب. وأخيرا جاء قرار ديوان تفسير القوانين باعتماد قانون الجرائم الالكترونية لدى التعاطي مع تهم القدح والذم في المواقع الالكترونية الإخبارية ووسائل التواصل الاجتماعي ليكمل الأنشوطة.
رئيس تحريرها الأول كان الأستاذ محمد العمد الذي أصبح لاحقا مدير عام المؤسسة الصحفية الأردنية لسنوات. انطلقت الجوردن تايمز بدعم من الأمير الحسن بن طلال، ولي العهد آنذاك. اجتمع سمو الأمير بالعمد وطاقم الصحيفة قبل إشهارها. وحين سئل عما إذا كان يرغب في أن تكون الجوردان تايمز نسخة انكليزية عن الرأي الحكومية آنذاك، ام صحيفة تغطي الأخبار وتنشر التقارير بأسلوب خاص بها؟ أصر الأمير على أن تضم المولودة الجديدة “صحافيين وليس مترجمين من العربية الى الإنجليزية”.
رئيس تحريرها الثاني كان رامي خوري (1975-1982)؛ اليوم صاحب عامود سياسي في أهم صحف العالم ورئيس سابق لمعهد عصام فارس للسياسات العامة في الجامعة الأمريكية في لبنان. جاهد خوري لكي ينافس مضمون الجوردن تايمز محتوى الإعلام الدولي من خلال الإصرار على الحد الأدنى من الدقة، العمق والصدقية في تغطية أخبار محلية حساسة. وكان يقول إنه حقّق “تقدما لا بأس به للإستمرار في مهمته”.
رئيس تحريرها الثاني جورج حواتمة، المهندس النووي، الذي استبدل الهندسة بعشقه الأبدي بعد أن تخرج في بريطانيا في السبعينيات. واصل حواتمة ترسيخ تقاليد المهنة بمعايير دولية في هذه الصحيفة، وكانت له عين ثاقبة في اصطياد صحافيين واعدين حلقوا لاحقا في سماء الإعلام الدولي. خدمة حواتمة المتقطعة في رئاسة التحرير كانت الأطول بين نظرائه. ناضل لحماية استقلالية خطها التحريري ومهنية صحافييها. ودفع مرات عدّة كلفة تحويلها من بوق للحكومة إلى سلطة رابعة مستقلة وظيفتها الأساسية الرقابة، المساءلة ونبش قضايا تهم المجتمع وتتحدى الرواية الرسمية ضمن حق النقد المباح والمتاح. خلفاء حواتمة واصلوا على ذات الخط مدعومين بمحررين وفنيين قضّى بعضهم أزيد من ربع قرن من حياتهم في الصحيفة؛ أمثال ايليا نصرالله، إيكا وهبة ورنا الحسيني ما ضمن إدامة قيمتها التحريرية وثقافة التميّز الإعلامي.
صمدت الصحيفة بعد أن وضعت حكومة زيد الرفاعي اليد على حاضنتها الناشرة في منتصف الثمانينيات، لتأديبها بسبب مظاهر استقلالية زائدة عن المقبول. ثم أقالت الحكومة جورج حواتمة واستبدلته برامي خوري، الذي نزع إلى الاستقالة هربا من إملاءات السلطة. عيّن بعدهما د. وليد السعدى، الذي واجه معارضة لدى أسرة التحرير؛ ليس لأنهم لم يحترموه كزميل وإنما من باب تسجيل موقف للطريقة العرفية التي تعاملت بها تلك الحكومة قبل أن تقال بعد هبّة معان عام 1988.
بعد حقبة جورج حواتمة الأخيرة جاء عبدالله حسنات (رحمه الله) بعد أن تدرب في الصحيفة، التي هاجر إليها من سلطة الطيران المدني للعمل مع حواتمة. ثم تبعه إيليا نصرالله (أبو نادر) وكاتبة هذا المقال (1999-2001) كأول رئيس تحرير لصحيفة يومية سياسية في المنطقة. تعاقب على رئاسة التحرير مذذاك أيمن الصفدي والمرحومة جنيفر حمارنة وسمير برهوم (من 2007 لغاية اليوم).
طوال تلك العقود، عملت الصحيفة ضمن تقاليد مهنية ميزتها عن غيرها من صحف الأردن نتيجة التعددية الثقافية والعرقية والدينية. وتحولت إلى عنوان كل من يبحث عن التغطية الإخبارية والتحليل السياسي والاقتصادي المعمق والموثوق، مع أنها تأثرت أحيانا بموجات المد والجزر تبعا للحقبات السياسية السائدة — فترة الأحكام العرفية ثم التحول صوب المسار الديمقراطي عام 1989. وكذلك تراجع الحريات بعد توقيع معاهدة السلام الإشكالية مع اسرائيل عام 1994، وقبل ذلك حرب الخليج الأولى ثم الهجمات الإرهابية على نيويورك وواشنطن عام 2001، وحرب الخليج الثانية فمرحلة المناكفات العلنية بين ما عرف برجال الحرس القديم والجديد قبل خمس سنوات على حساب مسار الديمقراطية والتعددية والإصلاح السياسي-الإقتصادي. مؤسسة الضمان الاجتماعي التي يرأس مجلس إدارتها وزير العمل تمتلك حاليا 55 % من أسهم المؤسسة، ما يعني أن على أي رئيس تحرير الانتباه لما تطلبه الحكومة وإلا فسيقال كما حدث مع كاتبة المقال عام 2001، عندما أمرت حكومة علي أبو الراغب رئيس مجلس إدارة المؤسسة الصحفية بإزاحتها عن رئاسة التحرير لأنها رفضت الالتزام بأوامر حصر تغطية أحداث معان عقب موت شاب في مواجهة مع الشرطة، بحسب البيان الرسمي الذي نقلته وكالة الأنباء الأردنية (بترا)، ولأنها طالبت بضرورة التحقق من إدعاءات حول ممارسات تعذيب في مركز الشرطة خلال التحقيق مع الشاب.
في الجانب المشرق، تخرّج ويتخرج من رحمها إعلاميون محترفون؛ بعضهم يعمل اليوم في الديوان الملكي ووكالات أنباء عالمية وفضائيات عربية وأجنبية وصحف مرموقة مثل النيويورك تايمز والواشنطن بوست والوال ستيرت جورنال ولوس أنجليس تايمز. وما زال غالبية كتاب الزوايا هناك منذ عقود مثل د. موسى الكيلاني.
بالطبع تعاني الجوردن تايمز اليوم – كحال سائر الصحف ذات الملكية الخاصة والعامة (باستثناء الغد) – من أزمة مالية خانقة مفتوحه على احتمالات شتّى وسط تضاؤل “كعكة” سوق الإعلان وارتفاع كلفة الطباعة والورق، فضلا عن منافسة الإعلام الالكتروني وتطبيقات الهواتف الذكي. وفشلت غالبية الصحف في استباق هذه التحديات بالتحول إلى منابر وسائط متعددة بمضمون مختلف، مدعومة بإعلان الكتروني وصفحات رأي لكتاب من مختلف الألوان السياسية والثقافية.
ترتبط معاناة الجوردن تايمز بتراجع المؤسسة الصحفية الأردنية نتيجة تداعيات قرار إنشاء “تجمع المطبعة” بكلفة 35 مليون دينار. فلم يعد لديها فائض ل”تجود” به على الجوردن تايمز، شقيقة الرأي الصغرى.
لكن آن الأوان لأن يتخذ مجلس إدارة المؤسسة الصحفية قرارا استراتيجيا للاستثمار في تطوير موقع الصحيفة الالكتروني وتدريب فريقها الرشيق على استخدامات الوسائط المتعددة (الملتيميديا) كيما تتميز وتحلّق في سماء المستقبل، فضلا عن منح رئيس التحرير الحق في استقطاب كفاءات تحريرية بمرتبات معقولة بما يساعد فريق التحري على نشر 15 إلى 17 قصة حصرية. بدون استثمار في تطوير المنتج والموقع، ستستمر الصحيفة في الصدور لكن بصعوبة. وقد لا تصمد طويلا أمام صحف ومواقع الكترونية وفضائيات إقليمية ناطقة بالانجليزية سقفها أعلى من سقف “الجوردن تايمز” المتراجع، حال غالبية المطبوعات تحت مسمى حماية الأمن الوطني من الإرهاب العابر للحدود والردّة عن حرية الراي والتعبير.
ولن تستطيع جذب مزيد من المتابعين لمواقعها المجتمعية: (194 ألف معجب ومعجبة بصفحتها الفيسبوكية و110 آلاف متابع على حساب تويتر).
دون استثمار وتخطيط لن يتطور المضمون وآليات الوصول إلى أكبر عدد من المتلقين. وستستمر في خسارة المحررين والمراسلين، فيما يتواصل نضال رئيس التحرير وفريقه الصغير والمتعب مدفوعا بإرث الماضي لاستكمال قصة نجاح صحيفة ووسم مشع على جبين الوطن.


تليقاتكم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.