الإثنين ٢٠ - يناير - ٢٠٢٠ ١٠:٢٧ مساءً

رنا الصباغ تتحدث عن "أريج".. غرسة الزيتون أثمرت حقولاً

في هذه النشرة، نستضيف أول مديرة تنفيذية لشبكة (أريج) رنا الصبّاغ وأحد مؤسسي هذه الشبكة الرائدة في صحافة الاستقصاء في العالم العربي عام 2006. اليوم تستعد الصباغ للانتقال إلى سراييفو للعمل ضمن مشروع مكافحة الجريمة المنظمة والفساد الأوروبي (OCCRP).

 على مدى 15 عاماً، كرّست الصباغ جل جهدها لترسيخ منهجية استقصاء متطورة في الدول العربية، انطلاقا من الأردن، وربطت الروّاد العرب بحركة الاستقصاء العالمية. 

تختزن الصباغ خبرة 36 عاما في مضمار الصحافة العربية والدولية. بين 1999 و2001، دخلت تاريخ المنطقة بصفتها أول امرأة عربية تشغل منصب رئيس تحرير صحيفة يومية سياسية؛ (الجوردن تايمز) الناطقة بالإنكليزية. عملت مع وكالة رويترز العالمية  ‏للأنباء (1987-1997) في مكتبي الأردن ودبي؛ حيث كانت تغطّي منطقة الخليج. وأسهمت في إطلاق يومية الغد الأردنية (2003-2004). كما راسلت الصباغ يومية ‏التايمز اللندنية في الأردن قرابة عشر سنين. وعملت كاتبة غير متفرغة في صحيفة الحياة، و مستشارة ومدرّبة معتمدة لدى مؤسسة (طومسن – رويترز) ‏للتدريب الإعلامي. 

فازت رنا الصباغ ثلاث مرات متتالية بكرسي الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في مجلس إدارة الشبكة الدولية للصحافة الاستقصائية (GIJN). 

بعد استقالتها من أريج، تنتقل الصباغ للعمل في (OCCRP) كمحرر إقليمي للشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وارتباط مع شبكة أريج وفرسانها العرب. وجاء هذه النقلة تماشيا مع إعلانها قبل ثلاث سنوات بأنها ستترك أريج أواخر 2019 لإفساح المجال أمام ضخ دماء جديدة تضمن ديمومتها واستمراريتها.


علامة للجودة عربياً.. وركناً في حركة الاستقصاء العالمية

أريج وعلامة الجودة  

أريج قصة نجاح غير مسبوقة، بدأت بفكرة أو بحلم مستحيل. كان السؤال الملح: كيف يمكن مأسسة ثقافة صحافة الاستقصاء في العالم العربي، في ظل أنظمة معظمها شمولية لا تتسامح مع الكلمة الحرة والصحافة المستقلة، والحريات والتعددية؟ واليوم بعد ١٤ عاما، باتت أريج علامة جودة على مستوى عالمي. جميع من عملوا مع أريج من صحفيين، إداريين ومجالس إدارة يفخرون بإنجازات هذه الشبكة. أثبتت أريج حاجة المجتمعات العربية لصحافة المساءلة القائمة على البحث، نبش الحقائق وتوثيق المعلومات طريقة منهجية لكشف الخلل والتجاوزات في المجتمعات.

 

عائلة أريج الممتدة 

كل يوم، وكل لحظة لي، في أريج على مدار الـ 14 عاماً الماضية كانت حلوة، مليئة بالعمل والفرح والإنجاز والمثابرة والعمل مع ناس (بيتعلموا وبعلموا). جميل جداً أن تزرع شجرة زيتون وتشاهدها تنمو وتثمر أمامك في غالبية الدول العربية. أعتبر نفسي محظوظة جداً لأن الاختيار وقع علي من أجل تحقيق هذا الحلم؛ حلم أريج الذي لم يكن أحد ليصدق بأنه سيرى النور. واليوم نرى جميعاً إلى أين وصلت أريج.

أريج، تراكم نوعي، تمدد مهني ونموذج ناصع لماهية صحافة الاستقصاء. أريج تلتزم بمعايير صارمة فيما يخص آليات انتاج التحقيقات الاستقصائية من بداية البحث وصولا إلى مواجهة المتسبب، المفترض أن يملك مفاتيح الحل. لا يمكن أن تضع مسؤولاً (متسبباً) أو شخصاً في دائرة الاتهام من دون أن تعطيه حق الرد. المساءلة تتم بعد توثيق الخلل، وهو ما يوصلنا إلى الحقيقة.

صحافة الاستقصاء أحد ركائز الديمقراطية، وجزء أساسي في عمل السلطة الرابعة. نأمل أن تلعب دوراً محورياً في كشف الفساد بعد الثورات العربية الاخيرة في السودان والجزائر ولبنان والعراق. وندعو إلى  تشجيع الصحافة المحترفة لأنها تساعد في خدمة المجتمع، من خلال سرد القصة مثلما هي، وليس مثلما يرويها المسؤول. صحافة الاستقصاء بديل لاستمرار عيش المجتمعات تحت الستر، وإخفاء المشكلات تحت السجادة أو اللجوء الى شيطنة وتخوين الآخر والتخندق ونشر الأخبار الكاذبة. من الأفضل أن نكشف مشكلاتنا وأن نحاول وضع حلول لها، بدلاً من ترك الأمور تغلي حتى تنفجر.

 

التخطيط لتجربة موازية خارج نطاق الإعلام

أنجزت أريج منهاجاً لتدريس صحافة الاستقصاء في الجامعات العربية من ثلاث ساعات فصلية معتمدة، وذلك من وحي منهاج أريج لصحافة الاستقصاء (على درب الحقيقة). هذا المساق رسّخ أهمية صحافة الاستقصاء في العالم العربي، وبنى لغة مشتركة بين المتدربين والمشرفين-المدربين حول مفهوم الاستقصاء وعملية تنفيذ التحقيق من ألفه إلى يائه. ترجم دليل أريج (على درب الحقيقة) إلى 16 لغة بتمويل من منظمة اليونيسكو منذ إطلاقه عام 2008. وبذلك يسهم العرب في حركة الاستقصاء العالمية.

 

مشوار التحول  

في عام ٢٠١٦، أبلغت مجلس الإدارة برغبتي في ترك إدارة أريج أواخر العام ٢٠١٩. وهكذا ابتعثني مجلس إدارة الشبكة إلى إحدى أعرق جامعات إسبانيا لدراسة ماجستير في (القيادة الإيجابية، بناء الاستراتيجيات والإبداع). تمحورت ورقة بحثي هناك حول أنماط انتقال الإدارة في المنظمات غير الربحية المعنية بصحافة الاستقصاء. أضاءت تلك الورقة -الأولى من نوعها عالميا حول هذه الهيئات- على ثلاثة أنماط من انتقال السلطة.

مطلع العام 2019، اختار مجلس الإدارة النمط الأصعب الذي يقوم على فصل الرأس عن الجسد (أريج) من خلال منحي إجازة بحثية لمدة عام. خلالها ظهرت مكامن الخلل في أريج بينما ابتعدت عن حيثيات العمل اليومي لأركز على الصورة الكبيرة واقتراح تصور لاستراتيجية أريج 2021-2025. خلال إجازتي، شكّلت لجنة إدارية برئاسة يوسف أبو عوده المدير المالي والإداري وذراعي الأيمن منذ 13 عاما وعضوية مديرة البرامج تمارا قراعين وسعد حتر، الذي احتل موقع رئيس التحرير بالوكالة. هذه اللجنة كانت على تواصل يومي مع لجنة مصغرة من مجلس الإدارة برئاسة رئيسه د. ياسمين دبوس ناصر لتسيير عمل أريج اليومي. في الأثناء جلت على منظمات مشابهة، واكتشفت أن شبكة أريج تعد ضمن المشاريع الناجحة، وتضاهي هيئات دولية مثل (ICIJ) و(OCCRP). واكتشفت أيضا أن لدى أريج أنظمة مالية، إدارية وتحريرية متطورة جدا تفوق مثيلاتها في هيئات أخرى.

 

التخطيط لمستقبل أريج

أعددت دراسة لمستقبل أريج (٢٠٢١-٢٠٢٥) بعنوان “التعزيز، التعاون وتعظيم الأثر” 

(Consolidation, Collaboration and Maximized Impact) من خلال تبادل المعرفة والخبرات وصولا إلى نمو بيئة صحافة استقصاء صاعدة عربيا وتعزيز أصول أريج من خلال الاستثمار في قدامى الأريجيين واستقطاب الواعدين من الجيل الجديد.

وخلال ملتقى أريج الأخير، أعلنت عزمي ترك أريج نهاية 2019، وتبع ذلك إعلان رئيس مجلس إدارة الشبكة عن قرار المجلس بتعيين الزميلة القديرة روان الضامن على رأس هذه الشبكة، وذلك في مهرجان فرح لإيماننا جميعا بأن اريج انتقلت من يد إلى يد أخرى مؤمنة برسالة أريج وأهميتها في العالم العربي.

روان الضامن ستبدأ مشوارها بمساعدة طاقم رائع في مكتب الشبكة وحوالي ٦٠٠ أريجي حول العالم العربي، ممن أنتجوا تحقيقات أسهمت في إحداث تغيير. الأريجيون هم رأس المال الحقيقي، إلى جانب مؤسسات ومنصات إعلامية عربية مستقلة، ومنظمات محلية يديرها أريجيون، راكموا خبرات استقصائية بمعايير دولية.

في السنوات الخمس المقبة، تسعى أريج لتعزيز شراكاتها العابرة للحدود مع منظمات دولية متخصصة في صحافة البيانات، وتعقّب المال والفساد. فالمستقبل لن يستقيم إلا من خلال التعاون عابر الحدود عربيا ودوليأ: إما أن نتراجع معا أو نحلق معا لأن المنافسة صارت شرسة وكلف الاستقصاء في تزايد، والأموال المتوافرة في تناقص. روان ومجلس الإدارة وعديد الزملاء من طاقم السكرتارية سيجتمعون مع مجلس الإدارة في خلوة في البحر الميت مطلع شباط/ فبراير 2020 للتشاور وتحديد الأولويات للسنوات الخمس المقبلة.

 

التعاون العابر للحدود

في ٢٠٠٨، لعبت أريج دوراً محورياً في تأسيس الشبكة الدولية للصحافة الاستقصائية (GIJN)  برئاسة ديفيد كابلان. (GIJN) هي الشبكة المسؤولة عن عقد مؤتمر دولي كل عامين للصحفيين الاستقصائيين. وأريج تسعى لاستضافة هذا المؤتمر في الأردن في دورة 2021. وكما قال كابلان في مداخلة خلال ملتقى أريج السنوي 2010: “أريج هي اليوم عنوان لصحافة الاستقصاء في العالم العربي. أي صحافي من الغرب يحتاج أي تعاون مع أي صحفي في العالم العربي يدق على باب أريج”.

فأريج لم تعد فقط علامة جودة وتمايز إعلامي بل باتت جزءاً من الحركة العالمية. اليوم ثمانية من الأريجيين أصبحوا أعضاء في مؤسسة (ICIJ) العالمية التي كشفت وثائق بنما ليكس وسويس ليكس، وغيرها من التسريبات بمشاركة أريج. العديد من التحقيقات التي انتجتها أريج مع ICIJ نشرت بأسماء مستعارة خوفاً على الزملاء والزميلات من العقاب والملاحقات والسجون. فهدف أريج لم يكن يوماً الكسب والترويج والشهرة بل نبش الحقائق والحفاظ على حياة الزملاء والزميلات. 

أريج أيضا لديها شراكة مميزة مع مشروع مكافحة الجريمة المنظمة (OCCRP) والذي يضمُّ فريقاً كبيراً متخصصاً في صحافة البيانات ومهندسي البيانات، وأكبر محرك بيانات في العالم يساهم في كشف الفساد عابر الحدود والجريمة المنظمة. انا أنتقل للعمل هناك لأطور مهاراتي في مجال البحث في المحركات وصحافة البيانات، ولأكون جسراً بين هذه المنظمة وأريج، من خلال العمل مع الأريجيين الأكثر خبرة، بسبب عدد التحقيقات التي انجزوها عبر أريج، وبذلك تتواصل عملية الإبداع والتطوير.

هذا التعاون بين أريج و(OCCRP) سيفيد الطرفين، لأننا جميعاً بحاجة للطرف الآخر، لتحقيق التكامل بين الخبرة الميدانية والتكنولوجيا التي تتطور كل دقيقة وتحتاج الى ملايين. 

 

وحدات استقصائية في الوطن العربي

قبل أريج كان هناك لبس بين مفهوم التقرير الصحفي او التقرير في العمق، وبين التحقيق الصحفي، لدى غالبية الصحفيين وأساتذة الجامعات والطلاب وحتى رؤساء تحرير. وهنا استذكر كيف ساهمت أريج في إنشاء وحدات استقصائية في العالم العربي، وكيف أثرت هذه الوحدات في تلك الدول على تعزيز ممارسة العمل الاستقصائي، وتبيان أهميته للمسؤول وللمجتمع على حد سواء.

على سبيل المثال، ساعدنا في إنشاء وحدة الصحافة الاستقصائية في تلفزيون الجديد برئاسة الزميل رياض قبيسي. رياض كان من أوائل الذين تدربوا مع أريج. وانتج بدعم وإشراف أريج ١٢ تحقيقاً استقصائياً. رياض كان يقول لي دائما أنه لا يرى أي أمل في التغيير: “سنة كاملة بشتغل على التحقيق وبكد وبتعب وبعدين ننشر ولا توجد أي ردود فعل، ضيعت وقتي، ما شفت أسرتي، ما نمت. كنت  أرد عليه قائلة: رياض أصبر… التغيير لا يأتي في يوم وليلة، ليس دورنا أن نغير، دورنا أن ننتج التحقيقات لكي توضع القضية مثار التحقيق على الأجندة الوطنية بهدف التغيير أو تحفيز صناع القرار على اتخاذ القرارات الصحيحة بعد توثيق وكشف الاخطاء. كل تحقيق سيكسبك خبرة. ستتراكم خبرتك وسيأتي اليوم الذي ستجني فيه ثمار هذه الاستثمار في تطوير مهاراتك”.

اليوم بعد قيام الثورة في لبنان أصبح لرياض برنامج مسائي على تلفزيون الجديد بعنوان “يسقط حكم الفاسد”. يستمر برغم تعرضه وتلفزيون الجديد لحملة تعنيف وتخوين، لكن هذا هو جزء من الثمن الذي ندفعه ثمنا لعملنا الصحفي الاستقصائي. في المقابل أصبح أي لبناني عنده قضية أو ملف يتصل برياض لأنه يدرك أن رياض سيقوم بدوره المهني في خدمة قضايا المجتمع وكشف الأخطاء والتجاوزات بهدف تفعيل المراقبة والمحاسبة.

وفي دول أخرى لا تزال الوحدات الاستقصائية التي دعمت من أريج تعمل في جريدة الغد وراديو البلد (الأردن) وتلفزيون وطن في فلسطين حيث حصدت وحدته الجائزة تلو الآخرى.  وفي مصر أنشأت أريج وحدة في جريدة الوطن وجريدة المصري اليوم وفي تونس في وكالة تونس للأنباء. اليوم تسلم عديد الاريجيين مناصب قيادية في وسائل إعلامية في غالبية الدول العربية، ويدفعون باتجاه مأسسة العمل الاستقصائي داخل مؤسساتهم. في الاستراتيجية الجديدة سيتم تعزيز التعاون بين أريج وبين رؤساء تحرير وإعلاميين يؤمنون بأهمية الاستقصاء وبرلمانيين ومنظمات مجتمع مدني ومسؤولين يؤمنون بالإصلاح ليلتقطوا تحقيقات أريج ويحاولون التأثير في حلقات التغيير.

 

أريج والجامعات العربية

غالبية الجامعات العربية لم تكن تدرس مقرر الصحافة الاستقصائية قبل عقد ونيف حتى لا يحدث تصادم مع الحكومات خاصة وان معظم الجامعات العربية حكومية وإدخال هذا المنهج يتطلب العمل لسنين طويلة لتغيير المناهج عبر لجان تسيطر عليها الحكومة. ونتيجة عقد تدريبات لأساتذة جامعات أو عقد جلسات حوار اكد غالبية الأساتذة أنهم يخشون تدريس المساق لأنه بعكس اقرانهم في الغرب لم ينفذ غالبيتهم تحقيقات ميدانية قبل أن ينخرطوا في المسار الأكاديمي. لذلك أنجر دليل “الصحافة الاستقصائية الحــديـثـة”

نأمل ان يشكل الدليل هذا مصدر إلهام. خلال أسبوعين على تحميله كمادة متاحة عبر موقع أريج، حمله 4 آلاف من بينهم 400 أستاذ جامعي في 80 جامعة عربية. الان نتواصل معهم لندرس كيفية تعزيز التكامل. مؤلف الدليل د. مارك هنتر يتواصل حاليا مع اليونيسكو لكي ينشروا الدليل الى لغات مختلفة ليتحول الى مصدر الهام عالمي.

من هذا الدليل ووحي تجربة أريج، استلهم معهد العلوم والاتصال بجامعة المنوبة بتونس طرح أول مساق تدريبي لتدريس الماجستير في الصحافة الاستقصائية لسنتين. وهذا نعتبره من نجاحات أريج.

 

تطوير الصحفيين العرب

الصحفي الاستقصائي حول العالم بيساوي ١٢ في المائة من نسبة الصحفيين. أريج تريد ان تكون مركزاً للتميز الإعلامي في العالم العربي من خلال التركيز على النوع وليس الكم. كل أريجي أنجز تحقيقاً بدم من أريج قال لنا أنه اكتشف الفرق بين شغله القديم وطريقة الشغل الجديدة. بعضهم لم يعد قادراً على العودة الى العمل في مؤسسات، لم تعد سياساتها التحريرية تلائمه. وأخرون تركوا العمل الاستقصائي يسبب ضعف العائد المادي. 

في بدايات أريج كانت غالبية التحقيقات مكتوبة، وقتها كان زمن المكتوب. في العالم العربي ما يزال المكتوب مهيمناً، بخلاف النشر الرقمي وعرض المحتوى على منصات متعددة. 

في ٢٠١٤ عملنا أول ماستر كلاس في الملتميديا بناء على دراسة طلبتها أريج من خبير دولي، بول ايدل، بعنوان “أريج من المكتوب الى المتلفز”. كانت احد التوصيات الاستثمار في ماستر كلاس للملتيميديا ر لمدة ستة أشهر مكثفة لخلق نواة لصحفيين قادرين على الانخراط في التحقيقات المتلفزة.

وخلال هذا الكورس تم تطوير مهارات المشاركين في الفيديو، كتابة السكريبت، التحرير، السرد القصصي والأمان الرقمي. كانت دفعة رائعة طورت مهاراتها بسرعه. ضم المشاركين الزميل رياض القبيسي، وأحمد الشامي الذي يعمل الآن في البي بي سي في القسم العربي، أحمد سليمان وأحمد رجب ويعملان الان مع دويتشه فيله في ألمانيا، مصطفى مرصفاوي عمل مع أريج تحقيق “موت في الخدمة” قبل أن ينتقل إلى مكتب أريج في عمان ليعمل محرر رئيسي لقسم الفيديو لثلاث سنوات قبل أن يستقيل. مريم ناصري من تونس والتي أنتجت تحقيق “الثورة لم تمر من هنا” مع شبكة الجزيرة الإنجليزية والزميل سامح اللبودي الذي يستكمل حاليا دراسة الدكتوراه. 

وخلال ١٤ عاماً عقدت أريج ورشات متخصصة في مجالات متعددة لتطوير مهارات الصحفيين العرب. دربنا أكثر من ٢٨٠٠ صحفي ومحرر واستاذ جامعي وطالب. وأنتجنا ٦٠٠ تحقيق  استقصائي بفورمات متعددة. وهؤلاء هم قوة أريج الضاربة في الصحافة الاستقصائية العربية. كل ما انتجوا تحقيقات ازدادت مهاراتهم واستطاعوا أن يكونوا أقوى. فاز الاريجيون بأكثر من 150 جائزة محلية وعربية ودولية.

سعت أريج دائما لتطوير مهارات الصحفيين الذين لديهم نقاط قوة ليست متوفرة لدى باقي الصحفيين، منهم من شارك في تدريبات وصلت لست او سبع ورشات لتطوير مهاراتهم.

 

دروس من رويترز

بعد ٣٦ عاما من العمل الصحفي استذكر دائما بدايات تجربتي مع وكالة رويترز العالمية للأنباء لمدة 12 عاماً، واعتبرها أهم مدرسة في حياتي العملية والمهنية. تعلمت هناك فنون الكتابة، فن الاختصاص، الاختزال والمطابقة ومقاربة المصادر وتجميعها. كما تعلمت طرق الفراسة وتمكين العلاقات مع  المصادر بما فيهم المسؤولين لكسب ثقتهم للوصول إلى معلومات أكثر.

خلال ال 23 سنة الماضية نقلت تجربتي في الصحافة التقليدية مع رويترز للصحفيين العرب في كل المواقع التي خدمت فيها. الصحافة التقليدية تعني الصحافة الجيدة وهي أساس عمل السلطة الرابعة لأنها تنبش وتقوم على تطابق المعلومات من مصادر متعددة  والاختزال النوعي وتحليل البيانات. التكنولوجيا التي عصفت بعالم الصحافة والإعلام غيرت الكثير في طرق السرد وتحليل البيانات لكنها لن تقوم مقام الصحافة التقليدية الجيدة التي تحتاج الى التواصل الشخصي مع المصادر والعمل على جمع المعلومات والحديث إلى الضحايا والمتسببين وجها لوجه. لن يكون التطور التكنولوجي في مجال الإعلام بديل لصناعة محتوى محترف قائم على الممارسات التقليدية في عمل الصحفيين. لكن التكنولوجيا تختصر الوقت والجهد. 

 

العمل مع (OCCRP)

خلال عملي مع (OCCRP)، سأكون على تواصل دائم مع الزملاء الاريجيين وإدارة أريج الجديدة وهناك إصرار من إدارة (OCCRP) على دعم أريج من خلالي لان أريج تحتاج لجرعة جديدة من التكنولوجيا الداعمة لـ صحافة البيانات وتبويب المعلومات والولوج الى اكبر محرك بحث في العالم متخصص في مناطق الأوفشور والشركات المسجلة فيها الخ…أنا متأكدة أن هذه التجربة ستكون مثمرة كحال تجربتي مع أريج. لكن أريج ستبقى حبي الأول، لأن اريج لم تكن بالنسبة لي مكان عمل فقط إنما هدف ورسالة ومهمة حياة. 

 

مواقف لن تنسى خلال رحلة رنا الصباغ مع أريج

اصعب موقف صادفته كان خلال وبعد  تدريب مجموعة من الصحفيين السوريين ممن اضطروا لترك بلادهم بسبب ظروف الحرب. الورشة عقدت في إسطنبول في العام ٢٠١٥. لن انسى في حياتي التجارب القاسية التي مروا بها وبخاصة خلال مرحلة السجن في دمشق أو  في مناطق داعش او التي سيطرت عليها المعارضة. أحدهم كان يعاني من صدمة نفسية وعاطفية عميقة. ظل يتذكر مشاهد الجثث التي طلب إليه أن يأخذها من غرف التعذيب الى الحمام الذي يستخدمه المساجين لقضاء حاجتهم فيه ومجيء السيارة “المصندقة” لنقل الجثث الى مقابر جماعية بحسب ما سرد.

أيضا لما اضطرينا في أريج أن نخلي زميل سوري آخر من حلب أثناء عمله على تحقيق حول مناهج داعش مع زميل آخر خارج سوريا الزميلان ارسلوا مصور بدون علم أريج لتصوير عملية مطبعة لمناهج داعش. المصور اكتشف أمره وجز عنقه بعد اخبار داعش عن الزملاء العاملين في التحقيق وعن أريج. في نفس اليوم اسقط برميل متفجر على منزل الزميل الذي كان يستعد للهروب وقتلت اخته ووالدته. غالبية هذه الدفعة أنجزت معنا تحقيقات رائعه لمرات عديدة وعديدهم إنشاء وحدة التحقيقات الاستقصائية السورية (سراج)، وبعضهم فاز بجوائز عالمية واحدهم يعمل اليوم مع مؤسسة المانية في مجال صحافة الاستقصاء.

 

من القصص التي أقلقتني هروب زملائنا وتشتتهم في اليمن في مناطق خاضعة للسلطة الشرعية أو لخارج اليمن أو بقوا تحت سيطرة الحوثيين حيث الظروف المهنية والحياتية صعبة ومهينة. اليمنيون الذين عملت معهم كانوا من أفضل الصحفيين الذين اشتغلوا معنا. كانوا عطشى للتدريب والتطوير والعمل بجد وبذكاء حاد. ولكنهم سيبقون نواة أريج في اليمن وستظهر مهاراتهم عندما تنتهي هذه الحرب يوما ما.

آخر اربع سنوات في أريج كانت صعبة جدا لأنها كشفت تداعيات الحروب والقلاقل وعدم الاستقرار الذي يضرب المنطقة منذ 2011.

ولا انسى التداعيات التي حدثت في مصر وضربت الجسم الإعلامي المصري في العام 2013. بعد تولي الرئيس عبد الفتاح السيسي للحكم أبلغت غالبية المؤسسات الشريكة لأريج بعدم العمل معنا. ذلك يعني مخاطرة للصحافيين ممن يريد ان يشارك في تدريبات أريج وأن ينتج تحقيقات بدعم أريج. عديد الزملاء ممن كنت أعتبره أخاً وصديقاً توقف عن الرد على اتصالاتي لكي لا يتعرض للمساءلة. ذلك مؤلم لكنني اتفهم ظروفهم وضرورة الحفاظ على مصادر رزقهم. 

بعدما نشرنا “تحقيق موت في الخدمة” مع ال بي بي سي عربي عام 2015 تحول وسم  #أريج والبي بي سي تتآمران لاسقاط النظام في مصر إلى الهاشتاغ الأول. كما لا يخلو الآمر من صداقات مزيفة تكتشفها بعد انقضاء المصلحة وزمالات حقودة يتعرض لها الإنسان في عمله وحياته، لكن في النهاية لا يصح إلا الصحيح. 

عندما حصدت أريج جائزة الصحافة الشجاعة لرائف بدوي عام 2018 سعدت كثيرا لأنها المرة الأولي التي تربح الشبكة جائزة. لكن لحظة السعادة الغامرة تكون كلما أنجز أريجي/ة تحقيقاً مع أريج يساهم في إحداث تغيير للأفضل احيانا بسرعة وبقوة واحيانا بعد سنوات. انجاز كل تحقيق بمثابة ولادة طفل جميل وسليم بعد تسعة أشهر من القلق والتعب والتغيير المستمر بانتظار المخاض. 

من المواقف المضحكة المبكية عندما كنا ننتظر انا وزميلي سعد حتر في أحد المطارات العربية كل مرة أكثر من ثلاث ساعات قبل أن يسمح لنا بالدخول من دون إبداء أسباب التوقيف. وكيف كانت رحلتنا الى موريتانيا عبر ألمانيا أسهل من السفر إليها عبر دولتين عربيتين صادرتا جوازي سفرنا لحين مغادرة مطاريها.

التجربة التي صدمتني كثيرا كانت عندما قامت حكومة علي أبو الراغب بفصلي خلال ساعة من رئاسة تحرير الجوردان تايمز عام 2001 لأني رفضت الرضوخ لشروط نشر الرواية الرسمية وراء اندلاع أحداث شغب في أحد المدن الاردنية ولأني اصريت ان افتح موضوع مزاعم التعذيب أثناء التوقيف في مراكز الشرطة.

  

نصائح للصحفيين العرب

  • – لا تيأس مهما كانت الظروف صعبة والعوائق كبيرة.
  • – يجب يكون لديك حلم وهدف وعليك التخطيط للوصول الى الهدف والتخطيط للتعامل مع العثرات التي ستقف في طريقك.
  • – التعلم وتعلم  جديد كل ساعة وكل يوم.
  • – نح الذات والغرور جانبا لأن ذلك بداية النهاية لك ولغيرك.
  • – طور  قدراتك التقنية والمهنية.
  • – من الضروة أن يكون الصحفي عادلاً، أميناً، صادقاً وشفافاً ونظيف اليد وشبعان العين.
  • – نصيحتي للفتيات أن يواصلن العمل بعيداً عن تحديات المجتمع وأن ينظرن إلى أنفسهن مهنياً وليس كرجال او نساء.
  • – ليس كل صحافي صحافي استقصائي. لكن الصحفي الاستقصائي هو ملك الصحافة.
  • – الصحفي الاستقصائي يمارس دوراً حقيقياً في محاربة الفساد والظلم وكشف المستور.
  • – الفشل والخطأ يمنحنا الخبرة والتجربة والتطوير، لكن يحب عدم تكرار أخطاء وقعنا فيها.
  • – تعلموا لغات غير العربية. الانجليزية لغة المعرفة ولا بد من إتقانها اذا اردت ان تخرج من المحلي للعالمي.