الثلاثاء ٢٣ - أكتوبر - ٢٠١٨ ٠٥:٥٢ صباحاً

(بيلنغ كات) تستهدف خدمة أكبر شريحة من الصحفيين العرب

لا يختلف دور صحفيي الاستقصاء عن مهمة محققي الشرطة في مسعاهم لجمع أكبر قدر من الأدلة والبراهين من أجل إحقاق العدل. في عالمنا العربي، يعد البحث الميداني أصعب خطوة في بناء التحقيق، خصوصا عند انتهاج الوسائل التقليدية. لكن مع عصر المنصات الرقمية، باتت المصادر متوافرة على مواقع التواصل التي تفيض بالأخبار، الصور والفيديوهات.

على أن هذه الوفرة تشكّل سلاحا ذا حدّين في عصر السرعة، بوجود آلاف بل ملايين الفيديوهات والصور المزيفة والمفبركة. وبذلك يتصدّى الصحفي إلى مهمة جديدة ملازمة لمهمته التقليدية؛ وهي الربط والتحليل وصولا إلى نتائج منطقية بالاعتماد على مصادر مفتوحة، حسبما يرى أحد مدربي “Bellingcat” كريستيان تريبرت الذي أدار ورشة تدريب على شاطىء البحر الميت في سياق ملتقى أريج العاشر مطلع ديسمبر/ كانون الأول الماضي.

في 2014 انطلق موقع “Bellingcat” لإجراء تحقيقات استقصائية بالاعتماد الكامل على المصادر المفتوحة ووسائط التواصل الاجتماعي. وفق هذه المنهجية الرائدة، عمل الفريق على قصص مثل تجارة المخدرات في المكسيك وتغطية مناطق النزاعات في مختلف أنحاء العالم، وفي المنطقة العربية.

ورشة التدريب الأخيرة مع شبكة أريج بعنوان “المصادر المفتوحة في التحقيقات الاستقصائية” استهدفت الإسهام في تنفيذ تحقيقات بالاعتماد على المصادر المفتوحة. تعرّف المشاركون في الورشة على كيفية جمع البيانات وتدقيق المحتويات الرقمية، مع الحفاظ على سريتها ومنع تسربها. أحد المدربين كريستيان تريبرت من “Bellingcat” يصف هذه المنصة العالمية بأنها موقع الكتروني يستخدم بيانات رقمية متاحة للتحقق من القصص؛ كقضايا الفساد الكبيرة وقصص الصراعات والحروب.

تتألف المنصّة من فريق صغير بتفرغ كامل تحيط به مجموعة أكبر من الباحثين غير المتفرغين. وتنجز التحقيقات بجهد هذا الفريق المشكّل من حلقتين، الذي يستهدف أيضا نشر أدوات “Bellingcat” وإشاعة استخدامها بين الصحفيين حول العالم.

ما السر الكامن وراء الحضور الكثيف لجلسة ” Bellingcat” على هامش مؤتمر أريج العاشر؟

يجيب تريبرت بابتسامة عريضة: “علينا توجيه السؤال للمشاركين”، ثم يردف: “أعتقد أنهم وجدوا أن الحالات التي عرضتها وطريقة تنفيذها مثيرة للاهتمام وبشكل خاص القصص المتعلقة بالجماعات المسلحة والحكومات”. ويقول أيضا إنه ركّز خلال الجلسة “على الشرق الأوسط مثل الضربات الجوية الروسية والأمريكية في سوريا والعراق على سبيل المثال، أو حالات الإعدام التي نفذّت في ليبيا دون أحكام قضائية”. جميع تلك الأمثلة التي طرحت خلال الورشة “عكست الكم الهائل للمعلومات المتاحة” حسبما يضيف تريبرت، لافتا مع ذلك إلى وجود “عدد قليل من الصحفيين يستخدم تلك البيانات بالشكل الذي يخدم قصته”.

ما نوع الدعم الذي تقدمه  “Bellingcat” للصحفيين في العالم العربي بخاصة في مناطق النزاع؟

“قدّمنا ورشات عمل باللغتين العربية والانجليزية في العراق، لبنان والأردن حول التحقق من المصادر المفتوحة. ونأمل في إيجاد التمويل اللازم للوصول إلى أكبر عدد ممكن من الصحفيين العرب من خلال تكثيف ورشات التدريب مستقبلا. كما نتطلع إلى زيادة المحتوى العربي حتى يستطيع الصحفيون العرب معرفة أدق التفاصيل عن طرق تنفيذ تحقيقاتنا، علما أن أعضاء من فريقنا ينتشرون في العالم العربي”.

كيف تقيّم صحافة الاستقصاء في الدول العربية، وما أصعب التحديات التي تواجه الصحفيين العرب؟

“لسوء الحظ، أعتقد أن هناك الكثير من التحديات أمام الصحفيين في القرن الـ 21. أحدها حجب المعلومات أمام الصحفيين، وكذلك الأمر بالنسبة للمناطق التي يصعب الوصول إليها جغرافياً. فعلى سبيل المثال، كيف لك كصحفي أن تنجز قصة من مناطق تحت سيطرة داعش؟ الاعتماد على المصادر المفتوحة هو الخيار الأمثل في مثل هذه الحالات”.

هل من نصائح يرغب تريبرت بتوجيهها للصحفيين العرب؟

“نحن نعيش في عصر أصبحت فيه المعلومات متوافرة أكثر من أي وقت مضى، لكن هذا لا يعني بأننا امتلكنا الحقيقة. أعتقد أننا كبشر نريد أن نصدّق الأخبار التي تتوافق مع رؤيتنا ومعتقداتنا كنوع من التصالح الداخلي مع الذات. إضافة إلى ذلك، فإن تواتر الأخبار على مدار الساعة جعلت غرف الأخبار تقع بأخطاء تتعلق بدقة الأنباء التي تنقلها. وهنا تبدأ مسؤولية مدققي الحقائق وهذا دورنا في ” Bellingcat”.

من هنا تكمن أهمية صحافة الاستقصاء. نحن لا نهتم بكم التحقيقات التي ننتجها بقدر اهتمامنا بدقة كل معلومة نمرّ عليها. وعادة تتحول الإجابة عن الأسئلة الشهيرة في الإعلام (من، ماذا، أين، متى وكيف؟) إلى تحقيق كبير. أهمية المصادر المفتوحة لنا كصحفيين تبرز في هذا المثال؛ حين نقلت وسائل إعلام أن روسيا قصفت مسجداً في سوريا، تبيّن لاحقاً أن الولايات المتحدة كانت مسؤولة عن هذا القصف وأقرّت بذلك، لكنّها نفت أن يكون القصف استهدف مسجدا. غير أن تحقيقاً إضافياً أظهر أن أمريكا قصفت مسجدا بالفعل، وكان يجب على الولايات المتحدة أن تعترف بأنها كانت مخطئة”.