يوميات الصحفي معاذ العامودي عن تحقيق رياض الأطفال في غزة

2015/05/4
التاريخ : 04/05/2015

نشأت فكرة التحقيق أثناء زيارة عابرة لإحدى رياض الأطفال جنوب قطاع غزة وذلك لتسجيل أحد أطفالي، سوء نظافة المكان والظلام وأعداد الطلاب الكبير في الفصول جعل عندي حافزاً للبحث في هذا الموضوع، وبدأت الأسئلة المهمة لمن تخضع هذه الروضة؟ ومن يراقبها أو يشرف عليها؟ ، وهل هذه الروضة حالة خاصة أم أن هناك رياض أخرى؟ و تبلغ أهمية هذا التحقيق من أهمية الفئة العمرية التي يختص بها وهم الأطفال في سن الرٍّياض من 3-6 سنوات.

لذلك بدأت بجمع المعلومات من قبل بعض المختصين في موضوع رياض الأطفال استغرقت هذه المرحلة حوالي شهرين، ثم توجهت بعدها لوزارة التربية والتعليم، لمعرفة عدد رياض الأطفال بشكل عام في قطاع غزة وآلية تقسيمها وترخيصها المتابعة عليها، حصلنا على شروط الترخيص المطلوبة من الرياض …

468 روضة مرخصة يدرس فيها حوالي 51000 طفل، إضافة إلى عدد مقارب -لم نستطع تحديده بالضبط- من الرياض غير المرخصة، وبلغ مجموع الأطفال من الفئة العمرية 3-6 سنوات في قطاع غزة 181200 طفل –حسب وزارة الداخلية-

طلب المشرف هشام عبد الله مني النزول لرياض الأطفال وزيارتها وتدوين الملاحظات المخالفة للشروط، وتم زيارة 32 روضة – مرخصة وغير مرخصة- موزعة بشكل عشوائي في مناطق مختلفة من قطاع غزة، كانت جميع الرياض بلا استثناء مخالفة للشروط.

لم يتوقف الأمر عند مخالفة الشروط بل تعداها فيما يضر في الحالة الصحية والنفسية للطلاب فهناك (فصول ضيقة ومتَّسِخة وبإضاءة سيئة، وأعداد الطلاب فيها كبير، حمامات رائحتها نتنة ومليئة بالقاذورات، مشارب المياه لا تصلح للشرب لأنها (مياه بلدية)، تهوية قليلة، وعدم دخول لأشعة الشمس بشكل مناسب، وعدم وجود وحدات صحية لمتابعة الحالات الطارئة….) دوَّنت هذه الملاحظات في كل روضة داخل جدول كبير يتضمن الرياض والملاحظات المخالفة للشروط، وكذلك معايير وزارة التربية والتعليم ومعايير اليونسيف.

تواصلنا مع أحد عيادات وكالة الغوث وتشغيل اللاجئين لنعرف هل هناك زيارات للأطفال في الفترة العمري من 4-6 سنوات، لربط المخالفات التي تتعلق في الصحة بالحالة الصحية للطلاب، فأكد لنا وجود زيارات يومية لأطفال مصابون بالإسهال والنزلات المعوية، وتم تنفيذ استبيان وزع بشكل عشوائي على 25 من أهالي الأطفال ليؤكدوا بنسبة فاقت 80% أن المياه والأشياء التي تباع في الرياض كـ(الشيبسي والبسكويت) سبب مهم لهذه الأمراض، كذلك أظهر التحقيق المخاطر الصحية المترتبة على استخدام (مياه البلدية) للشرب، ونتيجة لنسبة النيترات المرتفعة فيها قد تتسبب في أمراض للأطفال (كالزرقة، و مرض الميتهيموغلبين، والإسهال)…… أخذت هذه المرحلة معنا قرابة 8 أشهر من ملاحظة متابعة مطابقة الشروط، ومتابعة الجانب الصحي.

لم نتابع الأطفال فقط داخل الرياض، بل تابعنا وسائل النقل التي تُقِل الأطفال من وإلى الرياض…. الأعداد كانت فيها كبيرة ومخالفة للشروط، وكذلك كفاءتها وجودتها ضعيفة ولا تخضع للمراقبة والمتابعة من قبل وزارة المواصلات، وكذلك لمعاقبة المخالفين في الأعداد من قبل شرطة المرور.

انتهينا من الشروط المخالفة، وانتقلنا للسؤال الأبرز من يتحمل المسئولية عن عمل هذه الرياض ومتابعتها؟

كان هناك تداخل الصلاحيات حيث مسؤولية الإشراف والرقابة تقع على وزارة التربية والتعليم وهي من جهتها ترفض التعامل مع الرياض غير المرخصة وتعتبرها (أجسام غير قانونية)، ولكن مسؤولية الإغلاق تقع على وزارة الداخلية، والتي تؤخر الإغلاق بحجة الوضع المادي الصعب للناس وعدم وجود رياض بديلة، فهي لم تقم بإغلاق أي من الرياض غير المرخصة خلال عام 2014..

وبالرغم من أن الجميع (بما فيهم الأهالي) كانت مبرراته تنصب في سوء الأوضاع الاقتصادية للناس في الفترة الراهنة، إلا أن هناك رياض أطفال غير مرخصة تعمل بهذه الشاكلة منذ أكثر من عشرين عام….

بعد عام ونصف من التحقيق وصلت إلى نتيجة هامة أن رياض الأطفال المرخصة وغير المرخصة لا يمكن لها العمل بهذه الطريقة لما فيه من ضرر صحي ونفسي كبير على الأطفال في قطاع غزة، وهناك تقصير واضح ومسؤولية كبيرة على وزارة التربية والتعليم في المراقبة الدائمة والمتابعة، وعلى وزارة الداخلية في اغلاق الرياض غير المرخصة، وهناك دور مهم للحكومة والمنظمات الدولية في دعم وتطوير هذه الرياض.

لقد كان لشبكة أريج دورٌ كبير في إنجاز هذا التحقيق، والمتابعة الدائمة، والتعديلات المستمرة وصولاً لهذا الشكل العلمي الاستقصائي الدقيق، وتوفير الدعم المالي والمعنوي والعلمي اللازم لي خلال فترة انجاز التحقيق، وهو ما لم يتوفر بهذه الجودة والقوة في أي من المؤسسات الصحفية المحلية.