خالد موسى - آلاف الطلاب سنويا يذهبون ضحايا تجاوزات مكاتب خدمات جامعية سوق سوداء تُستثمر فيها ملايين الليرات.. وشهادات "خُلَّبية" لا تصلح إلا لتزيين الحيطان

2008/12/8
التاريخ : 08/12/2008

عام كامل بصحبة “أريج” أن تكون هناك سوقا سوداء للتعليم العالي في بلدي، يرتع فيها عشرات المتاجرين بأحلام الشباب، يُستثمر فيها ملايين الليرات، وينال الطلاب في النهاية شهادات لا تصلح إلا لتزيين الحيطان! لا شك أن هذا الأمر بحاجة إلى وقفة وتمحيص و”استقصاء”. بداية فكرة التحقيق كانت عبر رصدي رسائل إلكترونية دعائية لمكتب خدمات جامعية يقول إنه يمثل خمس جامعات أمريكية وبريطانية بمئات الاختصاصات ومختلف الدرجات العلمية..، والدراسة بالمراسلة والشهادة “الحلم” تصل إلى البيت مقابل بضعة مئات من الدولارات. تابعت الموضوع، وأنجزت تحقيقا عنه في أيار 2007، وبعد نشره بأيام أغلقت السلطات المكتب وأوقفت صاحبه بتهم النصب والاحتيال. في تلك الفترة تلقيت مئات الاتصالات والرسائل من شباب يدرسون في مكاتب مشابهة على امتداد المحافظات السورية يطلبون مني التأكد من مصداقيتها، في تلك الفترة، آب 2007، تعرفت إلى شبكة إعلاميون من أجل صحافة استقصائية عربية (أريج)، قدمت مخططا لتحقيق استقصائي شامل يعالج ظاهرة “مؤسسات التعليم العالي غير النظامية” فكان التحقيق الذي بين أيديكم. فور عودتي من الدورة التدريبية التي تعقدها شبكة أريج للصحفيين المقبلين على إجراء تحقيقات استقصائية لصالح الشبكة، كان حماسي كبير جدا، وبدأت أجمع كل معلومة تتعلق بأخطاء التعليم العالي في سورية أينما كانت. أجريت عشرات المقابلات وحصلت على مئات الوثائق والصور، تراكمت الأوراق على مكتبي وضمن كمبيوتري. أذكر أن أول مسودة للتحقيق كانت نحو 26 صفحة. يا إلهي. بعدها بدأت رحلة الاختزال، وكلما اضطررت إلى شطب معلومة أو وثيقة أحسست أنني أقطع قطعة من جسدي عندما أذكر مدى أهميتها ومدى الجهد المبذول للحصول عليها. ولكن في الأخير يجب كتابة ما يدعم الفكرة فقط. انتظرت مثلا رئيس جامعة دمشق الدكتور وائل معلا نحو شهرين ليتكرم عليَّ بمقابلته، واعتقد أنها كانت مقابلة قيمة، لكنها ومع الأسف لم تجد في النهاية طريقها إلى التحقيق لـ “ضيق المكان”، وهلم جر. تخطيت مرحلة جمع المعلومات إلى مرحلة الانتقاء بين تلك المعلومات. عدت إلى الفرضية الأساسية لتحقيقي ، البوصلة التي تحدد مسار التحقيق والتي يبدو أن اندفاعي وحماسي أنساني إياها وهي: “عشرات مؤسسات التعليم العالي الخاصة في سورية تمنح شهادات وهمية -تدعي أنها من جامعات عالمية- ما يؤدي إلى التغرير بآلاف الطلاب وتكبيدهم خسائر مادية ومعنوية كبيرة”. مع أن الحفاظ على تلك البوصلة أمر في غاية الصعوبة لأن القصة الام –جوهر التحقيق- تتطور وتتشعب وتظهر خبايا وأسرار لم تكن ظاهرة أو ذات أهمية في البداية. في هذه المرحلة بحثت عن عمود فقري يحمل تحقيقي الاستقصائي وأنثر ما حصلت عليه من معلومات على مفاصله. خرجت المسودة الأولى من التحقيق إلى النور، وأرسلتها إلى المشرف، الزميل علي حسون، أصبح بين أيدينا الآن شيء يمكن البناء عليه. المشرف حسون تشرَّب أخلاقيات وتعليمات الصحافة الاستقصائية –الأريجية- حتى النخاع، فكل كلمة في التحقيق وكل معلومة وكل وثيقة يتم تحليلها “رياضيا” وفي الرياضيات لا مجال للرأي أو المشاعر أو المكارمة.. . تلافيت الملاحظات التي وضعها، وبعد عدة اجتماعات معه أرسلت آخر نسخة من التحقيق إلى الزميلة رنا صباغ، المديرة التنفيذية للشبكة. اعتقد أن التحقيق كان أصبح جاهزا حينها بنحو 80%، تلافيت الملاحظات التي وردت من الزميلة رنا حيث تبادلنا 5 مسودات مع كل الملاحظات المطلوبة وخاصة ما يتعلق بالتوثيق والارقام، وسررت بإطرائها في نفس الوقت، أحسست أنني تلميذ مجتهد لكن هناك علامة تامة يجب دائما السعي إليها. لا يمكن في هذه العجالة كتابة كل شيء عن تجربتي مع شبكة أريج. تجربة تخللها انتصارات وإحباطات، أذكر أنه انتابني لحظات ظننت نفسي سأضاهي كبار صحفيي التحقيقات الاستقصائية في العالم، كما انتابتني لحظات يأس خلت خلالها أن تحقيقي لن يرى النور أبدا.. لكن التجربة كانت غنية بكل معنى الكلمة على الصعيد الشخصي والعملي. شكرا للزميل علي شكرا أريج الصحافي خالد موسى


تليقاتكم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *