بدات بعد الثوة في تونس ظاهرة جديدة تتمثل في ظهور و انتشار رياض أطفال قرآنية تونس تحت اشراف جمعيات دينية، تقوم بغسيل دماغ لأطفال تتراوح اعمارهم بين 3 و 5 سنوات تحت غطاء تعليمهم القرآن. هذه الرياض تنشط بحرية كاملة و خارج اطار القانون. اثارت الظاهرة حفيظة الراي العام في تونس و لكن لم يوجد اي تقرير صحفي تمكن من دراستها بعمق وخاصة من الداخل لانه ببساطة لم يتمكن اي صحفي من الولوج الى هذه الفضاءات و معرفة ما يحصل حقيقة داخلها. استهواني الموضوع منذ البداية لانه جديد في المجتمع التونسي وكنت اتابعه عن قرب محاولة ان اجد طريقة للدخول الى هذا العالم الغامض. في البداية خطر لي ان العب دور الام التي تريد ان تسجل ابنها في احدى هذه الرياض و هو ما فعلته و لكنني تفطنت بسرعة ان ذلك غير كاف, لانه حتى الاولياء ممنوع عليهم ان يدخلوا الى قاعات الدرس و يعرفوا ماذا يحصل لابنائهم. ثم انتهيت الى انني يجب ان اتنكر في زي مربية اطفال حتى استطيع العمل هناك. و لكن لم يكن الامر بتلك السهولة اذا ان رياض الاطفال القرآنية لا تقبل اي نوع من المروضات, فوجب اذن ان اقوم بدورة تكوينية خاصة. بحثت في المواقع الاسلامية عن اعلانات حول الدورات ووجدت واحدة في مدينة خارج العاصمة. اشتركت في احداها و لبست اللباس الشرعي حتى لا اثير انتباه المنظمين. شيئا فشيئا تمكنت من كسب صداقة و ثقة المدرسة و المتدربات و هو ما ساعدني على التمكن من القيام بتربصات في روضات قرآنية عديدة و معرفة ما يحصل فيها, وقد وثقت كل ما شاهدته بالصوت و الصورة لانني كنت احمل كاميرا خفية كل الوقت تقريبا.
واجهتني مشكلة غياب كلي للوثائق و البيانات حول الظاهرة لانها جديدة في المجتمع التونسي و بما ان رياض الاطفال القرانية غير قانونية كان من الصعب معرفة عددها و مدى تفاقم الظاهرة. حتى وزارة المرأة و الاسرة المسؤلة عن قطاع الطفولة في تونس لم تكن تملك احصائيات دقيقة حول عدد هذه الفضاءات و لم تكن هناك أي جهة اخري تملك هذه المعلومات. كان يجب علي ان اعتمد على نفسي في كل شيء.
القانون موجود منذ سنة 2011 ولكن لم يقع تفعيله الا في مايو 2013 و مازلت الادارات التونسية لم تتاقلم مع هذا التغيير كما ان تفاعلها مع طلبات الوصول الى المعلومات ليس بالشكل المطلوب. بالنسبة لي لم احتج للتعامل معها لان كل معلوماتي حول موضوع تحقيقي كان يجب ان اجدها بنفسي.
لان الظاهرة جديدة، بدات بجمع كل المقالات الصحفية التي صدرت حولها ثم اعتمدت كثيرا على الانترنات عبر زيارة المواقع الاسلامية و صفحات الجمعيات الدينية في مواقع التواصل الاجتماعي. عندما بدات تجربة الدخول الى رياض الاطفال القرآنية كان عندي دفتر يوميات اسجل فيه ملاحظاتي عن كل ما رايته و عشته كل يوم. بالاضافة الى ذلك كنت انظم كل ما صورته او سجلته في ملفات الكترونية مع وضع التوقيت و اليوم لكل مادة مسجلة او مصورة.
يجب اولا قراءة و رصد كل ما يكتب عن الظاهرة موضوع التحقيق لتكوين فكرة اولية عن الموضوع و متابعة تطوره باستمرار. يجب ايضا في مرحلة اولية الاستعانة بالمصادر المفتوحة كالشبكة العنكبوتية و مواقع التواصل الاجتماعي التي قد توجد فيها معلومات مهمة لا توجد في مكان اخر. بعد ذلك يجب وضع استراتيجية عمل و قائمة بالمصادر البشرية و الوثائق التي سنحتاجها بالاضافة الى السعي دائما الى الحصول على ارقام و احصائيات تدل على حجم الظاهرة و تطورها.
إن اصعب شيء تعرضت إليه خلال قيامي بالتحقيق كان وجوب التنكر في زي المتدربة ثم مربية رياض أطفال و الدخول الى هذا العالم المغلق الذي يتحكم فيه المتشددون دينيا. فلو تفطن احد الى انني صحفية كان يمكن ان تتعرض حياتي للخطر خاصة وانني كنت اصور بكاميرا خفية. في نفس الوقت كان يجب ان اتكتم تماما عن مهمتي خوفا على سلامتي. اتذكر انني خلال تلك الفترة كنت انام بصعوبة وتنتابني الكوابيس كل ليلة. كان لي صديق واحد يعلم بذهابي كل يوم الى تلك الرياض و كان يتابع تحركاتي بحيث لو حصل لي مكروه يمكنه التدخل و اعلام الشرطة. و لكن الحمد لله مر كل شيء بسلام.
اكبر ضربة حظ كانت قبولي بالدورة التدريبية دون ان يطلب مني بطاقة هويتي التي كان مكتوبا عليها مهنتي كصحفية. الضربة الثانية انني استطعت بسهولة ان اكسب ثقة المدربة التي فتحت امامي ابوابا عديدة و مكنتني بفضل علاقاتها من الدخول و القيام بتربصات في روضات قرآنية عديدة.
اسلوبي في الكتابة يعتمد على البدء بملخص يطرح اشكالية التحقيق في سطرين او ثلاثة ثم أمر مباشرة لتقديم شهادة او اثنين للضحايا لتوضيح عمق المعاناة التي يسببها المشكل, بعد ذلك ابدأ بشرح الموضوع مع تدعيم اقوالي باحصائيات.
اتدرج فيما بعد في بناء النص من خلال تقسيم التحقيق الى عناصر اعدها مسبقا و في كل عنصر أدرج المعلومات التي تحصلت عليها مع تدعيمها بشهادات و ارقام. وانتهي في الأخير إلى الإجراءات التي يجب اتخاذها لتجاوز المشكل. احاول ان يكون هناك ترابط بين مختلف العناصر ليكون البناء متكاملا و الأسلوب سلسا.
بفضل أريج تعلمت كيفية ايجاد المعلومة من خلال عدة مصادر و كيفية تجاوز الصعوبة في حال اغلقت في وجهي الابواب. تعلمت ايضا كيفية التخطيط لعملي و تقسيم جهدي ووقتي و تعلمت ان لا شيء يقف امام ارادة الانسان اذا كان يريد الوصول الى هدفه خاصة اذا كانت هناك مصلحة عامة.