إسلام الزيني- صرخة مغيب

2016/07/12
التاريخ : 12/07/2016

عندما تتناول قصتك معاناة اشخاص يستطيعون إيصال أصواتهم ولكنهم يحاولون اختيار الطريق الأفضل لذلك، فالأمر أهون بكثير من هؤلاء المهمشين، العاجزين عن نقل مأساتهم خارج محيط حياتهم، بسبب ظروفهم الاجتماعية أو مستواهم الثقافي والتعليمي، ولكن يبقى التحدي الأصعب عندما تتمحور القصة حول مرضى لا يستطيعون نقل المعاناة لأنهم مغيبون أو غير مدركين.

حين لاحظت انتشار إعلانات على شبكة الإنترنت، من أشخاص يدعون بأنهم معالجين نفسيين، كانت هذه الاعلانات بمثابة بداية الخيط للبحث عن سبب هذا التزايد – غير المبرر- ، حيث اكتشفت بعد التواصل مع بعضهم ان هؤلاء “المعالجين” -بعضهم غير مؤهل علميا واكاديميا- يستقبلون اعداد كبيرة من المرضى ويحصلون في المعدل على 100 دولارا للجلسة الواحدة التي تستمر في المعدل ساعة ونصف فقط، وهنا بدأت فكرة الإستقصاء حول هذه القضية تأخذ المزيد من الإهتمام، نظرا لوجود مستشفى حكومي مخصص للصحة النفسية بالبلاد، لا يكلف مرضاه اي اعباء مالية، وأصبح التساؤل الرئيسي ( لماذا يذهب مرضى وذويهم الى معالجين في القطاع الخاص ويتكبدون أموالا رغم وجود مستشفى حكومي مجاني ؟ ).

ركزت في هذه المرحلة على عينة محددة من مرضى نفسيين، بدأت رحلة علاجهم في المستشفى الحكومي قبل ان يذهبوا بمحض ارادتهم الى القطاع الخاص رغم تكاليفه المادية التي تؤرقهم، وتحدثت معظم الحالات ان المستشفى الحكومي “يوفر الدواء للمرضى ويحتجزهم لحماية المجتمع منهم”، لكنه لا يطور من حياتهم الاجتماعية ولا يساعدهم على تجاوز مرضهم. الخبرة التي اكتسبتها خلال التحقيق والدراسات العلمية التي اطلعت عليها حول العلاج النفسي، تشير ان بعض الأمراض مثل الفصام تصاحب المريض طوال عمره، لكن في الوقت ذاته يمكن تحسين حالة المريض اجتماعيا ليندمج في عمله او دراسته مرة أخرى مع استمرار العلاج، وبدأت البحث بصورة اوسع حول “الجلسات السلوكية والمعرفية” التي تجعل المرضى يغادرون المستشفى المجاني ويختارون بأنفسهم العلاج بالقطاع الخاص – المكلف ماديا- لأنه يوفر هذه الجلسات، تواصلت في البداية مع مسؤولين بمنظمة الصحة العالمية وخبراء في مجال الصحة النفسية ووجدت ان أحدث الأبحاث والتجارب تشير الى اهمية هذه الجلسات وتأثيرها الذي اصبح يفوق الدواء في تحسين حالة المرضى.
عملت في المرحلة الإستقصائية الثانية على معرفة سبب نقص هذه الجلسات في المستشفى، فربما الميزانية لا تسمح، ولكن وجدت ان الميزانية تزايدة بصورة كافية خلال السنوات الأخيرة وان الامكانيات المادية متاحة لإدارة المستشفى لتوفير هذه الجلسات ورغم نفي رئيس المستشفى في بادئ الأمر وجود نقص للإخصائيين الإكلينيكيين – الذين يقدمون الجلسات السلوكية والمعرفية- لكنه عاد مجددا ليؤكد النقص بعد مواجهته بتسجيلات صوتية لمسؤولين في مبنى -ابن رشد- المخصص للجلسات، حيث اشاروا الى وجود طبيب واحد غير متفرغ – بالإضافة الى تصريحات مرضى وذويهم يؤكدون عدم حصولهم على اي جلسات معرفية أو سلوكية وكان المبرر هو عدم نقص الكفاءات البحرينية للعمل في هذا المجال وان المستشفى قد نشرت اعلانا منذ عدة أعوام ولكنها لم تجد مؤهلين من البحرين، وهنا اكد رئيس المستشفى مرور سنوات على معاناة المرضى دون جلسات نفسية او معرفية، حيث لم تسعى المستشفى للإستعانة بأطباء اجانب مثلما تعمل معظم الدول الخليجية الأخرى بعد مراجعة سياسات العلاج هناك. نظرا لعدم توافر هذا التخصص بصورة واسعة في منطقة الخليج.

وفي المرحلة الأخيرة، عملت على مقارنة 5 حالات تتعالج في القطاع الخاص ومثلها في المستشفى الحكومي لبيان نسبة الشفاء والإندماج في المجتمع وما يتكلفه المرضى الذين يلجأون للقطاع الخاص، وهنا ساعدتني نصائح فريق تحرير شبكة أريج على تحديد أكثر الأمراض شيوعا في البحرين وبناء المقارنات وفقها حتى يكون التحقيق دقيقا وفي العمق. بالإضافة الى ذلك فقد ارشدني المشرف للإطلاع اكثر حول الصحة النفسية وجمع المعلومات من مختلف المصادر.

ابرز التحديات، تتمثل في فترات وجودي بالمستشفى، حينها كنت أتقمص شخصية المريض، مصطحبا معي حقيبة صغيرة وكأني مقيم بالمستشفى، حتى يتفادى الممرضين اعتراض طريقي، والحقيقة انني لم اشعر لحظة واحدة بالأمان والراحة النفسية، رغم وجودي في مستشفى يعالج المرضى من الناحية النفسية والمعنوية، شعرت بالمشاعر الجافة والأسلوب الحاد في التواصل معي ومع المرضى كذلك.. شعرت بأن هناك مرضى يبحثون عن اي شخص ليتحدثوا معه لأن لديهم الكثير من الكلام ليقولوه، ومن اهم الأدوار الموكلة لمستشفيات الطب النفسي هو سماع هموم المرضى حتى لو كانت مجرد أوهام. ولعل مبررات بعض العاملين بالمستشفى كانت تجعلني اتحمس اكثر لإستكمال التحقيق ( انت في مستشفى حكومي.. اذا اردت علاج جيد .. عليك ان تذهب للقطاع الخاص وتدفع ).

ولكن العمل مع مرضى مغيبين أو لا يملكون البصيرة الكافية لشرح الحقائق، فإن التحقيق هنا يحتاج المزيد من العمل المهني للتحقق من كل تصريح يصدر من المرضى بدقة، ومحاولة اخفاء شخصياتهم الحقيقية وصورهم الشخصية حفاظا على المبادئ الاخلاقية المهنية.

كانت تجربة محفوفة ببعض المخاطر وربما أصعب نوعا ما من تحقيقي الأخير حول قانون الأحوال الاسرية في البحرين، الزيارات التي كنت اقوم بها للمحاكم تختلف بالطبع عن زيارات مستشفى الطب النفسي والعيادات النفسية الخاصة، عندما قررت أن أخوض هذا التحدي في بلد صغير من حيث المساحة وعدد السكان، كنت على يقين أنني سوف التقي اشخاص اعرفهم شخصيا وقد يعتقدون بأني مريض نفسي أو عقلي في مجتمع عربي يرى المرض النفسي نوعا من العار، ولكن هذا ما شجعني أكثر لخوض التحدي، فالصورة النمطية التي نرسمها في مخيلتنا عن الطب النفسي، تؤدي إلى مجتمعات لا تعترف سوى بألم الجسد، فنجد في نهاية المطاف آلاف المرضى النفسيين يعيشون بيننا بلا علاج ولا يعرفون عن مرضهم وهذا هو الدرس الذي تعلمته. الإيمان بالفكرة مهما كان التحدي.