علي حسّون - "ذهبوا مع البحر".. و حرموا حتى من حقّهم بدفن لائق غياب المحاكم المتخصصة، تراخي المراقبة على الصيانة يطيل عمر مشكلة البحارة المفقودين

2010/02/23
التاريخ : 23/02/2010

كانت قصة الزميلة مونا فرح حول البحارة في سورية مثيرة للاهتمام فعلا ، لقد كان موضوعا جديدا على الصحافة السورية، بمعنى التقصي في موضوع لم يتم الالتفات إليه كما يجب سابقا.

دعمت فكرة مونا منذ البداية ، وفي الواقع كانت لدي شكوكي في البداية في أن تتمكن مونا من إثبات فرضيتها وهي التي تعمل لأول مرة في مجال التحقيق الاستقصائي ، ولكن كان الحماس والاندفاع اللذين أبدتهما مونا كبيرين ولو أنهما كانا يحتاجان إلى الضبط والتنظيم بحيث يجير هذا الاندفاع لخدمة الفرضية وإثباتها وهو ما حاولت فعله هنا كمشرف

عملت مونا على محورين شكلا قصتها وكل محور يتعلق بسفينة من السفن التي تعرضت للغرق والتقت ببحارة عملوا أو كانوا يعملون على هاتين السفينتين وعملت على المحورين بشكل متوازي رغم أن لكل سفينة منهما قصتها التي تصب في النهاية في مصب واحد ..وهو أن أصحاب كلا الباخرتين خالفوا القوانين وأنظمة السلامة ما أدى إلى حوادث الغرق وبالتالي هدر حياة وحقوق البحارة العاملين عليهما

استطاعت مونا الدخول في عالم البحارة وأصحاب السفن بشكل ملفت وكونت مصادر معلومات مهمة للغاية ، كما استطاعت طرق كل الأبواب المفتوحة ( الرسمية منها وغير الرسمية ، فالتقت بعدد كبير من المعنيين بقطاع النقل البحري كمديرية الموانئ وغرفة الملاحة والمحاكم التي تفصل في قضايا تتعلق بهذا القطاع لا بل استطاعت مونا وبحنكة النفاذ إلى أبعد من ذلك عندما تبعت خيوط قصتها وتشعباتها بحيث اتصلت وراسلت معنيين بإثبات قصتها من محامين وشركات تأمين وموانئ من خارج سورية فكان أن جمعت كما كبيرا من المعلومات ولكنها من نوع المعلومات التي تحتاج إلى عملية غربلة بحيث يتم فرز المفيد لإثبات الفرضية وتجاهل غير المفيد والخارج عن سياق القصة الأساسية

كنا على تواصل يومي تقريبا ، وأعني يومي بالمعنى الحرفي للكلمة إن لم يكن باللقاءات المباشرة والتي تجاوزت الست مرات فبالاتصال الهاتفي والالكتروني .. كان لدى مونا يوميا شيء جديد ، ما تطلب المتابعة الحثيثة والمستمرة بحيث يتم تصويب المسار عندما أجد أن هذه المعلومات خارج السياق والتعمق في التفاصيل عندما أجدها مهمة لإثبات الفرضية

خلال فترة استقصائها وحين وصولها إلى معلومات خطيرة عن مخالفات أصحاب السفن وخاصة بعد اتصالها بسمسار شركة التأمين في قبرص الذي ساهم في دفع أهالي البحارة للتوقيع على أوراق تمنعهم من الشكوى على أصحاب الباخرة تعرضت مونا للتهديد في حال استمرت في التحقيق ، ولمست لديها خوفا من الاستمرار قدما ، وكان لابد من مساندتها عبر التأكيد لهم بأن( ما تبحث وما تعمل عليه ليس إدانتهم أو تجريمهم بل تسليط الضوء على مشكلة يعاني منها قطاع النقل السوري والبحارة العاملين فيه لجهة عدم وجود قوانين تحميهم وعدم حصولهم على تأميناتهم ومستحقاتهم ، وضرورة إجراء الصيانة اللازمة للبواخر كيلا تتكرر حوادث الغرق ..والطلب إليهم أن يقوموا بتزويدها بكل ما من شأنه إبعاد الشبهة عنهم والدفاع عن أنفسهم ورد كل الاتهامات لأنها على مسافة واحدة من الجميع )

كما أشرت على مونا بأن ذلك يجب أن يشكل لديها دافعا على الاستمرار في قصتها دون أن تعرض حياتها للخطر وللحصول على كل الوثائق والمعلومات المحكمة التي من شأنها أن تحميها لاحقا عند نشر القصة واحتمال رفع دعوى قضائية عليها وهو ما نجحت مونا في تحقيقه حيث حصلت على وثائق محلية وأجنبية تثبت فرضيتها .

بعد أن أصبحت المعلومات جاهزة والتي اتضح أن حجمها كبير جدا عملت مع مونا على فرزها وتنقيتها واستخلاص ما يصيب الهدف فقط ورغم ذلك كان لدينا قصة بعدد كلمات تجاوز الـ4000 كلمة وهو ما دفعني للعودة إلى الموضوع مرتان وثلاث وإعادة صياغته وتكثيفه حتى وصل عدد كلماته إلى 2400 كلمة ومن ثم بالتعاون مع الزميل سعد حتر تم الطلب من مونا التدقيق في أكثر من معلومة وأكثر من مصدر وتمت عملية مراجعة نهائية وتدارك الملاحظات والمزيد من التكثيف بحيث وصل عدد كلماته إلى أقل من 1900 كلمة فأصبح جاهزا للنشر

في النتيجة أعتقد أن مونا قدمت تحقيقا جيدا جدا من حيث أنه كشف وللمرة الأولى بالوثائق وبشهادات الكثير من المعنيين والمتضررين عن تلاعب أصحاب السفن بالقوانين وبشروط السلامة الواجب توافرها في السفن وبالتالي تعريض حياة البحارة للخطر ، كما كشف عن ضعف القوانين و الإجراءات الحكومية الخاصة بحماية البحارة والتأمين على حياتهم .

وأعتقد أن هذا الموضوع لن يمر دون أن يترك أثرا في قطاع النقل البحري السوري ، وبدأت فعلا بعض النقاشات حول الموضوع بعد نشره مباشرة ..والأمل أن يساهم في تسليط الضوء على هذه المشكلة المؤرقة لآلاف السوريين العاملين في قطاع النقل البحري