المصدر: AFP
صفاء عاشور – صحفية ومدققة معلومات من مصر
يستعرض التقرير تصريحات رسمية منقوصة لمايكروسوفت وغوغل، حول استهلاك البنية التحتية الخاصة بها لخوادم تدريب أو تشغيل نماذج الذكاء الاصطناعي التوليدي للمياه، مع عدم الإفصاح الدقيق للمؤسستين عن تفاصيل استهلاك المياه المرتبط بكل مركز بيانات أو نموذج ذكاء اصطناعي؛ ما يحد من قدرة الباحثين على دراسة الآثار المناخية الكاملة للبنية التحتية لهذه النماذج.
يشير العديد من الباحثين مؤخراً إلى مخاوف بيئية متعلقة بارتفاع “البصمة المائية” للبنية التحتية اللازمة لتدريب وتشغيل نماذج الذكاء الاصطناعي التوليدي الكبيرة، مثل Gemini وGPT، خاصةً أن العديد منها يوجد، أو قيد الإنشاء، في أماكن تعاني إجهاداً مائياً، مثل الكويت والإمارات العربية المتحدة.
وتستهلك هذه البينة طاقةً أعلى من بنية الخوادم التقليدية، ويؤدي ارتفاع استهلاك الطاقة فيها إلى صدور حرارة أعلى من البنية التحتية لمراكز بيانات هذه النماذج؛ ما يزيد الحاجة إلى تقنيات التبريد باستخدام المياه، مع وجود عدة عوامل أخرى.
تعرّف منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة “الفاو” البصمة المائية بأنها إجمالي حجم المياه العذبة المستخدمة لإنتاج السلع والبضائع، والخدمات التي يستهلكها الشخص أو الشركة أو الدولة.
وبينما تتصاعد المخاوف حول هذا الاستهلاك، تتدعي مؤسسات التقنية الكبرى، مثل Microsoft وGoogle، أن توسعها في بناء مراكز الذكاء الاصطناعي لا يعني بالضرورة زيادة في بصمتها المائية، وذلك بزعم تقليص استهلاكها المياه في المراكز الجديدة.
وتستند هذه الشركات إلى إبراز تقنيات تبريد مغلقة ومتقدمة، من دون الكشف عن البيانات التي تكشف الصورة الكاملة للاستهلاك الفعلي للمياه من قبل خوادمها.
فهل استعمال هذه التقنيات يعني انخفاض البصمة المائية بالضرورة؟ وهل تقدم هذه المؤسسات صورة كاملة لاستهلاكها الحقيقي من المياه؟
نشر موقع قناة الجزيرة بتاريخ 25 آب/أغسطس 2025، إعلان غوغل تقديراتها لاستهلاك تطبيقات Gemini للذكاء الاصطناعي للموارد الطبيعية؛ بما يشمل المياه والطاقة والانبعاثات الكربونية. كما شارك الخبر موقع “العربي الجديد“والشرق الأوسط بتاريخ 21 آب/أغسطس من العام نفسه، وأشارا إلى تقدير غوغل بأن المطالبة النصية “Prompt” لـGemini يستهلك ما يعادل قرابة خمس قطرات من الماء.


لقطات شاشة مما نشرته الجزيرة والعربي الجديد عام 2025
ويستند الخبر إلى ورقة تقنية أعدها باحثون ومهندسون، تابعون لغوغل، نشرت في 21 آب/أغسطس 2025 بعنوان: “قياس الأثر البيئي لتقديم خدمات الذكاء الاصطناعي على نطاق غوغل”، ادعت فيها أن “الطلب النصي الوسيط في تطبيقات Gemini يستهلك ما يعادل خمس قطرات من الماء (0.26 مل)“.
لقطة شاشة من الورقة التقنية التي نشرتها غوغل
ومن الناحية التقنية، يتغيّر الاستهلاك الفعلي بحسب طول الإدخال والمخرجات، والنموذج أو مسار التشغيل، وكفاءة العتاد، وموقع مركز البيانات. كما أشارت غوغل إلى أن منهجيتها تعتمد نتائج البنية التحتية المستخدمة في تشغيل الخدمة؛ بما يشمل مكونات الحوسبة والطاقة والبنية الداعمة لمراكز البيانات.
لكنّ مراجعة الورقة تكشف أن الأرقام تستند إلى منهجية طورتها غوغل داخلياً، ولم تنشر بوصفها دراسة خضعت لمراجعة الأقران، كما لم تتح الدراسة البيانات التفصيلية التي تسمح للباحثين بإعادة احتساب النتائج؛ ما يعني أن الأدلة المنشورة لا تسمح بالتحقق المستقل منها.
وانتقد باحثون منهجية Google في عرض هذه الأرقام؛ يقول “شاوليه رين”، الأستاذ في الهندسة الكهربائية وهندسة الحاسوب بجامعة كاليفورنيا، إن الشركة لم تعرض بعض المعلومات المهمة، ما قد يعطي الناس انطباعاً غير دقيق عن كمية المياه التي تستهلكها مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي.
فحساب البصمة المائية لا يقتصر على استهلاك المياه مباشرةً لتبريد الخوادم؛ بل يشمل المياه التي استُهلكت بشكل غير مباشر لإنتاج الكهرباء التي تشغّلها. لذلك، يحتاج الباحثون إلى بيانات ومنهجية واضحة من الشركات، حتى يتمكنوا من مقارنة أثر خدمات الذكاء الاصطناعي بدقة. وهو ما لا تعرضه المؤسسات التكنولوجية الكبرى.
ويشارك رين هذا النقدَ الباحث Alex de Vries-Gao، مؤسس منصة Digiconomist المتخصصة في تتبع الأثر البيئي للتقنيات الحديثة. ويقول، في مقابلة مع مجلة The Verge، إن “غوغل تُجري مقارنة غير متكافئة”. فالشركة ترى أنها قادرة على تقديم تقدير أدق للبصمة المائية، مقارنةً بدراسات وصفتها بأنها “قائمة على نماذج تفتقر إلى بيانات مباشرة”. لكنّ الباحثينِ يردّان بأن الدراسات السابقة والدراسة الأخرى، التي شاركا فيها واستشهدت بها غوغل، اعتمدت على المتوسطات، لا الوسيط الذي استخدمه باحثو الشركة في ورقتهم. كما ينتقدان غوغل لعدم إتاحة تفاصيل كافية توضّح كيفية احتساب هذا الوسيط.
وفيما يتعلق بحساب استهلاك المياه، تقول غوغل إن تقديرها البالغ 0.26 مل من الماء، لكل رسالة نصية، هو “أقل بكثير من التقديرات في أوراق بحثية أخرى”. لكن الباحث رين يؤكد لمجلة The Verge أن مقارنة غوغل “مضللة”، لأن الورقة البحثية التي شارك فيها تأخذ في الحسبان إجمالي استهلاك المياه المباشر وغير المباشر لمركز البيانات، لكن هذا غير مأخوذ بعين الاعتبار في أرقام غوغل.
وتتفق هذه الملاحظة مع ما خلص إليه تقرير: “تنظيم استهلاك المياه في مراكز البيانات بولاية كاليفورنيا“، الصادر في شباط/فبراير 2026، عن مركز القانون والطاقة والبيئة بجامعة كاليفورنيا في بيركلي، الذي يشير إلى أن محدودية الإفصاح عن بيانات استهلاك المياه في مراكز البيانات، تعوق قدرة الباحثين والجهات التنظيمية على تقييم أثرها البيئي الفعلي.
بحسب التقرير الصادر عن معهد جامعة الأمم المتحدة للمياه والبيئة والصحة لعام 2026، تستند التقديرات العالمية إلى “نمذجة” وسيناريوهات بسبب محدودية الإفصاح التشغيلي. وقدّر التقرير المياه المرتبطة بإنتاج الكهرباء اللازمة لمراكز البيانات عالمياً بنحو 4.5 تريليون لتر في 2025، مع افتراض أن أعباء الذكاء الاصطناعي تمثل 20 في المئة من هذا الأثر. ويتوقع التقرير ارتفاع الرقم إلى 9.3 تريليون لتر بحلول 2030، وهو ما يكفي لتلبية الحد الأدنى من الاحتياجات المائية المنزلية السنوية لجميع سكان إفريقيا جنوب الصحراء، البالغ عددهم 1.3 مليار نسمة لمدة عام كامل.
في حزيران/يونيو 2026، نقلت مواقع عربية؛ من بينها وصلة للاقتصاد والأعمال،وجمهرة، تصريحات الرئيس التنفيذي لمايكروسوفت ساتيا ناديلا، بشأن استهلاك المياه في الجيل الجديد من مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي التابعة لمايكروسوفت؛ إذ قال إن كمية المياه التي يستهلكها مركز البيانات على مدار عام تعادل تقريباً ما يستهلكه “مطعم واحد”.
لقطة شاشة من موقع جمهرة
وقد صرّح ناديلا بذلك في مؤتمر المطورين السنوي للشركة Microsoft Build، في 2 حزيران/يونيو 2026، وأرجع ذلك إلى استخدام أنظمة تبريد مغلقة (Closed-loop Cooling)، تعيد تدوير المياه داخل النظام؛ ما يقلل الحاجة إلى تعويض المياه المفقودة باستمرار.
مع ذلك، لم تنشر مايكروسوفت، حتى تاريخ نشر هذا التقرير، البيانات التفصيلية اللازمة للتحقق من الادعاءات بصورة مستقلة. فلم تكشف حجم أو نوع المطعم المستخدم كأساس للمقارنة، أو المنهجية التي حسبت بها. ولا يقدم إعلان التصميم، بحد ذاته، تقديراً للبصمة المائية الكاملة؛ بما فيها المياه المرتبطة بإنتاج الكهرباء أو تصنيع المعدات.
بالعودة لموقع مايكروسوفت، وجدنا أن هذا النظام الجديد لا ينطبق على جميع منشآتها؛ إذ تشير الشركة إلى أنها تدير أكثر من 500 مركز بيانات حول العالم، ضمن أكثر من 34 دولة غير معلنة، فيما يتعلق تصميم “صفر مياه للتبريد” (أي تصميم لا يستهلك مياهًا للتبريد تشغيلياً) بالجيل الجديد من المنشآت فقط، لا كتحوّل معلن لجميع مراكز البيانات القائمة.
لقطة شاشة لتدوينة عبر موقع مايكروسوفت الرسمي في 9 كانون الأول/ديسمبر 2024
تركز أيضاً مايكروسوفت على استهلاك المياه داخل مركز البيانات في أنظمة التبريد، لكنّها لم تعلن استخدام المياه غير المباشر في إنتاج الكهرباء، التي تغذي مراكز البيانات، والمياه المرتبطة بسلسلة توريد المعدات، وهو ما يتقاطع أيضاً مع ادعاءات غوغل، ويمنع كشف الصورة الكاملة عن بصمتها المائية.
تؤكد دراسة منشورة في دورية AGU Advances عام 2026، أهمية حساب الاستهلاك غير المباشر للمياه؛ إذ إن البصمة المائية لمراكز البيانات لا تقتصر على استهلاك المياه داخل المنشأة في عمليات التبريد، بل تشمل أيضاً المياه غير المباشرة المرتبطة بإنتاج الكهرباء وسلاسل توريد المعدات.
وتشير تقديرات الوكالة الدولية للطاقة (IEA) عام 2025، أن نحو ثلثي استهلاك المياه في مراكز البيانات عالمياً كان متصلاً بإمدادات الطاقة الأولية وبتوليد الكهرباء، مقابل نحو ربع يرتبط بعمليات التبريد، مع تفاوت هذه النسب بدرجة كبيرة بحسب مصدر الطاقة، وموقع مركز البيانات، وتصميم أنظمة التبريد.
قدرت دراسة بعنوان: “جعل الذكاء الاصطناعي أقل عطشاً”، نشرت في مجلة (ACM) عام 2025، أن تدريب نموذج GPT-3 في مراكز بيانات Microsoft، داخل الولايات المتحدة، يمكن أن يرتبط باستهلاك مائي يقارب 700 ألف لتر في سيناريو الدراسة، مع اختلاف كبير بحسب الموقع ونظام التبريد ومصدر الكهرباء.
وقدرت دراسة محكمة البصمة المائية للبنية التحتية لمراكز البيانات المختصة بأنظمة الذكاء الاصطناعي، خلال عام 2025، بكميات تتراوح بين 312.5 و764.6 مليار لتر، وهو رقم يقترب من الاستهلاك السنوي العالمي للمياه المعبأة، البالغ نحو 446 مليار لتر.
مع ذلك أكدت الدراسة أهمية إعلان الجهات المسؤولة عن مراكز هذه البيانات لبياناتها الكاملة، فلا يمكن إجراء هذا التقييم إلا باستخدام مؤشرات أداء مراكز البيانات الأوسع نطاقاً، الواردة في التقارير البيئية لمشغلي مراكز البيانات؛ لذا فإن هذه الأرقام محاطة بقدر كبير من عدم اليقين.
خلص تحقيق استقصائي مشترك، في 2025، أجرته منصة Source Material بالتعاون مع صحيفة The Guardian، عن طريق إعداد صحفيي التحقيق خريطة تضمّ 632 مركز بيانات تابعاً لشركات مايكروسوفت وغوغل وأمازون، بالاعتماد على مصادر محليّة وقواعد بيانات متخصصة، بسبب غياب الإفصاح المنهجي عن مواقع هذه المنشآت.
أظهر التحقيق وجود 38 مركزاً قائماً و24 مركزاً قيد التطوير حول العالم، وفي المنطقة العربية، مثل الإمارات العربية المتحدة والكويت في مناطق تعاني إجهاداً مائياً، محذراً من أن محدودية البيانات المتاحة تجعل من الصعب تقييم الأثر الكامل لهذه المراكز في الموارد المائية، والتخطيط لإدارتها مستقبلاً.
مراكز البيانات في مناطق ندرة المياه، والتي تم تعريفها من قبل تقييم استخدام المياه في دورة الحياة على أنها أماكن ذات “إمكانية عالية للحرمان من المياه” (رسم بياني: صحيفة الغارديان).
أشارت لذلك أيضاً دراسة “البصمة المائية للذكاء الاصطناعي: الحلول الناشئة وضرورات الحوكمة”، المنشورة عام 2025. وخلصت الدراسة إلى أن نحو ثلثي مراكز البيانات، التي أُنشئت منذ عام 2022، توجد في مناطق تعاني بالفعل إجهاداً مائياً؛ ما يزيد الضغوط على الموارد المائية المحلية، ويثير تساؤلات بشأن استدامة التوسع في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي.
لم نجد خلال إعداد التقرير أي دراسة محكمة منشورة، حتى تاريخ نشر هذا التقرير، استطاعت الجزم بالبصمة المائية للبنية التحتية لمراكز البيانات الخاصة بنماذج الذكاء الاصطناعي، بل كلها استندت إلى تقديرات أو سيناريوهات، عزت ذلك إلى عدم شفافية مؤسسات التقنية الكبرى بخصوص استهلاكها المباشر وغير المباشر من المياه.
كشف التقرير عن نمط متكرر في خطاب شركات التكنولوجيا الكبرى؛ إذ تميل الإفصاحات عن البصمة المائية للذكاء الاصطناعي التوليدي إلى التركيز على مؤشرات جزئية، تُظهر تحسناً في جانب محدد، مثل خفض استهلاك مياه التبريد، أو حساب الوسيط لاستهلاك المياه لكل طلب نصي من طلبات الذكاء الاصطناعي.
لكن هذه المؤشرات لا تقدم دائماً صورة كاملة عن البصمة المائية الفعلية، التي تتضمن حساب الاستهلاك المباشر وغير المباشر للمياه؛ خصوصاً مع غياب بيانات تفصيلية حول مواقع الاستهلاك، ما يحدّ من قدرة الباحثين والجهات الرسمية على أخذ القرارات الصحيحة، للحفاظ على الموارد البيئية، ومعرفة تبعات الاستثمار أكثر في الذكاء الاصطناعي.