المصدر: AFP
منار أبو حسون
تنتشر على مواقع التواصل الاجتماعي منشورات لما يعرف بـ”نظرية الكيمتريل”، وازدادت وتيرة هذا النوع من الادعاءات بعد الحرب الإقليمية في المنطقة، حيث روجت عدة حسابات لمزاعم تفيد بأن الجو أصبح أصفى نتيجة تراجع حركة الملاحة الجوية، ورش “غاز الكيميتريل” في الجو من قبل الطائرات التجارية لأهداف خفية؛ مثل التحكم بالمناخ أو التأثير في صحة البشر.
تعود هذه الادعاءات إلى أواخر تسعينيات القرن الماضي، ضمن قائمة الادعاءات المتعلقة بـ”نظريات المؤامرة” التي تقوم على فرضية وجود مخطط سري تديره جهات نافذة؛ للسيطرة على الأحداث والظواهر العالمية. وغالباً ما ترفض هذه النظريات الروايات الرسمية أو الإجماع العلمي، وتقدم تفسيرات بديلة تفتقر إلى الأدلة الموثوقة.
يكشف هذا التقرير أبرز الادعاءات عن نظرية “غاز الكيمتريل”، التي تداولتها حسابات عربية على منصة “إكس” بعد الحرب الإقليمية الأخيرة منذ 28 شباط/فبراير 2026، حتى تاريخ نشر هذا التقرير، ويفند هذه الادعاءات استناداً إلى المصادر العلمية الموثوقة.
تتبعنا عدداً من السرديات والمنشورات بمحتويات مختلفة، تروّج للنظرية عبر محتويات متنوعة، شملت مقاطع فيديو وصوراً ومنشورات نصية. ومن أبرزها ادعاء نشره حساب “خديجة أحمد” التي تعرف نفسها على أنها صيدلانية تروّج عبر حسابها لادعاءات متعلقة بنظريات المؤامرة، ومنها الكيمتريل.
أبرز هذه الادعاءات، التي نشرها هذا الحساب وحصد آلاف التفاعلات، كان بتاريخ 24 نيسان/أبريل 2026، زعم أن “غاز الكيمتريل” يُعد أحد أسباب التغير المناخي.

لقطة شاشة من حساب “خديجة خالد” للادعاء
وجاء في نص الادعاء: “هذا ما تفعله أمريكا وإسرائيل، يسرقون الأمطار، ينتجون سحب اصطناعية، يقومون بتلقيح السحب وتغيير المناخ، يرشون مادة “الكيمتريل”(Chemtrail)، يستخدمون تقنية “هارب” (Haarp). ولكن إذا سألتهم، سيقولون لك إن التغير في المناخ طبيعي“.
في اليوم نفسه، ردّ حساب “زهراء رمضان” على منشور “خديجة أحمد” مؤيداً تلك المزاعم، مدعياً أن “الخطوط البيضاء التي تتركها الطائرات في السماء، ليست مجرد بخار ماء، بل هي مواد كيميائية (مثل الباريوم والألمنيوم) ترشها “نخب سرية” لتقليل عدد السكان أو التلاعب بالمناخ“.
ويُعد هذا الادعاء من أكثر الروايات تداولاً ضمن نظرية “الكيمتريل”؛ إذ تُرفق منشورات من هذا النوع عادةً بصور أو مقاطع فيديو لآثار التكاثف التي تخلّفها الطائرات في السماء، مع الادعاء بأنها تمثل “غاز الكيمتريل”، أما تسميته فجاءت من كلمتي “Chemical trials” أي المسارات الكيميائية.


لقطة شاشة من ادعاء “زهراء رمضان” و “موزه بنت عبيد”
وفي سياق مماثل، نشر أحد الحسابات المروجة لنظريات المؤامرة من الكويت، والذي يعيد عادةً نشر هذا النوع من المحتوى من حسابات أجنبية، ادعاءً في 9 حزيران/يونيو 2026، زعم فيه أن وثائق لوكالة المخابرات المركزية الأمريكية (CIA) كشفت عن خطط أميركية للسيطرة على العالم، عبر التلاعب بالطقس باستخدام ما يُعرف بـ”الكيمتريل”.

صورة من ادعاء qqqq8118 لمشاركة منشور حساب يدعى Stern Drew
كما تناولت العديد من الحسابات مزاعم أن الجو أصبح أنقى عقب إغلاق المجال الجوي، بسبب الحرب الإقليمية وتوقف رش “الكيمتريل“. ومن أبرز هذه الحسابات، حساب “دكتور ياسر خالد العمار“، الذي يعرّف نفسه بأنه جراح عظام كويتي يتابعه نحو 77 ألف متابع، ويتبنى الحساب منذ سنوات نظرية رش الكيمتريل لحجب أشعة الشمس والتلاعب بالمناخ، ونشر خلال الحرب عدة منشورات ادعى فيها أن السماء أصبحت أصفى مع توقف رش غاز “الكميتريل“.




صورة لمنشورات على ” اكس” تدعي توقف رش الكيمتريل بسبب الحرب
رفض المجتمع العلمي هذه النظرية عام 2016، وصنفها ضمن “العلوم الزائفة”. حيث فندت دراسة علمية منشورة عام 2016 في مجلة Environmental Research Letters، بعنوان “قياس إجماع الخبراء ضد وجود برنامج سري واسع النطاق للرش الجوي” ادعاءات الكيمتيريل؛ إذ شملت استطلاع آراء خبراء في كيمياء الغلاف الجوي والترسبات الجوية، لتقييم الأدلة التي يستند إليها مروجو نظرية “الكيمتريل”.
وأظهرت النتائج أن 76 من أصل 77 خبيراً مشاركاً (بنسبة 98.7%) أكدوا أنهم لم يواجهوا أي دليل يدعم وجود برنامج سري واسع النطاق لرش مواد في الغلاف الجوي، كما أوضحوا أن الأدلة المتداولة لتأكيد هذه الادعاءات يمكن تفسيرها بظواهر معروفة علمياً، مثل آثار تكاثف الطائرات والهباء الجوي والعمليات الفيزيائية والكيميائية المرتبطة بالغلاف الجوي.
ولا تُعد هذه الادعاءات جديدة؛ إذ يمكن رصد تداول نظرية “الكيمتريل” باللغة العربية على منصة “إكس” منذ أكثر من عقد، بما في ذلك عبر بعض الحسابات الإعلامية منذ عام 2011. واستمرت هذه المزاعم في الظهور بصورة متكررة خلال الأعوام 2018 و2023 و2024 و2025 رغم تفنيدها سابقاً في تقارير تدقيق معلومات.
أما الخطوط البيضاء التي تظهر خلف الطائرات عند تحليقها في السماء، والتي يستشهد بها مروجو هذه الادعاءات في صورهم ومقاطع الفيديو المتداولة، فيؤكد الخبراء أنها ليست سوى آثار تكاثف تُعرف علمياً باسم “مسارات التكاثف” (Contrails).
يجيب برنامج وكالة ناسا العلمي (NASA GLOBE) عن سؤال “لماذا قد نرى طائرة تصدر هذه الانبعاثات وطائرة لا تصدرها؟”، بأن السبب يعود لعاملي الرطوبة والارتفاع، اللذين تحلق فيهما الطائرات، وهو ما يحكم تشكل لمسارات التكاثف البيضاء التي نراها.
ويوضح موقع البرنامج أن الطبيعة غير المتجانسة للغلاف الجوي، واختلاف نوع المحركات، عوامل مهمة كذلك؛ فإذا حلقت طائرة في طبقة هواء جافة، يتبخر عادمها المكون من بخار الماء فوراً دون أثر، في حين إذا حلقت في طبقة شديدة البرودة وعالية الرطوبة، يتجمد البخار فوراً مشكلاً خطوطاً جليدية بيضاء.
ولم نجد ما يدعم علمياً وجود عناصر الباريوم والألمنيوم ضمن مواد عوادم الطائرات التجارية. ورغم أن قطاع الطيران يُسيّر ملايين الرحلات الجوية سنوياً، فإن نسبة ضئيلة منها فقط تُنتج آثاراً جوية تُؤثر بشكلٍ ملحوظ في المناخ، ولا تُحدث معظم الرحلات الجوية تأثيراً يُذكر.

لقطة من فيديو لمنظمة الطيران الدولي المدني عبر يوتيوب لانبعاثات عوادم محركات الطائرات التجارية غير الكربونية
إلى جانب ذلك، تتميز المحركات النفاثة الحديثة بحرارة عوادم أبرد، وتطلق نسبة أعلى من بخار الماء، ما يجعلها علمياً أكثر عرضة لتكوين هذه الخطوط من المحركات القديمة، وفقاً لتقرير إدارة الطيران الفيدرالية الأمريكية (FAA). وقد رفضت الحكومة الأميركية مزاعم رشها لمركبات كيميائية في الهواء تؤثر في صحة السكان من قبل.

جزء من رد الحكومة الأميركية حول الادعاءات المرتبطة بمسارات التكاثف الناتجة عن الطائرات
المقطع الذي أرفقته “خديجة خالد” بزعم أنه لرش مواد سامة في الجو، تبين بالبحث العكسي أنه مقتطع من فيديو نشر على اليوتيوب عام 2016، يحمل عنوان “ТМС-65д”، وهو اسم آلة عسكرية روسية من طراز TMS-65؛ وهي آلة حرارية سوفيتية المنشأ صُنعت عام 1966 لصالح قوات الدفاع الإشعاعي والكيميائي والبيولوجي، تُستخدم لتطهير وتعقيم المعدات والمباني من المواد الكيميائية والبيولوجية، ومكافحة الآفات، بالإضافة إلى إنشاء ستائر دخانية لأغراض التمويه العسكري.

لقطة شاشة من موقع روسي يوضح استخدام المركبة
أما المقال الذي ردت به “زهراء رمضان” على “خديجة”، بالبحث عنه تبين أنه مقال لراديو فرنسي، يؤكد أن غاز الكيمتريل يتبع نظرية المؤامرة، وكيف استخدمه سياسيون فرنسيون خلال تصريحاتهم.
وبخصوص الوثيقة التي يزعم أنها لـ(CIA)، بمراجعة هذه الوثائق من وكالة المخابرات المركزية التي رُفعت عنها السرية، لا يوجد فيها ما يثبت وجود خطة أميركية للسيطرة على العالم من خلال التحكم بالطقس، أو رش مبيدات أو مواد في الجو، ولا توجد أي إشارة لاسم “الكيمتريل”، وفحوى الوثيقة حول طموحات التحكم بالطقس في ذلك الوقت عام 1965.
أكدت مجموعة كيث في جامعة هارفارد عدم وجود أي أدلة موثوقة تدعم نظرية مؤامرة “الكيمتريل”، موضحةً أنه ربما قد يخلط بعض الناس بين مفهوم الكيمتريل والهندسة الجيولوجية المناخية.
في مقابلة تفصيلية أجراها موقع “Carbon Brief” مع عالمة المناخ، الدكتورة كاثرين هايهو، أكدت فيها بأن “الهندسة الجيولوجية ليست هي الكيمتريل”، مؤكدة أن “الكيمتريل” ما هو إلا “نظرية مؤامرة”.
أما الهندسة الجيولوجية المناخية تشمل مجموعة من التقنيات النظريّة، منها تقنيات إدارة الإشعاع الشمسي مثل نثر الهباء الجوي -جسيمات عاكسة صغيرة- في الستراتوسفير، لعكس جزء بسيط من ضوء الشمس إلى الفضاء، أو زيادة كمية الإشعاع الشمسي الذي يعود إلى الفضاء، ما يسهم في تبريد الكوكب، وهو أحد الحلول المطروحة لمعالجة مخاطر الاحتباس الحراري، ولا يوجد ما يؤكد استخدام هذه التقنية حتى اللحظة أو نثر الهباء الجوي لاختبارها.
وتنصح مجموعة كيث من يؤمن بهذه النظرية:
“إذا كنت تؤمن بنظرية “الكيمتريل”، فاسأل نفسك كيف يمكنك أن تكون متأكداً إلى هذا الحد من وجود مؤامرة كبرى. فكّر في تفسيرات بديلة وبسيطة. تذكّر أن الإنترنت مليء بأشخاص متأكدين تماماً من أمور غير صحيحة. تذكّر أنه بينما تستطيع الحكومات إخفاء أسرار تخص عدداً قليلاً من الأشخاص، فإنها تُخفق في الحفاظ على سرية البرامج واسعة النطاق”.