رؤى أشرف20 أغسطس 2026

لافتة احتجاجية رفعها محتجون بالملتوي على إحدى مغاسل الفوسفات
ظل ماهر (اسم مستعار) يبحث عن قطرة مياه تقيه حر الصيف. لم يجد في محيطه ما يسد حاجته، فعزم على السير مسافة 15 كيلومتراً من مدينة المتلوي، نحو مغاسل الفوسفات بولاية قفصة التونسية، هناك، ألقى بجسده في مياهها، متشبثاً بما قد تمنحه من لحظات نجاة من قيظ لا يرحم.
بدا ما أقدم عليه ماهر احتجاجاً صامتاً، سرعان ما تحول إلى حركة احتجاجية صاخبة، حين ضاق سكان “الحوض المنجمي” ذرعاً بشح المياه.
“الماء إلي ماشي للفسفاط… نحن أولى بيه”، لافتة معلقة على إحدى مغاسل الفوسفات بمدينة المتلوي بقفصة، تحمل صرخة طالما ظلت حبيسة صدور الأهالي.
لم تكن اللافتة سوى شرارة لموجة احتجاجات شهدتها المدينة منذ يوم العاشر من تموز/يوليو 2026، عندما أغلق الأهالي عدداً من الطرقات؛ مطالبين بعدالة توزيع المياه.
بالحوض المنجمي بولاية قفصة، تُغسل أطنان من الفوسفات يومياً بالماء، في مغاسل شركة فوسفات قفصة المملوكة للحكومة التونسية، قبل أن تُصرف المياه المستخدمة ومخلفات الغسل.
ولا تنتهي رحلة الفوسفات عند هذا الحد، إذ يُنقل جزء كبير منه إلى المجمع الكيميائي التونسي الحكومي بالمظيلة، حيث يُحول إلى أسمدة؛ وهي عملية تولد بدورها كميات كبيرة من المياه العادمة التي يُساء تصريفها.
تواريخ شهدت احتجاجات أهالي قفصة على الانقطاع المتكرر للمياه
2019 – 2026الكلالمتلويالرديفالمظيلةأم العرائس
4 تموز/يوليو 2019المظيلةاحتجاجات بسبب انقطاع مياه الشرب
كانون الأول/ديسمبر 2020الرديفاحتجاجات بسبب انقطاع مياه الشرب
3 تموز/يوليو 2023الرديفاحتجاجات بسبب انقطاع مياه الشرب
25 أذار/مارس 2024المتلوي، الرديف، أم العرائستحركات احتجاجية بسبب انقطاع المياه
تموز/يوليو 2025الرديفاحتجاجات بسبب انقطاع مياه الشرب
13–14 نيسان/أبريل 2026المتلوياحتجاجات بسبب انقطاع مياه الشرب
11–12 تموز/يوليو 2026المتلوياحتجاجات بسبب انقطاع المياه
المصدر: تجميع من مصادر صحفية وحقوقية محلية.
الخط الزمني يبرز المحطات الموثقة، ولا يمثل حصراً كاملاً لجميع الاحتجاجات.
عدد السكان والمساحة بكل مدينة بالحوض المنجمي
تعداد 2024الكلالمتلويالرديفأم العرائسالمظيلة
نسبة النمو السكاني السنوي 2014–2024 (%)
0.933.2
عدد السكان (2024)
20,000
30,000
45,000
Leaflet | © OpenStreetMap © CARTOعرض البيانات كجدول
حجم الدائرة يعبر عن عدد السكان لعام 2024، ولونها يعبر عن نسبة النمو السكاني السنوي بين 2014 و2024 (كلما اتجه اللون نحو الأحمر الغامق، ارتفعت نسبة النمو).
المصدر: بيانات تعداد السكان لعام 2024. المساحة والكثافة السكانية ونسبة النمو السنوي محتسبة استناداً إلى بيانات التعداد للفترة 2014–2024.
مواقع المعتمديات على الخريطة تقريبية لأغراض العرض.
في الحوض المنجمي بقفصة، قد يمتد انقطاع المياه إلى أسبوع، حتى أصبح انتظار وصول الماء جزءاً من روتين سكان المنطقة. يحاول السكان تخزين ما يستطيعون في أوعية بلاستيكية، لكنهم يدركون أن ما يكفي ليوم لا يكفي لأيام.
يقول ماهر: “الماء حق أساسي، العائلات في المتلوي تعمل ليلاً نهاراً للحصول عليه، أنا شيء وحيد لا أفهمه: كيف يعقل أن الماء متوفر لغسل الفوسفات طوال الوقت، في حين تفتقر المنازل إليه؟!”.
ويشمل الحوض المنجمي في قفصة أربع مدن؛ هي المتلوي والرديف وأم العرائس والمظيلة، تضم أكثر من مئة و24 ألف نسمة، وفق تعداد 2024، جميعهم يعتمدون على موارد مائية جوفية محدودة.
ووفق دراسة “مستقبل التنمية بالحوض المنجمي: بعد أو دون فسفاط”، لحسين الرحيلي، والصادرة في تشرين الأول/أكتوبر 2021 عن مؤسسة روزا لكسمبورغ مكتب شمال إفريقيا، تنشط شركة فوسفات قفصة داخل الحوض المنجمي الذي يضم ثمانية مناجم سطحية و11 مغسلة فوسفات. ولضمان استمرار الإمدادات المائية، أنشأت الشركة منظومتها المائية الخاصة داخل الحوض المنجمي، بشكل مستقل عن شبكة الشركة الوطنية للمياه.
ووفق دراسة الماء والعدالة الاجتماعية بالحوض المنجمي الصادرة عام 2018، فإن شركة فوسفات قفصة تحتاج إلى كمية من المياه تتراوح بين 18 و20 مليون متر مكعب سنوياً لغسل 12.5 مليون طن من الفوسفات الخام سنوياً. هذا الاستهلاك يجعل الشركة المستغل الأكبر للموارد المائية في الحوض المنجمي؛ إذ تستحوذ سنوياً على نحو 72 في المئة من الموارد المائية الجوفية العميقة للمنطقة، التي تقدر بنحو 25.1 مليون متر مكعب سنوياً، كما تستغل نحو 48 بالمئة من إجمالي الموارد المائية للجهة.
ويتفاقم الأمر في بعض المناطق، مثل مدينة الرديف التي تعتمد فيها الشركة على آبار عذبة ونقية، تتقاسمها مع السكان.
ووفق ما ورد في تقرير تدقيق المطابقة البيئية والاجتماعية للمجمع الكيميائي التونسي بالمظيلة، الصادر في آب/أغسطس 2025، فإن الاستنزاف المائي الأكبر يتركز في مائدة المياه الجوفية بالمنطقة الجنوبية بالقطار؛ إذ تجاوزت نسبة استغلالها 118 في المئة.
ويكشف تقرير تدقيق المطابقة البيئية والاجتماعية أن المجمع أيضاً يعتمد في نشاطه على مياه طبقة قفصة الجنوبية الجوفية، وهي طبقة مائية تتعرض لضغط كبير؛ بسبب الاستغلال المفرط. كما رصد التقرير فقداناً مائياً يقدّر بـ 105 أمتار مكعبة في الساعة أثناء عمليات إعادة ضخ الجيبس الفوسفاتي.
يقول رابح بن عثمان، منسق مشروع العدالة البيئية، إن مدن الحوض المنجمي لا تواجه القدر نفسه من المشكلة؛ ففي مدينة المتلوي والمظيلة، مثلاً، يُغسل الفوسفات بالمياه المالحة، في حين يحدث العكس في الرديف، إذ يُغسل الفوسفات بالمياه الصالحة للشرب.
يؤكد حسين الرحيلي، الخبير في التنمية والتصرف في الموارد، الذي أعد دراسة “الماء والعدالة الاجتماعية”، أن شركة فوسفات قفصة تتمركز في الحوض الجوفي بأكثر من 18 بئراً عميقة، وبطاقة ضخ تصل إلى 715 متراً في الثانية؛ أي أن طاقة الضخ لشركة فوسفات قفصة تتجاوز طاقة ضخ الشركة الوطنية لاستغلال وتوزيع المياه في الولاية.
وبالرجوع إلى منصة “Aqueduct Water Risk Atlas”، لرصد كميات المياه المستهلكة سنوياً، تصنف منطقة الحوض المنجمي ضمن نطاق الإجهاد المائي المرتفع؛ إذ تُستغل بين 40 و80 في المئة من الموارد المائية المتجددة المتاحة سنوياً.
وتُظهر بيانات المنصة أن قطاع التعدين يعمل في بيئة ذات مخاطر مائية متوسطة إلى مرتفعة، وهو ما يعكس حجم التنافس على مورد محدود بين النشاط الصناعي واحتياجات السكان اليومية.
تقول منية (اسم مستعار) خالة ماهر، ستينية تقطن بمدينة المتلوي، وتعاني فشلاً كلوياً: “المياه مشكلة أزلية في المنطقة، تنقطع كثيراً، وحتى عندما تجري في الصنبور، يكون لونها أصفر”.
يكاد لا يمر يوم من دون أن يطرق ماهر بابها، يحمل ما تحتاج إليه من دواء أو طعام، ويتفقد إن كانت قادرة على تدبير شؤونها بمفردها. لكن في الأيام التي ينقطع فيها الماء، تتضاعف مخاوفه؛ فالماء بالنسبة إلى منية جزء من معركة يومية مع المرض؛ تحتاج إليه لتنظيف منزلها، وإعداد طعامها، والاعتناء بجسدها الذي أنهكته جلسات الغسيل الكلوي.
يراقبها ماهر وهي تخفي وجعها، لكنه يعجز عن إخفاء شعوره بالعجز؛ فمنزل خالته قد يبقى لساعات، وأحياناً لأيام، بلا ماء من المفترض أن تضخه الشركة الوطنية لاستغلال وتوزيع المياه، في حين لا تبعد مغاسل الفوسفات سوى كيلومترات قليلة، وتواصل ضخ المياه بلا انقطاع لغسل آلاف الأطنان من الفوسفات.
لم تعد منية تفرح عندما تسمع هدير الماء في الأنابيب. تجلس على كرسيها، تنتظر حتى يفتح ماهر الصنبور، وكأنها تعرف مسبقاً ما الذي سيخرج منه. ينساب الماء ببطء، لا شفافاً كما هو معروف ومألوف، بل أصفر يقترب من لون الطين. ورغم مظهره الذي يبعث على القلق، تطهو وتغسل به، وأحيانا تشربه، لأنها لا تستطيع شراء بديل كل مرة.
في جولة ميدانية، رصدت معدة التحقيق عند مجرى الوادي، الذي يستقبل تصريفات المغسلة رقم 2 بالمظيلة، تغير لون التربة إلى طبقة طينية رمادية داكنة، في حين يشق الماء الملوث طريقه ببطء بلون يميل إلى الأخضر والرمادي الغامق. وتنبعث من المجرى رائحة نفاذة تزكم الأنوف.
يشير تقرير للمنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، صدر عام 2022، إلى أن مغاسل الفوسفات تصرّف مياه الغسل المحمّلة بالوحل الطيني والرواسب مباشرة في شبكة من الأودية، تمتد لأكثر من 140 كيلومتراً عبر الحوض المنجمي.

صورة ميدانية لتلوث مجرى مياه بقفصة بمخلفات المجمع الكيميائي
ووفق معطيات شركة فوسفات قفصة، تجاوزت كمية الوحل الطيني، المصروفة عبر هذه الأودية، 39 مليون طن بين عامي 1979 و2000، قبل أن ترتفع مع توسع الإنتاج، ليبلغ معدل الوحل المتسرب عام 2010 نحو 2.4 مليون طن سنوياً. ولم تصدر الشركة أي بيانات حديثة عن تصريف المياه العادمة الناتجة عن العمليات الصناعية في الشركة.
وقدر تقرير “الماء والعدالة الاجتماعية” أن مغاسل شركة قفصة تصرف كمية مياه طينية ملوثة، تصل إلي 11 مليون متر مكعب سنوياً في أودية الحوض المنجمي.
ولا يقتصر الأمر على تصريف مياه الغسل؛ إذ كشف تقرير تدقيق المطابقة (أو الملائمة) البيئية والاجتماعية لمجمع المظيلة الكيميائي غياب المتابعة الدورية لجودة المياه المسترجعة من أحواض الفوسفوجيبس، إلى جانب عدم وجود خطة موثقة لإدارة مخاطر التسرب نحو التربة أو المياه الجوفية.
جودة مياه الشرب في منطقتي القويفلة والطرفاية مقارنة بمعايير منظمة الصحة العالمية
القويفلةالطرفايةمعيار منظمة الصحة العالمية
المصدر: دراسة التقييم الجيوكيميائي للمخلفات الناتجة عن صناعة الفوسفات في حوض قفصة-المتلاوي
كما أظهرت دراسة “تقييم للمخاطر البيئية، واختبارات بيولوجية قائمة على السمية للنفايات السائلة من صناعة الأسمدة الفوسفاتية: دراسة حالة في الحوض المنجمي بقفصة” المنشورة عام 2025، أن المياه الصناعية الناتجة عن المجمع الكيميائي التونسي بالمظيلة تحتوي على خليط من الملوثات الكيميائية، يتميز بحموضة مرتفعة. كما أثبت الباحثون وجود تأثيرات سامة على النباتات والخلايا، محذرين من استمرار تصريف هذه المياه إلى البيئة من دون معالجة فعالة.
وتتوافق هذه النتائج مع ما خلصت إليه دراسة “العناصر السامة المحتملة في معالجة الفوسفات جنوب غرب تونس”، المنشورة عام 2026 في مجلة Toxics، التي رصدت تركيز عناصر يحتمل أن تكون سامة في المخلفات الصلبة والسائلة، الناتجة عن مختلف مراحل استخراج الفوسفات وتصنيعه.
وتتفشى في الحوض المنجمي بقفصة أمراض، تعزوها الدراسات إلى تلوث المياه المختلطة بترسبات الفوسفات.
تحمل رانية (اسم مستعار) أثراً في أسنانها لا تستطيع إخفاءه. فكلما غادرت الحوض المنجمي وفتحت فمها للحديث، يسبق لون أسنانها لهجتها في كشف المكان الذي جاءت منه.
توضح نسرين عميد، طبيبة أسنان بمدينة المظيلة، أن “التفلور السني” يصيب الأطفال أساساً عندما يتعرضون إلى كميات مرتفعة من الفلورايد خلال السنوات الأولى من العمر؛ وهي الفترة التي تتشكل فيها الأسنان الدائمة. وتبدأ الإصابة ببقع بيضاء طباشيرية، قبل أن تتطور في الحالات الشديدة إلى بقع صفراء أو بنية، وقد تصل إلى حفر وتشوهات دائمة على سطح الأسنان.
وتؤكد أن هذه الحالات منتشرة في مختلف مناطق الحوض المنجمي، وأن آثارها تبقى ملازمة للمصاب مدى الحياة، مضيفة: “أصبحنا نستغرب عندما نرى هنا أسناناً بيضاء طبيعية”.
وتتوافق أقوالها مع دراسة “تسمم الأسنان بالفلور كمؤشر حيوي على الفشل البيئي والتنظيمي في حوض قفصة بتونس”، التي خلصت إلى أن الأنشطة المنجمية المتعلقة بالفوسفات تسهم في زيادة انتقال الفلورايد إلى المياه الجوفية.
وسجلت الدراسة تركيز الفلورايد في بعض مصادر المياه، تراوحت بين 1.6 و2.9 مليغرام/لتر، متجاوزة الحد الأقصى، المُوصى به من منظمة الصحة العالمية لمياه الشرب، المقدر بـ1.5 مليغرام/لتر.
ولم يقتصر الأمر على تحليل المياه؛ إذ أظهرت الدراسة تراكم الفلورايد داخل أسنان سكان قفصة بلغ بنحو 6793 ميكروغراماً لكل غرام، كما قدرت أن نحو 90 في المئة من البالغين يعانون التفلور السني.
كما توصل المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، في تقرير صدر عام 2022، بعد تحليل عينات من مصادر مياه الشرب بالرديف، إلى أن نسبة الفلورايد في بعض العينات بلغت 2.29 مليغرام/لتر، متجاوزة الحد المُوصى به من منظمة الصحة العالمية.
تصف “رانية” الفجر في المظيلة بـ”ساعة الانبعاثات”. في ذلك الوقت، يغلف المنطقة بأكملها، من محيط المجمع الكيميائي إلى الأحياء السكنية، ضباب كثيف تفوح منه رائحة نفاذة، حتى يصبح التقاط النفس من دون الشعور بالاختناق أمراً شاقاً.
وخلال جولة ميدانية لمعدة التحقيق، رصدت انبعاثات صادرة من المجمع الكيميائي بالمظيلة، الذي لا يبعد سوى كيلومترين عن المناطق السكنية، كما تقع محطات غسل الفوسفات وسط الأحياء السكنية بالمظيلة.
ورصدت معدّة التحقيق، عبر خريطة جودة الهواء على موقع AccuWeather، المتخصص في مراقبة جودة الهواء، أن منطقة المظيلة عادة ما تظهر ضمن نطاق ملوّن بالبرتقالي؛ وهو المستوى المصنّف على الخريطة ضمن “ضعيف”، في حين ظهرت مدن مثل الرديف ضمن نطاق “غير صحي”.
لا تقتصر آثار المجمع الكيميائي التونسي بالمظيلة على الانبعاثات التي يراها السكان، أو المياه الملوثة التي تمر بمحاذاة المدينة، إنما تمتد إلى اختلالات بيئية أوسع وثقها تقرير تدقيق المطابقة (أو الملائمة) البيئية والاجتماعية لموقع المظيلة 1 الصادر في آب/أغسطس 2025. ويكشف التقرير عن أوجه قصور في إدارة النفايات الصناعية والموارد المائية، ومراقبة جودة الهواء، إلى جانب ضعف إجراءات السلامة والتواصل مع السكان.
رغم ما كشفه التقرير البيئي من اختلالات في المجمع الكيميائي بالمظيلة، تواصل الحكومة التونسية خططها لتوسيع صناعة الفوسفات؛ إذ أعلنت في 2025 عن زيادة الإنتاج بنحو خمسة أضعاف. وأثار ذلك غضب السكان في المظيلة وقابس؛ ففي الأخيرة خرجت احتجاجات في تشرين الأول/أكتوبر 2025 للمطالبة بنقل المجمع، في حين احتج سكان قفصة على استنزاف الشركة الحكومية للموارد المائية في ولايتهم.
ووفق تحقيق لأريج، فإن صادرات الفوسفات التونسي تذهب غالبيتها إلى الهند والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة.
في المقابل، تتعثر المشروعات البيئية لدى شركتي فوسفات قفصة والمجمع الكيميائي التونسي في المظيلة. ففي عام 2023، وقعت شركة “فوسفات قفصة” اتفاقية مع المؤسسة المالية الدولية للحصول على منحة بقيمة سبعة ملايين دينار (مليوني و25 ألف دولار، بسعر الصرف عام 2023)؛ للتمويل دراسة لإنجاز مشروع مندمج للنقل الهيدروليكي للفوسفات التجاري، بكلفة إجمالية تقدر بـ1.1 مليار دينار (354.5 مليون دولار).
ويستهدف المشروع الحد من استنزاف المياه الجوفية، عبر إنشاء محطة لتحلية مياه البحر، وخط لتزويد المغاسل بالمياه الصناعية.
وكان من المقرر الانتهاء من المشروع في حزيران/يونيو 2025، لكنّه لم ينجز في موعده. وفي تموز/يوليو 2026، دعت الحكومة إلى تسريع وتيرة إنجاز المشروع، فيما لا تزال التطورات المتعلقة به، وفق موقع المؤسسة المالية الدولية، “قيد الانتظار”.
وفي تشرين الأول/أكتوبر 2025، أُعلن عن برنامج بقيمة 140 مليون دينار (نحو 46.73 مليون دولار)؛ لتمويل مشروعات بيئية بالمجمع الكيميائي؛ من ضمنها إنشاء محطة لتحلية المياه، وتهيئة مصب الفوسفوجيبس بطبقة عازلة.
غير أن وثيقة حصلت عليها معدة التحقيق، صادرة عن المجلس الجهوي بقفصة في كانون الثاني/يناير 2026، تكشف عن عدم تنفيذ عدد من الالتزامات التي تعهّد بها مسؤولون خلال اجتماع جمع المجلس المحلي بوالي قفصة ومدير المجمع الكيميائي.
وفي 9 نيسان/أبريل 2026، أكد سيف الدين دلالي، رئيس المجلس المحلي بالمظيلة وعضو المجلس الجمهوي بقفصة، أن المشروعات البيئية التي أُعلن عنها عام 2025، لم تُنفذ إلى الآن، مضيفاً: “عقدنا عدة جلسات مع المجمع واتفقنا على عدة نقاط، لكن للأسف لم يُنجز منها أي شيء”.

مستند المجلس الجهوي بقفصة عن التلوث الصادر عن المجمع الكيميائي
يستعيد ماهر اليوم صورة الحوض المنجمي الذي يعرفه، وهو يتنقل بين منزله وبيت خالته منية حاملاً لها الدواء والطعام والماء كلما انقطع عن الصنبور. لكنّ الماء الذي كان يحمله إليها زائراً، صار يخرج من أجله محتجاً؛ بعدما رأى كيف يستمر تدفقه إلى المغاسل، فيما يتعذر وصوله إلى البيوت.
أنتج هذا التحقيق بدعم من أريج.