يتتبع هذا التحقيق مسار حملات رقمية استهدفت أصواتاً معارضة وصحفيات وناشطات في سوريا، خلال عامَي 2025 و2026، ويخلص إلى أن جزءاً من هذه الحملات انطلق من مجموعة واتساب يشارك في إدارتها مسؤولون في وزارة الإعلام، وأن شبكة من الحسابات محدودة النشاط على “فيسبوك” عملت بصورة منسّقة على تضخيم التفاعل مع محتوى هذه الحملات وتوسيع انتشاره، مع إخفاء هوية القائمين عليها.
خلال أشهر من العمل، تتبّع معدّا التحقيق أكثر من ثمانية آلاف حساب، شاركت في نشر المحتوى المرتبط بالحملات محلّ البحث أو في تضخيمه، وراجعا سجلات محادثات ورسائل حصلا عليها من داخل مجموعات مغلقة، وحلّلا بيانات التفاعل على عشرات المنشورات والصفحات، وأجريا مقابلات مع مستهدفات بهذه الحملات ومع خبراء في السلامة الرقمية.
في 17 نيسان/أبريل 2026، تجمّع عشرات المدنيين، بينهم موظفون وناشطون، في ساحة يوسف العظمة بدمشق استجابة لدعوة “قانون وكرامة”، مطالبين بمعالجة التدهور المعيشي، وكبح ارتفاع الأسعار وتكاليف الحياة اليومية، وحماية الحريات الفردية، واحترام سيادة القانون.
لم تدم الوقفة طويلاً بصورتها السلمية، حيث واجهها تجمّع مضاد، قبل أن تتطور الأجواء إلى اشتباكات. عاد المعتصمون بلافتات ممزقة، وإصابات جسدية وثّقت ما جرى، ووُصفوا بـ”فلول النظام”.
غير أن ما جرى في الساحة لم يكن نقطة البداية. فقد سبقت التجمّع بأيام معركة أخرى دارت في الفضاء الرقمي. إذ تُظهر مراجعة الرسائل والمحادثات (التي حصل عليها التحقيق) أن حملات التعبئة انطلقت من مجموعة واتساب يشارك في إدارتها مسؤولون في وزارة الإعلام، فجرى حشد المؤيدين وصياغة الروايات وتوجيه الرسائل التي انتقلت لاحقاً إلى منصات التواصل الاجتماعي، قبل أن تجد طريقها إلى الشارع. وتكشف هذه المحادثات تنسيقاً بين مسؤولين في وزارة الإعلام وصحفيين، لتعبئة الرأي العام ضد الاعتصام، قبل يومين من انعقاده.
جاءت إشارة الانطلاق عبر رسالة نشرها الصحفي علاء الأحمد داخل المجموعة، تضمنت الوسم: #اعتصام_بدنا_نعيش_لا_يمثلني. وخلال ثوانٍ، بدأت الرسائل الداعمة للوسم بالتدفق داخل المجموعة.
بعد ذلك، صدرت توجيهات داخل مجموعة واتساب بإعداد بيان يحمل اسم “إعلاميو ونشطاء ريف دمشق”، يتبرأ من الاعتصام ويدينه علناً، مع طلب تعميمه على نطاق واسع عبر مختلف الصفحات والوسائل.
وتُظهر سجلات المحادثات أن الحملة لم تقتصر على تبادل الآراء أو المواقف، بل شملت تنسيقاً للرسائل والمحتوى وآليات النشر. ومن خلال تتبع هذه السجلات، برزت أسماء كانت لها أدوار محورية في إدارة الحملة والترويج لروايتها: يوسف أبو دقة (البستاني)، مدير مديرية إعلام ريف دمشق؛ وفادي شباط، رئيس دائرة الإعلام الرقمي في مديرية إعلام ريف دمشق؛ إلى جانب الصحفي علاء الأحمد. وأظهرت الرسائل مشاركتهم في مناقشة المحتوى المتعلق بالاعتصام، وتوجيه مسارات نشره وتداوله.
وفي ردّه على أسئلة معدَّي التحقيق، قال فادي شباط، رئيس دائرة الإعلام الرقمي في مديرية إعلام ريف دمشق، إن دور الدائرة “ينحصر” في تسليط الضوء على الجهود التنموية والخدمية في المحافظة. وأضاف: “توجيه الرأي العام لا يندرج إطلاقاً ضمن مهامنا الوظيفية، لعدم وجود أي تكليف أو تعليمات إدارية من وزارة الإعلام بهذا الخصوص”.
ونفى “شباط” أن تكون الدائرة تملك أو تدير “أي حسابات وهمية أو مستعارة”، أو أن تربطها “أي صلة إدارية أو تنظيمية” بالاعتصام. كما أقرّ بأنه يقدّم “آراء شخصية” في مجموعات “واتساب” وعلى منصات التواصل، معتبراً ذلك “حقاً طبيعياً” بوصفه مواطناً سورياً.


خلال ساعات، انخرطت عشرات الصفحات والحسابات في إعادة نشر البيان وتعميمه، في استجابة بدت منسجمة مع التوجيهات التي جرى تداولها داخل المجموعة. وانتقلت الرسالة من الفضاء المغلق إلى شبكات أوسع من الصفحات والحسابات المتفاعلة.
وبالتزامن، رصد التحقيق تداول البيان نفسه بصيغة أخرى، هذه المرة باسم “تنسيقيات الثورة”. ولم يقتصر الأمر على إعلان رفض الاعتصام، بل تضمن أوصافاً عدائية بحق المشاركين فيه: إذ وُصفوا بـ”الفلول”، واتُّهموا بـ”العمالة لإيران”، ونُعتوا بـ”كلاب الأسد”. وهو خطاب أطّر المعتصمين بوصفهم خصوماً سياسيين أو أعداء، لا مواطنين يمارسون حقهم في التعبير عن الرأي.
عند تحليل بيانات التفاعل، في أكثر من 40 حساباً وصفحة إخبارية شاركت في تعميم البيانين المضادين للاعتصام، يومي 15 و16 نيسان/أبريل، رصد التحقيق نمطاً متكرراً من الحسابات التي تفتقر إلى مؤشرات الاستخدام الطبيعي. حسابات تستخدم صوراً عامة أو صوراً مأخوذة من الإنترنت، وحسابات خالية من أي صورة شخصية أو منشورات ظاهرة، وحسابات يتراوح عدد الأصدقاء فيها بين شخص واحد وخمسة أشخاص، وحسابات تحمل أسماء عامة أو مستعارة، من قبيل “سوري وأفتخر”.
صفحات وحسابات أعادت تداول البيان
كل نقطة صفحة أو حساب أعاد نشر بيان مديرية إعلام ريف دمشق.Sliman T Alrouhليندا حنامحمد غالبيوسف ليلاالمليحة مباشرخواطر الزبدانيضاحية يوسف العظمةأشرفية صحنايا اليوممركز ريف دمشق الإعلاميتنسيقية حي التضامن الدمشقيتنسيقية الثورة السورية في جيرودقناة جيرود الفيسبوكية – Jairoud.TVقناة القلمون الأخباريةمدينة حرستا – Harasta Cityالدمشقي نور الخطيبحي القدم الدمشقييوميات بيت سحمالقلمون الآنMohammad Hammoudمضايا madayaسوريا الانسبينة الآنمضايا الآنجيرود للكلYaman Bassam Aljabiالرحيبة الآنايجابي مع فؤادضاحية حرستا الآنملتقى أهالي حموريةشبكة سبينة الإخباريةأهالي الخيارة عيلة وحدةتنسيقية الثورة السورية في عرطوزوسيم القادري أبوصطيف النبكيمجلة حرستا الالكترونيةبيت تيما – ربوع سورياجديدة عرطوز البلداخبار دمشق الانجيرود نبض قلبيجيرود الحدثHajar FzOmar Adibقصي عليبيان مديرية إعلام ريف دمشق
سوري وأفتخر
61550583094566
من بين هذه الحسابات، برز حساب باسم “سوري وأفتخر” يحمل المعرّف 61550583094566. لا يضع الحساب صورة شخصية، ويضم صديقاً واحداً، ولا يظهر له أي نشاط علني على “فيسبوك” أو في نتائج محركات البحث.
ورغم ذلك، أظهر تحليل التفاعل أنه ينشط بصورة انتقائية، عبر تسجيل إعجابات على منشورات متباعدة زمنياً وصادرة عن حسابات وصفحات مختلفة. وبفحص المحتوى الذي تفاعل معه الحساب، تبيّن أن القاسم المشترك بين تلك المنشورات هو استهداف صحفيات وناشطات وناشطين سوريين.
كما ظهر الحساب ذاته مراراً إلى جانب مجموعة حسابات مشابهة محدودة النشاط، ضمن حملات رقمية استهدفت معارضين وصحفيات في مناسبات سابقة، بما يشير إلى نمط استخدام متكرر يتجاوز التفاعل العفوي المعتاد على المنصة.
عينة من الحسابات في التفاعل مع منشورات مضادة لإعتصام 17 نيسان، ويظهر فيها حساب “سوري وأفتخر” إلى جانب مجموعة حسابات مشابهة محدودة النشاط.
عينة من الحسابات في التفاعل مع منشورات مضادة لإعتصام 17 نيسان، ويظهر فيها حساب “سوري وأفتخر” إلى جانب مجموعة حسابات مشابهة محدودة النشاط.
وقاد تتبع هذا السلوك إلى شبكة مترابطة تقوم على مستويين: حسابات مركزية تعمل على ضخ المحتوى وتعميمه، ومجموعة أخرى من الحسابات وظيفتها تضخيم التفاعل بما يوحي بوجود تأييد شعبي لا تعكسه بالضرورة الوقائع.
وكان فادي شباط، رئيس دائرة الإعلام الرقمي في مديرية إعلام ريف دمشق، قد نفى أن تملك دائرته أو تدير أي حسابات وهمية.
الشبكة على مستويين
الحسابات الحمراء مركزية وتضخّ المحتوى. البطاقات حسابات تفاعل زائف، بعدد أصدقاء محدود، تتصل بها وتضخّم الانتشار.
شبكة المحرر الإخبارية نيوزأخبار الحولة بدقيقةتلفزيون حمصأحمد العقدةMaher Kassabمنار حمشوAhmed El Yasinعلاء الأحمدMohammed Z RatebJorui Al-AliNjomi NJTaym MoAbdulkarim Idrisهه ههعبد رحمن
ابو محمدصديقان
Abdulkarim Saadصديق واحد
سوري وأفتخرصديق واحد
Log log (Alnasser)@log.log.405114 · 10 أصدقاء
BaRa’a3 أصدقاء
Ag Ag5 أصدقاء
Reem Aliصديق واحد
Alkink Ahmad3 أصدقاء
Hosain Ali (W)3 أصدقاء
هذه البنية التقنية لم تبقَ في حدود الأرقام والمعرّفات. ففي ثلاث حالات وثّقها التحقيق، انتقل أثرها إلى حياة أشخاص بأعينهم.
عُرفت هبة عز الدين الحجي، الرئيسة التنفيذية لمنظمة “عدل وتمكين”، لسنوات بنشاطها في إدلب في مجالَي تمكين المرأة والعدالة الجندرية.
في مساء 19 نيسان/أبريل 2025، نشرت عبر “فيسبوك” شهادة قالت فيها إنها صادفت فتاة يُشتبه في كونها إحدى المختطفات على خلفية أحداث الساحل السوري. وبحسب روايتها، جاءت الشهادة بعد محاولات لم تفضِ إلى نتيجة للتواصل مع جهات رسمية؛ ما دفعها إلى مطالبة السلطات بفتح تحقيق جدي في القضية.
لكنّ المنشور لم يُستقبل بوصفه دعوة للتحقق من ادعاء خطير. فخلال وقت قصير، تحوّل النقاش من السؤال عن مصير الفتاة وصحة المعلومات الواردة إلى التركيز على صاحبة المنشور نفسها. وظل الحديث عن الانتهاكات المرتبطة بأحداث الساحل موضوعاً شديد الحساسية، كثيراً ما يُقابل بالتشكيك أو النفي.

لم يمضِ وقت طويل حتى جرى تحوير مضمون المنشور. فبدلاً من التركيز على الدعوة إلى التحقيق في مصير فتاة يُشتبه في تعرضها للاختطاف، أُعيد تقديم روايتها للرأي العام على أنها تروّج لادعاءات بوجود “سوق للنخاسة” في إدلب.
وخلال أقل من 24 ساعة، تبنّت شبكة من الصفحات الإخبارية والحسابات سردية موحدة، مفادها أن هبة نشرت منشوراً “تدّعي فيه وجود سوق للسبايا في إدلب”. تكرر هذا الوصف بصيغ متشابهة عبر عشرات المنشورات.
غير أن مراجعة التحقيق للمنشور الأصلي، بالاستناد إلى لقطات شاشة موثقة والتحقق من مضمونه، أظهرت أن هذه الادعاءات لا تعكس ما ورد فيه. فلم يتضمن المنشور حديثاً عن “سوق للسبايا” أو الادعاءات التي نُسبت إليه لاحقاً، بل ركّز على مطالبة السلطات بالتحقق من مصير فتاة يُشتبه في كونها من بين المختطفات.
وفي حين بدا التفاعل الأولي على منصات التواصل الاجتماعي كرد فعل تلقائي، يكشف تحليل البيانات صورة مختلفة: مؤشرات على حملة رقمية منسقة استهدفت هبة عبر عدة منصات، أبرزها “فيسبوك” و”تلغرام”، سعت إلى إعادة تأطير القضية ونقل النقاش من مضمون الادعاءات إلى صاحبة المنشور.
قادت هذه الحملة شبكة من الحسابات والصفحات المروّجة للحكومة السورية الجديدة، من داخل البلاد وخارجها، معتمدة على تكتيكات “السلوك غير الأصيل المنسق” (Coordinated Inauthentic Behavior) والتفاعل الزائف (fake engagement) على منصة “فيسبوك”.
وعادت هبة في منشور ثانٍ لتؤكد روايتها، كاشفةً أن شخصية من وزارة الداخلية تواصلت معها وحصلت على جميع التفاصيل المتعلقة بالقضية، ووعدت بمتابعتها شخصياً. لكن ذلك لم يحدّ من زخم الحملة. فقد واصلت الحسابات والصفحات المنخرطة فيها تصعيد الهجوم، وأظهر تتبع المحتوى المتداول استمرار نشر ادعاءات مضللة بشأن تصريحاتها، إلى جانب تداول تسجيلات صوتية مرتبطة بالقضية بعد اقتطاع أجزاء منها، أو تقديمها خارج سياقها الأصلي.
في المقابل، نفت السلطات السورية هذه التفاصيل، مؤكدة عدم علمها او تعاطيها مع حالة هبة.
المنشور الأصلي لهبة عز الدين الحجي على فيسبوك 19 نيسان/أبريل 2025
تدوينة منسوبة للصحفي قتيبة ياسين 19 نيسان/أبريل 2025
منشور صفحة «تلفزيون حمص» على فيسبوك 19 نيسان/أبريل 2025وأدرجت الصفحة في التعليقات تدوينة منسوبة للصحفي السوري قتيبة ياسين، يدّعي فيها اطلاعه على رسائل إلكترونية مسرّبة تؤكد عملها مخبرة لصالح نظام الأسد المخلوع.شبكة عيّنة الحسابات في الحملة على هبة عز الدين
مرّر المؤشر فوق نقطة الاتصال، أو انقرها، لعرض بيانات ملف الحساب.
المصدر: تحليل شبكة عيّنة الحسابات في الحملة على هبة عز الدين. التجمعات حسابات تفاعل محدودة النشاط، والنقاط الحمراء عقد تربط بينها، لا صفحات مركزية مثل «تلفزيون حمص».
نور سليمان، ناشطة وعضوة في “التحالف السوري الديمقراطي”. في 26 تموز/يوليو 2025، اعتُقلت في فرع الأمن السياسي بمنطقة المزة في دمشق.
جاء الاعتقال بعد حملة إلكترونية واسعة شُنّت عليها، إثر نشرها منشوراً غاضباً على “فيسبوك”، حذفته لاحقاً واعتذرت عنه. وبعد مداهمة منزلها مرتين، واعتقال والدها، طُلب منها مراجعة الفرع لحذف تسجيل فيديو كانت قد صوّرته أثناء المداهمة الأولى لتوثيق الانتهاكات. وبمجرد ذهابها مع والدتها، احتُجزت من دون توجيه تهمة رسمية لمدة ثلاثة أيام.
في غرفة تعرفها نور ودخلتها قبل سقوط نظام الأسد، جلست مقابل محقق لا يتجاوز عمره الثلاثين. لم يكن التحقيق يدور بصورة مباشرة عن المنشور الذي أجّج الحملة عليها، إنما بشأن “نشر أخبار كاذبة” و”المختطفات”.
“حاولت أحكي إني كنت معارضة، لكن التهم كانت جاهزة: أنتِ عميلة، أنتِ علوية، بتحكي عن المخطوفات، وهذا كله اختصروه بالتحريض الطائفي”.
نور سليمان
وبعد ضغوط من ناشطين، تدخّل وزير الإعلام حمزة مصطفى للإفراج عنها. وصرّح المحامي العام بدمشق، القاضي حسام خطاب، في 31 تموز/يوليو، بأن الإفراج جاء لعدم قانونية إجراءات استدعائها، مضيفاً أن قرار الإفراج لن يؤثر في استمرار الدعوى القضائية المرفوعة ضدها بتهمة “التحريض الطائفي وبثّ الكراهية”؛ ما دفع نور إلى مغادرة البلاد.
وفي ردّها على أسئلة التحقيق، أقرّت وزارة الإعلام بأن التوقيف الأول “وقع دون الاستناد إلى مذكرة أو إذن صادر عن الجهة القضائية المختصة”. وقال المحامي زياد ديوب، مدير مديرية الشؤون القانونية في الوزارة، إن الوزير تدخّل لإطلاق سراحها “لتوقيفها دون مستند قانوني”، وذلك “من مبدأ تصحيح الأخطاء الإجرائية وحفاظاً على حرية الصحافة والصحفيين”.
وأضاف أن مذكرة توقيف لاحقة “مستوفية للشروط القانونية” صدرت برقم 3287 عن قاضي التحقيق الخامس بدمشق، وأن نور “أُعيد توقيفها استناداً إليها”، معتبراً ذلك “إجراءً جديداً ومستقلاً من الناحية القانونية”.
يثير الانتباه أسلوب تغطية واقعة الاعتقال، التي وصفها المحامي العام ووزارة الإعلام نفسها بغير القانونية.
يوم الثلاثاء 29 تموز/يوليو 2025، عند الساعة السابعة و22 دقيقة مساءً، نشر حساب موثّق بالعلامة الزرقاء، يحمل اسم “منار حمشو”، خبر “اعتقال نور سليمان صاحبة مقولة صرماية العلوي برأس أكبر واحد بالبلد”، وأردف عبارات تحضّ على تعذيبها وتبرّر الانتهاكات داخل المعتقل.
علامات الإعجاب«الزرقاء»74.03%تعبيرات ساخرة22.83%
ومن بين علامات التفاعل هذه، رصد التحقيق مجموعة من الحسابات “الوهمية” التي كانت تستهدف أسماء أخرى لتضخيم التفاعل على منشوراتها؛ من بينها حساب “سوري وأفتخر” نفسه، الذي رُصد في حملة نيسان/أبريل.
من بين أكثر من 40 حساباً، معظمها يضم صديقاً واحداً أو يخلو من الأصدقاء والنشاط الطبيعي، رصد التحقيق تكرار النشاط في حملات التحريض. وبرز من بينها حساب باسم “زياد الخالدي”، وثّق التحقيق حضوره في ثلاثة منشورات على الأقل.
تضمّن أحدهما اتهامات بأن “نور سليمان على تواصل مع عدد كبير من أبناء الثورة السورية في الخارج، بهدف جمع معلومات عنهم وتسليمها إلى مكتب الأمن الوطني وفرع الأمن السياسي”. وتضمّن الثاني اتهامات تتعلق بعلاقتها بكبار ضباط نظام الأسد السابق، بالإضافة إلى منشور آخر بشأن وزير الإعلام حمزة مصطفى وعلاقته بنور سليمان. وظهرت في هذا السياق أيضاً صفحة باسم “يوميات درعا المطار”.
ظهر الحساب نفسه في بيانات منشور لصفحة “يوميات درعا المطار”، التي يتابعها أكثر من 224 ألف شخص. وكان مضمون المنشور ساخراً، وهذه المرة ضمن حملة استهدفت الناشطة فرح يوسف.
ثلاثة منشورات على الأقل رُصد فيها حساب “زياد الخالدي”
29 نيسان2025
30 نيسان2025
11 كانون الأولفرح يوسف
+224 ألفمتابع لصفحة “يوميات درعا المطار”
عينة من الحسابات في التفاعل مع منشورات ضمن حملة إلكترونية على خلفية توقيف نور سليمان، ويظهر فيها حساب “زياد الخالدي” إلى جانب حساب “سوري وأفتخر” ومجموعة حسابات مشابهة محدودة النشاط.
عينة من الحسابات في التفاعل مع منشورات ضمن حملة إلكترونية على خلفية توقيف نور سليمان، ويظهر فيها حساب “زياد الخالدي” إلى جانب حساب “سوري وأفتخر” ومجموعة حسابات مشابهة محدودة النشاط.
عينة من الحسابات في التفاعل مع منشورات ضمن حملة إلكترونية على خلفية توقيف نور سليمان، ويظهر فيها حساب “زياد الخالدي” إلى جانب حساب “سوري وأفتخر” ومجموعة حسابات مشابهة محدودة النشاط.
واجهت آلاء عامر، الكاتبة الإعلامية المقيمة في إسطنبول، نوعاً آخر من العنف الرقمي. فقد نُشرت لها محادثات مفبركة مع شابة تدعى “زينب”، لتصويرها وكأنها تشجّع على “إغواء عناصر الأمن العام”، في محاولة للنيل من سمعتها.
قدّمت آلاء شكوى رسمية بالتنسيق مع المركز السوري للإعلام وحرية التعبير، المسؤول عن شؤون الصحفيين لدى الوزارة. واكتشفت لاحقاً، عبر أصدقاء داخل الوزارة، أن التحريض عليها يصدر مباشرة من مجموعات “واتساب” رسمية تابعة للوزارة.
واجهت آلاء الوزارة بهذه المعطيات في برنامج “وسط البلد” مع زيدون الزعبي، بحضور عمر حج أحمد. ولم تقدّم الوزارة رداً واضحاً، واكتفت بالقول إن المقربين من السلطة “يخضعون لمساءلة أكبر”.
تواصل معدّا التحقيق مع المركز السوري للإعلام وحرية التعبير، الذي تابع عدداً من هذه الحالات، وسألاه عمّا إذا كان يتبع المسار نفسه دائماً، وعن كيفية تعامل السلطة مع هذه الشكاوى. جاء في رد المركز:
“تُعالج كل حالة بشكل منفصل وفقاً لمعطياتها الخاصة، ولا تُعدّ الإحالة إلى الجهات الرسمية إجراءً ثابتاً؛ إذ تخضع لعدة عوامل، من بينها رغبة مقدّم/ة الطلب، وطبيعة الانتهاك، ومدى جدوى التدخل الرسمي”.
وأضاف المركز بشأن حالة آلاء تحديداً:
“في حالة آلاء، وبالنظر إلى تداول قضيتها ضمن مجموعات واتساب تضم إعلاميين في سوريا، تم التوجّه إلى وزارة الإعلام، حيث قُدّمت شكوى عبر القنوات المعتمدة، وذلك من خلال الرابط الذي توفره الوزارة لتلقي الشكاوى. وبناءً عليه، جرت المتابعة مع الوزارة كأحد الخيارات المتاحة، دون اعتباره المسار الوحيد”.
هل نحن أمام نمط جديد ظهر مع المرحلة الحالية، أم أمام امتداد لآليات أقدم تتكيّف مع السياق من دون أن تفقد بنيتها؟
يجيب عن هذا السؤال علاء غزال، الخبير التقني العامل في مجال السلامة الرقمية وأمن المعلومات، الذي عمل قبل كانون الأول/ديسمبر 2024 على رصد الحملات الإلكترونية، وتتبع كيفية تشكّلها وانتشارها؛ سواء تلك التي تُدار عبر مجموعات شبه منظمة على منصات مثل “تلغرام”، أو عبر شبكات أوسع تستهدف الأفراد بالتشهير والابتزاز وتزييف المحتوى، لا سيّما في القضايا التي تمسّ النساء.
يقول غزال إن الحملات الإلكترونية “كفكرة ليست ظاهرة جديدة، بل امتداد لأساليب التأثير والتعبئة التي سبقت الإنترنت، لكنّ شكلها الحالي بدأ يتبلور مع انتشار الإنترنت والمنتديات في بدايات الألفية”.
ويضيف: “في السياق السوري، برزت هذه الحملات بشكل واسع مع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي، خاصة مع انطلاق الثورة عام 2011. ويمكن القول إن جزءاً كبيراً من النشاط السوري على منصات مثل فيسبوك وتويتر آنذاك، كان أقرب إلى حملة إلكترونية مفتوحة، هدفها الحشد ونقل الحدث والتوثيق”.
ويؤكد أن الحملات تحولت اليوم إلى ظاهرة أكثر احترافاً، من حيث التخطيط وإدارة المحتوى وتوزيع الأدوار وقياس التأثير.
في الحالات الثلاث التي وثّقها هذا التحقيق، لم يقتصر الاستهداف على مضمون ما قالته المستهدفات. ففي حالة هبة عز الدين، انتقل الهجوم من محتوى منشورها إلى صورتها الشخصية وحضورها بوصفها امرأة، وكانت الصورة عنصراً أساسياً في المحتوى المتداول لا تفصيلاً عابراً.
وتُظهر دراسة سابقة حول العنف الرقمي أن هذا النوع من الاستهداف واسع الانتشار وموجّه ضد النساء، وأن غالبيتهن يتعرضن لأشكال مختلفة منه؛ أبرزها التشهير والتحرش والابتزاز. وتخلص الدراسة نفسها إلى أن هذه الممارسات تتعدى حدود رقمية، وتمتد في بعض الحالات إلى تهديدات ومخاطر واقعية، في ظل غياب حماية قانونية فعّالة، وبيئات اجتماعية تعيد إنتاج هذا العنف.
“إلى جانب البعد الطائفي واتهامات الخيانة والعمالة، كان في استهداف واضح كوني امرأة. حاولوا يستخدموا صفات مثل ‘نسوية’ أو ‘ناشطة’ كأنها تهمة بحد ذاتها، وحاولوا يربطوا نشاطي العام بحياتي الشخصية بطريقة مهينة، غير الكلمات البذيئة اللي تعرضتلها.”
نور سليمان
وعن أثر ما جرى عليها، تقول نور: “بصراحة، كان أول شعور عندي هو القهر والغضب من حجم الظلم والتشويه اللي تعرّضت له، خاصة إنه الاتهامات كانت خطيرة وممكن تأثر في سمعتي وأماني الشخصي بدون أي دليل، مجرد أشخاص قاعدة ورا موبايلاتها وحابة تكتب أي شي”.
أُنتج هذا التحقيق بالشراكة بين أريج ونساء ربحن الحرب.