محمّد كوماني (أريج) وجنى بركات (درج)26 أغسطس 2026
14شركة سورية كبرى
خضعت سجلات مساهميها للتحليل
18عاماً من السجلات
(2001 – 2019)
1.6مليار دولار
أصول استولت عليها اللجنة الاقتصادية
يستند هذا التحقيق إلى تحليل لسجلات مساهمي 14 شركة سورية كبرى، على مدى 18 عاماً (2001-2019)، من خلال وثائق شاركتها مؤسسة NDR الألمانية مع أريج، ضمن مشروع مشترك مع الاتحاد الدولي للصحفيين الاستقصائيين (ICIJ). وكشف تحليل الوثائق عن استراتيجية لإعادة تغليف أصول تجارية ضخمة تحت مظلة “تنموية”، في الفترة الحرجة التي سبقت وصاحبت تشديد العقوبات الدولية على النظام السوري السابق وشركائه.
في الثاني من كانون الثاني/يناير 2017، وبينما كانت سوريا تغرق في عامها السادس من الحرب الأهلية، حدثت سلسلة من التحويلات المالية شبه المتزامنة في سجلات وزارة الاقتصاد والتجارة الخارجية السورية. لم تكن تحويلات عادية، بل كانت إعادة هيكلة شاملة لإمبراطورية اقتصادية تقدر قيمتها بمليارات الدولارات.
رامي مخلوف، الذي وصفته وزارة الخزانة الأميركية في شباط/فبراير 2008 بأنه “مستفيد وميسر للفساد العام في سوريا”، والذي كان يُعدّ أحد أغنى وأقوى رجال سوريا في بداية الحرب الأهلية عام 2011، كان يتخلى بسرعة مذهلة عن ملكيته الشخصية المباشرة في شركات رئيسة، تمتد من العقارات إلى الاستثمار والاتصالات.
لكن السؤال الأساسي ليس “لماذا تخلى؟” بل “إلى أين ذهبت الأصول؟”، وهل استعادتها الحكومة السورية بصفة رسمية أم سيطر عليها محسوبون على الحكومة.
الإجابة تكمن في كيان واحد ظهر فجأة في السجلات؛ شركة “راماك للمشاريع التنموية والإنسانية المحدودة المسؤولية”.
بنى رامي مخلوف إمبراطوريته الاقتصادية على مدى عقدين، من خلال شبكة معقدة من الشركات القابضة والصناديق الاستثمارية.
ووفقاً للسجلات التي حصلت عليها أريج، بدأت القصة في 12 كانون الثاني/يناير 2003 بتأسيس مجموعة راماك الاستثمارية المحدودة المسؤولية، برأسمال أولي قدره ثلاثة ملايين ليرة سورية (نحو 58 ألف دولار أميركي، بحسب سعر الصرف آنذاك)؛ امتلك رامي مخلوف 90 في المئة منها، مقابل عشرة في المئة لشقيقه إيهاب.
بين عامي 2015 و2017، حدثت سلسلة من التحويلات المنسقة والمتزامنة في سجلات المساهمين عبر الشركات الرئيسية المرتبطة برامي مخلوف وأفراد أسرته.
من سجلات الوثائق المسربة، كان هناك نمط واضح؛ يتمثل في نقل حصص الأغلبية من الملكية الفردية المباشرة (رامي مخلوف) والشركات القابضة التقليدية (مجموعة راماك الاستثمارية، صندوق المشرق) إلى كيان واحد جديد، هو شركة راماك للمشاريع التنموية والإنسانية المحدودة المسؤولية، للتحايل على العقوبات الدولية وإمكانية نقل الأموال من وإلى هذه الكيانات تحت المظلة الإنسانية الجديدة.
لكن “راماك” لم تكن سوى البداية، ففي السنوات التالية توسعت الإمبراطورية لتشمل عشرات الشركات، سيطر عليها رامي ثم اختفى منها تدريجياً، وفق استراتيجية الكيانات الخارجية التي اعتمدها.
انتهج رامي مخلوف استراتيجية يصعب معها تتبع الكيانات المرتبطة به، من خلال خروجه التدريجي من ملكيتها المباشرة، وظهور شبكة من الشركات القابضة المسجلة في لبنان والإمارات، التي مثّلت جداراً بين المالك الحقيقي لها من جهة، وأجهزة الرقابة الدولية من جهة أخرى.
في لبنان، سيطرت شركة دوم للتطوير القابضة ش.م.ل على نحو 98 في المئة من أسهم شركة المدينة بين عامي 2012 و2017. وفي الوقت نفسه، ظهرت كاسل إنفست هولدنغ ش.م.ل كمساهم في شركتين أخريين داخل الشبكة، بحصة بلغت عشرة في المئة في شركة بروميديا، و15 في المئة في شركة سيريا لينك.
كما بسطت ميد إنفست القابضة ش.م.ل سيطرتها على 64 في المئة من أسهم شركة الحجاز بحلول عام 2013. وقبلها في 2012، استحوذت ماونتيك هولدنغ ش.م.ل على معظم أسهم شركة الأجنحة.
أما أي.أي.سي هولدنغ ش.م.ل فامتلكت 80 في المئة من أسهم شركة فاتكس بحلول عام 2011.
غير أن ما تكشفه وثائق الشركات في السجل التجاري اللبناني يتجاوز مجرد انتقال حصص أو إضافة مساهمين جدد. فعند تحليل وتجميع قوائم المساهمين في هذه الشركات الخمس، تتكرر مجموعة من الأسماء عبر أكثر من شركة وبمناصب مختلفة؛ ما يشير إلى وجود طبقة إدارية مشتركة داخل الشبكة.
الاسم الأكثر تكراراً هو إياد زيد الأمين، الذي ظهر 11 مرة في سجلات ثلاث شركات مختلفة، أربع مرات في سجلات ميد إنفست هولدنغ، وأربع مرات في أي.أي.سي هولدنغ، وثلاث مرات في ماونتيك هولدنغ. وفي كل مرة كان اسمه مسجلاً بحصة ملكية تبلغ صفر في المئة.
كما يظهر اسم ريمون جورج ضاهر ثلاث مرات في سجلات ماونتيك هولدنغ، ومرة في أي.أي.سي هولدنغ، في حين يتكرر اسم بسكال جبرايل جبرايل في سجلات ميد إنفست هولدنغ، وأي.أي.سي هولدنغ.
كما ظهر اسم عمار مدحت شريف ضمن هذه الشبكة، في ماونتيك هولدنغ، وثلاث مرات في أي.أي.سي هولدنغ، وبحصة صفر في المئة أيضاً. ولا يُعدّ تسجيل الأسماء بحصة صفر في المئة خطأً توثيقياً؛ إذ يُستخدم لاستيفاء الحد الأدنى من المساهمين المطلوب قانوناً لتأسيس الشركة أو الحفاظ على وضعها القانوني. لكن تكرار الأسماء نفسها، عبر خمس شركات مختلفة، يشير إلى وجود طبقة إدارية مشتركة تربط هذه الكيانات، وإن ظلت غير ظاهرة في السجلات الرسمية.
لم يكن توقيت تغير حصص ملكية الشركات عشوائياً؛ فالفترة 2016-2017 شهدت تصاعداً للضغوط الدولية. في تشرين الثاني/نوفمبر 2016، أقر مجلس النواب الأميركي بالإجماع قانون قيصر لحماية المدنيين السوريين لعام 2016 (HR 5732)، ودخل حيز التنفيذ عام 2020.
بينما تزايد التدقيق على الشبكات المالية في تموز/يوليو 2012، أمر البنك المركزي الإماراتي البنوك والمؤسسات المالية بالبحث وتقديم تفاصيل أي أصول مالية ومعاملات، تقوم بها النخبة الحاكمة السورية، بما في ذلك رامي مخلوف.
وكان لوثائق بنما (2016) تأثير كبير في فضح أصول مخلوف، وسيطرته على الصناعات الوطنية السورية.
وفي آذار/مارس 2019، رفضت محكمة الاتحاد الأوروبي ثلاثة طلبات لإلغاء إدراج صروح، وصندوق المشرق الاستثماري، وDrex Technologies في قوائم العقوبات على سوريا، ووجدت المحكمة أن الاتحاد الأوروبي أثبت بشكل كافٍ أن الشركات الثلاث مدرجة لأنها مملوكة أو مسيطر عليها من قبل رامي مخلوف، المدرج في قوائم العقوبات الأوروبية.
في 30 نيسان/أبريل 2020، ظهر رامي مخلوف في فيديو على وسائل التواصل الاجتماعي؛ خاطب فيه بشار الاسد، مندداً بفاتورة ضريبية حديثة فُرضت على شركة الاتصالات الخاصة به Syriatel. وعلى الرغم من أنه وعد بدفع الفاتورة، فقد توسل إليه، محذراً إياه من قوى خبيثة ومضللة داخل مؤسسات النظام في ذلك الوقت.
وفي تموز/يوليو 2020، اعترف رامي مخلوف في منشور على فيسبوك بأنه أنشأ شبكة من الشركات الوهمية الخارجية، من أجل مساعدة نظام بشار الأسد على التهرب من العقوبات الدولية، وأنه كان يستخدم شركات وهمية للمساعدة على تمويل النظام على مر السنين، قائلاً: “دور وهدف هذه الشركات هو التحايل على العقوبات (الغربية) على شام القابضة”.
في تموز/يوليو 2025، شكلت الحكومة الانتقالية لجنة سرية لإعادة هيكلة الاقتصاد، يقودها حازم الشرع، شقيق الرئيس السوري الجديد، وتضم رجل الأعمال الأسترالي من أصل لبناني إبراهيم سكّرية (أبو مريم)، واستولت اللجنة على أصول قيمتها تفوق 1.6 مليار دولار؛ بما في ذلك الحصة المسيطرة في شركة سيرياتيل، وطلبت اللجنة من خليل وإبراهيم التنازل عن 80 في المئة من الإمبراطورية مقابل الحصانة، ولكن تعثرت المفاوضات بحسب رويتر.
لاحقاً، أعلن الشرع إنشاء صندوقين؛ صندوق سيادي تابع للرئاسة، وبحسب مصادر رويترز يديره حازم الشرع لإدارة الأصول المصادرة، وصندوق تنمية يشرف عليه أحد المقربين من حازم الشرع لتمويل مشروعات إعادة الإعمار.
وفي 24 حزيران/يونيو، صادقت الرئاسة على مرسوم إنشاء صندوق التنمية السوري، الذي يتمتع بشخصية اعتبارية واستقلال مالي وإداري، على أن تأتي موارده من التبرعات الفردية والاشتراكات الدورية والهبات.
وبحسب تحقيق رويترز، فرضت اللجنة الاقتصادية غير المعلنة سيطرتها على سيرياتيل، من خلال تعيين أحد أعضائها مفوضاً بالتوقيع، وفق وثيقة تسجيل اطلعت عليها الوكالة. لكنّ التحقيق لم يثبت أن رامي مخلوف تنازل للجنة عن حصته بموجب تسوية، أو أن ملكية سيرياتيل وأسهماً من شام القابضة نُقلت بالفعل إلى الصندوق السيادي.
وفي إطار حق الرد، تواصلنا مع الحكومة السورية للتعليق بشأن ممتلكات رامي مخلوف، داخل وخارج سوريا، وللسؤال عن سبب وجود اسمه، إلى الآن، ضمن أصول بعض الشركات، لكنّنا لم نتلقَّ رداً حتى تاريخ نشر التحقيق.
أُنجز هذا التحقيق بالشراكة بين أريج ودرج