يوثق التحقيق إلزام المادة (26) من “قانون البطاقة الوطنية” العراقي الأبناء القاصرين باعتناق ديانة مَن يعتنق الإسلام من الأبوين، من دون علمهم أو موافقتهم، وتمنعهم من العودة إلى دينهم الأصلي حتى بعد بلوغهم. ويرصد التحقيق حالات لمتضررين من المسيحيين والإيزيديين والصابئة المندائيين لم يعلموا بهذا القيد إلا لاحقاً، غالباً عند الزواج، حين واجهوا قيوداً مست حقوقهم في الحضانة والميراث وإتمام الزواج، وفق طقوسهم.
في أحد أيام الأحد المزدحمة بمعاملات الدوائر الحكومية، بدأت سالي (اسم مستعار، 33 عاماً)، وكانت على وشك الزواج، إجراءات إصدار البطاقة الوطنية، التي اعتمدها العراق عام 2016 لتحل محل شهادة الجنسية وهوية الأحوال المدنية وبطاقة السكن. كانت تجهل، وهي تتنقل بين شبابيك الدائرة في بغداد، أن معاملتها ستتوقف عند خانة الديانة، وأن ما يبدو مجرد خانة في وثيقة رسمية سيصبح عائقاً أمام زواجها وحياتها التي كانت تستعد لبدء فصل جديد منها.
اكتشفت سالي، المولودة لأبوين مسيحيين، أنها مثبتة مسلمة في السجلات الرسمية. اعتقدت أن الأمر خلل يحتاج إلى بعض الإجراءات البيروقراطية، غير أن الضابط أكد صحة القيد، وأنها سُجلت مسلمة في سن الحادية عشرة بعد إسلام والدها. لم تتمالك نفسها: “فقدت الوعي وشعرت كأنني انتقلت إلى عالم آخر”.
كبرت سالي في بيت والدتها التي بقيت على ديانتها المسيحية بعد انفصال والديها وزواج أبيها، فيما بقي حضوره في حياتها محدوداً ومرتبطاً بذكريات متباعدة. اعتادت منذ طفولتها الذهاب إلى الكنيسة وحضور الأعياد والصلوات، وعرفت نفسها مسيحية طوال تلك السنوات. خُطبت لشخص مسيحي، وعُقد قرانها في الكنيسة على الطريقة الكاثوليكية.
يتتبع هذا التحقيق أثر انتقال ديانة أحد الأبوين إلى الأبناء القاصرين في السجلات الرسمية، عبر المادة 26 من قانون البطاقة الوطنية، التي يرى المتضررون أنها تفرض هوية دينية على الأطفال، وتسلب العائلات حق تعريف نفسها، وتدفع بعضها إلى الهجرة بحثاً عن أمان ديني.
أخبرها الموظف أن قيدها يمنع إتمام الزواج، وأن الخيارات المتاحة تنحصر في فسخ الخطوبة، أو إسلام “الخاطب”، أو معاملتها مرتدة عن الإسلام.
في الأيام الأولى، تمسكت سالي بإمكانية إصلاح الأمر سريعاً، غير أن الأجوبة التي تلقتها كانت عامة ومربكة، وبعضها عنصري ويحمل تهديداً لهويتها الدينية، وفق قولها.
خلال أشهر من المراجعات بين مديرية البطاقة والمحكمة، اكتشفت أن حالتها تكررت مع عائلات مسيحية وإيزيدية وصابئية، فُرضت عليها قيود دينية في سجلات الدولة.
وجدت سالي أساس ذلك مثبتاً في جريدة الوقائع الرسمية. ففي العدد 4396 الصادر في 1 شباط/فبراير 2016، نُشر قانون البطاقة الوطنية رقم 3 لسنة 2016، ونصت الفقرة الثانية من المادة 26، على أن يتبع الأولاد القاصرون دين مَن يعتنق الإسلام من الأبوين، من دون تحديد حق القاصر بعد بلوغه واستقلاله قانونياً عن ذويه.
كلّفت سالي محامياً وقدمت طلباً لتصحيح قيدها، ثم طعنت تمييزاً في القرار الخاص بقيدها وقيد والدها. أخبرها المحامي أن فرص كسب القضية محدودة، ونصحها بالهجرة، لصعوبة الرجوع عن الديانة بعد استقرارها في السجلات الرسمية.
تنص المادة الثانية من الدستور العراقي أن “الإسلام دين الدولة الرسمي، وهو مصدر أساس للتشريع” و”لا يجوز سن قانون يتعارض مع ثوابت أحكام الإسلام”.
كما كرّست محكمة التمييز الاتحادية هذا الاتجاه، في قرار منشور على موقع مجلس القضاء الأعلى سنة 2012، بقرار مدني يقتضي بأن “من صار مسلماً سواء بصورة أصلية أو تبعيه، أي تبعاً لدين أحد الأبوين لا يجوز له الرجوع عن إسلامه. وبذلك تضيق إمكانية تعديل القيد؛ إذ يخلو القانون من مادة تجيز العودة إلى ديانتهم السابقة أو تصحيح خانة الديانة.
بعد أشهر من المراجعات، ردت المحكمة طلب سالي وطعنها التمييزي، وأبقت قيدها الديني على حاله. وخلال تلك الفترة، كانت الكنيسة تحاول إقناعها بالخروج من العراق، وفق روايتها.
أنفقت سالي كل ما جمعته لزواجها على القضية. وواجهت انتقادات ولوماً لبقائها سنوات مُسجَّلة مسلمة، دون أن تتحرك، فكانت ترد بالقول: “كيف أفعل ذلك وأنا أجهل ما جرى؟ تحطمت حياتي. توسل إليهم المحامي وحاول كثيراً. شعرت أنهم يطردونني من وطني. بحثت عن ديني بالقانون، فرفضوا طلبي ثم الطعن”.
تقبض سالي على خاتمها الذهبي، بعدما انتهى حلم الزواج. فقد فسخت عائلة “خطيبها” الخطوبة خشية أن يتغير دينه في السجلات، بينما تمسّك هو بدينه. ومنذ ذلك الحين، لا تكف عن التساؤل: من يقبل أن تُنتزع منه ديانته؟
أصيبتْ بفقر شديد في الدم، وفقدت شهيتها، وعجزت عن النوم شهوراً، وهبط وزنها إلى أقل من خمسين كيلوغراماً. وتسعى اليوم إلى الهجرة بمساعدة منظمة محلية، بحثاً عن مكان تمارس فيه حريتها الدينية. تقول عن الوضع التي تعيشه: “أنا مضطرة إلى مغادرة هذه البلاد، كانت المغادرة بعيدة عن نيتي، واليوم فقدت كل شيء هنا، توقفت حياتي”.
تعود القاعدة التي كرستها المادة 26 من قانون البطاقة الوطنية، إلى قانون الأحوال المدنية رقم 65 لسنة 1972. أجازت المادة 20 لغير المسلم تبديل دينه وفق القانون، ونظمت المادة 21 التبديل أمام محكمة الأحوال الشخصية أو محكمة المواد الشخصية، حسب اختصاصها، ونصت فقرتها الثالثة على تبعية الأولاد القاصرين في الدين لمن اعتنق الدين الإسلام من الأبوين.
وبحسب دراسة “حكم رجوع من أسلم تبعاً لإسلام أحد والديه لدينه السابق في القانون العراقي” للدكتور عبد المنعم عبد الوهاب محمد، المنشورة في مجلة جيل الأبحاث القانونية المعمقة، العدد (25)، فإنه “لم يرد نص في أي من القوانين أو الأنظمة أو التعليمات المنظمة للأحوال المدنية، الملغاة منها والنافذة حالياً، يفيد بجواز ذلك. إلا أن ما استقر عليه قضاء محكمة التمييز، منذ صدور قانون الأحوال المدنية رقم (65) لسنة 1972 المُلغى وحتى عام 1999، هو جواز رجوع الصغير الذي لحق بإسلام أحد أبويه إلى دينه السابق بعد بلوغه سن الرشد القانوني عاقلاً. واشترطت المحكمة الموقرة لقبول طلب الصغير الملتحق بالإسلام تبعاً لإسلام أحد والديه الرجوع إلى دينه الذي كان عليه، أن يتم الثامنة عشرة عاقلاً، وأن يرفع طلبه إلى المحكمة المختصة (محكمة الأحوال الشخصية) خلال عام واحد فقط من تاريخ بلوغه القانوني”.
تراجع هذا الهامش لاحقاً في قرارات قضائية اعتبرت الرجوع عن الإسلام غير جائز لمن ثبت إسلامه تبعاً لأحد الأبوين. وعند إقرار قانون البطاقة الوطنية في 27 تشرين الأول/ أكتوبر 2015، خلا النص من حق الاختيار بعد البلوغ، وأبقى قاعدة التبعية في نظام السجل المدني الجديد.
خلال جلسة التصويت، اعترض نواب مسيحيون وإيزيديون وصابئة مندائيون على الفقرة الثانية من المادة 26. وقدم نواب مسيحيون طلباً موقعاً من 51 نائباً لإبقاء القاصرين على دينهم حتى الثامنة عشرة، ومنحهم سنة لاختيار دينهم بعد بلوغهم. لم تنجح محاولات نواب الأقليات الدينية في تعديل المادة، فصوّت 137 نائباً على إبقاء الفقرة. كما أخفق مقترح إلغائها بعدما صوّت 108 نواب ضد المقترح، مقابل 86 لصالح الإلغاء.
بعد إقرار القانون، علّق ممثلو الأقليات حضورهم جلسات البرلمان احتجاجاً، والتقوا رئيس الجمهورية آنذاك فؤاد معصوم، مطالبين بإيقاف ما عدّوه خرقاً دستورياً. وفي 17 تشرين الثاني/نوفمبر 2015، طلب معصوم إعادة القانون إلى مجلس النواب للنظر في المادة 26، وصوّت المجلس في اليوم نفسه على اتخاذ إجراءات لتعديلها بما ينسجم مع الدستور وحقوق الأقليات.
بقي القرار تعهداً سياسياً. وفي تشرين الأول/أكتوبر 2016، أُدرج مقترح التعديل الأول على جدول مجلس النواب، ثم أُرجئت قراءته لإشراك لجنة الأوقاف والشؤون الدينية. وصدر التعديل الأول عام 2017، لكنّه أبقى الفقرة الثانية من المادة 26 من دون تغيير.
يصف الأب مارتن هارمز، الناطق باسم ديوان أوقاف الديانات المسيحية والإيزيدية والصابئة المندانية، المادة 26 بأنها “مجحفة في حق الأقليّات”، وأن “إجبار الأقليات والقُصّر علي تغيير دينهم نتيجة لتغيير ديانة أحد الأبوين، يُعدّ تعدياً على القٌصّر وعلي الأقليات الدينية وخصوصيتها”.
وفي 25 تشرين الثاني/نوفمبر 2015، عبّر مكتب حقوق الإنسان في بعثة الأمم المتحدة لمساعدة العراق، ومكتب المفوضية السامية لحقوق الإنسان في العراق عن قلقهما من أثر المادة في الأقليات الدينية والإثنية. وأوضحت الأمم المتحدة أن المادة تعتبر الطفل مسلماً إذا اعتنق أحد والديه الإسلام، بصرف النظر عن الوصاية أو رغبة الطفل، ودعوا إلى حذفها أو تعديلها بما يتيح للطفل اختيار دينه عند بلوغ 18 عاماً.
ويرى متضررون ومحامون تحدثوا إلى معدة التحقيق أن المادة تتقاطع مع ضمانات الدستور لحرية الدين والاعتقاد. فالمادة 37/ثانياً تحمي الفرد من الإكراه الديني، وتكفل المادة 42 حرية الفكر والضمير والعقيدة، فيما تضمن المادة 2 الحقوق الدينية وحرية العقيدة والممارسة.
ويقول المحامي أكرم النجار، الذي تولى عشرات القضايا المرتبطة بالمادة 26 في قانون البطاقة الوطنية، إن النص عطّل حياة متضررين من الأقليات وقيّد حريتهم الدينية، حين جعل الدين المثبت في أوراق الدولة أقوى من الدين الذي نشأ عليه الشخص داخل بيته وجماعته.
ويصف النجار أثر المادة بأنه يقترب من “تطهير عرقي” لهوية الأقليات، عبر سلب ديانة القاصر في السجلات، وإبقائهم بعد البلوغ أمام إكراه يمتد إلى الزواج والأطفال والتعليم والوثائق.
غالباً يظهر القيد بعد البلوغ، عند إصدار البطاقة الوطنية أو عقد الزواج أو مراجعة المحكمة، إذ يتعذر على القاصر مراجعة سجل الأسرة بنفسه.
ورداً على سؤال معدّة التحقيق عن ضرر المادة 26 على القاصرين من الأقليات، أقر العميد الحقوقي مناضل الساعدي، مدير إعلام المديرية العامة للأحوال المدنية والجوازات والإقامة، بأن تطبيق أحكام المادة (26) من قانون البطاقة الوطنية رقم 3 لسنة 2016، يأتي في إطار التزام المؤسسات التنفيذية بإنفاذ القوانين والقرارات القضائية الصادرة عن المحاكم المختصة، مبيناً أن دور الأجهزة الخدمية يقتصر على تنفيذ الإجراءات الإدارية وفق الأطر القانونية المعتمدة.
ويضيف: “وفي الوقت الذي نحرص فيه على احترام وسيادة القانون، فإننا ندرك تماماً التحديات الاجتماعية والإنسانية والأثر النفسي الذي قد يترتب على بعض الحالات، لا سيما لدى الفئات القاصرة”.العميد الحقوقي مناضل الساعديمدير إعلام المديرية العامة للأحوال المدنية والجوازات والإقامة
يقول مطران كنيسة المشرق الآشورية، مار أبرس يوخنا، إن المادة 26 دفعت بعض المسيحيين في العراق إلى الهجرة، فيما تفتقر الكنيسة إلى إحصاء دقيق بسبب إخفاء كثير من المتضررين قضاياهم خشية العار أو النبذ الاجتماعي.
انضم العراق إلى اتفاقية حقوق الطفل في 15 حزيران/يونيو 1994. وتنص مادتها 14 على حق الطفل في حرية الفكر والوجدان والدين، مع احترام حقوق وواجبات الوالدين أو الأوصياء القانونيين، في توجيه الطفل في ممارسة حقه بطريقة تنسجم مع قدرات الطفل المتطورة.
وصدق العراق عام 1971 على العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، الذي تكفل مادتاه 18 و27 حرية الفكر والوجدان والدين، وحق الأقليات في ممارسة دينها وثقافتها.
وفي تقريرها لعام 2025، أوصت اللجنة الأميركية للحرية الدينية الدولية بوضع العراق على “قائمة المراقبة الخاصة”، بسبب هشاشة الحرية الدينية خلال عام 2024، وتهديد الفصائل المسلحة، وضعف حماية الأقليات، واستمرار قوانين تفرض تصنيفاً دينياً على “مُغيري الديانة” وأطفالهم القاصرين.
ظلّت أعداد الأقليات خارج الجداول الرسمية للتعداد العام، الذي اكتفى بسؤال عام عن الديانة. لذلك تستند تقديرات أعدادهم إلى تقارير دولية وحقوقية؛ من بينها تقرير لوزارة الداخلية البريطانية عام 2024، قدّر عدد المسيحيين بأقل من 150 ألفاً، مقارنة بنحو 1.5 مليون قبل عام 2003، فيما تضع تقديرات أخرى عددهم بين 200 و300 ألف. ويُقدّر عدد الإيزيديين بين 400 و500 ألف، والصابئة المندائيين بين 10 و15 ألفاً.
ويؤكد المطران مار أبرس يوخنا، أسقف دهوك ونينوى ، أن بعض الأزواج يلجأون إلى إشهار الإسلام للتهرب من النفقة أو تقوية موقفهم في دعاوى الحضانة، مضيفاً أن تأخر الطلاق الكنسي يدفع بعض المحامين إلى اقتراح تغيير الدين كحل سريع، من دون احتساب توابعه على الأطفال: “القانون غير صحيح، القاصر غير مؤهل لاتخاذ هذا القرار، فهو مفروض عليه، وانتهاك للطفولة”.
ووفق المطران، لا تملك الكنيسة إحصائية رسمية بعدد المتضررين من المادة 26؛ إذ يحجم كثيرون عن طلب المساعدة خشية الخجل أو الرفض، فيختار بعضهم الهجرة، في حين يفضّل آخرون إخفاء القضية والتعايش بهويتين، ويتساءل عن التناقض بين ما يكفله الدستور من حقوق ومساواة للمواطنين، وتشريعات يرى أنها تنتقص من هذه الحقوق بالنسبة إلى أتباع الديانات والطوائف الأخرى.
* الأسماء المستعارة بناءً على طلب أصحابها.
أنجز هذا التحقيق بدعم من أريج.