سامي صبير
كل شيء بدأ بجملة واحدة، لصقها حساب مجهول تعليقاً على خبر سياسي. لكنّ الجملة ذاتها تكرّرت عشرات المرات بأسماء وصور مختلفة. هكذا انكشفت خيوط شبكة رقمية تدير “مناقشات” وهمية، وتدفع محتوى معيّن إلى الصدارة وسط ضجيج مصطنع. لم يكن دلك خلافاً سياسياً على فيسبوك، بل منظومة تعمل كآلة انتخابية صامتة.
على مدار أشهر، رصد التحقيق وتتبع كماً هائلاً من البيانات، للكشف عن نشاط شبكة تضم أكثر من 140 حساباً (أكثرها وهمي)، يزعم أنها لمواطنين مغاربة. يوثق التحقيق أن هذه الشبكة تنسق فيما بينها لتنفيذ حملات على فيسبوك للتأثير في الانتخابات، ونشر معلومات مضللة، إلى جانب استهداف خصوم سياسيين، وتضخيم سرديات داعمة للحزب المتزعم للأغلبية الحكومية بالمغرب، من خلال خلق رأي عام غير حقيقي، وانتحال هويات وصور أشخاص حقيقيين.
في العشرين من نيسان/أبريل 2024، من منصة مهرجان خطابي، أقيم بمناسبة الانتخابات البرلمانية الجزئية بدائرة فاس الجنوبية، ألقى عبد الإله بنكيران، الأمين العام لحزب العدالة والتنمية، ورئيس الحكومة المغربية السابق، خطاباً استعمل فيه كلمة “المحششين”، ويقصد بها المُخدَّرين بالحشيش.
الخطاب بُث عبر القناة الرسمية لحزب العدالة والتنمية، على منصة يوتيوب، ومدته نحو 41 دقيقة. عند الدقيقة 37 و54 ثانية، يقول الأمين العام للحزب، عبد الإله بنكيران: “هل يوجد مَن يجرب خيارين ويجد واحداً أفضل من الثاني ثم يختار الأسوأ؟ إذا قمتم بهذا اعلموا أنكم جميعاً محششين (مخدَّرون)”.
جزء من هذا الخطاب سيتحول في الساعات الأولى من صباح اليوم التالي، إلى محتوى نشره كاتب الدولة المكلف بالصناعة التقليدية والاقتصاد الاجتماعي والتضامني، لحسن السعدي، عضو الحزب المتزعم للأغلبية الحكومية، عبر صفحته الرسمية على فيسبوك؛ وذلك بعدما عُدّل المقطع ليصبح مركباً من عدة مقاطع قصيرة مجتزأة من الفيديو الأصلي، ليركز المقطع المتداول ومدته 42 ثانية، على عبارة “جميعكم محششين” ما أخرجها من سياقها، من أجل إضفاء طابع السخرية وإثارة استياء سكان فاس.
يوم الأحد 21 نيسان/أبريل 2024، وتحديداً عند الساعة 11 و50 دقيقة، انطلقت حملة منسقة لتضخيم انتشار المقطع، وذلك بداية بمشاركة حساب يحمل اسم فاتن صابرين (Fatine Sabrine)، الذي شارك منشور كاتب الدولة في مجموعات الحزب، والمجموعات التي تضم سكان فاس على فيسبوك، ثم لاحقاً أُعيد نشر المقطع المركب نفسه عبر شبكة من الحسابات الوهمية.
بؤس خطاب بنكيران: حزبنا حزب أولياء الله واذا صوتتم على غير أخينا فأنتم يا أهل فاس “محششين
واش بحال هاد الانسان كاي تصنطو ليه الناس ملي كيرد الناس محششين
لا يسعني الا ان اقول لا حولا ولا قوة الا بالله اودي اسي الحلايقي اهكادا يخاطب الناس المواطنين
الناس فاس اعظم واشرف منك اودي الحلايقي باش تخطبنا بالعبرة ديال المحششين راه حسن ليك تمشي تكسل فالصلون ديالك
ساكنة فاس تلات بيهم ليام تا كبوصفهم هاد الحلايقي بالمبوقين و المحششين ناس فاس راه اشرف واعظم منك
رجوع الله اسي بنكيران راه غير كتشير فالهضرة وزن الهضرة ديالك
لا حول ولا قوة الا بالله باليا خاصك تمشي تعالج واش وصلات بيك الوقاحة تهضر على ناس فاس بهكا
حشومة وعيب سي بنكيران يوصف ناس فاس بالمحششين.
فالخر ديال ايامنا ولا الحلايقي كيوصفنا بالمحششين نعلتنا عليك الى يوم الدين اودي اسي بنكيران
أولا مكاين شي محشش قدك اسيهم بنكيران، و الناس فاس مكيشرفهومش يترافع عليهم واحد بحالك
عيش نهار تسمع بنكيران كيوصف المواطنين فالخطابات ديالو بالمحششين
سير يا كبير شلاهبية انت هو أكبر حشيشي اما ناس فاس بزاف عليك
هذا راه مريض و مبقا عند بو عقل.…
انا بصراحة مزال معرفتش الدور ديال هاد خونا وشنو مزال كيدير معانا واش كيحاول اوصل ليه، مستوى غير لائق ابدا، الناس د فاس بزاف عليك تنعتهم بالحشايشية، لي بان ليا انك نتا لي كدوخ علينا
المنافق خرج مجددا، هاد المرة شاف راسو ماداها فيه حد ولى كينعت الناس لي مصوتوش ومعطاوهش وقت بالحشايشي…
🔴✍️سجل يا تاريخ بنكيران يصف أهل فاس بالمحششين
واستعملتْ الحسابات في نص منشوراتها، عبارات ساخرة تصف الأمين العام لحزب العدالة والتنمية بالمجنون و”الحلايقي” ويقصد بها المهرج.
في السياق ذاته، خلال الأيام التي سبقت يوم الاقتراع؛ وتحديداً في الفترة من 17 إلى 22 نيسان/أبريل 2024، قادت بعض الحسابات -إلى جانب مجموعة أخرى من حسابات وهمية مرتبطة بالشبكة نفسها- حملة منسقة على منصة فيسبوك، لتضخيم انتشار المحتوى الرقمي الخاص بالحملة الانتخابية من صفحة خالد العجلي، مرشح حزب التجمع الوطني للأحرار بدائرة فاس الجنوبية.
يوم 24 نيسان/أبريل 2024، أُعلنت نتائج الانتخابات التشريعية الجزئية على مقعدين شاغرين بمجلس النواب، وأظهرت النتائج فوز خالد العجلي، بعد حصده تسعة آلاف و767 صوتاً، فيما جاء مرشح حزب العدالة والتنمية، في المركز الثاني، بثلاثة آلاف و854 صوتاً.
من بين الحسابات التي انخرطت في حملة نشر مقطع الفيديو المركب، خلال الحملة الانتخابية لدائرة فاس الجنوبية، حساب نوفل آيت دوش (Nawfal Aytdouch). تُظهر صورته الشخصية شاباً عشرينياً بشعر أسود، وتشير بيانات حسابه إلى أنه يعيش في مدينة تطوان شمالي المغرب، ويعمل في التجارة، كما تضم قائمة الأصدقاء 63 شخصاً فقط، بعضهم من آسيا ومصر.
لا يظهر على الحساب أي نشاط شخصي “عام” أو منشورات يومية، باستثناء أربع صور من الإنترنت، نشرها ما بين كانون الثاني/يناير ونيسان/أبريل 2023، وواحدة في شهر أيار/مايو الماضي (2025)، إلى جانب مقطع الفيديو المركب من خطاب الأمين العام لحزب العدالة والتنمية، رغم أن أول نشاط للحساب يعود إلى سنة 2023. لكنّ بتتبع نشاطه في التعليق على المنشورات المتعلقة بالحزب المتزعم للأغلبية وأنشطة أعضائه وحملاته الانتخابية، تمكنّا من رصد نشاط مكثف له في التعليق على المنشورات الخاصة بالحصيلة والأنشطة الحكومية، باستعمال نصوص يكررها حرفياً بشكل شبه يومي؛ من انتقاد إضراب الأساتذة، مروراً بانتقاد التحقيق في ملف المحروقات، فضلاً عن المشاركة في حملات منسقة لاستهداف خصوم سياسيين.
من خلال تتبع الأثر الرقمي للنصوص، التي يعيد حساب نوفل نشرها في التعليقات، وقفنا على بيانات شبكة متصلة من حسابات وهمية، تشاركه النشاط نفسه، ويظهر فيها أيضاً بشكل بارز حساب Fatine Sabrine. كما اتضح أن النصوص في التعليقات معدة مسبقاً (copy-paste)، وتكرّر نشر بعضها طيلة أربع سنوات.
خلال الفترة الممتدة ما بين شهر كانون الثاني/يناير 2022 وآب/أغسطس 2025، قادتنا بيانات مجموعة من النصوص -التي رصدنا تناوب مجموعة من الحسابات على تكرارها “حرفياً” في 529 منشوراً- إلى شبكة تضم 143 حساباً، تعمل بتنسيق لترويج سردية حزب الأغلبية، من خلال منشورات دعاية متطابقة ومعدة مسبقاً (Computational Propaganda)، عبر صفحات الحزب، وصفحات الصحف الإلكترونية.
وعبر التحقق من بيانات هوية وأصالة غالبية الحسابات، ظهرت عدة أدلة تؤكد انتحالها هويات رقمية وهمية. تمكنا من تحديد مصدر معظم صور الملفات الشخصية (البروفايلات)، واتضح أنها مسروقة من الإنترنت، ومن مواقع بيع الملابس، وصور مشاهير، أو صور شخصيات من دول أجنبية، كما وثّقنا تطابق سلوك الحسابات في الشبكة، وغياب أي نشاط طبيعي أو أي تنوع في الاهتمامات، باستثناء بضعة منشورات دعائية لحزب الأغلبية نُشرت بشكل منسق.
حساب يُدعى عصام البحري (Issam Lbhri) ، تمكنا من تحديد المصدر الأصلي للصورة المُستخدمة في إنشاء الملف الشخصي (الأفاتار)، وهو حساب شارك في نشر مقطع الفيديو المضلل، كما ينخرط بشكل بارز في النشاط المنسق للشبكة. وبالبحث العكسي، تبين أن صورة حسابه تعود للناشط والباحث في الإعلام والاتصال، وليد شرو، المقيم في مدينة بني ملال.
في اتصال هاتفي مع معد التحقيق، أوضح وليد شرو أنه أصيب بالصدمة في تلك الليلة، عندما اكتشف أن شخصاً آخر يستغل صورته من أجل الترويج لجهات وآراء قد لا يتفق معها، ويمكن أن تخلق له أعداء في الواقع، وتهدد مستقبله المهني، من دون أن يكون له دخل في الموضوع، حسب تعبيره.
ويضيف وليد: “قلت لنفسي كيف استُعملت صورتي وأنا بعيد كل البعد، بدأت أقرأ التعليقات والمنشورات التي ينشرها الحساب، في تلك اللحظة توقف دماغي عن التفكير، لم أنم تلك الليلة، أمضيتها أفكر في الإجراءات التي يجب اتخاذها من أجل حماية نفسي”.
ويؤكد أنه ليس لديه أي انتماء سياسي، مشيراً إلى أن أول مرة، وآخرها أيضاً، شارك فيها بالانتخابات كانت عام 2016. وعن الإجراءات التي اتخذها تجاه هذا الاحتيال، يقول وليد: “سبق وأبلغت شركة ميتا بالموضوع، كما طلبت من عدة أصدقاء الإبلاغ عن الأمر، لكن من دون أي جدوى، بدعوى أن حسابي الأصلي على فيسبوك غير موثق”.
كما يرى الباحث في الإعلام والتواصل، وليد شرو، أن هذا الشكل من الهويات الرقمية في الإنترنت، يواصل خلق مشكلات مستمرة، كما أن تشغيل منصات التواصل الاجتماعي في المغرب، تحتاج إلى مبادرات قانونية لضبطها، من أجل حماية الأشخاص.
من المعلومات المضللة التي تمكنا من رصدها خلال البحث، ادعاء نشره حساب عصام البحري، بتاريخ 24 أيلول/سبتمبر 2024، إلى جانب مجموعة من حسابات وهمية أخرى، بشأن تراجع أسعار اللحوم، وذلك في سياق قرار الحكومة العمل بتعليق الرسوم الجمركية والضريبة على القيمة المضافة، المطبقة على عملية استيراد الأبقار، والأغنام، ولحوم الماعز والجمال.
زعمت الحسابات التي نشرت الادعاء وشاركته في المجموعات، مصحوباً بصور بطاقات الأسعار، أنه بسبب “الخطوة التي اتخذتها الحكومة، لإعفاء مستوردي الأبقار والأغنام من الضرائب في الأسواق الوطنية، تراجعت أسعار اللحوم بشكل كبير (البقري 74 درهماً والغنمي 82 درهماً )”.
بعد التدقيق في الصورة، اتضح أنها لعرض محدود، وأن المعلومات الواردة في المنشور مضللة. بالرجوع إلى أرشيف الصفحة الرسمية لمجازر الدار البيضاء، والتحقق من أسعار بيع الجملة، تبين أنه ابتداء من 27 آذار/مارس 2024 إلى غاية نهاية السنة، لم تسجل الأسعار تراجعاً إلى ما دون مئة درهم (نحو 10 دولارات أميركية تقريباً)، كما واصل سعر لحم البقر في الارتفاع، بعكس ما جاء في الادعاء.
Made with Flourish • Create a chart
لم يتوقف بحثنا عند حدود عام 2022، بل استطعنا الوصول إلى بيانات تعود إلى فترة الحملة الانتخابية التشريعية بالمغرب في أيلول/سبتمبر 2021، والتي تصدرها حزب التجمع الوطني للأحرار، وفاز على إثرها برئاسة الحكومة.
“حزب الأحرار يتبع منهجية جد رائعة نحن على املا كبيرا بأن حزب الحمامة سيحقق نجاحا راائعا”، تعليق نشره حساب فاتن صابرين، بتاريخ السادس من شهر شباط/فبراير 2021، على منشور لصحيفة هسبريس الإلكترونية على منصة فيسبوك، بوصفه رأياً في حزب التجمع الوطني. ولكن المثير أن النص نفسه بأخطائه وصياغته (copy-paste)، كرّره حساب يحمل اسم فاطمة شواكي (Fatima Chauki)، مساء 26 آذار/مارس، في منشور على الصفحة الرسمية للحزب، وأيضاً بالنسق ذاته نشره في شهر أيار/مايو، حساب يحمل اسم زوبيدا أمحزون (Zoubida Amhzoune)، كما أعاد حساب فاتن صابرين نشره في الشهر ذاته، وكذلك فعلت حسابات أخرى في عدة صفحات، طيلة 6 أشهر من سنة 2021.
لم يكن هذا النص التعليق الوحيد الذي أظهر أن مجموعة من الحسابات، بهويات رقمية وهمية، تتناوب على نسخه ولصقه بشكل منسق، لإغراق المنشورات المرتبطة بأنشطة الحزب المتزعم للأغلبية الحكومية الحالية، لتضخيم انتشارها، وخلق سردية إيجابية ومحاولة التأثير في النقاشات العمومية الإلكترونية.
هناك مثلاً تعليق: “رغم كل الانتقادات الا ان هذه الحكومة استطاعت تجاوز كل الصعاب والاشتغال باستراتيجية محكمة وهذا الشي الدي يميزها عن باقي الحكومات السابقة”، نشره حساب يُدعى محسن حسون (Mouhsin Hassoune)، للتعليق على منشور في صفحة حزب التجمع الوطني للأحرار، بتاريخ التاسع من تموز/يوليو 2024، ثم كرّره الحساب نفسه يوم 31 تشرين الأول/أكتوبر من العام ذاته، تعليقاً على منشور آخر في صفحة تيلي بلوس (Télé Plus). كما نشره حساب نوفل آيت الدوش في 2 تشرين الثاني/نوفمبر تعليقاً على ثلاثة منشورات لصحف إلكترونية مختلفة، واستمر نشر التعليق لأشهر، حيث وثقنا تناوب ثمانية حسابات وهمية على نشر النص حرفياً، خلال فترات مختلفة في الربع الأخير من سنة 2024، وشهر كانون الثاني/يناير وشباط/فبراير وتموز/يوليو من سنة 2025.
وخلال إنجاز هذا التحقيق، تبين أن حسابات وهمية شاركت في النقاش المتعلق بمقاطعة طلبة الطب والصيدلة للامتحانات بتاريخ 25 و26 حزيران/يونيو 2024؛ إذ قمنا بتحليل 19 منشوراً للصحف الإلكترونية الأكثر متابعة في المغرب، والتي تناولت موضوع مقاطعة الامتحانات، وتبين أن 62,40 في المئة من التعليقات كانت لحسابات وهمية.
على مدار يومي 25 و26 حزيران/يونيو 2024، شاركت مجموعة تضم 60 حساباً وهمياً، في ترويج خطاب منسق عبر التعليقات، يصف قرار الطلبة “بالتمرد”، ويطالبهم “بالعودة إلى مدرجاتهم”.
أظهرت عينة من البيانات التي استطعنا توثيقها وتحليلها، وجود نمط نشر يصعب على المستخدم العادي القيام به، فبعد فحص نحو 598 منشوراً، تبين أن مجموعة من الحسابات استطاعت تحقيق وتيرة نشر سريعة جداً؛ فمثلاً نشر حساب بعينه النص ذاته في التعليق على أربعة منشورات، في صفحات مختلفة خلال دقيقة واحدة.
وبتعميق البحث حول عملية التنسيق بين الحسابات، اتضح أن الشبكة تتخذ شكلاً عنقودياً، فتتكون كل عقدة من عدة حسابات، وتتناوب هذه الحسابات على نشر قائمة من النصوص المحددة، حتى لا يتكرر نشر النص ذاته في المنشور الواحد من حسابين مختلفين.
سألنا المحامي بهيئة مراكش، ورئيس الجمعية المغربية لحماية المال العام، محمد الغلوسي، عن ما توصلنا إليه، فأوضح في اتصال هاتفي، بأن الأحزاب بدأت باستغلال الفراغ التشريعي بهذا الشأن منذ انتخابات 2021، عبر استعمال حسابات وهمية ممولة في الدعاية لبرامجها الانتخابية.
وأضاف الغلوسي أن “الموضوع حديث زمنياً، ولم يتم بعد تنظيم مسألة التأثير في الرأي العام في المغرب”، مضيفاً أن القانون المغربي “لا يلاحق الحسابات الوهمية، وإنما ينصرف لما يُروج له الحساب وما يكتب، أكثر من هوية صاحب الحساب”، موضحاً أن النيابة العامة والقضاء يتدخلان عندما “يرتكب الحساب أفعالاً مخالفة للقانون، أما في حالة إنشاء حساب وهمي، والقيام بحملة دعائية لبرلماني أو رئيس جماعة أو مرشح معين، فلا يتدخل القانون”.
تحدد المادة 118 من القانون 57.11، المتعلق باللوائح الانتخابية العامة، وعمليات الاستفتاء واستعمال وسائل الاتصال السمعي البصري العمومية، أشكال المواد المعدة للحملة الانتخابية التي من شأنها أن تخالف القانون؛ ومنها تلك التي تمس النظام العام، والكرامة الإنسانية، والحياة الخاصة للأشخاص، أو الدعوة إلى القيام بحملة لجمع الأموال، أو التحريض على العنصرية، أو الكراهية أو العنف.
وذكرت مواد القانون التنظيمي 20.16، والقانون رقم 27.11 المتعلق بمجلس النواب، المخالفات المرتكبة بمناسبة الانتخابات والعقوبات المقررة لها، إلى جانب تحديد أحكام التشريع المُطبَقة على الدعاية الانتخابية والمنشورات المتعلقة بها. وتنص المادة الثانية على أن “لجميع وكلاء لوائح الترشيح أو المترشحين الحق في تعليق الإعلانات الانتخابية”، وذلك شريطة التقيد بالأحكام المنصوص عليها.
كما تنص المادة 51 من القانون رقم 27.11 على أنه “يعاقب بالحبس من شهر إلى سنة، وبغرامة مالية من 10 آلاف إلى 50 ألف درهم (نحو ألف و80 دولاراً إلى خمسة آلاف و400 دولار)، كل شخص أقدم باستعمال أخبار زائفة أو إشاعات كاذبة أو غير ذلك من طرق التدليس، على تحويل أصوات الناخبين أو دفع ناخباً أو أكثر إلى الإمساك عن التصويت “.
لكن المحامي محمد الغلوسي، يرى أن الحديث عن استعمال شبكات الحسابات الوهمية للتأثير في الرأي العام بالحملات الانتخابات في المغرب، يُعد نوعاً من الترف أمام استمرار أشكال الفساد التقليدية، مثل دفع المال وتنظيم الولائم لاستمالة الناخبين.
سياسة شركة ميتا، تنص صراحة على أنه “لا يُسمح للأشخاص بتزييف هوياتهم، أو استخدام حسابات زائفة”، كما تؤكد أنه باستخدام جهات معينة “لحسابات مزيفة للمشاركة في تكتيكات زائفة متطورة بهدف التأثير في النقاش العام، فإنها تشارك في سلوك زائف منظم، أو جهود منظمة للتلاعب بالنقاش العام من أجل تحقيق هدف استراتيجي”، ويعد ذلك نشاطاً غير مسموح به.
ولكن ما كشف عنه التحقيق من خلال تتبع بيانات شبكة الحسابات ومنشوراتها -بنصوص مُعدَّة مسبقاً، وانتحال هويات رقمية لنشر معلومات مضللة- يُظهر استمرار الشبكة في النشر بحرية، حتى بعد مشاركتها في حملات انتخابية، والترويج لصناعة رأي عام زائف، والعمل على تشويش شفافية النقاش العام.
على الرغم من تصنيف شركة ميتا “استخدام شبكة متصلة لزيادة توزيع المحتوى، بهدف خداع المنصة أو مستخدميها بشأن شعبية المحتوى المعني”، على أنه توزيع زائف (Inauthentic Distribution)؛ فلم يثبت لدينا أنها قامت برصد هذه الشبكة حتى مع نشاطها لقرابة خمس سنوات، ولم تتخذ أي خطوات لوقف هذا السلوك “الممنهج”.
خلال إنجاز التحقيق، صادق مجلس الحكومة، وتحديداً يوم 20 تشرين الأول/أكتوبر 2025، على مشروع القانون رقم 53.25، الذي يقضي بتغيير و”تتميم” القانون التنظيمي رقم 27.11 المتعلق بمجلس النواب؛ فتنص المادة 40 على أنه يعاقب بغرامة مالية من خمسين ألف درهم إلى مئة ألف درهم (نحو خمسة آلاف و400 دولار إلى عشرة آلاف و800 دولار): “كل شخص قام بنشر إعلانات سياسية أو منشورات انتخابية مؤدى عنها على منصات أو مواقع إلكترونية أجنبية”.
كما أدرج مشروع القانون 55.25 شبكات التواصل وأدوات الذكاء الاصطناعي ضمن تعريفه لاستطلاع الرأي في المادة 115، ونص على منع استخدامها خلال الحملة الانتخابية، طوال فترة الـ 15 يوماً قبل يوم الاقتراع.
وباستثناء التغيير الجديد في المادة 40 من مشروع القانون، المتعلقة باستخدام الإعلانات الممولة على المنصات والمواقع الإلكترونية الأجنبية، ونص المادة 51، المتعلق باستعمال منصات التواصل الاجتماعي، وأدوات الذكاء الاصطناعي، والأنظمة المعلوماتية، لنشر وتوزيع الأخبار الزائفة، أو غير ذلك من طرق التدليس، بغرض التأثير في الناخبين أو دفعهم للإمساك عن التصويت، لم يرد أي نص قانوني يتعلق باللجوء إلى شركات خاصة أو لشبكات الحسابات الوهمية، للقيام بتنفيذ حملات منسقة لتضخيم المنشورات، وقيادة دعاية حسابية (Computational Propaganda)، وترويج معلومات مضللة لصالح فاعلين سياسيين.
وفق تقرير معهد الإنترنت بجامعة أكسفورد (Oxford Internet Institute)، لعام 2020، بشأن “الجرد العالمي لحملات التلاعب المنظمة على وسائل التواصل الاجتماعي”، منذ سنة 2018، ظهرت أكثر من 65 شركة تقدم خدمات التلاعب المعلوماتي كخدمة تجارية للفاعلين السياسيين.
ورصد التقرير نشاط هذه “القوات السيبرانية” في 81 دولة، حيث تعمل لصالح أنواع متعددة من الفاعلين السياسيين، من أجل نشر الدعاية السياسية على الإنترنت.
وأوضح التقرير أن عمليات التأثير السياسي عبر الإنترنت أصبحت مؤسسة ومُمَنهجة، تُدار من خلال فرق متخصصة وميزانيات حكومية أو حزبية، وتستهدف الانتخابات، والأزمات السياسية، والاحتجاجات الاجتماعية، وأحياناً العلاقات الدولية، فيتم الاعتماد على الحسابات المدارة آلياً أو بشرياً، سواء كانت حقيقية أو مزيفة، لتضخيم روايات معينة، وفي الوقت نفسه تعمل على إغراق روايات أخرى وإضعافها.
وبحسب تقرير لشركة ميتا سنة 2021، حُذف 385 حساباً وست صفحات على فيسبوك، كانت تنشط أساساً من المغرب، وتستهدف جمهوراً محلياً، وتسعى إلى تضليل الناس، بالاعتماد على حسابات مزيفة.
وعملاً بحق الرد، أرسلنا أكثر من مرة خلاصات التحقيق، مصحوبة ببعض الأسئلة، إلى الأمين العام لحزب التجمع الوطني للأحرار، رئيس الحكومة، عزيز أخنوش، وذلك عبر البريد الإلكتروني الرسمي للحزب، كما أرسلنا أيضاً بريداً مسجلاً (مضمون الوصول)، مع إشعار بالاستلام، كما حاولنا الاتصال عبر الهاتف عدة مرات، من دون أن نتلقى أي رد.
الأمر ذاته تكرّر مع الحسن السعدي، كاتب الدولة المكلف بالصناعة التقليدية والاقتصاد الاجتماعي والتضامني، وأيضاً مع خالد العجلي، مرشح الحزب في دائرة فاس الجنوبية، ولم يصلنا أي رد.
وعبر البريد الإلكتروني، أرسلنا إلى شركة ميتا، لكن لم نتلقَّ أي رد أيضاً.