فيبي ويستون (الغارديان) وأريج
داخل قاعات العرض الصاخبة في معرض أبوظبي الدولي للصيد والفروسية، تصطف مئات الصقور على “وقّافات” تحت الأضواء الساطعة، ورؤوسها مغطاة ببراقع مزخرفة تحجب عنها الرؤية؛ لتظل ساكنة لا تتحرك.
في غرفة زجاجية صغيرة تحمل اسم “قاعة صقور النخبة”، تُعرض أربعة صقور صغيرة، تعود ملكيتها لشيخ إماراتي لم تُكشف هويته، وكأنها جواهر ثمينة. ويقتصر الدخول إلى هذه الغرفة -ذات الزجاج المصقول ومقاعدها الفخمة وإضاءتها الآلية المُحكمة- على الزوار المصرح لهم.
تُمنح هذه الصقور جوازات سفر إماراتية، تسافر بها حول العالم، ولديها مستشفيات متخصصة لرعايتها. يفوق سعر بعض هذه الصقور أسعار السيارات الفارهة؛ إذ يباع الصقر الأميركي في المعرض مقابل 350 ألف درهم إماراتي (نحو 95 ألف دولار أميركي). أما أشهر أنواع الصقور فتسافر في سيارات رينج روفر وبنتلي مُجهَّزة بمقعد خاص لها بين مقعديها الأماميين.
على مدى آلاف السنين، كان الناس يصطادون باستخدام الصقور فوق سماء الصحراء العربية الشاسعة، إلا أن هذا التقليد البدوي في الإمارات تحول إلى استعراض للثراء والوجاهة، يلبي أذواق النخبة الخليجية المعاصرة. ومع تحول الصقَّارة (فن تدريب الصقور على الصيد) إلى صناعة دولية تمتد عبر العالم، تبلغ قيمتها ملايين الدولارات، يكشف تحقيق مشترك بين “الغارديان” البريطانية و”أريج” عن وجود تجارة خفية تغذيها عمليات تهريب، وصيد الطيور البرية بطرق غير مشروعة.
جانب من فاعليات معرض أبوظبي الدولي للصيد والفروسية لعام 2025
بعيداً عن طقس مدينة أبوظبي الحار وناطحات سحابها، يرصد نشطاء حماية البيئة والشرطة في مناطق ريفية متفرقة ببريطانيا ظاهرة مثيرة للمخاوف، تتمثل في اختفاء صغار (كتاكيت) صقور الشاهين من حواف منحدرات نائية، وأعشاش على قمم أشجار لا يمكن الوصول إليها إلا بمعدات تسلق متخصصة. ينتهي المطاف ببعض هذه الصغار في صحاري الشرق الأوسط، بعد منحها وثائق مزورة، وفق أقوال أدلى بها إلى الشرطة البريطانية أشخاص اشتروها ظناً منهم أنها قانونية.
يعد مناخ شمالي أوروبا البارد مثالياً لنشأة صقور قوية وسريعة. تحظى الطيور البريطانية المنحدرة من سلالات معروفة بمكانة مرموقة، ولا يُسمح قانونياً بالاتجار سوى في صقور الشاهين المرباة في المزارع خارج بيئتها الطبيعية، كما يحظر صيد الطيور من البرية؛ إذ تخضع لحماية صارمة بموجب قانون “الحياة البرية والريف” البريطاني.
تظهر بيانات حصرية شاركتها الجمعية الملكية لحماية الطيور مع “الغارديان” و”أريج”، تسجيل 126 بلاغاً بشأن مداهمات لأعشاش صقور الشاهين خلال الفترة ما بين عامي 2014 و2024، تأكد منها 21 بلاغاً باستخدام المقاطع التي التقطتها كاميرات المراقبة، أو تحليل الحمض النووي، أو شهادات شهود العيان. ويعتقد أن جميع هذه البلاغات مرتبطة بتجارة صقور الشاهين.
يقول كيفن كيلي، رئيس الوحدة الوطنية لحماية الحياة البرية: “تختفي مئات الصقور سنوياً”.
يقول الخبراء والشرطة إن الطلب على الطيور البرية يأتي من اتجاهين. الأول يتمثل في الصقَّارين بالشرق الأوسط الذين يسعون للحصول على طيور برية للمشاركة في سباقات الصقور. أما الثاني فيتعلق ببعض مرافق التربية التي تحتاج إلى هذه الطيور كآباء لتلبية الطلب المتزايد على الصقور المهجنة والطيور المُربّاة في المزارع، والقابلة للتصدير بشكل قانوني.
في معرض أبوظبي، يتحدث بعض التجار بصراحة عن رغبتهم في اقتناء الصقور البرية، رغم عدم الإعلان عنها رسمياً، نظراً لأن هذه الممارسة غير قانونية.
يقول أحد الموظفين في هيئة صقارة إماراتية مرموقة: “تحظى الصقور البريطانية بطلب مرتفع في الإمارات لما لها من سجل حافل في الفوز في السباقات، ولنقاء سلالتها، وسرعتها”.
ويضيف أن غالبية الصقّارين الإماراتيين يفضلون الصقور المصادة من البرية؛ لأن “الصقور المُرباة في المزارع قد تنحدر من سلالات مختلطة، في حين أن الطيور البرية نقية السلالة، وأفضل أداءً”.
تفضيل الصقور البريطانية البرية يؤكده أيضاً أربعة من ملاك المزارع والبائعين، بالإضافة إلى اثنين من الصقارين، أثناء المقابلات التي أجريت معهم في المعرض.
وأدى الطلب المتزايد على الصقور البريطانية إلى ارتفاع كبير في الصادرات؛ ففي عام 2024 صُدّر أربعة آلاف صقر شاهين أو هجين من صقور الشاهين من بريطانيا إلى الشرق الأوسط، وارتفع العدد عام 2025 إلى خمسة آلاف، وفق الشرطة. وعام 2023 (آخر عام تتوفر فيه البيانات)، صُدّر 88 في المئة من إجمالي صقور الشاهين البريطانية إلى الإمارات، وفق بيانات مستخرجة من قاعدة بيانات اتفاقية التجارة الدولية بالأنواع المهددة بالانقراض (CITES). ولا يُعرف عدد الصقور المصدرة المصادة من البرية، غير أن الشرطة البريطانية تمكنت -على الأقل- من تحديد بعضها.
جانب من فاعليات معرض أبوظبي الدولي للصيد والفروسية لعام 2025
شهدت بريطانيا نمواً هائلاً في عدد مزارع تربية الصقور؛ لتلبية الطلب المتزايد على الصادرات. يوجد في الوقت الراهن نحو 160 منشأة لتربية الصقور في بريطانيا، بعد أن كان عددها نحو 27 مزرعة فقط في ثمانينيات القرن الماضي، وفق وحدة الجرائم البيئية البريطانية. جميع هذه المنشأت لها صلات بالشرق الأوسط؛ سواء من خلال ملكية مقيمين من المنطقة أو عبر البيع المباشر لمشترين هناك.
أغلى أنواع الصقور المخصصة للتصدير هو صقر الشاهين الجير، المعروف بسرعته وقوته؛ وهو صقر لأم من نوع الشاهين وأب من نوع الجير. إناث هذا النوع من الصقور عقيمة؛ لذا يرتفع الطلب على إناث صقور الشاهين في منشآت التربية. عام 2024، سُجّل 200 صقر شاهين في منشآت تربية الصقور، مقارنة بـ 750 صقراً عام 2000، وفق البيانات التي حصلنا عليها بموجب قانون حرية تداول المعلومات.
وتثبت تقنيات الحمض النووي -التي تعتمد على متطوعين يرسلون مئات العينات من صقور البرية- أن بعض هذه الصقور مُصادة من البرية. يقول الشرطي غافين روس، الذي قاد حملة ضد سرقة الصقور: “تظهر تحاليل الحمض النووي وجود عدد من الصقور المأخوذة من البرية داخل مزارع تربية الصقور في كل أنحاء البلاد”.
لا تمتلك الشرطة البريطانية القدرة على تفتيش منشآت التربية كلها، لكنها تشير إلى أن أكثر من نصف المنشآت التي جرى تفتيشها لا تمتثل للقوانين، وتتراوح المخالفات التي سجلت بين عدم تسجيل الصقور، وتقديم بيانات كاذبة عن النسل، إلى جانب بيع صقور مأخوذة من البرية. وخلال عامي 2023 و2024، جرت 27 عملية تفتيش ميدانية لمنشآت تربية صقور الشاهين، وفق بيانات قانون حرية تداول المعلومات؛ ما يمثل زيادة ملحوظة عن السنوات السابقة. وخلال عمليات التفتيش هذه، اكتُشف 15 صقراً برياً داخل هذه المنشآت، وأُكدت هويتهم باستخدام اختبار الحمض النووي.
ومع ذلك، يعتقد العاملون في قطاع الصقور بمحدودية تهريبها، أو عدم حدوثها بالكلية. يقول الدكتور نيك فوكس، مدير شركة استشارات الحياة البرية الدولية (المملكة المتحدة)، التي زودت العائلات الملكية في الإمارات والبحرين بالصقور: “في الواقع، لا يتجاوز حجم الصيد غير القانوني للصقور، الذي تشير إليه وحدة الجرائم البيئية، بضعة صقور سنوياً”.
يضيف فوكس، الحاصل على وسام الإمبراطورية البريطانية لإنقاذ الصقور: “لقد زادت تربية الصقور في المملكة المتحدة بشكل كبير خلال السنوات الخمس والعشرين الماضية مع تطور الخبرة. بشكل أساسي، لقد نجحنا في القضاء على سوق الطيور البرية”.
وينفي جوليان مول، الرئيس التنفيذي للجمعية الدولية للصقارة والحفاظ على الطيور الجارحة، الادعاء بأن الصقارين الإماراتيين يسعون فعلياً إلى اقتناء الصقور البرية البريطانية، مؤكداً أن “التعليقات التي جُمعت بشكل غير رسمي في معرض أبوظبي لا تعكس التفضيلات السائدة في المنطقة”.
يقول مول إن اكتشاف الصقور البرية في منشآت التربية لا ينبغي تفسيره بوصفه دليلاً على انتشار الجريمة على نطاق واسع، ويضيف أن حالات أخذ صغار الصقور من أعشاشها في البرية نادرة الحدوث رغم خطورتها، وهي غير مرتبطة بمجتمع الصقارة الشرعي.
بقول خالد بن سفيان، تاجر صقور إماراتي بارز، إنه “لا يوجد تهريب للصقور البرية من بريطانيا، فهذا غير مسموح به”.
لم نتلقَّ رداً من معرض أبوظبي الدولي للصيد والفروسية على طلب التعليق.
جانب من فاعليات معرض أبوظبي الدولي للصيد والفروسية لعام 2025
تمضي صقور الشاهين البرية حياتها وهي تحلق فوق المنحدرات والكاتدرائيات في جميع أنحاء المملكة المتحدة، تشق الهواء البارد بسرعات مذهلة. قليل منها قد يغير ذلك النهج بالتحليق فوق الصحاري الذهبية والمدن الشاسعة. ومع ذلك، بحسب الشرطي غافين روس، فإن الكثير من الطيور المرباة في المزارع نادراً ما تطير، إن فعلت ذلك أصلاً. ويقول عن الطيور التي تقضي حياتها في مزارع التربية إنها “تُعامل مثل دجاج البطاريات”، حيث تُغذى بمكملات لتنتج ما يصل إلى 14 بيضة في الموسم الواحد.
كانت صقور الشاهين على وشك الانقراض في بريطانيا في خمسينيات القرن الماضي، قبل أن يُحظر المبيد الحشري DDT وتُوفر الحماية القانونية لها. وقد مثّلت عودة الصقور قصة نجاح في مجال الحفاظ على البيئة، مع وجود ألف و750 زوجاً متكاثراً في البرية الآن. يقول روس إن الجشع يهددها مرة أخرى، محذراً أنه “إذا تم التغاضي عن أخذ الصقور بشكل غير شرعي، فإن الشاهين سيصبح مهدداً بالانقراض مرة أخرى”.
يُصنف تعداد الصقور الشاهين الآن بأنه “مستقر”، لكن بعض المناطق التي ينشأ فيها الشاهين أكثر عرضة للاستهداف من غيرها. يقول جورج سميث، الذي يراقب 60 عشاً في منطقة بجنوب شرق اسكتلندا: “نشهد محلياً انخفاضاً في أعداد صقور الشاهين. وإذا اختفت، ستختل السلسلة الغذائية بأكملها”.
يتابع سميث هذه الطيور منذ ما يقرب من 40 عاماً. ويعتقد بتعرض أربعة أعشاش، خلال عام 2025، للسرقة في منطقته، كانت تحتوي على ما لا يقل عن عشرة صغار شاهين، ونهب نحو 100 صقر في بريطانيا. يحاول سميث ألا يتعلق كثيراً بالصقور التي يراقبها. ويقول: “الوضع سيئ جداً في الوقت الراهن. كانت عمليات استهداف الأعشاش سيئة في أوائل السبعينيات، والآن عادت مجدداً”.