مافيا تهريب السيارات عبر ثلاث دول

7 سبتمبر 2011

أسامة خالد وعبدالرحمن شلبى -المصري اليوم

فيما كانت الشوارع والميادين تحتشد بالغاضبين، وأقسام الشرطة تحترق، والزنازين تنفتح، والخارجون على القانون يفرضون قوانين البلطجة، ورجال النظام السابق يدخلون السجون تباعاً، والمواطنون الذين نسميهم الأغلبية الصامتة يحاولون حماية منازلهم ويحتمون بها فى الوقت نفسه.. من رحم هذا كله تولدت تجارة جديدة رابحة مثل تلك الأنشطة التى تظهر عادة فى أزمنة الحروب والكوارث، وهى تهريب السيارات من مصر وليبيا إلى قطاع غزة.

عبر طرق ومدقات صحراوية، خاضت «المصرى اليوم» مغامرة مثيرة بين ٣ دول عربية، بحثا عن ذلك العالم الغامض الذى ولد فجأة خلال ربيع الثورات العربية، محاولة كشف غموض ظاهرة سرقة وتهريب السيارات.. سماسرة وتجار ومهربون ووسطاء ومشترون وحيل جديدة وغريبة، أسفرت عن تهريب ما يزيد على ٢٨ ألف سيارة مسروقة إلى غزة استغلالاً لحالة الانفلات الأمنى فى مصر وليبيا.

تقطع السيارة المسروقة ما يزيد على ١٦٥٠ كيلومترا من بنغازى إلى رفح ثم غزة، وما يزيد على ٤٢٠ كيلومترا تقطعها مثيلتها المسروقة من القاهرة والجيزة. وفيما كان ملايين الشباب ينتظرون جنى ثمار الثورات العربية التى لم تكتمل بعد كان العشرات من أعضاء مافيا دولية لسرقة وتهريب السيارات يجنون بالفعل ملايين الدولارات من تجارتهم الحرام بين الدول العربية الثلاث. ورصدت «المصرى اليوم» فى جولتها رحلة سير السيارات المسروقة بالمستندات وشهادات ضحايا وتجار وأفراد من عصابات التهريب.

١٨٠٠ متر، قطعها محمد ماهر، زاحفا تحت عمق ١٥ مترا تحت الأرض عبر نفق يخترق الحدود المصرية إلى غزة حيث قضى ١٥ يوما فى القطاع المحاصر باحثاً عن بارقة أمل تعيد له سيارته، دون جدوى، رغم نجاحه فى التوصل إلى أغلب تفاصيل رحلة سرقتها بدءاً من تأجيرها من قبل مافيا دولية مروراً بعقود الملكية المزورة التى حصلت من خلالها على تراخيص رسمية من إدارة مرور غزة.

محمد ماهر، واحد من ١٣ ألف مصرى سرقت سياراتهم خلال الأشهر الستة الماضية وأثناء فترة الانفلات الأمنى، تم تهريب معظمها إلى غزة عبر أنفاق، خاصة لتهريب السيارات، وبينما نملك فى مصر الإحصاءات والأرقام الرسمية التى تكشف حجم المشكلة، فإن الوضع فى ليبيا مختلف تماماً فلا أحد هناك يعرف بالضبط عدد السيارات التى سرقت أثناء الثورة، ورغم تأكيد «على العيساوى» مسؤول ملف العلاقات الخارجية فى المجلس الانتقالى الليبى «ربما يتجاوز الرقم ١٥ ألف سيارة فإننا لا نملك حصراً كاملاً بها وكل ما تحت أيادينا يتعلق بسرقة ٣ آلاف سيارة من ميناء (درنة) فى ظل الانفلات الذى وقع إبان ثورة ١٧ فبراير».

وحسب أرقام غير رسمية فإن حوالى ٣ آلاف سيارة دخلت شوارع غزة الضيقة خلال الأشهر الماضية. وتجرى أجهزة الإنتربول تحقيقات موسعة بالتنسيق مع أجهزة الأمن فى مصر وغزة والأردن لإلقاء القبض على عائلة «علقم» الأردنية التى شكلت واحدة من أكبر عصابات سرقة وتهريب السيارات عبر الأنفاق إلى غزة.

بداية الخيط للإيقاع بالمافيا الأردنية كانت من تاجر السيارات المصرى محمد ماهر الذى قام بتأجير سيارته «إلانترا» فى مطلع مارس الماضى، لمدة ١٠ أيام لرجل الأعمال الأردنى أحمد عيسى علقم. ويقول ماهر «بعد انتهاء مدة الإيجار لم تعد السيارة ولم يظهر مستأجرها الأردنى، اتصلت به على هاتفه المصرى فوجدته مغلقا، اتصلت به على هاتفة الأردنى فرد على وفاجأنى بقوله: أنا فى فلسطين وسيارتك فى غزة إذا أردت الحصول عليها تعالى إلى وخذها».

يتذكر محمد ماهر تفاصيل ما حدث قائلا «ذهبت إلى قسم شرطة العمرانية لكنهم رفضوا تحرير محضر بسبب حالة الانفلات الأمنى الرهيبة وقتها، وقال لى الضابط: ابحث عن سيارتك بنفسك، وكانت بداية الفكرة، نعم سأحصل على سيارتى بنفسى، وكان لى صديق يمتلك مكتب تأجير سيارات وسرقت منه واحدة فى العريش أخذها ملثمون واختفوا، وقررنا أن نجد سياراتنا بأنفسنا.. وبواسطة صديق فلسطينى دخلت غزة عبر نفق تحت الأرض، زحفنا لمسافة ١٨٠٠ متر، بمجرد وصولنا اتجهنا إلى هيئة الحدود الفلسطينية وبالكشف على السيارتين اكتشفنا وجودهما فى قطاع غزة بعد بيعهما بعقود بيع مزورة بطريقة عبقرية، فى البداية زوروا عقد بيع السيارة منى لشخص فى الزقازيق ومنه بيعت لشخص آخر فى الإسماعيلية بأختام وأوراق مزورة أيضا ومنه إلى فلسطينى من غزة، هناك اكتشفت وجود ١٢ سيارة مسروقة من الشوارع المصرية يملكها أصدقاء لى يعملون فى تجارة السيارات أيضاً».

وينهى ماهر حديثه بالقول: الشرطة الفلسطينية قالت لنا إن كل تلك السيارات المسروقة دخلت بواسطة مافيا أردنية فلسطينية مصرية تتزعمها عائلة «علقم» بمشاركة فلسطينيين من غزة وبدو من سيناء.

تشير المعلومات إلى أن عائلة «علقم» وعصاباتها نجحت فى تهريب ٩٧ سيارة إلى غزة. والعائلة حسب معلومات الإنتربول الفلسطينى تعيش بين بيت لحم فى رام الله والأردن، وهى مطلوبة قضائياً فى كل من الأردن ورام الله ومصر وغزة، هذا ما يؤكده العقيد علاء عايش، مدير إدارة الإنتربول الفلسطينى، قائلاً: «هناك ملف ضخم من التحقيقات المفتوحة لبحث مصير مئات السيارات التى دخلت غزة، ولم تصل أى شكوى حكومية رسمية إلى السلطات الفلسطينية من نظيرتها الليبية حتى الآن، لكن وصلتنا ١٢ شكوى فردية من مصريين سرقت سياراتهم وأرسلوا إلينا لنبحث عنها، هذا غير ٦٠ بلاغاً رسمياً من السلطات المصرية لم نجد منها بعد التحقيقات سوى ٢٠ سيارة فقط، وجار التحقيق حالياً فى إجراءات دخولها للقطاع، وقد اكتشفنا من تحقيقاتنا التى ما زالت أولية أن هناك عصابات متركزة فى شمال سيناء تعمل بالتعاون مع عصابات أردنية فلسطينية خاصة عائلة «علقم» المكونة من ٤ أشقاء وسيدة كونوا فيما بينهم وأفراد من بدو سيناء شركات وهمية لإدخال السيارات المسروقة إلى غزة بعد تزوير أوراقها فى رفح المصرية».

لم ينف مدير الإنتربول الفلسطينى دخول آلاف السيارات إلى القطاع المحاصر عبر الأنفاق من مصر قائلا «لا تسألونا عن كل تلك السيارات لكن اسألوا عن السبب فى إدخالها بهذه الطريقة.. منذ عدة سنوات ونحن ممنوع علينا ركوب سيارات حديثة بعد أن منعت إسرائيل دخولها».

وإذا كان مدير الإنتربول الفلسطينى يتحدث عما لا يزيد على ٧٢ بلاغاً مصرياً بين حكومى وشخصى، فإن العميد مجدى الشافعى، مدير الإنتربول المصرى، يقدر عدد السيارات التى تم تهريبها إلى غزة بـ ١٢٠٠ حسب المعلومات الأولية على اعتبار أنه ليس كل ما يسرق يتم تهريبه، ويقول الشافعى «ليس لدينا سوى ٣٠ بلاغاً رسمياً فقط».

وأضاف «الإنتربول المصرى أرسل ملفات إلى غزة بالسيارات التى يشتبه بأنها هربت إلى الجانب الفلسطينى، وهناك تعاون قوى وتفاهم من قبلهم فقد أخطرونا أنهم وضعوا مواصفات السيارات على قاعدة البيانات لديهم تمهيدا لضبطها حال ترخيصها».

ويقول العميد مجدى الشافعى «الإنتربول الفلسطينى أبلغنا بضبط ١٠ سيارات ويجرى حاليا العمل على إجراءات تسليمها، وتمت الموافقة على تسليم سيارتين فقط منها حتى الآن، ولكن لم يتم الانتهاء من إجراءات تسليمهم فى مصر رغم انتهاء كامل الإجراءات فى الجانب الفلسطينى وسأرسل خطابات تفيد الموافقة على رد هاتين السيارتين».

إحدى السيارتين مرسيدس يمتلكها رمضان عويضة سرقت منه عن طريق السطو المسلح عليه أثناء سيره على الدائرى ليلا. وذهب رمضان عويضة إلى غزة بحثاً عن سيارته ووجدها عن طريق البحث فى سجلات المرور والرقابة العامة فى فلسطين، واكتشف بيعها لتاجرين، ثم إلى مشتر فلسطينى يدعى يوسف أبوجزر. وتقدم عويضة بالمستندات التى تثبت ملكية للسياراة»، ويقول «صرفت ٢٥ ألف جنيه بحثاً عن سيارتى واكتشفت أن المشترى الفلسطينى على علاقة بالمهرب المصرى ورفض إحضاره لنا وأصر على تحملنا تكلفة تهريب السيارة ومرورها عبر النفق وتبلغ ٨ آلاف دولار لكنى رفضت ثم اضطررت للموافقة بعد ذلك، واشترطت أن يكون هذا المبلغ بإيصال لصالح هيئة الحدود الفلسطينية نظير رسوم دخول السيارة بعد مباحثات مع مسؤولين فى غزة وشيوخ من القبائل الفلسطينية والمصرية».

ويؤكد عويضة أن سيارته المرسيدس موديل ٢٠٠٨ بيعت بـ ٢٨ ألف دولار فيما يبلغ سعرها الحقيقى ٨٥ ألف دولار. ويستكمل عويضة روايته قائلا «أنهيت كامل إجراءات تسليم سيارتى من قبل الجانب الفلسطينى ووافقوا على ردها، بعد فحص أوراقها، لكن الجانب المصرى رفض تسلمها بالمعبر وأعادها للجانب الفلسطينى مجدداً، رغم فحص الأوراق والتأكد من سلامتها قبل أكثر من شهر وسيارتى تحت الطلب لدى الجانب الفلسطينى، وتقدمت بالعديد من الشكاوى لدى المجلس الأعلى للقوات المسلحة ومجلس الوزراء والداخلية والنائب العام لكن حتى الآن لم تعد سيارتى المسروقة».

وتفسر مصادر أمنية مسؤولة رفض الحكومة المصرية تسلم السيارة عبر رفح، بقولها «إن المعبر غير مجهز أمنياً لاستعادة السيارات، وإن الموضوع يحتاج قرارا سياديا لاستعادة تلك السيارات». ويضيف المصدر -الذى طلب عدم الكشف عن اسمه- إن «الحكومة المصرية لا يمكنها السماح بعبور السيارات من خلال معبر رفح وإلا ستكون قاعدة عامة تستخدم فيما بعد».

المسؤول الأمنى أكد صعوبة عودة هذه السيارات المسروقة إلا بقرار سيادى من أعلى السلطات فى مصر، موضحا «ربما يتم السماح بعودة السيارات واستعادتها حالة إثبات وجود أعداد كبيرة من السيارات المسروقة هناك فى غزة لكن فى ظل الأوضاع الحالية من الصعب استعادة سيارة أو اثنتين فقط من القطاع».

فى شارع فلسطين بقطاع غزة، مرت سيارة جيب رباعية الدفع مسرعة إلى جوارنا، السيارة الحديثة لفتت أنظار الجميع إذ لم يعتد سكان القطاع المحاصر على وجود مثل تلك الطرازات الفارهة فى شوارعهم، وأغلب السيارات الحديثة هنا يرجع إلى موديلات ٤ و٥ سنوات سابقة على أفضل تقدير.

فى ميدان المدينة بوسط رفح الفلسطينية كانت الصورة الأكثر غرابة، عشرات السيارات حديثة الموديل يحمل معظمها لوحات مصرية وليبية، تصطف فى معارض أنشئت خصيصاً للتجارة الأكثر ربحية الآن فى المدينة الحدودية، خصوصاً بعد إنشاء عدة أنفاق حدودية لتهريب السيارات.

أصبحت شوارع المدينة ذات البلاطات المربعة المستخدمة فى الرصف بعد اختفاء الأسفلت تحت وطأة الحصار، ترى سيارات من أحدث موديلات ٢٠١١، منها أنواع لم تظهر بعد فى الأسواق العربية، وبعضها قطع أكثر من ١٠٠٠ كيلو متر، ابتداء من الحدود المصرية الليبية غرباً إلى أقصى الشرق لتمر عبر أنفاق رفح.

تاجر سيارات فى مدينة رفح الفلسطينية -طلب عدم ذكر اسمه-قال «السيارات يتم تهريبها بالاتفاق مع تجار مصريين بعد نقلها من ليبيا إلى مصر ومن ثم إلى منطقة الأنفاق، وحين تتوفر الفرصة يتم إدخالها النفق من الجانب المصرى وبعد دقائق تصل إلى الجانب الفلسطينى».

وأضاف «أجرة تهريب السيارة عبر النفق تبلغ ٤٠٠٠ دولار إضافة إلى ٢٠٠٠ دولار تحصل عليها لجنة الأنفاق التابعة لحكومة «حماس»، وتزيد هذا الأسعار وفقاً لنوع وحجم السيارة المراد تهريبها، مؤكداً أن زيادة أسعار السيارات ناتجة كذلك عن رسوم الترخيص فى وزارة المواصلات التى تصل إلى ١٢ ألف دولار.

تاجر السيارات الفلسطينى حدد لنا سيارة «هيونداى سوناتا بانوراما» موديل ٢٠١١ بحوالى ٣٠ ألف دولار قبل إضافة رسوم الجمارك والتراخيص التى تصل إلى ١٢ ألف دولار حسب نوع السيارة ومواصفاتها، مؤكداً أنه سعر مرتفع نسبياً لكن السيارة أيضا لها مواصفات خاصة.

ويزعم أحد التجار أن تلك السيارات دخلت غزة ومن قبلها مصر بطرق رسمية وسليمة ولها أوراق حقيقية وأصلية ويقول أيضا انها ليست مسروقة من ليبيا كما يقول البعض لكن أصحابها اشتروها فى لبيبا واضطروا إلى بيعها فى مصر بسبب الظروف المالية الصعبة التى يمرون بها.

وفيما يصر هذا التاجر على نفى وجود أى سيارات مسروقة بالقطاع، يؤكد آخرون عدم دقة هذا الكلام خاصة مع سماح وزارة المواصلات فى غزة بترخيص سيارات لا تحمل أى أوراق رسمية من المنشأ، وفق نظام خاص بها، حيث تحمل أرقام لوحات معدنية خاصة ومميزة عن غيرها من السيارات ذات الأوراق الرسمية.

وشدد وزير النقل والمواصلات فى حكومة حماس المقالة الدكتور «أسامة العيسوى» على أن وزارته تراعى عند الترخيص التأكد من وثائق السيارات التى يتم جلبها عبر الأنفاق،

أحمد فياض الصحفى والمحلل الفلسطينى المتخصص فى الشأن الإسرائيلى أكد أن هناك حالة نهم شديدة لدى الفلسطينيين لاقتناء سيارات فاخرة والإحساس برفاهية حرموا منها سنوات طويلة جراء الحصار، مستغرباً هذا الكم من الأموال التى ينفق الآن على مثل تلك السيارات الباهظة الثمن وهذا الكم الكبير من الأنفاق المحفورة خصيصاً لإدخال السيارات، وصفها فياض بأنها أنفاق سرية غالباً لا يعرف أحد عنها شيئاً نظرا لتكلفتها الباهظة واستهدافها دائما من قبل قوات الاحتلال، وقدر المحلل الفلسطينى أعدادها بأنها وصلت إلى ١٥ نفقاً.

على الجانب الآخر من أسلاك الحدود، وفى رفح المصرية كان لـ «أبوأحمد» أحد أقدم وأهم مهربى السيارات فى سيناء رأى آخر، إذ يقول «١٠ أنفاق فقط كانت تعمل فى تمرير السيارات إلى غزة، تكلفة الواحد منها ٢٥٠ الف دولار، أغلق منها ٧ حالياً بسبب خلافات مالية بين أصحابها وتبقى ٣ فقط تعمل الآن، وسيغلق منها اثنان قريبا بسبب أعمال صيانة ليتبقى نفق واحد فقط سيواصل عمله خلال الفترة المقبلة».

ويشرح «أبوأحمد» أسرار عالم تهريب السيارات قائلا: «تجارة السيارات مع غزة بدأت قبل عامين من الآن عقب إنشاء أول نفق للسيارات.. وقتها كانت تدخل أعداد قليلة من السيارات شهريا لا تزيد على ٢٥، كنا نركز على سيارات المرسيدس وبى إم دبليو، التى كان أهالى غزة يعشقونها، لكنهم الآن يميلون إلى «كيا» و«هيونداى» لكن بمواصفات وإمكانيات عالية.

يلتقط «أبوأحمد» أنفاسه ويتابع: «هناك ٢٥ سيارة دفع رباعى من مختلف الماركات مرت ثانى أيام الانفلات الأمنى، وتحديداً يوم السبت ٢٩ يناير، بعيداً عن الأنفاق، حيث اخترقت الحدود من على شاطئ البحر، وفى نفس اليوم مر نحو ١٤٨ سيارة عن طريق النفق، كان من بينها ٣٠% مسروقة من مصر».

تعد مدينة رفح المصرية، آخر محطة فى رحلة السيارات المسروقة سواء القادمة من ليبيا أو مصر، وهى فى الوقت نفسه نقطة البداية فى رحلة السيارات المهربة إلى قطاع غزة. وتقطع السيارات الليبية أكثر من ١٠٠٠ كيلو لتصل إلى رفح غالبا بواسطة سائق يفضل أن يكون ليبى الجنسية، ليستطيع المرور من الكمائن التى بدأت السلطات المصرية نشرها بصورة مكثفة على الطرقات، ويتقاضى هذا السائق حولى ١٠ آلاف جنيه مقابل تلك الرحلة التى تستغرق يوما كاملا من السلوم إلى رفح، وإذا كانت السيارة قادمة من القاهرة سواء أكانت مصرية مسروقة أو ليبية مشتراة من مصر فإن أجرة السائق الذى يقودها إلى رفح تتراوح بين ٥ و٦ آلاف جنيه.

فى بداية فترة الانفلات الأمنى، التى شهدتها مصر خلال الأشهر الأولى للثورة، كانت السيارات تتخذ خط سير يبدأ من السلوم إلى القاهرة ومنها إلى رفح عبر كوبرى السلام وبعد تشديد الإجراءات خاصة على كوبرى السلام الذى احتجزت عليه عشرات السيارات الليبية تحديداً، بدأت تتخذ عدة مسارات بديلة غير كوبرى السلام، إذا كانت السيارة قادمة من ليبيا ويقودها ليبى فإنها تمر عبر نفق الشهيد أحمد حمدى، على اعتبار أنها متجهة إلى شرم الشيخ فى رحلة سياحية إلا أن السائق يتجه بها شمالاً بعد مروره من نفق الشهيد أحمد حمدى مباشرة ليتجه عبر طريق سدر العريش، إلى رفح.

وإذا كانت السيارة مسروقة من مصر فإنها تتجه إلى مدينة الإسماعيلية، حيث تنتشر مخازن سرية لإخفاء السيارات حتى تأتى الفرصة المواتية لعبورها عبر المعدية من القنطرة ومنها إلى رفح مباشرة.

وبصفة عامة، وحسبما أخبرنا عدد من العاملين فى تهريب السيارات، فإن كل العقبات والمشاكل الأمنية تنتهى تماما بمجرد دخول السيارة سيناء، سواء أكان ذلك من النفق أو من خلال العبارة أو فى أحسن الظروف من خلال كوبرى السلام، الذى أصبحت نقطة التفتيش عليه هى النقطة الحصينة الوحيدة لضبط السيارات المسروقة.

على مدخل كوبرى السلام «المعبر البرى لقناة السويس إلى سيناء»، يقف نحو١٥ شرطياً بينهم ضابطان يتبعان مديرية أمن الاسماعيلية، يمارسان رقابة مستمرة على بيانات السيارات. يقول أحدهما – طلب عدم ذكر اسمه، بناء على تعليمات أمنية بعدم التحدث مع وسائل الإعلام إلا بموجب تصريح مسبق – «هذا الكمين هو المحطة الأخيرة لضبط السيارات المسروقة.. ضبطنا هنا أكثر من ٥٠ سيارة فى مدة أقل من شهر، لكن بعد فترة بدأت أعداد السيارات المضبوطة تقل بعد أن لجأ المهربون إلى استخدام حيل غريبة منها وضع اللوحات المعدنية الخاصة بسيارة موجودة وأوراقها سليمة على السيارة المسروقة فتمر بسلام وهذه السيارات لا نستطيع ضبطها لأننا هنا لا نكشف على رقم الموتور أو الشاسية إنما نتأكد فقط من مطابقة بيانات السيارة وأرقامها للرخصة المرفقة».

على بعد أمتار من موقع الكمين، تقف حوالى ١٠ سيارات تم احتجازها بعد اكتشاف سرقتها، وتنتظر السيارات المتراصة بجوار الكمين لجنة أمنية من مديرية أمن الإسماعيلية لتسلمها تمهيدا لردها إلى أصحابها، هذا بالنسبة للسيارات المصرية، أما الليبية فيتم إخطار السلطات هناك ببياناتها، ومنها ماركات «جاجوار» و«متسوبيشى» و«هيونداى» و«شيفرولية». تبدو الصورة فى شوارع رفح المصرية وكأنك فى معرض أو سوق كبيرة للسيارات، حيث تشاهد أحدث الماركات تسير على طرقات المدينة الحدودية الرملية.

«توقفت تجارة البضائع عبر الأنفاق بعد أن سمحت إسرائيل بإدخالها القطاع المحاصر والآن فتح لنا باب رزق جديد فكلنا يعمل فى السيارات وفى كل بيت فى رفح ستجد سيارة او اثنتين فى انتظار تصاريح الدخول إلى غزة».. هكذ يقول عياد، السائق المرافق لنا عندما لفتت أنظارنا السيارات الفارهة التى تقطع طرقات المدينة الحدودية الصغيرة.

وحسب اعتراف من مهربى السيارات فى سيناء، فإن تجارة السيارات المسروقة ازدهرت بشدة عقب اندلاع ثورة يناير وخاصة خلال فترة الانفلات الأمنى. ويقول «أبوأحمد»، منفعلا «هناك اتهامات دائما لعرب سيناء بالتهريب وسرقة السيارات.. ونحن هنا لا نسرق سيارات، بل هى تأتى إلينا ونحن نبيعها، السارقون دائما من أهالى وادى النيل وليسوا منا».

ويضيف «أبوأحمد»: «هناك تجار يشترون السيارات» محظورة البيع، وهى سيارات مشتراة بالتقسيط من خلال البنك» وملاكها ليست لديهم القدرة على تسديد باقى الأقساط فيبيعونها بعد تحرير محاضر سرقة، الأمر الذى يساعده على الحصول فى قيمة التعويض أيضا». ويشكك «أبوأحمد» فى الأرقام المعلنة من قبل وزارة الداخلية قائلا «ليس كل ما يباع مسروقا، وأستطيع القول إن ٦٠% سليم و٤٠% ما بين محظور بيعه ومسروق». ويكشف أن تجار السيارات فى رفح، نوعان «أحدهما يقبل بالاتجار فى السيارات المسروقة وآخر لا يقبل ويرفض وأنا منهم.. فقد منعت بيع ٨ سيارات وأعدتها وتدخلت لإيقاف صفقة أخرى بعد أن اكتشفت أنها سيارات مسروقة».

يروى «أبوأحمد» طرق تزوير أوراق السيارات المسروقة قائلا «استغلت عصابات سرقة السيارات فى مصر حالة الانفلات الأمنى الرهيبة وإحراق إدارات المرور المختلفة لتزوير تراخيص السيارات المسروقة عن طريق اللجوء إلى إدارة مرور فى محافظة أخرى واستخراج شهادة بيانات مزورة، اعتمادا على احتراق جميع أجهزة الكمبيوتر فى إدارات المرور، ثم تنقل ملكية السيارة إلى شخص آخر وتسجل فى إدارة مرور أخرى وهكذا تنقل ملكية السيارة بين أكثر من شخص فى أكثر من إدارة مرور لتختفى حقيقة أصلها وأوراقها».

ويضيف: «هناك طريقة أخرى تستخدمها عصابات سرقة السيارات وهى استخراج شهادة من جمرك السلوم تفيد بدخول هذه السيارة من ليبيا فى وقت الثورة، وهى شهادة بيانات تباع فى السلوم مقابل مبالغ تتراوح بين ٥ و١٠ آلاف جنيه للشهادة الواحدة وبناء عليها يتم ترخيصها بشكل سليم، وفى إمكان المشترى بيعها بعد ذلك، خاصة أن أجهزة الداخلية مع حالة الارتباك وعدم توافر المعلومات الكاملة بعد احتراق معظم مقارها لن تكشف تلك الحيل فى الوقت الحالى ولن تنتظر وصول تأكيدات من الجمارك أو من مرور محافظة أخرى حول صحة شهادة البيانات، تلك لأن انتقال الأوراق بين الجهات الحكومية يستغرق وقتاً طويلاً».

كانت لجنة من تجار ومهربى السيارات من رفح المصرية التقت مسؤولين فى حركة حماس ووزارة الداخلية فى غزة لمساعدة الحكومة الفلسطينية على اكتشاف أوراق السيارات المزورة حتى يتسنى لهم اكتشاف السيارات المسروقة وغير المسروقة.

ويوضح «حمد»، وهو تاجر سيارات آخر من رفح، أن دخول السيارات إلى غزة له إجراءات خاصة، ويقول: «السيارات الموجودة فى رفح نرسل أوراقها إلى حماس، وبعد مرور ٥ أيام تأتى الموافقة من حماس ومرفق بها كشف بأسماء السيارات المسموح بمروها ومن ثم تمريرها عبر الأنفاق، وخلال فترة الاستعلام تكون السيارة مخزنة لدى أمين فى رفح على علاقة بأطراف وتجار فى الجانب الشمالى من غزة، ويتولى تجميع السيارات المراد تهريبها وغالبا يكون العدد ١٠٠ سيارة تمر دفعة واحدة.

تختلف أرباح تجارة وتهريب السيارات إلى غزة، حسب نوع السيارة ومكان شرائها فإذا كانت مسروقة أو مباعة بطريقة رسمية، ففى مدينة رفح تتراوح أسعار المسروقة، بين ١٠ و٢٠ ألف جنية للسيارة الواحدة، حسب نوعها وإمكاناتها. أحد التجار – طلب عدم ذكر اسمه- حدد سعر السيارة «الإلنترا» المسروقة على أن تكون موديل حديث بـ١٠ آلاف جنيه فقط يدفع فوقها مبلغ ٥ آلاف دولار كرسوم عبور من النفق لتدخل إلى قطاع غزة بسعر يتراوح بين ٤٠ و٤٥ ألف جنيه مصرى فقط.

على مسافة كيلومتر واحد من معبر رفح البرى وفى ميدان «الماسورة» يوجد سوق السيارات المعدة للتهريب، ويبدأ العمل فيها يومياً بعد صلاة العصر إلى أذان المغرب. يعبر التجار الفلسطينيون عبر الأنفاق إلى ميدان الماسورة ويعاينون السيارات ويعقدون الصفقات على مقهى. وهنا لابد أن تلتقط أذنك العربية بأربع لهجات: الفلسطينية والليبية والبدوية فضلاً عن المصرية.. هنا السماسرة والتجار من كل مكان وحركة البيع والشراء والفصال لا تهدأ.

بجوار المقهى تصطف عشرات السيارات، جاهزة للبيع، بمختلف الأنواع والماركات العادية منها والفاخرة، ورفض يوسف، الشاب البدوى صاحب المقهى، بشدة أن نلتقط اى صور لها، مبررا ذلك بأن زبائنه -تجار ومهربى السيارات- يتضايقون ولا يحبون الإعلام.

لا يتقاضى «يوسف» أى عمولة عن تلك الصفقات التى تجرى على مقهاه، لكن أحد المقربين منه قال إنه يستفيد من الإقبال الكبير على المقهى من جانب الفلسطينيين والليبين والسماسرة المصريين.

«فارس» أحد أصحاب مكاتب تأجير السيارات بالعريش يحكى لنا عن هذا البيزنس الكبير الذى يدار على تلك المقهى قائلا: «هنا ستجدون أى سيارة تريدونها.. السيارات المسروقة والمحظور بيعها والسليمة أيضا التى تباع بشكل شرعى تماما، تجار المسروق معروفون هنا بالاسم وهم نحو ٣٠ تاجراً، رفض الكشف عن أى اسم منهم. وأضاف: «هم يقومون بشراء السيارات بالتنسيق مع تجار من مطروح والإسماعيلية ولهم فروع فى الزقازيق لإنهاء أوراق تزوير السيارات المسروقة».

«أحمد».. شاب آخر يلعب دور السمسار والوسيط فى عدد من تلك الصفقات، يكشف أسرار تداول الأموال وطرق دفع قيمة تلك الصفقات قائلا: «الأموال تأتى من غزة إلى رفح عبر الأنفاق وقليل من التجار الفلسطينيين يأتون إلى هنا ويدفعون الثمن فورا وكاش، وأحياناً يتم التحويل عن طريق بعض البنوك لكن بشكل منظم جداً بحيث يصعب اكتشافه عن طريق تقسيم الأموال على عدد كبير من الأفراد والحسابات الشخصية»، هذا بالنسبة للسيارات المصرية التى تدخل غزة، أما التى تأتى من ليبيا فإن أثمانها توضع فى حسابات خاصة يكون متفقاً عليها ونادراً ما يصل مندوب ليبى لتسلم القيمة لكن المتعارف عليه هو وضع القيمة كاملة فى حساب واحد أو أكثر بالبنوك.

على الجانب الآخر من الحدود المصرية وعلى مسافة ١٠٠٠ كيلومتر من رفح وفى مدينة السلوم، تبدو الصورة مختلفة.. هنا من الطبيعى أن تشاهد السيارات الليبية بكثافة وبكثرة، ومن هنا أيضا تبدأ عمليات تزوير أوراق ملكية السيارات الليبية وحسب المعلومات الأولية المتوافرة فإن إحدى طرق تهريب السيارات الليبية إلى السوق المصرية هى دخول السيارة إلى السلوم وهناك يتم تركيب لوحات معدنية جديدة وتمنح أوراقا مزورة على أنها سيارات مصرية مقابل ٥ آلاف جنيه وذلك بعد أن احترق مرور السلوم ونهبت كل الأوراق والأختام الموجودة به. ومن السلوم إلى ببنغازى تكثر حكايات الأوراق المزورة والمضروبة، الكل هنا يحذرك، ويتداول الليبيون حكايات الدفاتر والأختام التى سرقت من إدارات المرور.

فى حى السلام بوسط مدينة بنغازى تصطف مئات السيارات فى ساحة الحى الواسعة فيما يعد أكبر سوق يومى لبيع السيارات المستعملة والجديدة.

«احترس من الورق المضروب».. هذا أول تحذير تسمعه أذنك وأنت فى طريقك إلى سوق السيارات، الكل هنا يحذر من أزمة التراخيص المضروبة التى يعانى منها سكان المدينة المحررة من قبضة القذافى وكتائبه.

فى الساحة الواسعة، يجلس ايهاب محمد فى سيارة «اودى» كابورليه يعرضها للبيع مقابل ١٥ ألف دينار ليبى -تعادل «٥٠ ألف جنيه مصرى»- وعندما تحدث إلينا وعلم أننا مصريون قال: عرض على بيعها فى مصر مقابل ٨٠ ألف جنيه لكنى رفضت لأنها ستكون مهربة.

وأخبرنا بائع آخر أن «السيارات تباع هنا بأسعار رخيصة، وإذا أردت أن تدخل بها مصر عبر الحدود ما عليك إلا إحضار مواطن ليبى يذهب بها ويسلمها لك فى السلوم مقابل ٢٠٠٠ دينار ليبى فقط، تعادل ٧ آلاف جنيه مصرى، إذ تدخل السيارة باسمه ويسمح له بالدخول إلى مصر دون أى رسوم بنظام «التربتك».

لا يوجد حصر كامل بعدد السيارات المسروقة من ليبيا اثناء الثورة والرقم الوحيد المتوافر هو الصادر عن ميناء مدينة «درنة» الساحلية حيث سرقت ٣ آلاف سيارة، منها ٥٠ تخص عادل العوامى، صاحب معرض النهر الصناعى للسيارات، الذى قال إن قيمة السيارات المسروقة منه مليونا دولار.

«العوامى» تقدم ببلاغات للمجلس الانتقالى الليبى، لكنه لم يحصل على رد حتى الآن لعدم وجود دولة وظروف الحرب. يلتقط أنفاسه ثم يقول: «اشتريت إحدى سياراتى المسروقة مقابل ٣ آلاف دينار ليبى، كنت مضطراً لذلك لأن السيارة قيمتها الحقيقة ٢٩ ألف دينار وهى ماركة «تويوتا» حديثة.. بحثت عنها فى كل مكان حتى تأكدت أنها دخلت الأراضى المصرية ولدى كشف كامل من منفذ السلوم بأرقام الشاسية والموتور لحوالى ٤٧ سيارة دخلت بالفعل إلى مصر من المنفذ الحدودى.

يقول نائب رئيس المجلس الانتقالى الليبى، المتحدث الرسمى باسمه عبد الحفيظ غوقة: «شكلنا لجنة لحصر الممتلكات العامة المنهوبة بدأت عملها منذ فترة بسيطة ولم تستكمل العمل بعد، نظرا للظروف الصعبة التى نمر بها ولم ينته حصر جميع السيارات المسروقة، خاصة أن هناك شركات كبرى سرقت ممتلكاتها بالكامل ولم تبلغنا نظرا لأنها لم تعاود عملها».

وتلقى الإنتربول المصرى بلاغاً من الحكومة الليبية بوجود سيارات ليبية تم تهريبها إلى غزة عن طريق مصر وأخرى موجودة فى مصر لكنهم لم يرسلوا تفاصيل، ويقول العميد مجدى الشافعى، مدير الإنتربول المصرى، إنه لا يمكنه التعامل مع بلاغ بهذا الشكل «فلابد أن تكون هناك بيانات أكثر تفصيلاً وإيضاحاً حتى نتمكن من البحث عنها، وننتظر أن ترسل الحكومة الليبية تفاصيل الماركات وأرقام اللوحات والمواتير والشاسيهات الخاصة بالسيارات التى تعتقد أنها دخلت مصر حتى نتمكن من البحث عنها والتحقيق فيها».

وشدد على أن الإنتربول المصرى يجرى حالياً فحصاً كاملاً وحصراً بالسيارات المفقودة من خلال التعاون مع مديريات الأمن بجميع المحافظات لحصر جميع عمليات سرقة السيارات وتتبعها.

فيما كانت الشوارع والميادين تحتشد بالغاضبين، وأقسام الشرطة تحترق، والزنازين تنفتح، والخارجون على القانون يفرضون قوانين البلطجة، ورجال النظام السابق يدخلون السجون تباعاً، والمواطنون الذين نسميهم الأغلبية الصامتة يحاولون حماية منازلهم ويحتمون بها فى الوقت نفسه.. من رحم هذا كله تولدت تجارة جديدة رابحة مثل تلك الأنشطة التى تظهر عادة فى أزمنة الحروب والكوارث، وهى تهريب السيارات من مصر وليبيا إلى قطاع غزة.

عبر طرق ومدقات صحراوية، خاضت «المصرى اليوم» مغامرة مثيرة بين ٣ دول عربية، بحثا عن ذلك العالم الغامض الذى ولد فجأة خلال ربيع الثورات العربية، محاولة كشف غموض ظاهرة سرقة وتهريب السيارات.. سماسرة وتجار ومهربون ووسطاء ومشترون وحيل جديدة وغريبة، أسفرت عن تهريب ما يزيد على ٢٨ ألف سيارة مسروقة إلى غزة استغلالاً لحالة الانفلات الأمنى فى مصر وليبيا.

تقطع السيارة المسروقة ما يزيد على ١٦٥٠ كيلومترا من بنغازى إلى رفح ثم غزة، وما يزيد على ٤٢٠ كيلومترا تقطعها مثيلتها المسروقة من القاهرة والجيزة. وفيما كان ملايين الشباب ينتظرون جنى ثمار الثورات العربية التى لم تكتمل بعد كان العشرات من أعضاء مافيا دولية لسرقة وتهريب السيارات يجنون بالفعل ملايين الدولارات من تجارتهم الحرام بين الدول العربية الثلاث. ورصدت «المصرى اليوم» فى جولتها رحلة سير السيارات المسروقة بالمستندات وشهادات ضحايا وتجار وأفراد من عصابات التهريب.

١٨٠٠ متر، قطعها محمد ماهر، زاحفا تحت عمق ١٥ مترا تحت الأرض عبر نفق يخترق الحدود المصرية إلى غزة حيث قضى ١٥ يوما فى القطاع المحاصر باحثاً عن بارقة أمل تعيد له سيارته، دون جدوى، رغم نجاحه فى التوصل إلى أغلب تفاصيل رحلة سرقتها بدءاً من تأجيرها من قبل مافيا دولية مروراً بعقود الملكية المزورة التى حصلت من خلالها على تراخيص رسمية من إدارة مرور غزة.

محمد ماهر، واحد من ١٣ ألف مصرى سرقت سياراتهم خلال الأشهر الستة الماضية وأثناء فترة الانفلات الأمنى، تم تهريب معظمها إلى غزة عبر أنفاق، خاصة لتهريب السيارات، وبينما نملك فى مصر الإحصاءات والأرقام الرسمية التى تكشف حجم المشكلة، فإن الوضع فى ليبيا مختلف تماماً فلا أحد هناك يعرف بالضبط عدد السيارات التى سرقت أثناء الثورة، ورغم تأكيد «على العيساوى» مسؤول ملف العلاقات الخارجية فى المجلس الانتقالى الليبى «ربما يتجاوز الرقم ١٥ ألف سيارة فإننا لا نملك حصراً كاملاً بها وكل ما تحت أيادينا يتعلق بسرقة ٣ آلاف سيارة من ميناء (درنة) فى ظل الانفلات الذى وقع إبان ثورة ١٧ فبراير».

وحسب أرقام غير رسمية فإن حوالى ٣ آلاف سيارة دخلت شوارع غزة الضيقة خلال الأشهر الماضية. وتجرى أجهزة الإنتربول تحقيقات موسعة بالتنسيق مع أجهزة الأمن فى مصر وغزة والأردن لإلقاء القبض على عائلة «علقم» الأردنية التى شكلت واحدة من أكبر عصابات سرقة وتهريب السيارات عبر الأنفاق إلى غزة.

بداية الخيط للإيقاع بالمافيا الأردنية كانت من تاجر السيارات المصرى محمد ماهر الذى قام بتأجير سيارته «إلانترا» فى مطلع مارس الماضى، لمدة ١٠ أيام لرجل الأعمال الأردنى أحمد عيسى علقم. ويقول ماهر «بعد انتهاء مدة الإيجار لم تعد السيارة ولم يظهر مستأجرها الأردنى، اتصلت به على هاتفه المصرى فوجدته مغلقا، اتصلت به على هاتفة الأردنى فرد على وفاجأنى بقوله: أنا فى فلسطين وسيارتك فى غزة إذا أردت الحصول عليها تعالى إلى وخذها».

يتذكر محمد ماهر تفاصيل ما حدث قائلا «ذهبت إلى قسم شرطة العمرانية لكنهم رفضوا تحرير محضر بسبب حالة الانفلات الأمنى الرهيبة وقتها، وقال لى الضابط: ابحث عن سيارتك بنفسك، وكانت بداية الفكرة، نعم سأحصل على سيارتى بنفسى، وكان لى صديق يمتلك مكتب تأجير سيارات وسرقت منه واحدة فى العريش أخذها ملثمون واختفوا، وقررنا أن نجد سياراتنا بأنفسنا.. وبواسطة صديق فلسطينى دخلت غزة عبر نفق تحت الأرض، زحفنا لمسافة ١٨٠٠ متر، بمجرد وصولنا اتجهنا إلى هيئة الحدود الفلسطينية وبالكشف على السيارتين اكتشفنا وجودهما فى قطاع غزة بعد بيعهما بعقود بيع مزورة بطريقة عبقرية، فى البداية زوروا عقد بيع السيارة منى لشخص فى الزقازيق ومنه بيعت لشخص آخر فى الإسماعيلية بأختام وأوراق مزورة أيضا ومنه إلى فلسطينى من غزة، هناك اكتشفت وجود ١٢ سيارة مسروقة من الشوارع المصرية يملكها أصدقاء لى يعملون فى تجارة السيارات أيضاً».

وينهى ماهر حديثه بالقول: الشرطة الفلسطينية قالت لنا إن كل تلك السيارات المسروقة دخلت بواسطة مافيا أردنية فلسطينية مصرية تتزعمها عائلة «علقم» بمشاركة فلسطينيين من غزة وبدو من سيناء.

تشير المعلومات إلى أن عائلة «علقم» وعصاباتها نجحت فى تهريب ٩٧ سيارة إلى غزة. والعائلة حسب معلومات الإنتربول الفلسطينى تعيش بين بيت لحم فى رام الله والأردن، وهى مطلوبة قضائياً فى كل من الأردن ورام الله ومصر وغزة، هذا ما يؤكده العقيد علاء عايش، مدير إدارة الإنتربول الفلسطينى، قائلاً: «هناك ملف ضخم من التحقيقات المفتوحة لبحث مصير مئات السيارات التى دخلت غزة، ولم تصل أى شكوى حكومية رسمية إلى السلطات الفلسطينية من نظيرتها الليبية حتى الآن، لكن وصلتنا ١٢ شكوى فردية من مصريين سرقت سياراتهم وأرسلوا إلينا لنبحث عنها، هذا غير ٦٠ بلاغاً رسمياً من السلطات المصرية لم نجد منها بعد التحقيقات سوى ٢٠ سيارة فقط، وجار التحقيق حالياً فى إجراءات دخولها للقطاع، وقد اكتشفنا من تحقيقاتنا التى ما زالت أولية أن هناك عصابات متركزة فى شمال سيناء تعمل بالتعاون مع عصابات أردنية فلسطينية خاصة عائلة «علقم» المكونة من ٤ أشقاء وسيدة كونوا فيما بينهم وأفراد من بدو سيناء شركات وهمية لإدخال السيارات المسروقة إلى غزة بعد تزوير أوراقها فى رفح المصرية».

لم ينف مدير الإنتربول الفلسطينى دخول آلاف السيارات إلى القطاع المحاصر عبر الأنفاق من مصر قائلا «لا تسألونا عن كل تلك السيارات لكن اسألوا عن السبب فى إدخالها بهذه الطريقة.. منذ عدة سنوات ونحن ممنوع علينا ركوب سيارات حديثة بعد أن منعت إسرائيل دخولها».

وإذا كان مدير الإنتربول الفلسطينى يتحدث عما لا يزيد على ٧٢ بلاغاً مصرياً بين حكومى وشخصى، فإن العميد مجدى الشافعى، مدير الإنتربول المصرى، يقدر عدد السيارات التى تم تهريبها إلى غزة بـ ١٢٠٠ حسب المعلومات الأولية على اعتبار أنه ليس كل ما يسرق يتم تهريبه، ويقول الشافعى «ليس لدينا سوى ٣٠ بلاغاً رسمياً فقط».

وأضاف «الإنتربول المصرى أرسل ملفات إلى غزة بالسيارات التى يشتبه بأنها هربت إلى الجانب الفلسطينى، وهناك تعاون قوى وتفاهم من قبلهم فقد أخطرونا أنهم وضعوا مواصفات السيارات على قاعدة البيانات لديهم تمهيدا لضبطها حال ترخيصها».

ويقول العميد مجدى الشافعى «الإنتربول الفلسطينى أبلغنا بضبط ١٠ سيارات ويجرى حاليا العمل على إجراءات تسليمها، وتمت الموافقة على تسليم سيارتين فقط منها حتى الآن، ولكن لم يتم الانتهاء من إجراءات تسليمهم فى مصر رغم انتهاء كامل الإجراءات فى الجانب الفلسطينى وسأرسل خطابات تفيد الموافقة على رد هاتين السيارتين».

إحدى السيارتين مرسيدس يمتلكها رمضان عويضة سرقت منه عن طريق السطو المسلح عليه أثناء سيره على الدائرى ليلا. وذهب رمضان عويضة إلى غزة بحثاً عن سيارته ووجدها عن طريق البحث فى سجلات المرور والرقابة العامة فى فلسطين، واكتشف بيعها لتاجرين، ثم إلى مشتر فلسطينى يدعى يوسف أبوجزر. وتقدم عويضة بالمستندات التى تثبت ملكية للسياراة»، ويقول «صرفت ٢٥ ألف جنيه بحثاً عن سيارتى واكتشفت أن المشترى الفلسطينى على علاقة بالمهرب المصرى ورفض إحضاره لنا وأصر على تحملنا تكلفة تهريب السيارة ومرورها عبر النفق وتبلغ ٨ آلاف دولار لكنى رفضت ثم اضطررت للموافقة بعد ذلك، واشترطت أن يكون هذا المبلغ بإيصال لصالح هيئة الحدود الفلسطينية نظير رسوم دخول السيارة بعد مباحثات مع مسؤولين فى غزة وشيوخ من القبائل الفلسطينية والمصرية».

ويؤكد عويضة أن سيارته المرسيدس موديل ٢٠٠٨ بيعت بـ ٢٨ ألف دولار فيما يبلغ سعرها الحقيقى ٨٥ ألف دولار. ويستكمل عويضة روايته قائلا «أنهيت كامل إجراءات تسليم سيارتى من قبل الجانب الفلسطينى ووافقوا على ردها، بعد فحص أوراقها، لكن الجانب المصرى رفض تسلمها بالمعبر وأعادها للجانب الفلسطينى مجدداً، رغم فحص الأوراق والتأكد من سلامتها قبل أكثر من شهر وسيارتى تحت الطلب لدى الجانب الفلسطينى، وتقدمت بالعديد من الشكاوى لدى المجلس الأعلى للقوات المسلحة ومجلس الوزراء والداخلية والنائب العام لكن حتى الآن لم تعد سيارتى المسروقة».

وتفسر مصادر أمنية مسؤولة رفض الحكومة المصرية تسلم السيارة عبر رفح، بقولها «إن المعبر غير مجهز أمنياً لاستعادة السيارات، وإن الموضوع يحتاج قرارا سياديا لاستعادة تلك السيارات». ويضيف المصدر -الذى طلب عدم الكشف عن اسمه- إن «الحكومة المصرية لا يمكنها السماح بعبور السيارات من خلال معبر رفح وإلا ستكون قاعدة عامة تستخدم فيما بعد».

المسؤول الأمنى أكد صعوبة عودة هذه السيارات المسروقة إلا بقرار سيادى من أعلى السلطات فى مصر، موضحا «ربما يتم السماح بعودة السيارات واستعادتها حالة إثبات وجود أعداد كبيرة من السيارات المسروقة هناك فى غزة لكن فى ظل الأوضاع الحالية من الصعب استعادة سيارة أو اثنتين فقط من القطاع».

فى شارع فلسطين بقطاع غزة، مرت سيارة جيب رباعية الدفع مسرعة إلى جوارنا، السيارة الحديثة لفتت أنظار الجميع إذ لم يعتد سكان القطاع المحاصر على وجود مثل تلك الطرازات الفارهة فى شوارعهم، وأغلب السيارات الحديثة هنا يرجع إلى موديلات ٤ و٥ سنوات سابقة على أفضل تقدير.

فى ميدان المدينة بوسط رفح الفلسطينية كانت الصورة الأكثر غرابة، عشرات السيارات حديثة الموديل يحمل معظمها لوحات مصرية وليبية، تصطف فى معارض أنشئت خصيصاً للتجارة الأكثر ربحية الآن فى المدينة الحدودية، خصوصاً بعد إنشاء عدة أنفاق حدودية لتهريب السيارات.

أصبحت شوارع المدينة ذات البلاطات المربعة المستخدمة فى الرصف بعد اختفاء الأسفلت تحت وطأة الحصار، ترى سيارات من أحدث موديلات ٢٠١١، منها أنواع لم تظهر بعد فى الأسواق العربية، وبعضها قطع أكثر من ١٠٠٠ كيلو متر، ابتداء من الحدود المصرية الليبية غرباً إلى أقصى الشرق لتمر عبر أنفاق رفح.

تاجر سيارات فى مدينة رفح الفلسطينية -طلب عدم ذكر اسمه-قال «السيارات يتم تهريبها بالاتفاق مع تجار مصريين بعد نقلها من ليبيا إلى مصر ومن ثم إلى منطقة الأنفاق، وحين تتوفر الفرصة يتم إدخالها النفق من الجانب المصرى وبعد دقائق تصل إلى الجانب الفلسطينى».

وأضاف «أجرة تهريب السيارة عبر النفق تبلغ ٤٠٠٠ دولار إضافة إلى ٢٠٠٠ دولار تحصل عليها لجنة الأنفاق التابعة لحكومة «حماس»، وتزيد هذا الأسعار وفقاً لنوع وحجم السيارة المراد تهريبها، مؤكداً أن زيادة أسعار السيارات ناتجة كذلك عن رسوم الترخيص فى وزارة المواصلات التى تصل إلى ١٢ ألف دولار.

تاجر السيارات الفلسطينى حدد لنا سيارة «هيونداى سوناتا بانوراما» موديل ٢٠١١ بحوالى ٣٠ ألف دولار قبل إضافة رسوم الجمارك والتراخيص التى تصل إلى ١٢ ألف دولار حسب نوع السيارة ومواصفاتها، مؤكداً أنه سعر مرتفع نسبياً لكن السيارة أيضا لها مواصفات خاصة.

ويزعم أحد التجار أن تلك السيارات دخلت غزة ومن قبلها مصر بطرق رسمية وسليمة ولها أوراق حقيقية وأصلية ويقول أيضا انها ليست مسروقة من ليبيا كما يقول البعض لكن أصحابها اشتروها فى لبيبا واضطروا إلى بيعها فى مصر بسبب الظروف المالية الصعبة التى يمرون بها.

وفيما يصر هذا التاجر على نفى وجود أى سيارات مسروقة بالقطاع، يؤكد آخرون عدم دقة هذا الكلام خاصة مع سماح وزارة المواصلات فى غزة بترخيص سيارات لا تحمل أى أوراق رسمية من المنشأ، وفق نظام خاص بها، حيث تحمل أرقام لوحات معدنية خاصة ومميزة عن غيرها من السيارات ذات الأوراق الرسمية.

وشدد وزير النقل والمواصلات فى حكومة حماس المقالة الدكتور «أسامة العيسوى» على أن وزارته تراعى عند الترخيص التأكد من وثائق السيارات التى يتم جلبها عبر الأنفاق،

أحمد فياض الصحفى والمحلل الفلسطينى المتخصص فى الشأن الإسرائيلى أكد أن هناك حالة نهم شديدة لدى الفلسطينيين لاقتناء سيارات فاخرة والإحساس برفاهية حرموا منها سنوات طويلة جراء الحصار، مستغرباً هذا الكم من الأموال التى ينفق الآن على مثل تلك السيارات الباهظة الثمن وهذا الكم الكبير من الأنفاق المحفورة خصيصاً لإدخال السيارات، وصفها فياض بأنها أنفاق سرية غالباً لا يعرف أحد عنها شيئاً نظرا لتكلفتها الباهظة واستهدافها دائما من قبل قوات الاحتلال، وقدر المحلل الفلسطينى أعدادها بأنها وصلت إلى ١٥ نفقاً.

على الجانب الآخر من أسلاك الحدود، وفى رفح المصرية كان لـ «أبوأحمد» أحد أقدم وأهم مهربى السيارات فى سيناء رأى آخر، إذ يقول «١٠ أنفاق فقط كانت تعمل فى تمرير السيارات إلى غزة، تكلفة الواحد منها ٢٥٠ الف دولار، أغلق منها ٧ حالياً بسبب خلافات مالية بين أصحابها وتبقى ٣ فقط تعمل الآن، وسيغلق منها اثنان قريبا بسبب أعمال صيانة ليتبقى نفق واحد فقط سيواصل عمله خلال الفترة المقبلة».

ويشرح «أبوأحمد» أسرار عالم تهريب السيارات قائلا: «تجارة السيارات مع غزة بدأت قبل عامين من الآن عقب إنشاء أول نفق للسيارات.. وقتها كانت تدخل أعداد قليلة من السيارات شهريا لا تزيد على ٢٥، كنا نركز على سيارات المرسيدس وبى إم دبليو، التى كان أهالى غزة يعشقونها، لكنهم الآن يميلون إلى «كيا» و«هيونداى» لكن بمواصفات وإمكانيات عالية.

يلتقط «أبوأحمد» أنفاسه ويتابع: «هناك ٢٥ سيارة دفع رباعى من مختلف الماركات مرت ثانى أيام الانفلات الأمنى، وتحديداً يوم السبت ٢٩ يناير، بعيداً عن الأنفاق، حيث اخترقت الحدود من على شاطئ البحر، وفى نفس اليوم مر نحو ١٤٨ سيارة عن طريق النفق، كان من بينها ٣٠% مسروقة من مصر».

تعد مدينة رفح المصرية، آخر محطة فى رحلة السيارات المسروقة سواء القادمة من ليبيا أو مصر، وهى فى الوقت نفسه نقطة البداية فى رحلة السيارات المهربة إلى قطاع غزة. وتقطع السيارات الليبية أكثر من ١٠٠٠ كيلو لتصل إلى رفح غالبا بواسطة سائق يفضل أن يكون ليبى الجنسية، ليستطيع المرور من الكمائن التى بدأت السلطات المصرية نشرها بصورة مكثفة على الطرقات، ويتقاضى هذا السائق حولى ١٠ آلاف جنيه مقابل تلك الرحلة التى تستغرق يوما كاملا من السلوم إلى رفح، وإذا كانت السيارة قادمة من القاهرة سواء أكانت مصرية مسروقة أو ليبية مشتراة من مصر فإن أجرة السائق الذى يقودها إلى رفح تتراوح بين ٥ و٦ آلاف جنيه.

فى بداية فترة الانفلات الأمنى، التى شهدتها مصر خلال الأشهر الأولى للثورة، كانت السيارات تتخذ خط سير يبدأ من السلوم إلى القاهرة ومنها إلى رفح عبر كوبرى السلام وبعد تشديد الإجراءات خاصة على كوبرى السلام الذى احتجزت عليه عشرات السيارات الليبية تحديداً، بدأت تتخذ عدة مسارات بديلة غير كوبرى السلام، إذا كانت السيارة قادمة من ليبيا ويقودها ليبى فإنها تمر عبر نفق الشهيد أحمد حمدى، على اعتبار أنها متجهة إلى شرم الشيخ فى رحلة سياحية إلا أن السائق يتجه بها شمالاً بعد مروره من نفق الشهيد أحمد حمدى مباشرة ليتجه عبر طريق سدر العريش، إلى رفح.

وإذا كانت السيارة مسروقة من مصر فإنها تتجه إلى مدينة الإسماعيلية، حيث تنتشر مخازن سرية لإخفاء السيارات حتى تأتى الفرصة المواتية لعبورها عبر المعدية من القنطرة ومنها إلى رفح مباشرة.

وبصفة عامة، وحسبما أخبرنا عدد من العاملين فى تهريب السيارات، فإن كل العقبات والمشاكل الأمنية تنتهى تماما بمجرد دخول السيارة سيناء، سواء أكان ذلك من النفق أو من خلال العبارة أو فى أحسن الظروف من خلال كوبرى السلام، الذى أصبحت نقطة التفتيش عليه هى النقطة الحصينة الوحيدة لضبط السيارات المسروقة.

على مدخل كوبرى السلام «المعبر البرى لقناة السويس إلى سيناء»، يقف نحو١٥ شرطياً بينهم ضابطان يتبعان مديرية أمن الاسماعيلية، يمارسان رقابة مستمرة على بيانات السيارات. يقول أحدهما – طلب عدم ذكر اسمه، بناء على تعليمات أمنية بعدم التحدث مع وسائل الإعلام إلا بموجب تصريح مسبق – «هذا الكمين هو المحطة الأخيرة لضبط السيارات المسروقة.. ضبطنا هنا أكثر من ٥٠ سيارة فى مدة أقل من شهر، لكن بعد فترة بدأت أعداد السيارات المضبوطة تقل بعد أن لجأ المهربون إلى استخدام حيل غريبة منها وضع اللوحات المعدنية الخاصة بسيارة موجودة وأوراقها سليمة على السيارة المسروقة فتمر بسلام وهذه السيارات لا نستطيع ضبطها لأننا هنا لا نكشف على رقم الموتور أو الشاسية إنما نتأكد فقط من مطابقة بيانات السيارة وأرقامها للرخصة المرفقة».

على بعد أمتار من موقع الكمين، تقف حوالى ١٠ سيارات تم احتجازها بعد اكتشاف سرقتها، وتنتظر السيارات المتراصة بجوار الكمين لجنة أمنية من مديرية أمن الإسماعيلية لتسلمها تمهيدا لردها إلى أصحابها، هذا بالنسبة للسيارات المصرية، أما الليبية فيتم إخطار السلطات هناك ببياناتها، ومنها ماركات «جاجوار» و«متسوبيشى» و«هيونداى» و«شيفرولية». تبدو الصورة فى شوارع رفح المصرية وكأنك فى معرض أو سوق كبيرة للسيارات، حيث تشاهد أحدث الماركات تسير على طرقات المدينة الحدودية الرملية.

«توقفت تجارة البضائع عبر الأنفاق بعد أن سمحت إسرائيل بإدخالها القطاع المحاصر والآن فتح لنا باب رزق جديد فكلنا يعمل فى السيارات وفى كل بيت فى رفح ستجد سيارة او اثنتين فى انتظار تصاريح الدخول إلى غزة».. هكذ يقول عياد، السائق المرافق لنا عندما لفتت أنظارنا السيارات الفارهة التى تقطع طرقات المدينة الحدودية الصغيرة.

وحسب اعتراف من مهربى السيارات فى سيناء، فإن تجارة السيارات المسروقة ازدهرت بشدة عقب اندلاع ثورة يناير وخاصة خلال فترة الانفلات الأمنى. ويقول «أبوأحمد»، منفعلا «هناك اتهامات دائما لعرب سيناء بالتهريب وسرقة السيارات.. ونحن هنا لا نسرق سيارات، بل هى تأتى إلينا ونحن نبيعها، السارقون دائما من أهالى وادى النيل وليسوا منا».

ويضيف «أبوأحمد»: «هناك تجار يشترون السيارات» محظورة البيع، وهى سيارات مشتراة بالتقسيط من خلال البنك» وملاكها ليست لديهم القدرة على تسديد باقى الأقساط فيبيعونها بعد تحرير محاضر سرقة، الأمر الذى يساعده على الحصول فى قيمة التعويض أيضا». ويشكك «أبوأحمد» فى الأرقام المعلنة من قبل وزارة الداخلية قائلا «ليس كل ما يباع مسروقا، وأستطيع القول إن ٦٠% سليم و٤٠% ما بين محظور بيعه ومسروق». ويكشف أن تجار السيارات فى رفح، نوعان «أحدهما يقبل بالاتجار فى السيارات المسروقة وآخر لا يقبل ويرفض وأنا منهم.. فقد منعت بيع ٨ سيارات وأعدتها وتدخلت لإيقاف صفقة أخرى بعد أن اكتشفت أنها سيارات مسروقة».

يروى «أبوأحمد» طرق تزوير أوراق السيارات المسروقة قائلا «استغلت عصابات سرقة السيارات فى مصر حالة الانفلات الأمنى الرهيبة وإحراق إدارات المرور المختلفة لتزوير تراخيص السيارات المسروقة عن طريق اللجوء إلى إدارة مرور فى محافظة أخرى واستخراج شهادة بيانات مزورة، اعتمادا على احتراق جميع أجهزة الكمبيوتر فى إدارات المرور، ثم تنقل ملكية السيارة إلى شخص آخر وتسجل فى إدارة مرور أخرى وهكذا تنقل ملكية السيارة بين أكثر من شخص فى أكثر من إدارة مرور لتختفى حقيقة أصلها وأوراقها».

ويضيف: «هناك طريقة أخرى تستخدمها عصابات سرقة السيارات وهى استخراج شهادة من جمرك السلوم تفيد بدخول هذه السيارة من ليبيا فى وقت الثورة، وهى شهادة بيانات تباع فى السلوم مقابل مبالغ تتراوح بين ٥ و١٠ آلاف جنيه للشهادة الواحدة وبناء عليها يتم ترخيصها بشكل سليم، وفى إمكان المشترى بيعها بعد ذلك، خاصة أن أجهزة الداخلية مع حالة الارتباك وعدم توافر المعلومات الكاملة بعد احتراق معظم مقارها لن تكشف تلك الحيل فى الوقت الحالى ولن تنتظر وصول تأكيدات من الجمارك أو من مرور محافظة أخرى حول صحة شهادة البيانات، تلك لأن انتقال الأوراق بين الجهات الحكومية يستغرق وقتاً طويلاً».

كانت لجنة من تجار ومهربى السيارات من رفح المصرية التقت مسؤولين فى حركة حماس ووزارة الداخلية فى غزة لمساعدة الحكومة الفلسطينية على اكتشاف أوراق السيارات المزورة حتى يتسنى لهم اكتشاف السيارات المسروقة وغير المسروقة.

ويوضح «حمد»، وهو تاجر سيارات آخر من رفح، أن دخول السيارات إلى غزة له إجراءات خاصة، ويقول: «السيارات الموجودة فى رفح نرسل أوراقها إلى حماس، وبعد مرور ٥ أيام تأتى الموافقة من حماس ومرفق بها كشف بأسماء السيارات المسموح بمروها ومن ثم تمريرها عبر الأنفاق، وخلال فترة الاستعلام تكون السيارة مخزنة لدى أمين فى رفح على علاقة بأطراف وتجار فى الجانب الشمالى من غزة، ويتولى تجميع السيارات المراد تهريبها وغالبا يكون العدد ١٠٠ سيارة تمر دفعة واحدة.

تختلف أرباح تجارة وتهريب السيارات إلى غزة، حسب نوع السيارة ومكان شرائها فإذا كانت مسروقة أو مباعة بطريقة رسمية، ففى مدينة رفح تتراوح أسعار المسروقة، بين ١٠ و٢٠ ألف جنية للسيارة الواحدة، حسب نوعها وإمكاناتها. أحد التجار – طلب عدم ذكر اسمه- حدد سعر السيارة «الإلنترا» المسروقة على أن تكون موديل حديث بـ١٠ آلاف جنيه فقط يدفع فوقها مبلغ ٥ آلاف دولار كرسوم عبور من النفق لتدخل إلى قطاع غزة بسعر يتراوح بين ٤٠ و٤٥ ألف جنيه مصرى فقط.

على مسافة كيلومتر واحد من معبر رفح البرى وفى ميدان «الماسورة» يوجد سوق السيارات المعدة للتهريب، ويبدأ العمل فيها يومياً بعد صلاة العصر إلى أذان المغرب. يعبر التجار الفلسطينيون عبر الأنفاق إلى ميدان الماسورة ويعاينون السيارات ويعقدون الصفقات على مقهى. وهنا لابد أن تلتقط أذنك العربية بأربع لهجات: الفلسطينية والليبية والبدوية فضلاً عن المصرية.. هنا السماسرة والتجار من كل مكان وحركة البيع والشراء والفصال لا تهدأ.

بجوار المقهى تصطف عشرات السيارات، جاهزة للبيع، بمختلف الأنواع والماركات العادية منها والفاخرة، ورفض يوسف، الشاب البدوى صاحب المقهى، بشدة أن نلتقط اى صور لها، مبررا ذلك بأن زبائنه -تجار ومهربى السيارات- يتضايقون ولا يحبون الإعلام.

لا يتقاضى «يوسف» أى عمولة عن تلك الصفقات التى تجرى على مقهاه، لكن أحد المقربين منه قال إنه يستفيد من الإقبال الكبير على المقهى من جانب الفلسطينيين والليبين والسماسرة المصريين.

«فارس» أحد أصحاب مكاتب تأجير السيارات بالعريش يحكى لنا عن هذا البيزنس الكبير الذى يدار على تلك المقهى قائلا: «هنا ستجدون أى سيارة تريدونها.. السيارات المسروقة والمحظور بيعها والسليمة أيضا التى تباع بشكل شرعى تماما، تجار المسروق معروفون هنا بالاسم وهم نحو ٣٠ تاجراً، رفض الكشف عن أى اسم منهم. وأضاف: «هم يقومون بشراء السيارات بالتنسيق مع تجار من مطروح والإسماعيلية ولهم فروع فى الزقازيق لإنهاء أوراق تزوير السيارات المسروقة».

«أحمد».. شاب آخر يلعب دور السمسار والوسيط فى عدد من تلك الصفقات، يكشف أسرار تداول الأموال وطرق دفع قيمة تلك الصفقات قائلا: «الأموال تأتى من غزة إلى رفح عبر الأنفاق وقليل من التجار الفلسطينيين يأتون إلى هنا ويدفعون الثمن فورا وكاش، وأحياناً يتم التحويل عن طريق بعض البنوك لكن بشكل منظم جداً بحيث يصعب اكتشافه عن طريق تقسيم الأموال على عدد كبير من الأفراد والحسابات الشخصية»، هذا بالنسبة للسيارات المصرية التى تدخل غزة، أما التى تأتى من ليبيا فإن أثمانها توضع فى حسابات خاصة يكون متفقاً عليها ونادراً ما يصل مندوب ليبى لتسلم القيمة لكن المتعارف عليه هو وضع القيمة كاملة فى حساب واحد أو أكثر بالبنوك.

على الجانب الآخر من الحدود المصرية وعلى مسافة ١٠٠٠ كيلومتر من رفح وفى مدينة السلوم، تبدو الصورة مختلفة.. هنا من الطبيعى أن تشاهد السيارات الليبية بكثافة وبكثرة، ومن هنا أيضا تبدأ عمليات تزوير أوراق ملكية السيارات الليبية وحسب المعلومات الأولية المتوافرة فإن إحدى طرق تهريب السيارات الليبية إلى السوق المصرية هى دخول السيارة إلى السلوم وهناك يتم تركيب لوحات معدنية جديدة وتمنح أوراقا مزورة على أنها سيارات مصرية مقابل ٥ آلاف جنيه وذلك بعد أن احترق مرور السلوم ونهبت كل الأوراق والأختام الموجودة به. ومن السلوم إلى ببنغازى تكثر حكايات الأوراق المزورة والمضروبة، الكل هنا يحذرك، ويتداول الليبيون حكايات الدفاتر والأختام التى سرقت من إدارات المرور.

فى حى السلام بوسط مدينة بنغازى تصطف مئات السيارات فى ساحة الحى الواسعة فيما يعد أكبر سوق يومى لبيع السيارات المستعملة والجديدة.

«احترس من الورق المضروب».. هذا أول تحذير تسمعه أذنك وأنت فى طريقك إلى سوق السيارات، الكل هنا يحذر من أزمة التراخيص المضروبة التى يعانى منها سكان المدينة المحررة من قبضة القذافى وكتائبه.

فى الساحة الواسعة، يجلس ايهاب محمد فى سيارة «اودى» كابورليه يعرضها للبيع مقابل ١٥ ألف دينار ليبى -تعادل «٥٠ ألف جنيه مصرى»- وعندما تحدث إلينا وعلم أننا مصريون قال: عرض على بيعها فى مصر مقابل ٨٠ ألف جنيه لكنى رفضت لأنها ستكون مهربة.

وأخبرنا بائع آخر أن «السيارات تباع هنا بأسعار رخيصة، وإذا أردت أن تدخل بها مصر عبر الحدود ما عليك إلا إحضار مواطن ليبى يذهب بها ويسلمها لك فى السلوم مقابل ٢٠٠٠ دينار ليبى فقط، تعادل ٧ آلاف جنيه مصرى، إذ تدخل السيارة باسمه ويسمح له بالدخول إلى مصر دون أى رسوم بنظام «التربتك».

لا يوجد حصر كامل بعدد السيارات المسروقة من ليبيا اثناء الثورة والرقم الوحيد المتوافر هو الصادر عن ميناء مدينة «درنة» الساحلية حيث سرقت ٣ آلاف سيارة، منها ٥٠ تخص عادل العوامى، صاحب معرض النهر الصناعى للسيارات، الذى قال إن قيمة السيارات المسروقة منه مليونا دولار.

«العوامى» تقدم ببلاغات للمجلس الانتقالى الليبى، لكنه لم يحصل على رد حتى الآن لعدم وجود دولة وظروف الحرب. يلتقط أنفاسه ثم يقول: «اشتريت إحدى سياراتى المسروقة مقابل ٣ آلاف دينار ليبى، كنت مضطراً لذلك لأن السيارة قيمتها الحقيقة ٢٩ ألف دينار وهى ماركة «تويوتا» حديثة.. بحثت عنها فى كل مكان حتى تأكدت أنها دخلت الأراضى المصرية ولدى كشف كامل من منفذ السلوم بأرقام الشاسية والموتور لحوالى ٤٧ سيارة دخلت بالفعل إلى مصر من المنفذ الحدودى.

يقول نائب رئيس المجلس الانتقالى الليبى، المتحدث الرسمى باسمه عبد الحفيظ غوقة: «شكلنا لجنة لحصر الممتلكات العامة المنهوبة بدأت عملها منذ فترة بسيطة ولم تستكمل العمل بعد، نظرا للظروف الصعبة التى نمر بها ولم ينته حصر جميع السيارات المسروقة، خاصة أن هناك شركات كبرى سرقت ممتلكاتها بالكامل ولم تبلغنا نظرا لأنها لم تعاود عملها».

وتلقى الإنتربول المصرى بلاغاً من الحكومة الليبية بوجود سيارات ليبية تم تهريبها إلى غزة عن طريق مصر وأخرى موجودة فى مصر لكنهم لم يرسلوا تفاصيل، ويقول العميد مجدى الشافعى، مدير الإنتربول المصرى، إنه لا يمكنه التعامل مع بلاغ بهذا الشكل «فلابد أن تكون هناك بيانات أكثر تفصيلاً وإيضاحاً حتى نتمكن من البحث عنها، وننتظر أن ترسل الحكومة الليبية تفاصيل الماركات وأرقام اللوحات والمواتير والشاسيهات الخاصة بالسيارات التى تعتقد أنها دخلت مصر حتى نتمكن من البحث عنها والتحقيق فيها».

وشدد على أن الإنتربول المصرى يجرى حالياً فحصاً كاملاً وحصراً بالسيارات المفقودة من خلال التعاون مع مديريات الأمن بجميع المحافظات لحصر جميع عمليات سرقة السيارات وتتبعها


تعليقاتكم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.