غبار السيليكا يستوطن رئات عمال "السيراميك‎"‎

29 أكتوبر 2014

روز اليوسف  بدأت الأعراض بسعال، ثم أخذ (عم سلامة) العامل في مصنع سيراميك  بالسويس يشكو تدريجيا من ضيق في التنفس مع المجهود. ثم اشتد السعال، وبدأ يعاني من ضيق في التنفس مع أقل جهد، حتى أصبح غير قادر على العمل بعد 20 عاما في هذه الصناعة.

في مكتب التأمين الصحي التابع لمنطقة عمله، يتابع عم سلامة تغير تعبيرات وجه الطبيب، حين أبلغه بأنه يعاني من “تغبّر” في الرئة نتيجة استنشاق تراب السيليكا. لم يطمأن لما سمعه من هذا الطبيب فيقرر استشارة مستشفى خاص في السويس على نفقته. هناك أبلغه طبيب آخر بأنه مصاب بسرطان الرئة بعد أن أخضعه لفحوص وأشعة.

عم سلامة ( 56 عاماً )  يتذكر رحلته مع المرض منذ إصابته بتغبّر الرئة  “السيليكوسيز”  بعد 15 عام من العمل في مصنع السيراميك. لكن تأخر اكتشاف المرض وعلاجه أدى إلى إصابته بالسرطان.

ويتحدث عن إصابة معظم زملائه بأمراض الصدر والرئة بسبب المواد الداخلة في الصناعة وعمليات الطحن والتكسير، التي ينتج عنها غبار مسموم يسكن رئة العامل، وقد ينهي حياته بالسرطان.

تجازوات أصحاب مصانع السيراميك تهدد حياة 40 ألف عامل داخل هذه المنشأت عرضون لخطر الإصابة بأمراض خطيرة تبدأ من الدرن والربو  وقد تصل في كثير من الأحيان لتغبر الرئة أو السرطان. كما أن هيئة التامين الصحي لا تلتزم بإجراء فحوص دورية للعمال وفق ما هو منصوص عليه في قانون التأمينات الاجتماعية، للتأكد من عدم إصابتهم بأمراض مهنية خطيرة مبكراً، مما يجعل المرض يستفحل داخل رئة العامل وصدره، قد يؤدي في نهاية الأمر إلى وفاته

تعقبا لهذه الحكايات دخلنا عالم صناعة السيراميك التي تضم 31 مصنعا بحجم استثمارات 1.5 مليار دولار نكشف حيل رجال الأعمال أصحاب المصانع للتهرب من توفير أدوات السلامة والصحة المهنية وخصوصا الكمامات المتطورة لحماية عمال مصانعهم من غبار السيليكا المميت الناتج عن الصناعة ، وكذلك الالتزام بالإجراءات الهندسية التي تقرها وزارة القوى العاملة والإدارات التابعة لها، من أجل توفير الأموال وضمان مكاسب أكبر، مستغلين ضعف قانون العقوبات المصري الذي يلزمهم بدفع غرامات لا تقل عن ألف جنيه  ولا تزيد عن ١٠ آلاف أو الحبس ٣ شهور أو الاثنان معا في حال مخالفة القانون، مع غياب دور الرقابة في تفعيل القوانين التي تلزم الجهات الرقابية بغلق المصانع المخالفة، لمحاباة رجال الأعمال على حساب العمال البسطاء كما أكد لنا حقوقيين في مجال حقوق العمال.

يعمل (سيد ع) – الذي يرفض ذكر اسمه كاملا خشية فصله- في مصنع سيراميك  منذ ثماني سنوات، ينحصر عمله في مرحلة إعداد البلاطة التي تشمل طحن المواد الخام وتجفيفها، براتب 700 جنيه شهريا اقل من الحد الأدنى للأجور ب 500 جنيه. منذ حوالي عامين بدأ يشعر باختناق أثناء العمل، وسعال متواصل.

يقول: ” طبيب أمراض صدرية ابلغني أني مريض بالسيليكوسيز ( ولكن في مراحله الأولى، وحذرني إذا لم انتبه سريعا للمرض وأبدأ  في العلاج قد يتطور الأمر لسرطان رئة”.

أعراض (سيد ع) و(عم سلامة) يؤكدها أستاذ الأمراض الصدرية بمستشفى الدمرداش د.مصطفى شوقي،ويضيف” قد تأخذ تلك المراحل(من الأعراض) حتى الإصابة بمرض السيليكوسيز شهورا أو سنوات قليلة وهذا يختلف من شخص لأخر حسب الجينات الخاصة بكل فرد – حسبما يشرح د.شوقي –  وبعض العمال لا يلجئون إلى عمل الفحوص إلا بعد أن يشعروا بعدم قدرتهم على العمل ووقتها يكون المرض في مراحله المتأخرة”.

غبار السيليكا هو السبب

” السيليكا هي السبب يا أستاذ، غبار السيليكا هيودينا فداهية و المصانع لا توفر كمامات، والدولة تعلم ذلك “.

هكذا قال (علي- ب) الكيميائي بأحد أكبر مصانع السيراميك في مصر وتابع قائلاً ” المواد الخام الأساسية المستخدمة في صناعة السيراميك هي الرمل، الفلسبار، الطين الأسود، الطين الأبيض، الكاولين، التلك بالإضافة إلى بعض المواد الأخرى التي تستخدم في بعض العمليات مثل هيدروكسيد الصوديوم، سيليكات الصوديوم، كربونات الكالسيوم، وغيرها. وينتج عن عمليات طحن وتكسير هذه المواد غبار السيليكا، الذي يصيب العمال بأمراض الصدر والسرطان الرئوي والسيليكوسيز.”

يقول د. شوقي “مادة السيليكا لا تتسبب فقط في مرض السيليكوسيز، بل تتسبب أيضا في إصابة العامل بالدرن، لأنها تدخل على خلايا محددة مسئولة عن حماية الجسم من مرض الدرن وموجودة بالجهاز المناعي وتدمرها تماما.”

معد التحقيق اصطحب عاملان بمصانع السيراميك المتواجدة في منطقة العاشر من رمضان وعددها ست مصانع،  وهم ( عبد الرازق خ ) و ( سيد ع )، و أجرينا لهم فحوص وأشعة على الصدر، وتأكد من إصابة الأول بمرض الدرن والثاني بمرض السيليكوسيز وحصلنا من المعمل الذي أجرى به الفحوصات على صورة رقمية من الأشعة الخاصة به.

في استبيان أجراه معد التحقيق: العمال لا يجرى لهم كشف دوري وبعضهم لم ير الكمامات قط

أجرينا استبيانا للوقوف على حقيقة الأمر داخل مصنعان بمنطقة العاشر من رمضان نطاق بحثنا.

جاءت نتائج الاستبيان الذي شارك به 78 عاملا من المصنعين كالتالي : جميع العمال تم التعاقد معهم بعقود عمالية وجميعهم تعرضوا للكشف الطبي قبل الالتحاق بالعمل بما في ذلك فحوصات الصدر والرئة  والاشعات الخاصة بذلك  والتأمين الصحي الحكومي هي الجهة التي قامت بالكشف الطبي، وأجمع العمال على أن مصانعهم غير متعاقدة مع مراكز طبية خاصة، وأن هناك طبيب بالمصنع يقوم بالكشف عليهم فقط حينما يطلبون إجازة مرضية ليحدد مدى أحقيتهم في ذلك.

95%   من العمال لا يشعرون أن التامين الصحي الحكومي مفيد لهم وأنه لا يقدم لهم العلاج المناسب بعد التعرض للأمراض العادية أو المهنية، رغم أنهم يدفعون مبلغا شهريا للتامين الصحي يتم خصمه من رواتبهم، و 5 % فقط يرون انه أحيانا يفيد العمال.

وعند سؤالهم عن المشاكل التي تواجههم في التعامل مع التأمين الصحي تعددت الإجابات ولكن أغلبها يشير إلى أن الهيئة الحكومية بعيدة تماما عن العمال.

جميع العمال لا يجرى لهم الكشف الدوري ثلاثة مرات في العام  المنصوص عليه في قانون التأمينات الاجتماعية  والمكلفة به هيئة التأمين الصحي، مؤكدين أنهم لم تجر  لهم فحوصات على الصدر والرئة بعد التحاقهم بالعمل. كما أكد العمال أنهم لا يعلمون أي شيء عن الفحص الدوري الواجب إجراؤه من قبل هيئة التامين الصحي بسبب عدم معرفتهم بالقانون و بنوده.

41%  من العمال أصيبوا بأمراض متنوعة بعد التحاقهم بالعمل، و 80% من العمال المصابين يؤكدون أن إصابتهم بالمرض سببها العمل و 20% لا يعلمون السبب، كما يؤكد نحو 90% من العمال أن لديهم مشاكل صحية في الصدر والرئة.

وحول توفير إدارة المصنع لأدوات السلامة والصحة المهنية، أكد ما يقارب 77% من العمال أن الإدارة توفر جزءا منها وليس الكل و 23% أكدوا أن الإدارة لا توفر أي أدوات، و 100 % من العمال أكدوا أن الإدارة لا توفر الكمامات الحديثة ذات الفلتر التي تحميهم من الغبار الناتج عن الصناعة، وفي خانة الملاحظات الأخيرة دون معظمهم عبارات تدل على أن حقوق العمال مهدرة وأن رجال الأعمال لا يهتمون بحقوقهم وأن الدولة غائبة عن المشهد تماما.

دراسة حكومية تثبت ارتفاع نسبة السيليكا  والمصانع لا تلتزم بالتوصيات

المركز القومي لدراسات السلامة والصحة المهنية مؤسسة حكومية، تستعين بها أجهزة الدولة والمصانع لعمل قياسات و فحوصات دورية داخل المنشآت الصناعية، في كل الجوانب المتعلقة بالسلامة المهنية والوقاية البيئية.

(د. ماجدة سلام) رئيس الإدارة العامة لبحوث البيئة المهنية التابعة للمركز القومي لدراسات السلامة، التي أكدت لنا أن أخر دراسة بحثية ميدانية على مستوي الجمهورية أجراها المركز “حول الأتربة ” المميتة ومصانع السيراميك نشرت عام 2000 تحت عنوان “تقييم التعرض للأتربة بصناعة السيراميك و التحكم فيها”.

تؤكد (د. ماجدة) أن هذه الدراسة الشاملة يتم تحديثها سنويا منذ عام 1999 والنتائج لم تتغير، لأن أصحاب المصانع لم يلتزموا بما أوصت به نتائج الدراسة.

حصلنا على نسخة من هذه الدراسة، التي  أجريت لمقارنة تركيزات السيليكا الحرة – وهي المادة الخطرة التي تسبب المرض – في الأتربة المنبعثة، وجاءت النتائج لتظهر زيادة بالغة عن الحد المسموح بالتعرض له، بلغت في بعض الأحيان مستويات تشكل خطورة بالغة على العمال المعرضين لها.

و كشفت الدراسة الأتي ” تم إجراء تحليلا كميا بالوزن لعدد 200 عينة أتربة متصاعدة كلية و مستنشقة داخل مصانع السيراميك و كذلك تحليل 20 عينة كيميائيا لتقدير نسبة السيليكا الحرة بها في المراحل الصناعية المختلفة.

تركيز الأتربة المستنشقة وصل أقصاه أثناء وزن مكونات جسم البلاطة حيث بلغ 667.6 ملجم/م3 بينما الحد المسموح بالتعرض له هو 0.68 ملجم /م3، مما يعني تعرض العامل لتركيز يزيد 900 مرة عن الحدود الآمنة و أظهرت تحاليل السيليكا الحرة في الأتربة أنها مرتفعة حيث تراوحت بين 11% إلي أكثر من 60 % من نسبة الأتربة “

كما توصلنا إلى تقرير صادر عام 2013 عن المركز القومي لدراسات السلامة والصحة المهنية، يوضح النتائج النهائية لقياس تركيز الأتربة المستنشقة الشخصية في الخدمة الميدانية بأحد أكبر مصانع السيراميك والبورسلين في مصر، ويأتي في المركز الثالث من حيث الإنتاج.

وتم القياس عن طريق وضع جهاز صغير يسمي “ماسك الأتربة ” على صدر العامل، ويصاحبه طوال ساعات العمل الثمانية المقررة للعامل طبقا لقانون العمل المصري،  ليلتقط الأتربة الموجودة في الهواء المحيط. وأجريت القياسات في عدة أماكن داخل المصنع تنبعث الأتربة أثناء العمل فيها، وجاءت النتائج كالتالي: المكابس حيث كبس المواد الخام (1.9 ملجم/م3  ) – المجففات حيث تجفيف 3.7 ملجم /م3 – مكبس الوزرة 2.3 ملجم/م3  – الطواحين حيث  33.6 ملجم/م3 ” وهذه النتائج أعلي من الحد المسموح به و هو 0.8 ملجم/م3. (والملجم هو وحدة قياس الأتربة وتعني ملجم من الأتربة الملوثة على المتر المكعب من الهواء).

كما جاءت النتائج بين خطوط الجليز 2.2 ملجم/م3،وهي زيادة عن الحد المسموح وهو 2.1 ملجم/م3، حيث تختلف النسبة المسموح بها عند خطوط الجليز عنها عند باقي المناطق  طبقا لنسبة السيليكا الحرة بالأتربة.

وتشرح د. ماجدة سلام ذلك قائلة ” الحد المسموح به فيما يخص تركيز الأتربة متغير، و يتوقف حسب نسبة السيليكا في الأتربة، ونستخلص الحد المسموح به من خلال عمل معادلة رقمية بسيطة تعتمد على أرقام ناتجة عن القياسات، لنستطيع الخروج بالحد المسموح الذي يختلف من مكان لمكان.”

إجراءات السلامة ومهمات الوقاية المنصوص عليها في القوانين غائبة عن مصانع السيراميك

قالت  (د. ماجدة) إن كل مصانع السيراميك الموجودة في مصر – طبقا لدراسات المركز والتقارير الصادرة عنه – تشهد هذه الزيادات الكارثية في تركيز الغبار، لأنها  لا تلتزم بالإجراءات الهندسية والصحية الواجب إتباعها، والتي تقرها إدارات السلامة والصحة المهنية التابعة لوزارة القوي العاملة.

التزام المصانع بالإجراءات الهندسية  ووسائل السلامة المهنية يقره قانون العمل رقم 12 لسنة 2003، في المادة 208 التي نصت على:

 ” تلتزم المنشأة وفروعها بتوفير وسائل السلامة والصحة المهنية وتأمين بيئة العمل في أماكن العمل بما يكفل الوقاية من المخاطر.”

 أما المادة 210 من نفس القانون فتنص على: “تلتزم المنشأة وفروعها باتخاذ وسائل وقاية العمال من خطر الإصابة بالبكتريا والفيروسات والفطريات والطفيليات والمخاطر البيولوجية، متى كانت طبيعة العمل تعرض العمال لظروف الإصابة بها.”

وعن الأدوات ووسائل السلامة والصحة المهنية  التي من المفترض أن يوفرها المصنع كاملة للعامل بشكل دوري يقول فؤاد سعد مدير المنظمة المصرية للسلامة والصحة المهنية ” الملابس عبارة عن جوانتي، وخوذة، وأفارول، وكمامة مناسبة، ونظارة واقية، وسدادة أذن، وسيفتي، وكوزلك”.

وتابع أن الكمامة التي يحتاجها العامل المتعرض للغبار تختلف حسب نسبة تركيز الغبار داخل المصنع، و يوجد 5 أنواع للكمامات تختلف حسب نسبة تركيز الغبار فمثلا إذا كان تركيز الغبار أقل من أو يساوي 500 ميكروجرام لابد من كمامة تهوية تنقي الهواء ومجهزة بمرشح ذي كفاءة عالية، وإذا كان التركيز أقل من أو يساوي 1250 ميكرو جرام لابد من كمامة مجهزة بخوذة وتعمل بنظام تدفق مستمر، وإذا كان التركيز أقل من أو يساوي 2500 لابد من كمامة تغطي الوجه بالكامل ومجهزة بمرشح عالي الكفاءة،  وإذا كان التركيز أقل من أو يساوي 50000 لابد من كمامة تنقي الهواء ونصف قناع وتعمل بواسطة الضغط عند الحاجة،أما لو كان التركيز في حده الأقصى أي أقل من أو يساوي 100000 ميكرو جرام لابد من كمامة مجهزة بغطاء وجه كامل ويعمل بالضغط عند الحاجة.

 وتقول (د. ماجدة) ” الكمامة تساهم إلى حد كبير في تقليل تأثير الغبار على العامل، وأن يمارس العمال في مصانع السيراميك عملهم بدون الكمامة المناسبة فهذا عبث وشبه انتحار وجريمة لا يجوز الصمت عليها”.

الدور الرقابي للدولة يقتصر على إخطار المصنع بأنه تجاوز نسب الغبار المسموح بها

واجهنا (د . ماجد سرور) وكيل وزارة القوي العاملة لرعاية وحماية القوي العاملة وتأمين بيئة العمل بكل ما توصلنا إليه وبنتائج التقارير والاستبيان فقال “مهمة المكاتب الإدارية التابعة للوزارة  إجراء قياسات بشكل دوري وقياس نسبة الغبار العالق بالهواء والأتربة وإذا وجدنا نسبة الغبار أعلى من المسموح وهذا-غالبا ما يحدث-نقوم بإخطار المنشآت لمراعاة ذلك وتخفيض نسبة الأتربة للحد المسموح به قانونا.

كما أنهم يتأكدون من توفير المصانع لمهمات الوقاية للعمال وارتداء العمال لها، وأن تكون غير منتهية الصلاحية وكذلك وجود وسائل تهوية بمواصفات هندسية سليمة.”

عندما أكدنا ل (د.ماجد) أن العمال لا يرتدون مهمات الوقاية وأنهم يؤكدون أن إدارة السلامة المهنية لا تقوم بالتفتيش عليهم داخل المصانع، أنكر ذلك وأصر على أن الإدارات تقوم بعملها على أكمل وجه، ورفض انتقادات العمال ومشاهدات كاتب التحقيق.

صاحب المصنع يفضل دفع الغرامة التي لا تزيد عن 10 آلف جنيه على الالتزام 

(ماجدة بركات) كبير باحثين بالإدارة العامة للسلامة والصحة المهنية والقائم بأعمال المدير تقول “إذا وجدنا المنشأة لم تلتزم بأي مما سبق نقوم بإنذارها لمدة شهر لتقوم  بتوفيق أوضاعها  وإذا طلبت مهلة أخرى نعطيها مهلة أقصاها ثلاثة شهور ونحفظ التقرير إذا استجابت، وإذا لم تستجب نوقع عليها العقوبات، ونرسل التقارير للمحكمة لتحديد نوع العقوبة المنصوص عليها قانونا بأنها غرامة لا تقل عن ألف جنيه  ولا تزيد عن ١٠ آلاف أو الحبس ٣ شهور أو الاثنان معا”.

ضعف العقوبات في القانون المصري يجعل أصحاب المصانع يضربون بتقارير الجهة الرقابية وعقوباتها عرض الحائط كما يؤكد لنا فؤاد سعد مدير الجمعية المصرية للسلامة و الصحة المهنية.

 فصاحب المصنع – كما تؤكد لنا ماجدة بركات –  يفضل دفع غرامة سنوية طبقا للقانون لن تزيد عن 10 آلاف جنيه، على أن يوفر للعمال إجراءات السلامة والصحة المهنية التي تكلفه ملايين الجنيهات سنويا، أو يلتزم بالضوابط الهندسية والبيئية الخاصة بمصنعه”.

والإدارة لا تفضل استخدام سلطاتها في غلق المصانع، حتى لا تسبب ضررا للاقتصاد المصري أو تشريدا لآلاف العمال، فتلجأ إلى النصح والإرشاد، لم تغلق الإدارات أي مصنع من مصانع السيراميك من قبل كما أكدت ماجدة بركات.

دور غائب .. التأمين الصحي ملزم قانونا بالكشف على العمال وعلاجهم

بموجب قوانين العمل يقوم التامين الصحي التابع لوزارة الصحة في كل محافظة ومدينة بعمل كشف دوري على العمال وتحديد نسبة الإصابة بأمراض العمل لكل منطقة صناعية،  وهي الأمراض المهنية المدرجة في جدول رقم واحد المرافق لقانون التأمينات الاجتماعية

رقم 79 لسنة 1975، وكل مرض له دورية كشف والجدول به ٤٨ مرضا مهنيا.

قانون التأمينات الاجتماعية يؤكد وجود السيليكوسيز ضمن الأمراض المهنية المدرجة في جدول رقم 1، وتم تعريف الأمراض المهنية في نص القانون بأنها الأمراض التي تصيب العمال نتيجة تعرضهم بحكم عملهم لبعض العوامل الضارة التي تعتبر جزءا من بيئة العمل.

ويقول  (فؤاد سعد)  مدير الجمعية المصرية للسلامة والصحة المهنية  “التامين الحكومي على صحة العامل يلتزم  بعمل كشف دوري على العمال ثلاث مرات سنويا طبقا للقانون، و إذا اكتشفوا إصابة عامل بمرض مهني بسبب عمله لابد من اتخاذ إجراءات فورية لعلاج هذا العامل وتعويضه ماديا عن فترة غيابه عن العمل حتى يشفى  أو صرف معاش فوري له في حال عدم قدرته على العمل مجددا.

 كل هذه الأدوار نص عليها القانون ولا تنفذها هيئة التأمين الصحي رغم أن العامل وصاحب العمل يدفعان شهريا نسبة 4% من راتب العامل يتم توريدها لصندوق التأمين الصحي من أجل كل ما ذكرته.”

 قابلنا (د. علي حجازي)  رئيس الهيئة العامة للتأمين الصحي لمواجهته بما قاله العمال وسؤاله عن دور الهيئة في معالجة العمال المرضي والحصول على أرقام المصابين بالسيليكوسيز في مصر، لكنه رفض إفادتنا بأي معلومة بحجة “ظروف البلد” و “تعليمات عليا من جهات عليا”.

كوارث في تقرير جهاز شؤون البيئة

ومما يعمّق المشكلة ويزيد خطرها أن الغبار الناتج عن صناعة السيراميك ينتشر في هواء المناطق المحيطة بالمصانع حتى مسافة  5 كيلومترات كما أكد رئيس قسم بحوث الهواء بالمركز القومي للبحوث ليستنشقه سكان المناطق المحيطة بمصانع السيراميك وهنا يأتي دور الجهة الرقابية الثانية وهي وزارة الدولة لشئون البيئة.

جهاز شؤون البيئة التابع لوزارة البيئة طبقا لقانون العمل يرصد مدى التلوث البيئي الذي قد ينتج عن الصناعات وله سلطة محاسبة المتجاوزين طبقا لقانون البيئة رقم (4) لسنة 1994.

لكن الجهاز رفض التعليق على ما توصلنا إليه أو إمدادنا بأي تقارير سوى التقرير السنوي لحالة البيئة الذي يؤكد انتشار الغبار المميت في مصر.

 وجاء بالتقرير السنوي عن حالة البيئة في مصر  لعام 2011 والصادر في 2012 وهو أحدث تقرير أصدرته الوزارة حتى الآن ما يلي:

“تعتبر الجسيمات العالقة المستنشقة واحدة من ست ملوثات رئيسية تؤثر بشكل عام على صحة الإنسان والبيئة المحيطة به في مصر، وهي (ثاني أكسيد الكبريت و ثاني أكسيد النيتروجين و أول أكسيد الكربون و غاز الأوزون الأرضي والرصاص وأخيرا الجسيمات العالقة المستنشقة)، وتلتزم الوزارة بالتصدي لمصادر هذه الملوثات للتقليل منها بجميع الوسائل الفنية والعلمية حتى تصل إلى الحدود المقررة طبقا للمعايير الصحية التي تقرها منظمة الصحة العالمية.”

وتابع التقرير ” قامت الوزارة برصد الجسيمات المستنشقة العالقة في الهواء ذات القطر الأقل من 2.5 ميكرون (الميكرون هو وحدة قياس وزن الجسيمات العالقة في الهواء)،  وهي أخطر الملوثات على الإطلاق لأنها تحتوي على السيليكا الحرة.”

القانون المنظم لا يحتوي على حد أقصي مسموح به لأشد  وأخطر أنواع ملوثات الهواء 

وفي هذا الجزء من التقرير نكتشف تجاوز مهني خطير، إذ أن الحد الأقصى المسموح به هو ٥٠ ميكروجرام /م٣ – أي ألا يحتوي المتر المكعب من الهواء على أكثر من 50 ميكروجرام  وهي وحدة قياس وزنيه لقياس الجسيمات – طبقا لمنظمة الصحة العالمية، لكن اللائحة للقانون رقم ٤ لسنة ١٩٩٤ والتي تلتزم بها الوزارة، لا تحتوي على حد أقصي للجسيمات المستنشقة الأقل من ٢.٥ ميكرون .

وذكر في التقرير أنه “جاري اقتراح” هذا المعيار لضمه للائحة وهذا يؤكد أنه حتى الآن لا يحتوي القانون المنظم على حد أقصي مسموح به لأشد وأخطر أنواع ملوثات الهواء في العالم، ما يثير شبهة إهمال ولا مبالاة.

كارثة أخرى تضمنها التقرير و هي أن المتوسط السنوي لعام ٢٠١١ فيما يخص الجسيمات الأقل من ٢.٥ ميكرون هو ٧٤ ميكروجرام /م٣ أي بزيادة حوالي ٥٠٪ عن الحد الأقصى الذي تسمح به منظمة الصحة العالمية .

إذن كيف يمكن أن نحد من خطورة استنشاق السيليكا؟

أثبت المعهد القومي للسلامة المهنية والصحة الأمريكية (NIOSH) في دراسات متعددة أن الطريقة الأمثل للتغلب على مرض السيليكوسيز هو عدم التعرض لغبار يحتوي على سيليكا، ولما كان هذا الأمر يستحيل تحقيقه بدأ العمل على خفض مدة التعرض للغبار بكل الوسائل الممكنة والمتاحة، ونجحت بعض الدول بالفعل في تقليص نسبة الإصابة بهذا المرض إلى السدس سنويا بفضل تطبيق إجراءات بيئية وهندسية صارمة -معظمها أقرها المركز القومي للسلامة والصحة المهنية في مصر-   تمثلت في الأتي:

–  فصل مناطق التخزين عن مناطق التشغيل

–  استخدام أساليب الوقاية من الرياح، مثل حواجز الوقاية من الرياح على (الحواجز الصناعية)

–  استخدام الأنظمة المغلقة في نقل المواد الخام الجافة مثل الناقلات والمغذيات اللولبية المغلقة

–  استخدام معدات استخراج الغبار والمرشحات الكيسية وبالأخص عند نقاط تحميل وتفريغ المواد الجافة وفي أماكن التقطيع

–  الحد من نقاط تسرب الهواء والانسكاب من خلال الصيانة الدورية

–  الاحتفاظ بمستوي ضغط سلبي في الأنظمة المغلقة المستخدمة في مناولة المواد وإزالة الغبار من الهواء المسحوب

–  استخدام أجهزة فصل الغبار الرطب لمعالجة الانبعاث الناتجة عن عمليتي التجفيف بالرذاذ،  والتزجيج واستخدام المرشحات   الرقائقية الملبدة لفصل الغبار أثناء عملية التزجيج

لم يجر ل (عم سلامة) و عديدين غيره أيا من ذلك ولم يبق لهم وأمثالهم سوى انتظار قضاء الله ولبقية العاملين انتظار أن تسن قوانين تسمح بمحاسبة من يتسببون لهم في  المرض ليتوقف تساقط العمال وخروجهم من سوق العمل في مصانع السيراميك لاعتبارات الصحة المهنية.

………………………………….

صناعة السيراميك من أهم وأكبر الصناعات في مصر. فتفيد بيانات وزارة التجارة والصناعة  ووزارة الاستثمار أن  حجم الاستثمارات في صناعة السيراميك في مصر 1.5  مليار دولار.  ومصر ضمن الدول العشر الأوائل في الصناعة على مستوى العالم فتنتج ما يقرب من 1.5 % من إجمالي الإنتاج العالمي، ويبلغ حجم التصدير المصري من السيراميك 18 بالمائة من إجمالي الإنتاج.

ويبلغ عدد مصانع السيراميك في مصر طبقا لبيانات لاتحاد الصناعات المصرية 31 مصنعا في 12 منطقة صناعية في 8 محافظات مختلفة، وتتوزع المصانع على المناطق الصناعية كالأتي:

ستة مصانع بمنطقة العاشر من رمضان، خمس مصانع بمنطقة 6 أكتوبر وثلاثة  مصانع بالسويس و خمسة مصانع بالعامرية وبرج العرب بالإسكندرية، و أربعة مصانع بمنطقتي قويسنا و السادات المنوفية و ثلاثة مصانع في كوم أوشيم الفيوم و ثلاثة مصانع في كوم أبو راضي بني سويف و مصنعان بالقليوبية بمنطقة  أبو زعبل ومنطقة العبور ويعمل داخل هذه المصانع ما يقرب من ٥٠ ألف عامل طبقا للأرقام الصادرة عن وزارة القوى العاملة ووزارة الصناعة المصرية.

لكن ما هي السيليكا ؟ وماذا تفعل داخل جسم الإنسان؟  

د. رجائي الطحلاوي أستاذ التعدين بكلية الهندسة جامعة أسيوط ورئيس الجامعة الأسبق يقول “السيليكا الحرة المتبلورة أو آل sio2 واحدة من المعادن الشائعة في القشرة الأرضية، وتوجد في الرمال وفي العديد من الصخور، وهي تتسم بالوزن الخفيف وتظل عالقة بالهواء فترات طويلة وتؤثر في البشر عن طريق الاستنشاق.

أما غبار السيليكا فيتولد أثناء عمليات تكسير وطحن الصخور والرمال والخرسانة وبعض الخامات المعدنية داخل المناجم والمحاجر أو مصانع السيراميك والزجاج. واستنشاق هذا الغبار يسبب أخطار كبيرة، ومن المعروف أن الجزيئات الأصغر من 2.5 ميكرون من الغبار هي التي تسبب الأضرار الصحية “.

ويقول د. ياسر حسن إبراهيم رئيس قسم بحوث الهواء بالمركز القومي للبحوث ” الغبار الناتج عن صناعة السيراميك يحتوي على السيلكيا الحرة وهي  شديدة الخطورة وتسبب كوارث، فواحدة من حبيبات السيليكا الحرة إذا دخلت إلى الرئة عن طريق الاستنشاق كفيلة بتدميرها وتتسبب فورا في مرض السيليكوسيز، وهو المرض خاص بغبار السيليكا فقط.

صناعة السيراميك فى مصر

صناعة السيراميك من أهم وأكبر الصناعات فى مصر. فتفيد بيانات وزارة التجارة والصناعة ووزارة الاستثمار أن حجم الاستثمارات فى صناعة السيراميك فى مصر 5,1  مليار دولار.  ومصر ضمن الدول العشرة الأوائل فى الصناعة على مستوى العالم فتنتج ما يقرب من 5,1 ٪ من إجمالى الإنتاج العالمى، ويبلغ حجم التصدير المصرى من السيراميك 18 بالمائة من إجمالى الإنتاج.

ويبلغ عدد مصانع السيراميك فى مصر طبقا لبيانات اتحاد الصناعات المصرية 31 مصنعا فى 12 منطقة صناعية فى 8 محافظات مختلفة، وتتوزع المصانع على المناطق الصناعية كالأتى:

ستة مصانع بمنطقة العاشر من رمضان، خمسة مصانع بمنطقة 6 أكتوبر وثلاثة مصانع بالسويس وخمسة مصانع بالعامرية وبرج العرب بالإسكندرية، وأربعة مصانع بمنطقتى قويسنا والسادات المنوفية وثلاثة مصانع فى كوم أوشيم الفيوم وثلاثة مصانع فى كوم أبو راضى بنى سويف ومصنعان بالقليوبية بمنطقة  أبو زعبل ومنطقة العبور ويعمل داخل هذه المصانع ما يقرب من 50 ألف عامل طبقا للأرقام الصادرة عن وزارة القوى العاملة ووزارة الصناعة المصرية.

 تم اعداد هذا التحقيق بدعم شبكة أريج (إعلاميون من أجل صحافة استقصائية عربية ) وباشراف لبنى صبري.


تعليقاتكم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.