نسبة الحاملين لمرض التلاسيميا في الأردن 3- 4%

8 مارس 2009

مان 7 اذار ( بترا ) – لم تكن تعرف ناديا 16 عاما خطورة القرار الذي اتخذته هي وشريك حياتها حسن، مهندس كمبيوتر، بالزواج قبل سنة تقريبا بالرغم من خضوعهما لفحص طبي مسبق أظهر أن كليهما يحملان الجين المورث لمرض التلاسيميا وأنه قد ينتقل إلى أطفالهما مستقبلا.

تقول ناديا إنها اضطرت حتى الآن إلى الإجهاض مرتين ذلك لأن الفحص الطبي في مركز الاستشارة الوراثية التابع لوزارة الصحة والذي يقدم المشورة لحاملي المرض بعد ثبوت ذلك بفحص ما قبل الزواج أثبت أن الجنين مصاب بالتلاسيميا – مرض فقر دم وراثي منتشر في حوض البحر المتوسط ناتج عن خلل جيني في المادة الوراثية المسؤولة عن تكوين الهيموغلوبين.

وفي المرتين أصر حسن، 32 عاما ، على إلقاء اللوم على زوجته التي أكملت الصف الرابع الابتدائي، متناسيا أنه أصر على زواجها لأنه لم يستطع فراقها وأنه صرخ في وجه الطبيبة المختصة بالاستشارات الوراثية والتي حذرته من أن هناك احتمالية 25 بالمئة لإصابة الجنين بالتلاسيميا في حال أن كلا الوالدين يحملان جين المرض.

ناديا وحسن من بين 55 ألف واقعة زواج حدثت عام 2007 عندما كان عدد السكان 7ر5 مليون نسمة جميعهم اضطروا لإجراء الفحص الطبي الإلزامي المجاني منذ منتصف 2004 بعد أن كان اختياريا لثماني سنوات وذلك حفاظا على صحة المواطنين من مرض التلاسيميا, وتشكل نسبة الحاملين له في الأردن ما بين 3- 4 بالمئة من أجمالي السكان – أي قرابة ثلاثة مواطنين من كل مئة شخص، وتبلغ تكاليف علاجه ثمانية ملايين دينار سنويا.

وتشير دراسة أجراها البرنامج الوطني للفحص الإلزامي قبل الزواج إلى انه من بين إجمالي واقعات الزواج عام 2007 اكتشفت 86 حالة كان فيها كلا الزوجين حاملين للجين المورث لمرض التلاسيميا , وتشير نفس الدراسة إلى أن 44 بالمئة منهم افترقوا قبل إتمام عقد الزواج بينما قام الباقي بإتمام إجراءات زواجهم.

هذه الأرقام لا تعكس بالضرورة الواقع تماما، لأن هناك بعض الأشخاص يقومون بالتهرب من الفحص الطبي قبل الزواج بطرق قانونية وغير قانونية اتقاء من الوصم الاجتماعي، وخوفا من العنوسة أو بدافع (الزواج والسترة).

الممرضة سعاد 33 عاما قامت بتزوير نتيجة الفحص الطبي الإلزامي من خلال التلاعب بنتائج الفحص المبدئي – فحص “MCV” لتبيان حجم الكرية الحمراء التي تكون عند الإنسان السليم أكبر من 80، حيث إذا كان MCV أقل من 80 يخضع الشخصان المقبلان على الزواج إلى الفحص التأكيدي وهو فحص رحلان خضاب الدم , تلزم تعليمات وزارة الصحة الصادرة بمقتضى أحكام المادة 7 من نظام الفحص الطبي قبل الزواج رقم 57 لسنة 2004، الطرفين المقبلين على إبرام عقد الزواج بإجراء الفحص المبدئي لكنها تترك قرار إكمال المشوار لهما بعكس قبرص التي تمنع الزواج في هذه الحالة لحماية صحة المجتمع.

اليوم تعض سعاد على أصابعها من شدة الندم, فهي تعلم أن ابنها الذي يرقد على سرير العلاج هو نتيجة حتمية لإصرارها على الزواج بعد التلاعب بنتيجة الفحص الطبي لأنها أرادت الزواج من ابن عمتها الذي كان يعجبها كثيرا منذ طفولتها حيث كانت تسمع من الجميع أنها ستتزوج منه عندما تكبر.

في هذا السياق تشير إحصائية مسح السكان والصحة الأسرية لعام 2007 إلى أن 40 بالمئة من السيدات اللاتي أجريت عليهن الدراسة أفدن بوجود صلة قربى بينهن وبين أزواجهن الحاليين.

وتشير البيانات إلى أن 5 بالمئة من الزيجات كانت صلة القربى فيها من الدرجة الأولى (ابن العم وابن الخالة), أما نسبة الزيجات من الدرجة الأولى من جهة الأب (ابن العم) فبلغت 13 بالمئة وهي أعلى مما هي عليه من جانب الأم (ابن الخال) 7بالمئة في حين أن 15 بالمئة من الزيجات كانت من الدرجة الثانية.

في دراسة سكانية عن زواج الأقارب في الأردن عام 1984، قام بها الدكتور سامي خوري، أستاذ الطب في الجامعة الأردنية، على ألفي أسرة، تبين أن 50 بالمئة من الزيجات في الأردن تتم بين الأقارب.

أحمد 22 عاما الحامل للصفة المورثة لمرض التلاسيميا هو أيضا تهرب من الفحص، وذلك بإقناع خطيبته التي تحمل الصفة المورثة بالذهاب إلى سوريا لعقد زواجهما، حيث هناك القوانين لا تلزم المقبلين على الزواج بإجراء الفحص الذي يكشف عن مرض التلاسيميا.

يبرر أحمد ذلك قائلا “كنت خائفا أن يلومني أهلي لأني أصر على الزواج بها بالرغم من ثبوت أننا حاملان للصفة المورثة للتلاسيميا “.

رندة تهربت من نتيجة الفحص الطبي قبل الزواج بعد أن قامت بإجرائه وعرفت أنها تحمل الصفة المورثة للمرض, قامت بإخفاء النتيجة وإرسال شقيقتها لإجراء الفحص الطبي في مركز صحي آخر، وهكذا حصلت على وثيقة الفحص الطبي قبل الزواج هي وزوجها دون مراجعة الاستشارة الوراثية, تقول رندة إن والدتها شجعتها على ذلك حتى لا تطلق الإشاعات على إخوتها البنات أنهن يحملن صفة المرض فلا يأتي أحد لخطبتهن.

عدم تقيد موظفي المختبرات في المراكز الصحية بتعليمات الفحص الطبي قبل الزواج شجع على حدوث مثل هذه الحالات، فمن خلال مقابلة أجرتها كاتبة التحقيق مع 80 شابا وفتاة قاموا بزيارة إلى المراكز الصحية التي تجري الفحص الطبي قبل الزواج في عمان، إربد، الزرقاء، الطفيلة تبين أن موظف المختبر لم يقم بالتحقق من الهوية الشخصية لخمسين منهم، بالرغم من تأكيد التعليمات على ذلك.

الدكتور باسم الكسواني، رئيس قسم التلاسيميا في مستشفى البشير، يطالب وزارة الصحة بالتركيز على توثيق بيانات الفاحصين، قائلا:”برنامج الفحص الطبي قبل الزواج أصبح بحاجة ماسة لإعادة تقييم وخاصة أنه لا يوجد تنسيق بين دائرة قاضي القضاة ودائرة مستقلة تتبع وزارة الصحة تكون مسؤولة عن إجراء الفحص الطبي قبل الزواج.

ومن جهة أخرى لا يوجد توثيق كاف لبيانات الفاحصين مما يدفع البعض إلى التهرب منه”.

رئيس قسم الرعاية الأولية في وزارة الصحة الدكتور عادل البلبيسي أوضح أن هناك تعليمات مشددة إلى جميع المراكز الصحية التي تجري الفحص الطبي قبل الزواج أن يقوم كلا المقبلين على الزواج بإجراء الفحص, لكنه أوضح أن الوزارة ستقوم بإصدار تعليمات مشددة بخصوص توثيق بيانات الفاحصين.

الأردن لم يمنع زواج حاملي جين التلاسيميا لسببين، بحسب أستاذ علم الاجتماع في جامعة مؤتة الدكتور حسين محادين, “ترك حرية الاختيار باستكمال الزواج يمكن النظر إليه من زاويتين، الأولى تتعلق بمشروع الزواج حيث أن القانون تعامل مع الإنسان كإرادة حرة، أي أنه قد وضع المعلومة بين يديه وترك للزوجين حرية الاختيار بين أن ينحازا إلى عواطفهما أو إلى المنطق والعلم.

والزاوية الثانية وترتبط بالمجتمع، كما يقول المحادين، إذ أن جعل الاختيار بيد الأزواج قد يحدد مصير المجتمع، حيث أن هذا الشخص الحامل للمرض سيقودنا في حال تزوج من حاملة للمرض وأنجبا إلى أن يكون دور الأسرة ضعيفا بل بلا فائدة منه، مما سيقلل من إمكانية نمو وتطور المجتمع وموارده البشرية بشكل طبيعي، فضلا عن أنه مكلف للمجتمع “.

وبحسب تصريحات رئيس قسم الأمراض غير السارية في وزارة الصحة الدكتور محمد الطراونة، فإن عدد مرضى التلاسيميا المسجلين حتى نهاية عام 2008 هو 1400 مريض، مشيرا إلى أن تقديرات وزارة الصحة تبين أن الزيادة السنوية المتوقعة تتراوح ما بين 80 – 90 حالة جديدة.

يؤدي الخلل الجيني بحسب الدكتور الكسواني إلى إنتاج هيموغلوبين غير طبيعي ويؤدي إلى سرعة تكسير كريات الدم الحمراء وتصبح فترة حياتها شهرا أو أقل بدلا من أربعة أشهر، وهو العمر الطبيعي للكريات الحمراء في دم الإنسان.

تهرب من الفحص مأساة مرضى التلاسيميا أم معاذ أم لأربعة أطفال مصابين بمرض التلاسيميا أكبرهم 16 عاما وأصغرهم 13 عاما، تشرح معاناتها قائلة “لم أتوقف عن الحمل طمعا في أن يرزقني الله طفلا سليما، فضغوطات العائلة في إنجاب طفل سليم أغفلت عيني عن معاناة أطفالي”.

وتتابع حديثها “أصطحب أطفالي إلى المستشفى مرتين كل شهر لأخذ وحدات الدم والعلاج، حيث يتم تعطيلهم عن المدرسة مما أدى إلى تأخرهم الدراسي”.

حسب الأطباء، فإن الأطفال الذين لا يصب لهم الدم مبكرا والمصابين بمرض التلاسيميا يعيشون لعدة سنوات فقط وفي حالة عدم المتابعة وأخذ العلاج النازع للحديد وكذلك عدم أخذ الدم بانتظام تحدث تغيرات عظيمة شديدة وخاصة على الوجه، كما يؤدي ذلك إلى تأخر النمو والبلوغ إضافة إلى الإصابة بمرض السكري وبعض المضاعفات الأخرى على القلب وكذلك تضخم الكبد والطحال وترسب الحديد في أجهزة الجسم يؤدي إلى ضعف في وظائفها.

هذه الحالة تعيشها الطفلة رهام الراقدة على أحد أسرة مستشفى البشير, تقول أمها إن لديها ثلاثة أطفال مصابين بالتلاسيميا وإن رهام 12 عاما هي أكبرهم، وإن حالتها ساءت بسبب التأخر في تشخيص تلك الحالة.

إلى ذلك يوضح مدير البنك الوطني للدم الدكتور نضال ارشيد أن وزارة الصحة تحمل على عاتقها تأمين الدم لمرضى التلاسيميا من دون متبرع، الأمر الذي يزيد من أعباء البنك الوطني للدم، مبينا أن البنك يؤمن 800 وحدة دم لمرضى التلاسيميا شهريا حيث تكلف كل وحدة مبلغ 40 دينارا للفحوصات الطبية غير آخذين بعين الاعتبار تكلفة الحملات التي ينفذها البنك الوطني للدم لجمع التبرعات.

وأضاف أن أكثر من 50 بالمئة من مرضى التلاسيميا فصيلة دمهم A سالب وهي فصيلة دم نادرة، مما يزيد من عبء تأمين الدم لهؤلاء المرضى.

ويوصي الأطباء القائمون على الفحص الطبي قبل الزواج بإقامة مختبرات خاصة بالفحوصات قبل الزواج تابعة إلى دائرة مستقلة في وزارة الصحة تسمى دائرة الفحص الطبي قبل الزواج، تقوم بدراسة الأماكن التي تكثر فيها الإعاقات الوراثية كمنطقة ساكب في محافظة جرش على سبيل المثال وتقدم لأهل المنطقة إمكانية الفحص الطبي قبل الزواج للكشف عن أمراض وراثية غير التلاسيميا.

كما أن إنشاء دائرة مستقلة سيمكن الوزارة من ضبط وتوثيق كافة البيانات المتعلقة بالفحوصات الطبية قبل الزواج على مستوى المملكة.

كما يطالب الأطباء بتعيين فنيين وتأهيلهم لإجراء فحص رحلان خضاب الدم الذي يكشف عن مرض التلاسيميا ومرض الأنيميا المنجلية وهو عبارة عن نوع آخر من أنواع فقر الدم الوراثي وتشكل نسبته في الأردن 1 بالمئة .

وزير الصحة السابق الدكتور صلاح المواجدة يرى أن عزل المختبرات الخاصة بالفحوصات الطبية قبل الزواج مكلف ماديا، ولا تستطيع الوزارة تحمله حاليا.

كما أن عزلا كهذا يتعارض مع فلسفة دائرة الرعاية الصحية داخل الوزارة والتي تهتم بصحة المواطن الأردني في كافة مراحل حياته، بدءا من مرحلة ما قبل الزواج ومرحلة تكوين الجنين إلى وفاة الإنسان.

وفي ذات السياق أوضح المواجدة أنه سيتم التنسيق مع المحاكم الشرعية لمعرفة عدد الأشخاص الذين افترقوا بعد أن حصلوا على الاستشارة الوراثية في معرض رده على اقتراحات أطباء طالبت بإعادة تقييم البرنامج الوطني للفحص الطبي قبل الزواج، والذي يكلف سنويا مليون دينار.

اعدت هذا التحقيق الزميلة زينة حمدان بدعم وإشراف شبكة أريج (إعلاميون من أجل صحافة استقصائية عربية)www.arij.net بإشراف الزميل محمود الزواوي.


تعليقاتكم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.