نزيف رحلات الموت إلى السواحل الإيطالية يعصف بزهرات الشباب التونسي

5 يونيو 2013

جزيرة لامبيدوزا وتونس –  (وكالة تونس أفريقيا للانباء – وات-) عندما التقيناه قبل نحو ثمانية اشهر في جزيرة لامبيدوزا  خلال زيارة برفقة وزير الخارجية التونسي الاسبق، رفيق عبد السلام،  كان يتخذ الشاب النحيل مكانا له في ركن قصي داخل مركز الايواء، يدخن بقايا سيجارة ، يحتسي ما تبقى من قهوته شارد الذهن ، لايؤنس وحدته وغربته سوى واحد من اخر رفاقه ادم بن مصباح، بعد ان اضاع غالبيتهم في عرض البحر.

يميل للاعتقاد بأن بقية رفاقه تحولوا إلى وجبات غذائية لكواسر البحر، إذ لم يبق لبعضهم سوى تنهيدة أم ثكلى أو دمعة ابنة أو أرملة. هي ملامح صورة ارتسمت في مخيلة الشابفتحي السلماني(25 عاما) لواقع رحلة الحالمين بثروة عاجلة، صورة باتت أكثر تكرارا بعد ثورة الرابع عشر من جانفي/ كانون الثاني 2011، حين تراخت قبضة الدولة، وانفلت الامن في البلاد فاستغلها سماسرة انتقلوا بتجارتهم من دهاليز الظلام والسرية الى النشاط شبه العلني  عبر شبكات انتشرت كالسرطان في كبريات الأحياء الفقيرة للمدن الرئيسة   للمتاجرة بأحلام الجوعى.

يقف وراء مغامرة  الموت – كغيرها من الرحلات غير الشرعية عبر البحر الأبيض المتوسط – شبكات لتهريب المهاجرين غير الشرعيين باتت تتاجر بأحلام المحرومين، وحتى الفارين من قبضة العدالة والهاربين من السجون -ابان الثورة- على خلفية جرائم خطيرة، بحسب مسؤولين التقاهم كاتبا التحقيق خلال الشهور الستة الماضية.

كل ذلك وسط عجز الجهات الأمنية عن فك شيفرات هذه الشبكات وارتفاع عدد المجازفين بحياتهم وبالتالي تتفاقم لوعة عائلات المفقودين منهم ومعاناة الناجين انطلاقا من محل الاستقبال على الأراضي الايطالية.

حسب الإحصاءات الرسمية تجاوزت اعداد من تحولوا  الى السواحل الايطالية خلال سنة 2011 فقط حوالي 30 الف مهاجر غير شرعي، فيما تتحدث جمعيات ايطالية  ناشطة في مجال مقاومة الهجرة السرية عن نحو 40 الف مهاجر سري بعد الثورة التونسية و لم تتوفر ارقام عن أعداد المهاجرين غير الشرعيين الذين تحولوا الى ايطاليا  قبل سنة 2011.

تفاصيل رحلة السلماني

انطلقت رحلة السلماني، الشاب الأعزب والباحث عن عمل، من سواحل منطقة سيدي منصور التابعة لولاية صفاقس – 270 كلم جنوب تونس العاصمة – على متن مركب لا يتجاوز طوله 11 مترا بعرض ثلاثة أمتار، لكنه كان يحمل على متنه أكثر من 140  مهاجرا غير شرعي بينهم نساء وأطفال

ولأن المركب  “الصغير” لم يكن بحالة جيدة، تم تأجيل الرحلة مرتين عشية إبحاره كما تعطّل أثناءها، بحسب ما يستذكر فتحي:”أبحر بنا المركب يوم الخميس السادس من أيلول/ سبتمبر 2012  وبعد نحو ساعة من الإبحار تعطّل ثانية ما دفع  الحرّاق

“فيليبس” (المسؤول عن عملية التهريب) إلى إرسال ميكانيكيين لإصلاحه. اقترح الحراق على الركاب التراجع عن مواصلة الطريق  والعودة إلى الساحل التونسي بشرط “عدم  استرجاع تكاليف الرحلة” , حسب ما أبلغهم به الميكانيكيان.

من هنا بدأت لعبة الموت

وقبل ان يطلق تنهيدة عميقة غمر رأسه بين ذراعيه وتابع واصفا عراقيل السفر و معاناة “الحرقة” وهو ما يزال تحت وطأة الفاجعة: ” بعد ان تغلبنا على العطب  وفيما نحن في  المياه الاقليمية، نفذ  وقود خزان المركب ،  وتمكنت الحيرة والهلع والخوف منا جميعا وفقدنا الامل  بمواصلة الرحلة لو لم تضع لنا  الاقدار سفينة تجارية في طريقنا مكنتنا من كمية وقود  تكفينا   -حسب ما اكده لنا الربان- لمسير نحو 30 ميلا، بيد ان املنا هذا تكسر بعد نحو ساعة من الابحار مع  تكسر المروحة وبداية تسرب الماء الى داخل المركب حيث بدأنا بالغرق “.

فقد في تلك الرحلة 79 مسافرا، في حين تم  انتشال خمس جثث فقط  ونجا  56 راكبا ،  قالوا  لاحقا انهم سبحوا الى ان وصلوا الى جزيرة “لامبيوني” التي تبعد  عن مكان غرق المركب زهاء 28 ميلا ، وقاموا بإشعال قمصانهم  لتستدل الطائرات على مكانهم لنجدتهم.

الشاب فتحي السلماني كان بين الذين أسعفهم الحظ، إذ أنقذته سفينة حربية المانية.

تواصل المعاناة في مراكز الايواء

بعد انقاذهم من الغرق أو بعد القاء القبض عليهم قرب سواحلها، تقتاد السلطات الإيطالية المهاجرين غير الشرعيين الى مراكز إيواء ومن بينها مركز الاستقبال بجزيرة لامبيدوزا، الى حين تدبر امرهم واتخاذ الاجراءات الخاصة بهم سواء بتمكينهم من بطاقات  اقامة وقتية او تسليمهم  الى السلطات التونسية وترحيلهم .

يشتكي غالبية الناجين من تردي ظروف الإقامة في مراكز الإيواء بخاصة في جزيرة لامبيدوزا. و لا يرتقي هذا المآل إلى أحلام “الحارقين” ( عبارة متداولة في الشارع التونسي تعني المهاجرين غير الشرعيين )  حول روعة الحياة في القارة العجوز.

ريهام بن حفصية مقيمة بمركز الايواء بجزيرة لامبيدوزا منذ 9 أيول/ سبتمبر 2012،  أكدت عند لقائها أن “ظروف الإقامة غير ملائمة في ظل اكتظاظ المركز و تنوع جنسيات المقيمين”.

ويتحول المهاجر في هذه المراكز الى مجرد رقم في ظل تعمد “الحارقين” عدم الإدلاء بأسمائهم وجنسياتهم  الحقيقية إصرارا منهم على البقاء لتحقيق أحلامهم الوردية فوق الأراضي الأوروبية، إضافة إلى أن غالبيتهم يركبون البحر دون وثائق تثبت هوياتهم، بحسب تصريحات أربع حالات التقاها  كاتبا التحقيق في لامبيدوزا.

ورغم ذلك تحرص السلطات الأمنية الايطالية على التحقيق معهم، للتعرف على هوياتهم وكيفية وصولهم إلى ايطاليا سعيا لكشف الشبكات التي تقف وراء تهجيرهم من بلدانهم الأصلية حسب تصريحات عديد المهاجرين لكاتبي التحقيق .

وكاجراء امني، يتم تسجيل بصمات الناجين لتسهيل عملية البحث عن المفقودين من خلال مطابقتها مع سجل البصمات الموجود في تونس، وفقا للهويات التي تدلي بها عائلاتهم. ثم يصار لتوزيع المهاجرين السريين على مراكز الإيواء المتواجدة في مختلف مناطق إيطاليا إلى حين ترحيلهم إلى تونس أو إيجاد حلول مؤقتة لهم. ويتم إيواء القصّر في مراكز خاصة بهم، حيث يلتحقون بدورات تأهيل في بعض المهن إضافة إلى تعلم اللغة، ثم إلحاق البعض ممن يجري تأهيله بعمل.

وقد تم مع اواخر السنة الماضية ترحيل الناجين في حادثة غرق المركب يومي 6 و7 سبتمبر 2012 واعادتهم  الى ارض الوطن باستثناء الربان والميكانيكي والوسيط  الذين جرى التحفظ عليهم لمواصلة التحقيق معهم في ايطاليا، بحسب ما أفاد به مساعد المدعي العام بوزارة العدل سامي بن هويدي. فيما فتحت قضية في هذا الغرض بالمحكمة الابتدائية بصفاقس التي اعطت انابة الى فرقة البحث والتفتيش التابعة للحرس الوطني بالعوينة بتونس العاصمة، لتيسير عملية التحقيق مع العائدين القاطنين في بعض المناطق القريبة منها، بعد أن اثار اهالي المفقودين شكاوي تتعلق بالشبهات حول فقدان فلذات اكبادهم.

إحصاءات وأرقام

وتفيد احصائيات قدمتها كتابة الدولة للهجرة لكاتبي التحقيق أن عدد المرحلين من 7 دول هي  ايطاليا وفرنسا وسويسرا وليبيا والجزائر وتركيا وبلغاريا خلال الفترة الممتدة بين 1 يناير/ كانون ثاني و30 نيسان/ ابريل 2013  بسبب  الاجتياز ( أي تجاوز حدود دولة دون وثائق رسمية وخلسة ) بلغ 344 مرحلا، 245 منهم تم ترحيلهم من قبل السلطات الايطالية .

أما بالنسبة للترحيل بسبب الأقامة غير الشرعية، وبحسب ذات الإحصاءات، فانه قد تم ترحيل 444 شخصا خلال الفترة الممتدة بين 1 يناير/ كانون ثاني و30 نيسان/ ابريل 2013 من 28 دولة عبر العالم من بينهم 174رحلوا من فرنسا و 89 من ايطاليا ومثلهم من سويسرا .

وفي حين بلغ عدد المرحلين بسبب الاقامة الغير شرعية والاجتياز خلال الفترة بين  من كانون أول/ يناير 2012 و31 آب/ أغسطس من نفس العام  1837 مرحلا 1552 منهم بسبب الاجتياز، فان الارقام تؤكد ان عدد المرحلين من طرف السلطات الايطالية للاجتياز  بلغ 4161  عن العام 2011 و 60 مرحلا فقط  لسنة 2010 فيما قدر عدد المرحلين بسبب  الاقامة غير الشرعية  ب 292 خلال سنة  2011  مقابل 501 مرحلا  عام 2010

كما شهدت الاربع الاشهر الاولى من سنة 2013  احباط 301 محاولة اجتياز في اتجاه الفضاء الاوروبي  من ميناء رادس بولاية بن عروس وحلق الوادي بولاية تونس العاصمة، مقابل احباط 530 محاولة خلال الثماني اشهر الاولى من سنة 2012 و 1522 محاولة سنة   2011 و485 سنة 2010 .

شبكات جديدة لتهريب المهاجرين

على إيقاعات الثورة و الحان الثوار برزت شبكات جديدة لتهريب المهاجرين غير الشرعيين إلى الضفة الأخرى من المتوسط، وتوسعت اخرى لتشمل مناطق مختلفة من البلاد وخاصة  المدن الداخلية  البعيدة عن البحر والاحياء الشعبية  عبر نشر وسطاء  وبمستوى عال من التنظيم مهمتهم العمل على اقتناص الراغبين في الهجرة  مستغلين عامل الانفلات الأمني للانخراط  في تجارة البشر “المربحة”.

 انتشر الوسطاء في تلك  الاماكن  انتشار النار في الهشيم  يصطادون الحالمين بالهجرة ليصل نصيبهم من الغنيمة 300 دينار ( حوالي 200 دولار ) عن الشخص الواحد.

يحدد السماسرة أسعار الرحلات طبقا لقاعدة العرض والطلب، وحسب الوجهة المقصودة,  لتترواح بين 2000 و 4000 دينار للمهاجر (2500 دولار).

 أما “الحراق ” الكبير أي المشرف على التنظيم اللوجيستي والمادي للرحلة فله نصيب الأسد، ليبقى لقائد السفينة أجرة تصل حد 5000 دينار ( حوالي 3400 دولار )عن كل رحلة إلى الأراضي الايطالية. و يظل السماسرة على اتصال دائم برئيس الشبكة ” الحراق “، حسب ما أفادت شهادات أدلى بها عدد ممن شاركوا في رحلات الموت وعائلات المفقودين الذين التقيناهم .

يتركز هؤلاء المنظمون ” الحراقة ” في المناطق الساحلية مثل منطقة سيدي منصور التابعة لولاية ( محافظة ) صفاقس و التي اطلق عليها بعد الثورة  ” وكر الحراقة ” نظرا لكثرة رحلات الهجرة غير الشرعية  التي انطلقت منها باتجاه ايطاليا عقب سقوط نظام بن على.

اغلب الشهادات التي وردت لكاتبي التحقيق من مهاجرين تمت اعادتهم وعائلات مفقودين أكدت أن رحلاتهم انطلقت  من شواطئ سيدي منصور، الذي غادر منه  القارب الأخير الذي غرق قرب السواحل الايطالية وعلى متنه أكثر من  140 شخصا.

تكونت عصابات داخل الجمهورية وغيرت الشبكات الجديدة مسالك الهجرة ومرافئها  لتقطع مع ماهو متعارف عليه وهو التوجه نحو جزيرة لامبيدوزا الموجودة قبالة سواحل مدينة المهدية التونسية، لتتحول صوب شواطئ “مادزارا دال فالو” التابعة لجزيرة صقلية الايطالية، وبالمقابل ترتفع تكلفة الرحلة الى اضعاف ثمنها  حسب ما اكده في شهادتهم شبان في العقد الثالث من العمر شاركوا في أحدى هذه الرحلات ثم عادوا إلى أرض الوطن.

معاناة أهالي المفقودين

ولربما تهدأ قلوب عائلات الناجين، التي تكون في انتظار أن يغدق عليها أبناؤها  الأموال الطائلة.  وحتى من تم العثور عليهم جثثا هامدة، تقبّل أهلهم ” قضاء الله وقدره”، إلا أن اللوعة تظل متأججة في قلوب العائلات التي تفقد أبناءها. يتظاهر أهالي هذه الفئة من المهاجرين من حين الى آخر لمطالبة الحكومة بالكشف عن مصير أبنائهم سواء امام وزارة الشؤون الخارجية  او كتابة الدولة للهجرة وحتى السفارة الايطالية التي فاجأهم المسؤول الاعلامي فيها بان “السفارة لاتستطيع مساعدهم قيد انملة في الكشف عن مصير ابنائهم وانها غير معنية بهذا الملف” .

فاطمة الكسراوي، ( 45 سنة) والدة أحد المهاجرين المفقودين منذ  آذار/ مارس 2011 تعيش صحبة عائلتها حالة نفسية صعبة، تعبر عنها وهي تنظر إلى آخر رسالة قصيرة (SMS)أرسلها لها ابنها، من أعماق البحر الأبيض المتوسط يخبرها أنه بخير. تصمت ثم تقول: ” عيناي أصابهما العمى من كثرة البكاء. الحزن يخيم على منزلي. ذات مرة قادني اليأس من عودته لتقبل العزاء فيه … تعبت…. تعبت ورغم ذلك لم أفقد الأمل حتى في الحصول على جثته. “

اما محمد غناي شاب أصيل ولاية صفاقس ومقيم بفرنسا. ورد على جزيرة  لامبيدوزا باحثا عن  أثر لأخيه واثنين من أبناء جيرانهما: “سليم غناي ومحمد علي منصر وعبد السلام بن عبد الحميد بن نصر” فقدوا في رحلة 6 و  7 سبتمبر/ ايلول 2012.

الحزن باد على وجهه  وهو يحمل صورهم كمن يبحث عن طفل تائه. حاول محمد التقاء وزير الشؤون الخارجية انذاك كثيرا، عند مطار بلارمو الإيطالي ومطار لامبيدوزا وحتى امام مقر مركز الايواء بحثا عن خيط يدله عن مصيرهم لكن دون جدوى.

وبين هذا وتلك ظلت اللجنة الفنية للهجرة المحدثة  أواخر سنة 2011 برئاسة كاتب الدولة للهجرة حسين الجزيري وبعضوية  ممثلين عن وزارات الداخلية والدفاع والخارجية والعدل عاجزة عن تقديم إجابة شافية وضافية ودقيقة حول مصير مئات  المفقودين لعائلات ظلت تائهة بين شوارع العاصمة التونسية  وامام وزارة الخارجية وكتابة الدولة للهجرة وحتى السفارة الايطالية في العاصمة تونس. فالجميع عاجز عن فك طلاسم اختفاء مئات المهاجرين .

وفي سعي تونس للحصول عن اجابة ضافية أثار الجانب الايطالي ملفا قديما متجددا، وهو استقدام نحو 3 ألاف سجين تونسي يقبعون حاليا خلف قضبان السجون الايطالية بعد  تورطهم في قضايا مخدرات وعنف وسرقة وعصابات، وهو امر يستحيل لوجستيا على تونس تلبيته نظرا لمحدودية طاقة استيعاب السجون التونسية المحدودة. بحسب مساعد المدعي العام  سامي بن هويدي.

الأهالي أحد أسباب انتشار الظاهرة

ظلت عائلة  اشرف المنحدر من منطقة ريفية ترزح تحت الخصاصة وقلة ذات اليد بعد ان اضطر الأب الفلاح الى بيع ما يملكه من أغنام كانت مورد رزقه الوحيد لتوفير  ثمن رحلة للهجرة غير الشرعية باتجاه جزيرة لامبيدوزا الايطالية لابنه اشرف ذي 22 عاما  أملا في تحسين أوضع العائلة المالية.

ولكن محاولة التسلل فشلت وتحطمت أحلام الفتى على صخور الشواطئ الايطالية وضاع الرزق وتعقدت وضعية العائلة بكاملها. وعاد اشرف ليجد مكانه بين أترابه على دكة العاطلين عن العمل.

الحلم الاوربي يسكن العقول  

” منذ نعومة أظافري حلمت بزيارة  أوروبا ” بهذه العبارات تحدث  عبد المنعم ( 26 سنة ) عن حلمه بالوصول الى الضفة الأخرى من المتوسط. خاض الشاب تجربتين فاشلتين لتحقيق حلمه الأولى في نوفمبر / تشرين الثاني 2009 ، عبر تركيا و اليونان و الثانية في نفس الشهر من سنة 2011 عبر مدينة البقالطة التابعة لولاية ( محافظة  المنستير).

محمد الجويلي، أستاذ علم الاجتماع، يرد تغلغل ما وصفه ب”الحلم الاوروبي” في عقول شباب تونس الى إقرارهم بان أوروبا هي البديل لبناء مستقبل أفضل. “هناك  إحساس  لدى الشباب بضرورة مواجهة مصيره بمفرده تقريبا لان الضغوطات الداخلية جعلته أو صنعت منه شابا متعبا ومرهقا على جميع المستويات  خاصة أن الدراسة التي كانت تعد  إحدى أهم فرص  الارتقاء الاجتماعي لم تعد كذلك في ظل ارتفاع معدلات البطالة في صفوف خريجي الجامعات وبالتالي ينحصر الأفق و يصير الشاب يفكر فقط في الهجرة خارج الوطن ” يقول الجويلي.

بطالة و فقر تدفع بالشباب للمجهول

اجمع المهاجرون الست والخمسون الناجون من حادثة غرق احد مراكب الهجرة غير الشرعية في السابع من أيلول/ سبتمبر 2012 في مقابلات مع كاتبي التحقيق، على انهم اضطروا للمخاطرة بحياتهم بسبب معاناتهم من الفقر والبطالة ” حالت البطالة و قلة ذات اليد دون تحقيق احلامنا البسيطة في تونس”.

وتبلغ نسبة الفقر في تونس  15.5 % حسب أرقام المعهد الوطني للإحصاء عن عام 2012، أي ما يعادل   مليونا و700 ألف تونسي يعيشون تحت خط الفقر.

أما البطالة فقد بلغت نسبتها، عن ذات الفترة بحسب المعهد، حدود 17.6% مقابل  14.2% عام 2008 ، لتنخفض خلال الثلاثية الاولى من سنة 2013  الى حدود 16.7%.

وقدر عدد العاطلين عن العمل خلال الثلاثة الاشهر الاولى من السنة الحالية  بنحو 646 الف عاطل عن العمل مقابل 690 ألف عاطل، في تونس بعد الثورة، حسب ذات المصدر، كان  منهم 230 ألف حامل شهادة عليا، و460 ألفا من دون مؤهلات عالية.

نسبة الإناث العاطلات عن العمل تقدر ب 23,3 % مقابل 13,9 %  في صفوف الذكور خلال الثلاث الاشهر الاولى من 2013 بعد ان كانت على التوالي في حدود 25.6 %  1و4.6 % خلال سنة 2012 .

قوانين صارمة و غير رادعة

لم تكن لتثني شبكات الموت عن مواصلة نشاطها، الحوادث التي عرفها البحر وأعداد المفقودين وحتى القوانين والتشريعات والعقوبات  التي يعرض بمقتضاه، من يساهم في تنظيم رحلات الهجرة السرية  أو المشاركة فيها او التوسط فيها، نفسه  إلى عقوبات القانون 6 لسنة 2004 المؤرخ في 03 فيفري 2004 المنقح للقانون عدد 40 لسنة 1975 المؤرخ في 14 ماي 1975 (المنقح بالقانون عدد 77 لسنة 1998 المؤرخ في 2 نوفمبر 1998) والمتعلق بجوازات السفر ووثائق السفر.

واهم هذه العقوبات التي تنطبق على المتورطين في شبكات تهريب المهاجرين غير الشرعيين في حال وقوع حالات وفاة، هي السجن 20 سنة و خطية مالية قدرها 100 ألف دينار، علما بان اغلب هذه الرحلات الخطيرة تنتهي بوفاة أو فقدان العديد من الأشخاص أو تقع إعادة .

وعلى الرغم من توفر الاطار القانوني الرادع الا ان تفعيله وتطبيقه يظل رهين توفر عناصر الإدانة في القضايا الرئيسية المتعلقة بعملية الابحار خلسة واركان تكوين الوفاق او العصابة التي تقتضي عقوبات ترقى الى مستوى الجنايات قد تصل الى نحو 20 سنة، بحسب مساعد المدعي العام سامي بن هويدي.

كما لم ترق الأحكام الصادرة في حق  المتهمين  في هذا النوع من القضايا ، الى مستوى الاحكام الرادعة, بسبب عدم توفر عنصر الإدانة والتعامل مع المهاجرين غير الشرعيين بوصفهم حالات اجتماعية وقع التغرير بها والايقاع بهم في شراك المتحيلين،.

وتراوحت الاحكام الصادرة في هذه القضايا وبحسب الاحصائيات التي شرعت وزارة العدل في تجميعها من مختلف المحاكم الابتدائية بين عدم سماع الدعوى والخطايا المالية وعقوبات بالسجن، وشملت ايقاف التنفيذ والنفاذ في فترات محكومية كان بمحكمتي المنستير وصفاقس لفترات بلغت الثلاث سنوات فيما لم تتجاوز في بقية المحاكم السنة الى الستة اشهر والشهر الواحد.

وتسعى وزارة العدل حاليا الى  تحصيل المعطيات  المتعلقة بهذه الظاهرة للتعرف على فترات ذروتها واماكن انتشارها لذلك طلبت من وكلاء الجمهورية بكل محكمة ابتدائية مدها بعدد القضايا قيد التحقيق والمفصولة خلال الفترة من 2009 الى حدود 31 ديسمبر 2012، بحسب مسعام بالوزارة.

وقد احصت المحاكم خلال هذه الفترة  نحو 400 قضية على الصعيد الوطني لتستاثر ولاية صفاقس بالنصيب  الاكبر حيث بلغ عدد القضايا المرفوعة بمحكمة صفاقس 1  نحو 151 قضية عشرون منها خلال التسعة الاشهر الاولى لسنة 2012   بالاضافة الى 15 قضية  مرفوعة بمحكمة صفاقس  2 فيما بلغ عدد القضايا بولاية المنسيتر  97  قضية 42 منها خلال سنتي 2011 و2012.

ويقول مساعد المدعي العام سامي بن هويدي في هذا الاطار ان هذه الارقام تظل بعيدة عن الواقع لان قضايا الإبحار خلسة قد ترفع بمحاكم الناحية  مؤكدا  ان محاكم الجهات الداخلية على غرار محافظات سيدي بوزيد وقفصة والقيروان والكاف وتوزر وجندوبة لم تسجل  أي قضية في الابحار خلسة أو في القضايا المرتبطة بها .

وتعلقت القضايا المرفوعة لدى المحاكم اساسا بجرائم التكوين والانخراط في وفاق قصد الاعداد والتحضير والمساعدة والتوسط في التعاون قصد تنظيم مغادرة اشخاص التراب التونسي من غير نقاط العبور والمشاركة في ذلك لمغادرة التراب التونسي دون وثيقة رسمية.

وعلى الرغم من الحوادث التي قد يتعرض لها المبحرون خلسة والايقافات المتواصلة التي تقوم بها وحدات الحرس البحري وخفر السواحل لم يرتدع المنظمون والعازمون على مغادرة التراب التونسي خلسة عن المجازفة بارواح الشباب .

و يعمل حاليا فريق مختص بوزارة العدل على إعداد  مشروع لإفراد الهجرة السرية بإطار  قانوني مستقلوالترفيع في عقوبة منظمي عمليات الإبحار خلسة وما شابهها من أفعال لعقاب المشاركين سلبا  وإيجابا  عقابا رادعا فضلا عن حرمان المتورطين في الإثراء بوجه غير مشروع على حساب أرواح الناس، من التمتع بأحكام  التخفيف المنصوص عليها بالفصل 53 من المجلة الجزائية لكل من تسول له نفسه ذلك.

وعلى توفر الإطار القانوني والتشريعي لمقاضاة المتورطين في هذه العمليات وارتفاع  عدد القضايا المطروحة على أنظار القضاء بالمحاكم التونسية سواء في الطور التحقيقي او المفصولة  فان عمليات الإبحار والتوقيف على خلفيتها تكاد تكون يومية ليرتفع معها عدد المفقودين وعدد الوفيات وعدد من يتم إرجاعهم إلى ارض الوطن، إلى أعداد يصعب حصرها.

وبالرغم من المصير المجهول لآلاف الشباب من المهاجرين غير الشرعيين، فإن شبكات  الحراقة  لاتزال ناشطة في تنظيم رحلات الموت لشباب في زهرة العمر تستغل ظروفهم وتبيعهم  أوهاما قد تقضي على مستقبلهم تماما لتترك خلفهم أسرا ثكلى تبكيهم طوال العمر .

اعد هذا التحقيق بدعم من شبكة أريج (إعلاموين من أجل صحافة استقصائية عربية) وبإشراف الزميلين هاني مبارك وعماد الرواشدة.


تعليقاتكم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.