مياه صنعاء الشحيحة مرتعاً للتلوث

30 أكتوبر 2014

العربي الجديد  “أحيانا أشعر أني سأفقد طفلي خاصة عندما يرفض تناول السوائل”، بهذه الكلمات تصف سمر علي (31عاما)، المقيمة وسط العاصمة صنعاء، معاناتها مع تكرار مرض طفلها ذي الثلاث سنوات.

أيهم، “يصاب بالإسهال مرة بالشهر تقريبا، ويستمر يومين إلى أربعة أيام”، حسبما تضيف أمه، لافتة إلى أن “الطبيب يؤكد أن مياه الشرب سبب رئيسي لمرضه”.

لا تقتصر معاناة سكان العاصمة اليمنية على شح المياه، بل إن مئات الآلاف منهم – لا سيما أطفال دون الخامسة – يشربونمياه ملوثة تهدد الصحة العامة، تروج لها منشآت خاصة على أنها “معالجة وصالحة للشرب”، وذلك في ظل ضعف الرقابة وقصور التفتيش الحكومي.

نتائج فحوص أجراها معد التحقيق على عينات سحبت من عشر منشآت من بين 180 تخدم مئات الآلاف من سكان أمانة العاصمة صنعاء، حيث يسكن قرابة ثلاثة ملايين نسمة، تظهر وجود تلوث جرثومي في  80% من العينات. كما تثبت الفحوص – التي أجريت في المركز الوطني لمختبرات الصحة العامة- وجود تلوث برازي (غائطي) بشري (بكتيريا برازية) في 60 % من عينات المياه المُنتجة في المنشآت العشر المشمولة بالتحليل “الميكروبيولوجي”، وهي أخطر انواع الملوثات؛ بحسب الأطباء الذين تحدثوا لمعد التحقيق.

ويستغل أصحاب منشآت ضعف رقابة إدارة صحة البيئة وغياب دور الهيئة العامة للموارد المائية وليونة العقوبات في قانون الرقابة على الأغذية رقم (38) لسنة 1992م وتعديلاته بالقانون رقم (13) لسنة 2002م، والقــرار الحكومي رقم (24) لسنة 1994م.

لا يقتصر تلوث مياه شرب “الكوثر” ومثيلاتها في صنعاء على عدم التقيد بالشروط الصحية التي يحددها القانون، لكن مصدر المياه الأساسي ملوث أيضاً. وثمة أكثر من 15 ألف بئر عشوائية غير خاضعة للرقابة في حوض صنعاء، تشكل المصدر الأساسي لمياه الكوثر وغيرها.

  ينص قانون الرقابة على الأغذية على “معاقبة كل من باع غذاء يوجد عليه أو يحتوي بداخله اية مادة سامة او ضارة او غذاء يتكون كليا او جزئيا من اية مادة تالفة او غريبة او غير ذلك مما يجعلها غير صالحه للاستهلاك الآدمي او غذاء مغشوش… بالسجن مدة لا تزيد على شهرين او بغرامة لا تقل عن عشرة الآف ريال (46,51 دولار امريكي) …”.

هذا التلوث يعد مصدراً رئيسا للأمراض المعوية وعلى رأسها الإسهال، وفق أطباء اختصاص وأكاديميين.

وتفتقر الجهات الحكومية – التي تدرج الإسهال على أنه ثاني الأمراض فتكاً بالأطفال دون سن الخامسة- إلى إحصاءات دقيقة حول عدد الوفيات والمصابين بالإسهال في أوساط هذه الفئة التي تزيد عن 4 ملايين من إجمالي سكان اليمن (نحو 24 مليون نسمة). من جانبها تشير منظمة الأمم المتحدة للطفولة (الـيونيسف) على موقعها الإلكتروني منتصف العام 2013م، إلى أن حوالي 70 ألف طفل يمني يموت سنويا قبل سن الخامسة بسبب الإسهال والالتهاب الرئوي والملاريا.

ويلجأ مئات الآلاف من سكان صنعاء إلى موزعي مياه الشرب هذه هربا من صدأ شبكة التزويد العامة وتلوث مياهها التي لا تغطي نصف حاجة السكان (نحو 40 – 45 %). كما أن الشبكة لا تعمل بانتظام، وفقا للمهندس صالح عبدالودود، المدير الفني للمؤسسة المحلية للمياه والصرف الصحي بأمانة العاصمة.

وكيل قطاع الرعاية الصحية الأولية في وزارة الصحة العامة والسكان  د.ماجد الجنيد يقر أن المياه التي يشربها اليمينون “خارج صنعاء” أشد تلوثا من مياه العاصمة المعالجة. وقال الجنيد رداً على استفسارات معد التحقيق: “أنتم أجريتم تحاليل مخبرية لعينات في العاصمة التي نعتبرها أفضل بكثير من حال المياه الملوثة وغير المعالجة التي يشربها معظم اليمنيين في الأرياف وباقي المدن”.

لكن الجنيد يعود لينفي مسؤولية وزارة الصحة. ويقول: “الوزارة ليست مسؤولة عن توفير مياه شرب أو الرقابة على المياه الملوثة”، مطالبا بـ “تكاتف جهود مختلف الجهات الحكومية عبر التوعية للحصول على مياه شرب نظيفة”. ويؤكد أن وزارة الصحة “تقوم بدور كبير في معالجة اشكالية الاسهالات وأهم انشطتها إدخال لقاح الروتا، وهو لقاح مهم وضروري حتى في ظل وجود مياه شرب غير ملوثة”.

توثيق ميداني

في ثلاث جولات متباعدة على عشر منشآت، يرصد معد التحقيق عمليات نقل مياه من الآبار إلى منشآت مياه الكوثر في خزانات ناقلات لا تخضع للرقابة، ومن ثم إلى منشآت تعالج المياه جزئيا وتعيد تعبئتها في عبوات غير نظيفة، يتكرر استخدامها، إضافة الى قصور واضح في نظافة العمال الشخصية.

ولا يرتدي العمال (منهم أطفال) ملابس واقية كغطاء الرأس، كمامات وقفازات المعقمة، في مخالفة للقرار الحكومي رقم 111لسنة 2001 م بشأن لائحة الاشتراطات الصحية لمتاجر تجهيز وبيع المواد الغذائية وما في حكمها، وتعليمات الجهة الرقابية الحكومية.

تكرّرت هذه المخالفة في المنشآت العشر، إلى جانب ضيق المساحة، وعدم وجود عوازل تفصل بين المراحل الانتاجية (باستثناء منشأة واحدة). مخاطر التلوث تتصاعد نتيجة نوم بعض العمال في أماكن العمل.

منشأتان فقط كانت واجهاتها زجاجية؛ فيما أبواب البقية ومبانيها تسمح بدخول وانتشار الحشرات المضرة وملوثات البيئة كعوادم السيارات والدخان والأتربة، في مخالفة للائحة الشروط الصحية الصادرة عن إدارة صحة البيئة بمكتب الأشغال العامة، والمواصفات القياسية التي وضعتها الهيئة اليمنية للمواصفات والمقاييس وضبط الجودة.

يقول رئيس (الجمعية اليمنية لحماية المستهلك)، فضل مقبل، إن “ما يزيد عن 80 % من هذه المنشآت تنتج مياه غير صالحة للاستهلاك الآدمي، تحتوي على كل أنواع الجراثيم الضارة، فيما تقتصر المعالجة على تنقية المياه من الشوائب، وليس قتل الميكروبات والبكتيريا”.

عامل سابق في إحدى المنشآت يدعى محمد منصور يقول: “لم تكن النظافة أولوية في المنشأة” التي عمل فيها لمدة عام ونصف تقريبا. ويضيف: “يُستخدم الماء فقط لغسل العبوات المرتجعة ولا يتم تعقيم” عبوات بلاستيك بيضاء بسعة 4 – 5 -10 لتر، يتم تعبئتها بالمياه المعالجة، ويوضع عليها لاصق يوضح أسم المنشأة. ويتم نقلها (العبوات) في شاحنات مكشوفة إلى البقالات، لتباع للمستهلكين.

من بين المخالفات التي رصدها معد التحقيق عدم عزل المراحيض عن أماكن تداول وإنتاج المياه، إذ تفتح عليها بشكل مباشر. ولا توجد مغاسل للأيدي، وإن وجدت لدى البعض فغير مزودة بالماء الساخن ومواد تنظيف وتجفيف؛ حتى أن عمالا يعودون للعمل مباشرة في قسم الإنتاج أو التعبئة بعد قضاء حاجتهم، ويكتفون بغسل أيديهم بالماء.

في إحدى المنشآت كان الأنبوب المستخدم لتعبئة العبوات مرمياً على الأرض، ولا يبعد أقل من متر ونصف عن الحمام (المرحاض)، غير المزود بباب؛ فضلا عن عدم توافر التجهيزات الصحية اللازمة، المنصوص عليها بقرار الحكومة رقم 111 لسنة 2001م، كما هو حال المنشأة بشكل عام التي تفتقر للنظافة العامة، إذ تتراكم الأتربة على الأرضيات والجدران (المبلطة).

أمراض المياه

يقول الدكتور سند عبده محمد، مدير مركز الرازي الطبي في مدينة سعوان السكنية شرقي صنعاء، إن المركز “استقبل خلال الربع الأول من 2014م فقط 617 مصابا (بينهم أطفال) بالإسهالات والتيفوئيد وأمراض الجهازين الهضمي والبولي”. يضيف د. محمد “أن ما بين 45 – 50% من هؤلاء المرضى أصيبوا جراء تناولهم مياه شرب ملوثة وفي مقدمتها مياه الكوثر”.

تعكس الأرقام المرفقة نتائج كارثية، إذ يتجاوز تلوث هذه المياه حدوداً قياسية. وقد أظهرت إحدى العينات أن عدد ما يسمى (الفيكال كوليفورم وهي بكتيريا برازية) يبلغ 130 خلية/ ملم من مياه العينة المختبرة، مقارنة بالمواصفات اليمنية التي تشترط خلو مياه الشرب المعبأة من التلوث الجرثومي تماما.

أستاذ طب المجتمع بجامعة صنعاء الدكتور يحيى رجاء يعلق على هذه النتائج بالقول: “مؤلمة ومثيرة إذ كشفت أن 80% من العينات العشر ملوثة جرثوميا: 60% بالقولونيات البرازية و 80% بالقولونيات الكلية”. وأثبتت الفحوص أن “20 % فقط من العينات صالحة للشرب جرثوميا”.

يتابع الدكتور رجاء: “القولونيات، بكتيريا نستخدمها كمؤشر لوجود تلوث برازي في المياه. وممكن أن يكون فيها تلوث بكل أنواع البكتيريا الضارة الناقلة للأمراض المعوية كالسلمونيلا المسببة للتيفوئيد، والشيجلا التي تسبب إسهال شديد واضطراب في الجهاز الهضمي”.

ويقول “قد يكون أيضا تلوثا فيروسيا مثل التهابات الكبد  AوE، والفيروس العجلي الروتا، الذي يسبب إسهالات حادة، أو تلوثا بالطفيليات الأولية كالأميبيا والجارديا، وهي أمراض شائعة في اليمن، ولمياه الشرب دور كبير في نقلها”، حسبما يشرح د. رجاء.

أستاذ الأحياء الدقيقة الطبية والمناعة المشارك في كلية الطب بجامعة صنعاء دكتور خالد المؤيد يؤكد “أن ظهور هذا النوع من المؤشرات الجرثومية البكتيرية في النتائج المخبرية يدلل على وجود أنواع أخرى ضارة في هذه المياه، تشكل خطراً مباشراً على الإنسان من خلال انتقالها عبر المياه”. ويلفت إلى أن “ظهور هذه المؤشرات في محطات أخرى مماثلة يعني أنها تشكل تهديدا مباشرا للصحة العامة”.

الإسهال الأكثر فتكا

يقول أكاديميون وأطباء شاركوا بقراءة نتائج الفحص المخبري، إن الإسهالات (ثلاث أو أكثر من حالات البراز الرخو أو السائل خلال24 ساعة، نتيجة لعدوى في الجهاز الهضمي أو الأمعاء، تسببها فيروسات أو بكتيريا أو طفيليات)، من أهم الأمراض بين المستهلكين بمجرد شرب هذه المياه الملوثة.

ويؤكد الدكتور خالد المؤيد أن “المياه (المختبرة) غير الصالحة للاستخدام الآدمي والشرب، لها تأثير صحي مباشر على كبار السن ضعيفي المناعة، إذ تسبب لهم إسهالات مستمرة”، مشيرا إلى أن “خطورتها تتزايد لدرجة أن يؤدي إسهال من هذا النوع إلى الوفاة لدى الأطفال دون الخمس سنوات. ما يعكس حجم الضرر البالغ على هذه الشريحة من المستهلكين ضعيفي المناعة”.

وزارة الصحة العامة والسكان رصدت في تقريرها السنوي للأمراض نحو 28271 حالة إسهال في أمانة العاصمة خلال 2013، منهم 12663 أطفال دون الخامسة؛ بالإضافة إلى 6104 حالة رصدها برنامج الترصد الوبائي.

وبحسب ذات التقرير -الذي يشمل فقط إحصائيات بعض المستشفيات والمراكز والمجمعات الصحية الحكومية في أمانة العاصمة- فإن هناك 23956 مصابا بأمراض: التيفوئيد والباراتيفويد، وداء الشغيليات (الشيجيلية) دسنتاريا، والزحار الأميبي، والجهاز الهضمي، والأمعاء الطفيلية، والتسمم الغذائي الجرثومي.

ويؤكد الدكتور علي جحاف، مدير عام صحة الأسرة في وزارة الصحة، أن تلوث المياه وسوء الصرف الصحي وسوء النظافة العامة والشخصية لها الدور الأكبر في انتشار الإسهالات.

وحذرت منظمة “اليونيسف” في آذار/ مارس الماضي، مما أسمته “مخاطر تلوح في الأفق بانتشار وباء الكوليرا والإسهال المائي الحاد، والأمراض الأخرى المنقولة عن طريق المياه في اليمن”.

ويجمع عشرات الآباء والأمهات ممن التقاهم معد التحقيق في العاصمة  على أن “الإسهال” كان أهم مرض أُصيب به أطفالهم خلال الشهرين الماضيين.

في شارع هائل غرب العاصمة، يقول العامل طه حسين الريدي، 32 عاما، بإحدى ورش النجارة: “طفلي، سنة ونصف، وطفلتي3 سنوات يعانيان من الإسهال بشكل مستمر، منذ ولادتهما. غالبا يكون إسهالا حادا، ويبدأ بحمى شديدة، أنه مرض يقلقني”.

ويقول الدكتور وسيم الزنم، طبيب أطفال وأمراض باطنية بالمركز الطبي لهيئة الإغاثة الاسلامية العالمية، في حي السنينة غرب العاصمة، أنهم استقبلوا في المركز خلال النصف الأول من عام 2014 قرابة ثلاثة آلاف حالة من الأطفال، 30 – 50 % منهم دون سن الخامسة كانوا مصابين بالإسهال، وأمراض معوية أخرى (التسمم الغذائي، التهاب المعدة والأمعاء، الدسنتاريا، التيفوئيد..).

ويضيف د. الزنم أن “مياه الشرب الملوثة التي لا تخضع لأي رقابة صحية سبب رئيس لنقل هذه الأمراض”.

وفي المركز ذاته تقول المتخصصة المخبرية، نبيلة الحكيمي “من ضمن الفحوص التي أجريت للأطفال خلال الفترة 1- 19 آب/ أغسطس 2014م أثبتت أن 70 شخصا كان غالبيتهم مصابين بالزُّحار “بكتيريا الشيجلا”، فيما 91 فحصا من مجموع 161 كانت مصابة بالطفيليات والديدان الشائعة كالأميبيا والجارديا”.

ويقول طبيب الباطنية، الدكتور سعيد نعمان، إن “هذه المياه سبب مهم وناقل رئيس لهذه الأمراض لكن الأطفال اكثر الفئات عرضة للإسهال نتيجة تحضير بعض الأمهات الحليب الصناعي من هذه المياه”.

قصر القامة.. والسرطان أيضا

  ويزداد الأمر تعقيداً حسب سامي سعيد، مسؤول المياه والإصحاح البيئي في منظمة (اليونيسف)، حين يقول إن “قصر القامة (التقزم) لدى اليمنيين ناتج عن إصابتهم في طفولتهم بإسهالات متكررة وحادة. وإذا أردنا أن نحسن من طول قامة اليمنيين علينا تقليل نسبة الاصابة بالإسهالات”.

وتفيد (اليونيسف) بأن “من بين نحو 4,5 مليون طفل يمني دون سن الخامسة، يعاني أكثر من طفلين من كل 5 أطفال من التقزم (عدم تناسب طول الإنسان مع عمره)، ما يؤدي إلى تأثيرات بالغة الخطورة على نموهم البدني والذهني؛ وأن 13% تقريباً يعانون نقص التغذية الشديد”.

ويقول محمد الجدري، شأنه شأن آلآف المستهلكين الذين يعتقدون أن الخطر كامن في ذرات تلك المياه: “أحيانا نتفاجأ بزيادة مادة الكلور، الذي نلحظه في طعم الماء..”، ما يؤكد عدم تخصص الكادر المشغل في تلك المنشآت، التي تعالج المياه بالأشعة فوق البنفسجية كما هو الحال في 70 % من إجمالي المنشآت بالعاصمة، بينما 30 % تعالج المياه بإضافة مادة الكلور أو مواد معقمة أخرى، وفقا لإدارة صحة البيئة بمكتب الأشغال في العاصمة (الجهة المعنية بالرقابة).

وحول مخاطر زيادة نسب الكلور في هذه المياه على الحدود الآمنة (0,5 جزء في المليون بعد مدة تلامس 30 دقيقة كحد أدنى)، يقول استاذ الكيمياء وتحليل الأغذية في كلية الزراعة بجامعة صنعاء، الدكتور عبدالجليل درهم “إنها تصيب الكبد على المدى البعيد”. وبحسب استشارات طبية متطابقة فإن ذلك يؤدي إلى الإصابة بسرطان الكبد والمثانة والكلية.

اهتمام باللقاح دون معالجة المسبب الرئيسي للإسهال

تستثمر وزارة الصحة العامة والسكان ملايين الدولارات سنويا (منذ عام 2012م) لتوفير لقاح الفيروسات العجلية (الروتا) المضاد للإسهالات، غير مضمون النتائج طبقا لموظف مختص بوزارة الصحة. يقول مسؤولو صحة إن مشكلة المياه الملوثة التي تسبب الإسهال في المقام الأول، مسؤولية جهات حكومية أخرى.

لكن وزارة الصحة، تقر في ذات الوقت، بأن الإسهالات الناجمة عن فيروس (الروتا) كانت -قبل ادخال اللقاح- وراء وفاة خمسة آلاف طفل لم يكملوا سن الخامسة، وأنه السبب في 43 % من إجمالي الأسباب الأخرى للاصابة بالإسهالات، بحسب بيانات الترصد المدعوم من منظمة الصحة العالمية (مستشفى السبعين بصنعاء، ومستشفى السويدي في تعز).

وبلغت عدد الجرعات المستوردة من هذا اللقاح خلال العام الحالي 2014 مليون و855 ألف و500 جرعة، يفترض أن تستهدف تطعيم اكثر من 850 ألف طفل يمني دون العام ضمن برنامج التحصين الروتيني.

ووفقا للدكتور علي جحاف، مدير عام صحة الأسرة، ساهمت الحكومة خلال 2014م بـ 615 ألف و737 دولار من السعر الفعلي لقيمة القاح، فيما أسهم حلف اللقاح العالمي بأربعة ملايين و155 ألف و500 دولار، وذلك ضمن اتفاقية بين الطرفين مساهمة اليمن فيها تصاعدية.

ورداً على سؤال عن سبب الاهتمام باللقاح وعدم الالتفات إلى السبب الرئيس المتمثل بمياه الشرب الملوثة، يقول جحاف: “لأنه ثمرة لتجارب البشرية على مدى آلاف السنين، حيث أهتدت إلى أن الوقاية خير من العلاج وهي قاعدة ذهبية تجنب المجتمعات والأفراد تكاليف ومآسي الإصابة بالمرض والمعالجة”.

ويتابع: “بتحسن المياه والصرف الصحي والنظافة العامة والشخصية لا شك أن مشكلة الإسهالات ستقل، ولكنها لا تقضي عليها بشكل كامل، وهذا ما جعل الدول المتقدمة تعطي اللقاح لأطفالها وقاية لهم من الإسهالات”.

في الشأن ذاته يقول المسؤول في منظمة الـيونيسف، سامي سعيد: “الروتا، أحد اللقاحات المهمة التي أوصت بها منظمة الصحة العالمية … ومن المؤكد أن هناك حاجة لتسليط الضوء أكثر على أهمية الحصول على مياه آمنة والحفاظ عليها نظيفة ورفع الوعي على مستوى المجتمع”.

ويرىموظف مختص في وزارة الصحة –فضل عدم ذكر اسمه- أن عدم اعتماد الوزارة، قبل ادخال هذا النوع من اللقاح، على دراسة علمية شاملة تحدد الأنماط الجينية الأكثر انتشارا للفيروس، وكذا مختلف العوامل المناعية والجسدية وغيرها للطفل اليمني، يؤدي حتما إلى عدم الاستفادة المثلى من الجهود والخسائر الحالية.

والأسوأ من ذلك بحسب ذات المصدر، أنه لم يتم إجراء أي مراقبة وتقييم لنتائج اللقاح وأثره في خفض نسبة مرض ووفيات الأطفال في اليمن، رغم أنه اجراء مفروض وفق المعايير العالمية.

ويؤكد أن وزارة الصحة ومنظمتي الصحة العالمية واليونيسف تساهمان بشكل مباشر أو غير مباشر في الإبقاء على مرض الإسهالات، كونها لا تهتم بإيجاد حل للسبب الرئيس المتمثل في تلوث مياه الشرب.

وينفي مسؤولون في وزارة الصحة ومنظمتي الصحة العالمية واليونيسف ذلك الاتهام.

لكن الأهم – بحسب د. سند محمد- “رفد المراكز والمجمعات الصحية الحكومية بأمانة العاصمة (تتجاوز 70 مركزاً ومجمعاً) بالإمكانيات والأجهزة والمحاليل المطلوبة، التي تفتقرها حاليا، ما يصعب من مهمة الانقاذ والكشف عن كثير من الحالات المرضية”.

اتهامات ومخالفات وأحكام غير رادعة

يبدي غالبية مالكي منشآت معالجة المياه تفهماً بنتائج التحاليل المخبرية، ويشكون ممارسات سلبية من بعض موظفي الرقابة.

يقول مالك إحدى المنشآت، فضل عدم ذكر اسمه: “تراجع مستوى العمل منذ العام 2011، حال دون إجراء الإصلاحات اللازمة في منشأتي”.

مالك منشأة أخرى يضيف: “عندما ذهبتُ لإجراء فحوص طبية لثلاثة من عمالي بهدف منحهم بطاقات تأمين صحي، حاول موظف الرقابة اقناعي بصرف النظر عن الأمر مقابل منحه رشوة، لكنني مضيت فيما هو رسمي”.

ووفقا لإحصائيات إدارة صحة البيئة بمكتب الأشغال العامة في العاصمة التابع لوزارة الأشغال، جرى خلال الفترة من كانون ثاني/ يناير وحتى تموز/ يوليو 2014م، تحرير مخالفات ضد 64 منشأة تعالج مياه الشرب جزئيا، تم احالة 35 منشأة منها إلى النيابات بسبب مخالفات بعضها تلوث المياه.

وأهم المخالفات وفق رصد إدارة صحة البيئة: عدم توفر بطاقات صحية للعمال، وعدم إجراء فحص مخبري دوري للمياه المنتجة، فضلا عن عدم تغيير الفلترات القطنية أو الرملية في الوقت المطلوب، واستخدام عبوات تحتوي طحالب خضراء بداخلها، واستخدامأنابيب معتمة  لتعبئة العبوات من خزان المياه المعالجة بدلا من اليات الشفافة…

وينص قانون الرقابة على الأغذية رقم (38) لسنة 1992م وتعديلاته، على معاقبة المخالفين بالسجن مدة لا تزيد على شهرين أو بغرامة لا تقل عن عشرة آلاف ريال (46,51 دولار امريكي).  وتتراوح الغرامات وفقا لقــرار الحكومة رقم (24) لسنة 1994م، الذي تحرر معظم المخالفات بموجبه، ما بين 100 ريال – 3000 الآف ريال (0,46 – 13,95 دولار امريكي)..

ويشدد قانون المياه رقم (33) لسنة 2002م وتعديلاته، العقوبات، بالسجن مدة لاتقل عن شهر أو بغرامة لا تزيد على ثلاثمائة ألف ريال (1395,34 دولار امريكي)، لكنه لم ينفذ حتى الأن.

مدير إدارة صحة البيئة (البلدية) الدكتور محمد الأصبحي يقول: “يتركز دورنا على الرقابة والتفتيش وتحرير محاضر الضبط، واحالة المخالفين إلى النيابات، ليبدأ تعامل القضاء مع المسألة وغالبا الغرامات غير رادعة”.

ويضيف “إجراءات القضاء تختلف من مديرية إلى مديرية، تعتمد على قناعة قاضي التحقيق، نحن لا نتدخل في اجراءات القضاء، بعض القضاة ينزعجون اذا استفسرنا حول الاجراء المتخذ”.

تتعذر الجهات الحكومية الرقابية بالإمكانيات كسبب للتدهور القائم.

يقول علي عبده محمد، مفتش صحي في قسم المياه بادارة صحة البيئة: “لدينا صعوبات كثيرة، وفي مقدمتها شح الامكانيات الفنية والمادية، وعدم توافر الأجهزة الميدانية اللازمة والكافية، والقصور في التشريعات”.

ويضيف محمد: “اعمال التفتيش زادت صعوبة مؤخرا، انقطاع التيار الكهربائي العام على المنشآت يؤدي إلى عدم تمكن المفتشين من الكشف على كفاءة وحدة التعقيم خلال الدوام الرسمي لعدم توافر التيار لتشغيل تلك الاجهزة”.

ويرى الدكتور محمد الأصبحي أن قلة الكوادر البشرية المؤهلة، والاشكاليات الأمنية التي تواجه موظفيه وتحد من اجراءات ضبط المخالفين، وعدم الالتزام والاهمال من قبل مالكي المنشآت، وغياب دور الجهات الرقابية الأخرى في الرقابة على الآبار، وغيرها من الأسباب تعيق الوصول إلى مياه صالحة للشرب.

وأضاف الأصبحي أن لدى ادارته أربعة موظفين مختصين للمياه، مقارنة بـ 180 منشأة في العاصمة، “الموظف يمر على المنشأة مرة واحدة كل نصف شهر أو شهر تقريبا”.

وحول اتهامات بالفساد ضد موظفي الرقابة يقول مدير صحة البيئة: “كل اجهزة الرقابة متهمون بالفساد، وموظفو البلديات بشكل خاص.. حتى الغرامات التي نفرضها كعقوبات يواجهها الناس على انها سرقة وابتزاز.. نحن نعاني عدم ثقة المستهلك وتعاونه معنا للوصول إلى فعالية أكثر لموضوع الرقابة”.

ويضيف محمد الأصبحي: “خصصنا خطا لاستقبال بلاغات وشكاوى المستهلكين عن مختلف السلع التي يشُكون في صلاحيتها بما فيها مياه الشرب الجزئية، ومالكي منشآت المياه يمكنهم الاتصال على رقم “01277038”، سنستقبل الشكاوى بكل اهتمام على مدار الساعة، وبإمكاننا النزول والتأكد وسنتخذ الاجراءات اللازمة.. لكن للأسف لا أحد مهتم بتقديم شكاوى”.

وقال الأصبحي: “العبوات المرتجعة في هذه المنشآت، نتيجة الاستخدام السيئ لها وغير الصحي وعدم القدرة على تنظيفها بشكل سليم، اكبر مشكلة تواجهنا في امانة العاصمة”.

يوافقه الرأي علي عبده محمد، ويضيف: “نامل أن يصدر قرار له صفة تشريعية، بمنع تداول هذه العبوات وسنلزم به أصحاب المنشآت.. تم ادخال خدمة العبوات السفري باحجام مختلفة وبصورة تتناسب مع قدرات المواطن الشرائية، في محاولة لتجاوز ظاهرة العبوات المرتجعة”.

ومنذ مطلع العام الجاري بدأت (الهيئة العامة للموارد المائية بصنعاء) والمخولة وفقا لقانون المياه بالرقابة على مطابقة المياه المباعة للمواصفات اليمنية القياسية، مباشرة مهامها بإطلاق برنامج طموح لتنظيم مشاركة القطاع الخاص المزود لمياه الشرب بأمانة العاصمة (الآبار، ومنشآت التنقية والتعبئة، والناقلات)..

ورغم اعلانات الهيئة المتكررة منذ كانون ثاني/ يناير الماضي عن بدء إصدار تراخيص مزاولة المهنة، إلا أنه لم يتقدم أحد من مالكي هذه المنشآت لإستصدار ترخيص لمنشأته؛ ويتبادل المختصون في الهيئة، وصحة البيئة، الاتهامات بشأن عدم توقيع محضر الاتفاق الذي يحدد مهام واختصاصات كل جهة منهما منذ نهاية اذار/مارس الماضي.

– يوجد في العاصمة صنعاء 180 منشأة خاصة تفتقر معظمها لأدنى شروط النظافة تُنتج مياه شرب ملوثة، تهدد الصحة العامة، وتؤثر على مئات الآلاف من السكان، لاسيما أطفال دون الخامسة.

  – إدارة صحة البيئة بأمانة العاصمة حررت خلال السبعة الأشهر الأولى من 2014م، مخالفات ضد 64 منشأة، تم احالة 35 منشأة منها إلى النيابات بسبب مخالفات أهمها: تلوث المياه، وعدم ارتداء العمال الملابس الواقية والملائمة اثناء العمل، وعدم تغيير الفلترات في الوقت المطلوب؛ وغالبا ما يحكم القضاء بغرامات غير رادعة.

تم إعداد هذا التحقيق الاستقصائي بدعم من شبكة (أريج)”إعلاميون من أجل صحافة استقصائية عربية “، وبإشراف الزميل هشام عبدالله.


تعليقاتكم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.