مواد كيميائية تفتك بعمال جامعة صنعاء

18 فبراير 2015

المصدر أون لاين – لم يجنِ أحمد فضائل من عمله في معمل المواد” بكلية الهندسة في جامعة صنعاء سوى أكوام من التقارير والملفات الطبية والأدوية وصور الأشعة، التي تؤشر إلى اصابته بورم في البلعوم الأنفي؛ بسبب تعامله لأكثر من خمس سنوات مع مادة الكبريت الخطرة.

بجسده النحيل، يتنقل الرجل الخمسيني وحيدا بين مستشفى وآخر. ينتظر ساعات عديدة لإجراء جلسات “الكيماوي” وصور الأشعة.

وفي منزله المتواضع بمنطقة مذبح بصنعاء، يمضي فضائل ما تبقى من حياته على سريره بعد أن ترك العمل منذ أربع سنوات؛ بسبب العجز.

على غرار فضائل، يعاني عشرات الطلبة وقرابة 50 عاملا في ثمانية معامل كيميائية بجامعة صنعاء؛ بسبب غياب أدوات السلامة المهنية وعدم توفير بدل مخاطر، أو أي تعويض عن إصابات عمل وسط إهمال رئاسة الجامعة، التي تلقي اللوم على الإدارات السابقة، وتتعذر بضعف الميزانية، بحسب عاملين التقتهم معدة التحقيق.

ولا يسلم حتى معيدي الكليات والطلاب من إصابات عمل داخل المعامل.

لا تمتلك جامعة صنعاء إحصاءات دقيقة عن عدد العمال المصابين ونوع المرض، بحسب مسؤولي إدارات فيها. كما لا تتوافر لدى نقابة عمال جامعة صنعاء والإدارة العامة للخدمات الطبية أي احصاءات كذلك وفق مسؤولين في النقابة.

sanaa1(7)

لكن من خلال جولات ميدانية على المعامل الثمانية، جمعت معدة التحقيق بيانات تقديرية من مسؤولين وعمال حول تصنيف الإصابات:

يتعرض قرابة 90 % من العمال لحروق طفيفة بسبب الأحماض، و5 % لحروق عميقة.

ويُصاب 60 % منهم بأمراض صدرية والتهابات وتحسسات، فيما يتعرض 60 % من العمال لاختناقات وإغماءات، فيما تصل نسبة من يتعرضون لأمراض سرطانية 5 %، حسبما يثبته المسح الميداني معززا بتقارير طبية حصلت عليها معدة التحقيق من العمال.

Untitled

رغم ذلك، لم يلجأ أي من هؤلاء العمال للقضاء. ويقول العامل منذر: “أجور المحامي تفوق راتبه الشهري”.

ولا يوجد نص صريح في قانون العمل يحدد عقوبات لمثل هذه الانتهاكات، إلا أن المادة رقم (121) من القرار الجمهوري بالقانون رقم (5) لسنة 1995م بشأن العمل تنص على: “أن يتحمل صاحب العمل ما لم يكن مؤمناً المسؤولية المادية طبقاً لهذا القانون وقانون التأمينات الاجتماعية لما يلحق بالعامل من أمراض مهنية أو اصابات في أثناء تأدية العمل أو بسببه”.

مأساة فضائل

التحق فضائل عام 1994 بمعمل المواد في كلية الهندسة ليعمل فنيا . وبعد ست سنوات، شعر بآلام في البلعوم والأنف. يقول: “كنت أنزف من فمي وأنفي كلما قمت بتجربة تخص حرق مادة الكبريت للكشف عن جودة عينات من (الصبة)، ومدى قوة الحجر بعد ضغطها”. ويضيف هذا الفني: “حرق مادة الكبريت ــ التي أجهل خطورتهاــ كانت  تحتاج لدرجة حرارة عالية في الفرن ، مشيرا إلى أنه العامل الوحيد في المعمل الذي كان يجري هذه التجربة”.

ورغم تصاعد الغازات والأبخرة السمية، لم يتلق فضائل أي إرشادات تتعلق بسبل الوقاية من المواد الخطرة. ولم تصرف له أدوات حماية منها، في مخالفة لشروط قانون العمل وأنظمته، التي تفرض على صاحب العمل: “اتخاذ الاحتياطات الضرورية لوقاية العمال من الأضرار الناشئة عن الغاز أو الغبار، أو الدخان أو أي نفايات أو عوادم للصناعة”.

بمرور الوقت فقد فضائل ــ الذي تلقى خبر إصابته بورم في البلعوم الأنفي في المستشفى الجمهوري الحكومي ـــ حاسة الشم.

 ثم تقدم إلى رئاسة الجامعة بطلب بالتعويض، وتكاليف العلاج، لكن إدارتها لم تقدم له سوى 90000 ريال (أقل من 450 دولارا)، أي عشر تكاليف علاجه التي ناهزت المليون ريال (4650 دولارا).

المتخصصة بعلاج الأورام والأشعة في المركز الوطني للأورام بصنعاء د. نهلة عقلان، شخصت حاله بورم سرطاني مرتد في البلعوم الأنفي، وأوصت بإخضاعه لجلسات علاج كيميائي.

يعيش فضائل اليوم على راتبه التقاعدي 24 ألف ريال (110 دولارات)؛ ” فمن أين لي بقيمة العلاج، يقول فضائل، مبينا أنه لا  يستطيع تناول الطعام سوى السوائل”.

الحقوقية نبيلة المفتي تؤكد أن قانون التأمين الصحي الصادر عام 2011، يتكفل بحقوق العاملين من حيث التعويض والعلاج.

وصدر قرار جمهوري في أكتوبر2012 بإنشاء الهيئة العامة للتأمين الصحي الاجتماعي، لكن لم يتم العمل به. وترى المفتي أن “السبب ليس ماديا، وإنما تقاعس وإهمال من الجهات المسؤولة”.

Untitled 2

معمل عضوية.. اختناقات وروائح

لدى دخول معدِة التحقيق معمل (1) عضوية – أقدم المعامل بكلية العلوم – شعرت بالاختناق وبدأت بالسعال. رائحة المحاليل والأحماض تنتشر في أرجاء المعمل الذي لا تتوافر فيه حتى إضاءة كافية.

مساحة هذا المعمل – الذي أنشئ منتصف سبعينيات القرن الماضي مع كلية العلوم- تتوافق مع شروط إقامته (12×8 أمتار مربعة). إلا أن حجم غرفة تحضير الأحماض فيه ضيقة، ويحوي نافذة واحدة صغيرة، ومروحة صغيرة تعجز عن شفط الغازات والأبخرة.

أحواض ومغاسل متسخة. حنفيات يكسوها الصدأ، عبوات وكراتين مختلفة الأحجام لمواد كيميائية متناثرة بشكل عشوائي أعلى دولاب مغطى بالأتربة.

في هذا المعمل يجلس فاروق العريقي؛ أقدم العمال، بشعره الأشيب وجسده النحيل.

العريقي، (43 سنة) أب لثلاثة أطفال، بدأ العمل في المختبر بعد تخرجه في جامعة صنعاء تخصص تاريخ. يتقاضى 67000 ريال (311 دولارا) شهريا، ويعمل من الساعة الثامنة صباحًا وحتى السادسة مساءً. يقول العريقي: “نعمل هنا بحذر شديد وخصوصاً في ظل شح مواد السلامة والأمان. ومن أخطر المواد التي نتعامل معها سنوياً الكبريت وبنزويل كلوريد الشبيهة بالقنابل المسيلة للدموع”.

حذر العريقي لم يحل دون تعرضه لإصابات طفيفة مثل الحروق والسعال. وحتى الآن لم يجر فحوصا. ولدى سؤاله عن دور الجامعة في الوقاية والعلاج يجيب: “هنا في الجامعة تعمل، وعندما تمرض، الله يفتح عليك”.

في ذات المكان، كانت الأستاذ المساعد في المعمل ميمونة علي أحمد (26 سنة) تجهز الماء المغلي أو المقطر للبدء بتحضير تجارب. تقول ميمونة: “أتعرض لاختناقات دائما. وكنت أصاب بالإغماء منذ أن كنت طالبة، والآن أشعر باختناق عند تحضير أي مادة ذات رائحة قوية أو انبعاث غازات”. ميمونة وجدت أنها تعاني الربو بسبب تعاملها مع مواد خطيرة، وبخاصة الكلورو بنزين.

sanaa3(3)

تتعرض ميمونة، كما تقول، للإغماء بمعدل ثلاث مرات بالشهر. وتضيف: “في معملنا نفتقر حتى للإسعافات الأولية. فعند إصابتي بالإغماء يساعدني الطلاب بإمكاناتهم الشخصية”.

نتائج فحوص مخبرية وأشعة مقطعية لميمونة في المستشفى اليمني-الألماني أظهرت أنها تعاني الربو وصعوبة في التنفس نتيجة تعرضها لأبخرة مشبعة بمواد كيميائية. ونصحت المريضة بالابتعاد عن الأبخرة والمواد الكيمائية، ومراجعة الطبيب الاختصاصي دورياً.

عمادة كلية العلوم اضطرت لإغلاق الكلية منتصف مارس/ آذار 2014 بسبب عدم جاهزية المعامل – التي تعد جزءاً رئيسياً من الكلية – وعدم توافر الإمكانات المادية. لكنها فتحت أبوابها بعد أسبوع من توقف الدراسة، عقب تعهد الحكومة بدعم الكلية.

عميد كلية العلوم بجامعة صنعاء الدكتور محمد شكري يصف ما يحدث بـ”وضع مزري” من شح المواد، وعدم توافر الأدوات، والمركبات، ووسائل حماية الطلاب التي لا تمكن الأساتذة من تطبيق الجانب العملي.

شكري يحمَل إدارة الجامعة مسؤولية التقصير في المعامل، وعدم جاهزيتها، قائلاً: “إدارة الجامعة تتنصل من اعتماد الموازنة الكافية للمعامل ولا تعيرنا أي أهمية”.

عميد كلية العلوم يؤكد أنه طالب إدارة الجامعة بتوفير الدعم لمعامل الدراسات الأولية في الكلية، إلا أن مجموع ما صُرف كان ثلاثة ملايين و600 ألف ريال (16750 دولارا)، ولم يتم صرف بقية المبلغ المطلوب حتى الآن وهو مليون و75 ألف ريال (5000 دولار).

“إصابات عمال بحروق ومشاكل تنفسية وإغماء يتم رفعها إلى رئاسة الجامعة، لكن لا يوجد أي تفاعل لحقوق العمال المهضومة”، حسبما يضيف شكري.

دفاع الجامعة

رئيس جامعة صنعاء د. عبد الحكيم الشرجبي يرد: “الجامعة لا تحوي وسائل آمان من ثلاثين عاماً، ويزيد”. ويردف قائلا:  “جئت على بيت خراب، لكني أبذل جهوداً كبيرة جداً في جميع الكليات العلمية، وأبحث عن موارد، وأستقطع من الموارد الخاصة بطلاب النظام الموازي، ومن موازنة الجامعة لتقديم بعض التسهيلات للمعامل”.

د. الشرجبي، الذي تسلم منصبه أوآخر 2012، يعود ليؤكد أن الجامعة في طريقها لحل هذه المشاكل، مضيفاً أنه “تم تجهيز بعض المعامل المتوقفة منذ سنواتن وبدأت الكليات تعتمد على ذاتها في تشغيلها”. ويأمل “من خلال المانحين أو القطاع الخاص توفير الدعم لتشغيل معامل، وتفعيل إجراءات السلامة المهنية”.

معدة التحقيق زارت في جولات ميدانية المعامل الثمانية الكيميائية في جامعة صنعاء، إذ توقف التدريس ببعضها في أثناء العمل على التحقيق، ولكنها استأنفت العمل بعد ذلك.

ولا توجد أي منشورات توعوية – وفق مشاهدات معدة التحقيق – تخص شروط السلامة في المعامل، باستثناء لوحات إرشادية بسيطة وضعها طلاب تحوي “نصائح حول كيفية استخدام القفازات والكمامات، وتجنب مخاطر التعامل مع مواد كيميائية خطيرة”.

ميزانية جامعة صنعاء بلغت 15 مليار ريال يمني (70 مليون دولار) 2014، بحسب حسابات السنة المالية، وتعتمد في التمويل على وزارة المالية، لكنها تتلقى منحا بسيطة من منظمات دولية.

يُخلي وكيل الإدارة العامة لتطوير المؤسسات التعليمية في وزارة التعليم العالي والبحث العلمي د.علي قاسم اسماعيل مسؤولية الوزارة بخصوص المعامل، وحماية العاملين فيها.

يقول إسماعيل: “جامعة صنعاء مستقلة مالياً وإدارياً وفقاً للقانون، والوزارة ليس لها علاقة بأي جوانب مالية، ودورها يتمثل بالإشراف وتنظيم اللوائح. وفي حال وصلتنا شكوى حول المعامل سواء من الطلاب، أو أعضاء هيئة التدريس نقوم بإرسال لجنة إلى الجامعة تجتمع مع رئيسها والمختصين وتتخذ قرارات، وتتابعها  إذا وجد أي قصور”.

ويتابع” لم تصل أي شكوى رسمية من العمال أو الطلاب، باستثناء تلك التي تتعلق بالأمور المالية”.

sanaa4(3)

كلية التربية.. معامل تحرق عمالها

محمد الصلوي، خريج كلية العلوم قسم الكيمياء، التحق بمعامل كلية العلوم بالجامعة عام 2003. ثم انتقل للعمل في معامل كلية التربية، وهي الأخطر، بسبب خطورة المواد الكيميائية فيها، حسب قوله.

ويشرح بأن غالبية تجارب معمل “التربية” تعمل على تصاعد غازات سمية ورواسب لونية بسبب استخدامها مواد كيميائية عالية التركيز دون إضافة أي قطرة ماء.

الصلوي يؤكد أن عشرات الطلاب يتعرضون سنوياً للمخاطر في أثناء المحاضرات في المعامل؛ منها حالات إغماء، حروق خارجية أو داخلية من خلال “شفط” الأسيد عن طريق الفم.

يستذكر الصلوي حادثة كان شاهداً عليها حين “شفط أحد الطلاب حمض الكبريتيك عن طريق انبوبة لعدم وجود شافطات، فإذا بالحمض يملأ فمه ويصيبه بحروق ونزيف دموي حاد في فمه”.

ويعد حمض الكبريتيك من أخطر الأحماض، وتعتمد 70 % من التجارب على استخدامه في المعامل العضوية والعامة. وتخلو الكلية من مرافق للإسعافات الأولية كما أن المركز الصحي الخاص بها لا يوفر للطلبة سوى الأسبرين، بحسب الصلوي.

فيما يفترض أن يحتوي صندوق الاسعافات الأولية في المعامل على (أقراص مسكنة، معقم للتنظيف وتعقيم الجروح، مرهم للحروق، محلول بيكربونات صوديوم 10% لغسيل الحروق الناتجة عن أحماض مركزة).

يستخدم الطلاب والعاملون حمض الخليك المسبب للحروق بالإضافة إلى مادة الصوديوم التي يؤدي تفاعلها بالماء إلى الإنفجار، مع ذلك توجد اسطوانات الغاز داخل المعمل، حسبما لاحظت معدة التحقيق، حيث يفترض أن يخصص لها مكان خارجي، ويتم توصيل الغاز للمعامل عبر (أنابيب).

يعمل في هذا المعمل ثلاثة فنيين ويدخله يومياً نحو50 طالبا.

في عام 2000 زودت شركة هولندية معامل كلية التربية بتقنيات وأجهزة ووضعت تصميما احترافيا للمعامل، حسبما يستذكر الصلوي. لكن تقاعس إدارة الكلية أدى إلى عدم تفاعل أي من الأجهزة التي قدمتها الشركة مثل المرش (جهاز لإنقاذ أي شخص يتعرض لحروق)، حسبما لاحظت معدة التحقيق.

كما أن باب الطوارئ معطل؛ لأن الكلية رفضت تقديم المفتاح لمختصي المعامل بحجة الخشية من السرقة بالإضافة إلى تسرب الغاز من ألانابيب الممتدة داخل المعامل.

sanaa5(3)

ويؤكد محمد عبد القوي العبسي، متحدث باسم نقابة العاملين بجامعة صنعاء، أن النقابة طالبت مرارا بإنصاف عمال المعامل وتزويدهم بأدوات السلامة المهنية، إلا أن الجامعة لم تتجاوب مع هذه المطالب.

ويقول العبسي إن النقابة لا تستطع مساعدة العمال المصابين، سوى بمبالغ بسيطة لا تكفي فاتورة العلاج الباهظة.

معامل الهندسة؛ اختناقات وأدوات مهملة

معملان فقط في كلية الهندسة يستخدم فيهما مواد كيميائية: معمل “الصحية” لتحليل مياه الشرب والصرف الصحي، وذلك المخصص لتجهيز المواد.

وبحسب أحد العاملين في الأول، محمد الحميري (42 عاماً) فإن المعمل لا يوفر مراوح أو أجهزة شفط، وأي وسائل حماية بسيطة. ورغم وجود نوافذ عديدة على طول المعمل إلا أنها لا تؤدي دورها في التهوية. ويصف الحميري حاله قائلاً: “أشعر بخمول وأحياناً صداع عند مكوثي في المعمل لساعات وخاصة عند تحضير حمض الكبريتيك”.

في المعمل المخصص لتجهيز المواد، الذي أصيب فيه أحمد فضائل، يفيد م. نصر سيف الذبحاني (43 عاما) والذي يعمل فنياً بالمعمل منذ 20 عاماً، بأن العاملين طالبوا ببدل مخاطر إلا أن الجامعة، أقرت بدل مخاطر للطباعين فقط.

إهمال رغم الدعم في “الزراعة”

ورغم الامتيازات التي تتفرد بها هذه المعامل، إلا أن طلابا وعاملين هناك ينتقدون إدارة الكلية بسبب عدم قدرتها على استغلال تلك الإمكانيات بالصورة الصحيحة. فما تزال أدوات السلامة والإسعافات الأولية غير مفعلة. كما أن طفايات الحريق منتهية الصلاحية، والشبابيك موصدة بالحديد من الخارج، مع أنها يفترض أن تستخدم كمخرج للطوارئ. كما تنعدم مواد لازمة للتعامل مع المواد الخطرة وتجنب ملامستها باليد مثل القفازات والكمامات وعربات نقل الأحماض.

خالد القدمي، معيد يعمل في الكلية منذ عشر سنوات، يقول إن مشكلتها الكبرى تتمثل في عدم توافر المواد لتطبيق التجارب. “ينصدم الطالب بتطبيق بعض التجارب شفهياً من غير أي مواد أو محاليل، لذلك قد لا نجد الكثير من الإصابات والمخاطر هنا لأن التطبيق نادر ما يتم. للأسف، حتى الحنفيات لا تتوفر فيها المياه”، يضيف القدمي.

إلى الآن “لم تقم الكلية بعمل أي تدريب حول وسائل السلامة والمخاطر ولم تقم بصرف أي وسائل سلامة وأمان”، حسبما يؤكد. “وفي أحيان كثيرة، نتعرض لمخاطر الحرق بالأحماض أو تماس كهربائي، تلف الملابس بشكل كامل بسبب الأحماض، ونضطر أيضاً للتعامل مع زجاجات مكسورة”.

ويشتكي القدمي من تعطل أدوات وفرتها منحة أمريكية بسبب عدم قدرة إدارة الكلية على التعامل معها، مثل كبائن شفط الغازات الخطرة داخل المعمل، وتعطل حساسات تركيز الغاز وجهاز الإنذار في حال زيادة تركيز الغاز داخل المعمل عن الحد المسموح. كما تعطلت التهوية المركزية وتيار الماء الساخن.

عبد الرحمن أبو حسن، معيد في الكلية يعمل في معمل الكيمياء منذ عام 2010، يقول:” إنه تعرض لحروق عديدة في الأيدي والأرجل عند تحضير محلول تطوير اللون الخاص بالفسفور، بالإضافة إلى تعرضه للكحة والاختناق”.

في إحدى التجارب استخدم أبو حسن أنبوبا لشفط حمض الكبريتيك “فدخلت قطرات من الحمض إلى فمي وشعرت بشيء لاذع وخروج دم من فمي”، حسبما يستذكر. ولم تتوفر المياه بالحنفية أو حتى مياه معدنية و”اضطررت للخروج إلى كافتيريا الكلية للاغتسال حتى يخف تركيز الحمض وبقيت أسناني تؤلمني لثلاثة أيام، وفقدت حاسة التذوق لفترة”.

ويضاف حمض الكبريتيك إلى عينة من التربة؛ لتحديد كميات العناصر فيها ومدى كفايتها للنباتات، وفيما إذا كانت بحاجة إضافة أسمدة. وعند تسخين المادة تتصاعد الأبخرة والغازات السامة كغاز ثاني أكسيد الكبريتيك.

الطب.. مخازن مكدسة بالمواد السامة

في كلية الطب تقع ثلاثة معامل كيميائية (كيمياء تحليلية، حيوية، عامة) ويضم كل معمل عاملين.

وليد الدبعي، أحد فنيي المعامل سابقاُ في الكلية يعمل أستاذ مساعد في قسم الكيمياء الحيوية يشرح بأسى الوضع في الكلية: “الوضع متدهور رغم الدعم الكبير الذي تتلقاه الكلية.. المعامل غير مجهزة بالشكل الصحيح بحيث تجنب العاملين والطلاب مخاطر التجارب في المعامل”.

sanaa6(1)

ويشرح الدبعي: “نتعرض لنوبات ربو حادة بسبب استنشاقنا مواد وغازات خطيرة مثل الأمونيا، حمض الخليك، بخار حمض الهيدروكلوريك، نترات الفضة (عند ملامستها للجلد تقوم بقتل الخلايا)، حمض الكبريتيك. كما نتعرض لخطر الحرق بسبب القطارات (التي تسخن الماء للتقطير بالتبخير)”.

لأكثر من عشر سنوات، تحمل مرتضى عبد الوارث الحمادي (36 عاماً) خطورة العمل في مخازن حفظ مواد كليتي العلوم والطب بالجامعة. وفي نهاية العام 2013 قرر الانتقال لعمل إداري في الجامعة لتجنب مخاطر تلك المخازن.

لكن الحمادي الذي يعمل براتب 58 ألف ريال (تقريباً 270 دولارا) تأخر بقرار نقله، فهو يعاني الآن آلاما في أنفه.

معدة التحقيق رافقت الحمادي لأحد المستشفيات لإجراء فحوصات مختبرية وأشعة وتبين من خلال التقرير الصادر عن  د. الخضر القاهرة، استشاري أمراض الباطنية والجهاز الهضمي في المستشفى اليمني-الألماني، بأن المريض يعاني التهاب الشعب الهوائية والجيوب الأنفية. ونصح الحمادي بعدم التعرض للأبخرة والغبار والمواد الكيميائية المتطايرة.

وخضع العامل لعملية كلفته 200000 الف ريال (930 دولارا)، ولم تسدد إدارة الجامعة سوى 40.000 ريال فقط (أقل من 200 دولار)”، حسبما يقول.

في مخزن معامل الطب لا يوجد تهوية أو شفط مركزي لإخراج الغازات من العبوات بشكل مستمر، وفق الحمادي.

حمزة الذبحاني، طالب في كلية العلوم، استذكر إصابته بحروق حين تطايرت على يديه قطرات من عنصر كيميائي. يقول الذبحاني: “للأسف المعمل لا يوفر لنا أي قفازات للحماية حتى البالطوهات نشتريها بأنفسنا”.

معامل مصممة لصالة طعام

بعد أن جال برفقة معدة التحقيق في معامل جامعة صنعاء، يشخص خبير المعامل الكيميائية منذر عبدالله نعمان أخطاء عديدة في تصاميم الإنشاء. بعض المعامل لم تصمم لهذه الغاية، وإنما استحدثت في ذلك الوقت لاستكمال قاعات دراسية وصالات الطعام. فمثلا المواصفات تشترط في المعامل وجود مدخل رئيسي ومخرج طوارئ، إلا أن التصميم الهندسي لم يعتمد هذه المواصفات في معامل كلية العلوم أما بقية المعامل المصممة بشكل صحيح تقوم الكلية بإغلاق أحد الابواب لأسباب مختلفة كالأمان وغيرها.

ووجد نعمان أن الأجهزة والمواد تعود إلى الثمانينيات والتسعينيات، وبدأت بالخروج من الخدمة لعدم الصيانة أو نتيجة إنتهاء عمرها الافتراضي.

ويؤكد نعمان أن المواد الكيميائية المستخدمة (حمض الهيدروكلوريك، حمض النتريك، حمض الكبريتيك، الاسيتون، الامونيا…) خطيرة على صحة العاملين لأنها تطلق غازات وأبخرة.

ويتم التخلص من هذه المواد “بوضعها في المجاري ما يؤدي إلى تلوث البيئة ومن أمثلة هذه المواد الزئبق والرصاص والكروم والمذيبات العضوية”، حسبما يوضح.

كما أن خزائن التخزين ذات أبواب خشبية قابلة للاشتعال. أما بالنسبة لتمديدات الغاز، فتم تمديد بعضها داخل فتحات تصريف المياه، ما قد تسبب بتآكل الأنابيب النحاسية وتسرب الغاز.

عشرات العمال ومئات الطلبة يواجهون الإصابة بأمراض بسبب إهمال إدارة الجامعة، وغياب الحماية اللازمة لهم… وأمام تنصل مختلف الجهات من مسؤولياتها تجاه هذه أفراد الشريحة، يبقى الوضع على ما هو عليه بانتظار المزيد من التقارير الطبية الشاهدة على آلامهم.

Untitled3

أنجز هذا التحقيق بدعم من شبكة أريج (إعلاميون من أجل صحافة استقصائية عربية)


تعليقاتكم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.