ملاحات "البردويل"

9 سبتمبر 2014

– حفر الملاحات على ضفاف البحيرة يؤدي على خفض منسوب المياه وقتل كميات كبيرة من ذريعة الأسماك.

– حياة 5 آلاف صياد في “البردويل” مهددة بالانهيار لان الملاحات غير ملتزمة بشروط هيئة الثروة السمكية.

– الملاحات أقيمت فترة الانفلات الامني بعد ثورة 25 يناير بمخالفة قانون البيئة قبل الحصول على الموافقات الرسمية من الجهات المختصة.

صوت الأمة لم يعرف الأربعيني محمد سلام غير مهنة الصيد في بحيرة البردويل بشمال سيناء والتي ورثها عن والده واجداده. كان يصطاد انواع فاخرة من الأسماك مثل البوري والدنيس والقاروص، إلى جانب الجمبري والكابوريا ليطعم أسرته المكونة من سبعة أفراد ويبيع حصيلة الصيد في السوق.

لكن سلام انضم الى صفوف العاطلين عن العمل حاله حال عشرات الصيادين هنا مع تراجع اعداد الاسماك منذ اقامة 22 ملاحة إجمالي مساحتها 32 كم مربعا عام 2012 بينما كانت البلاد تغرق في فوضى ما بعد أحداث 25 يناير 2011 التي أطاحت بنظام حسني مبارك.

تعتمد هذه الملاحات في انتاجها على مياه البحيرة لكنها لا تلتزم بشروط وضعتها الهيئة العامة للثورة السمكية التي تشرف على البحيرة.(إطار 1)* ولم يكن هناك من قبل ملاحات خاصة بمستثمرين تعتمد على مياه البحيرة.

حياة خمسة آلاف صياد في البردويل وأسرهم باتت مهددة بالانهيار لأن الملاحات غير ملتزمة بشروط وضعتها هيئة الثورة السمكية بحسب  نقيب الصيادين بشمال سيناء سمير السيد مع أن المستثمرين يصرون على أنهم يعملون على ترخيص غالبيتها.

قيام الملاحات ادي الى انخفاض زريعة الأسماك التي تنجرف إلى الملاحات عبر 22 مأخذا للمياه، حسب تأكيد الدكتور موسى عميرة، الرئيس التنفيذي لبحيرة البردويل بالهيئة العامة للثروة السمكية. وتتحول ذريعة الأسماك – وهي نتاج موسم التزاوج – إلى أسماك كبيرة أثناء فترة منع الصيد في البحيرة لمدة ثلاثة شهور من منتصف يناير حتى منتصف إبريل من كل عام.

بحيرة عالمية

بحيرة البردويل، ومساحتها حوالي 700 كيلومتر مربع، هي ثاني أكبر بحيرة في مصر وواحدة من أنقى البحيرات في العالم حسب ما جاء في دراسة الباحث حسين خالد نصر بجامعة قناة السويس. وتتمتع أسماكها لذلك بسمعة عالية بسبب ابتعادها عن جميع أنواع التلوث ما رفع أسعارها بنسبة 15% – حسب سمير السيد  نقيب الصيادين بشمال سيناء –  مقارنة بمثيلاتها من إنتاج البحيرات الأخرى.

شريط رملي ضيق يفصل بحيرة البردويل الضحلة (عمقها يتراوح ما بين 0.3 و 3 متر)  عن البحر الابيض المتوسط باستثناء فتحتين تدخل عبرهما مياه البحر لتغذية البحيرة وقت المد.

بداية المشكلة الانفلات الأمني

يقول مسؤولون إن مشكلة الملاحات بدأت وقت الانفلات الأمني عقب أحداث 25 يناير 2011 حين قام بعض رجال الأعمال من أبناء سيناء بوضع أيديهم على أراض متاخمة لشاطئ البردويل وأقاموا الملاحات قبل أن يحصلوا على أي موافقات.

ويتطلب إنشاء ملاحة الحصول على موافقات من جهات عديدة ( إطار 2)** تبدأ بتقديم الطلب لدى إدارة المحاجر في محافظة شمال سيناء ثم استصدار موافقات مبدئية من الهيئة العامة للثروة السمكية وإدارة شؤون البيئة والأمن العام بوزارة الداخلية والمخابرات الحربية.

يضيف المسؤولون أنه بعد حصول المستثمر على كل هذا الموافقات يقوم بإنشاء الملاحة، وإذا ثبت أنه قد راعى اشتراطات كل جهة، يحصل المستثمر على موافقة جهاز تنمية سيناء – وهو هيئة مستقلة مقرها القاهرة – “لأنتاج الملح”.

ويوضح المهندس حسن العلاقمي، رئيس قسم الملاحات بإدارة المحاجر بشمال سيناء، أن كل ملاحة ستنتج قرابة 100 طن سنويا. ويضيف أن سعر الطن يتراوح بين 60 و80 جنيها.

ويبلغ حجم استهلاك الملح في مصر حوالي ‏500‏ ألف طن سنويا، بحسب المهندس حمدي صبري، رئيس مجلس الادارة والعضو المنتدب للشركة المصرية لتكرير الملح.

ملاحات بلا موافقات

يؤكد الجيولوجي جمال حلمي، مدير إدارة شؤون البيئة بمحافظة شمال سيناء، أن 18 ملاحة من هذه الملاحات أقيمت دون موافقات على الإطلاق وأنه يجري العمل على إنشاء خمس ملاحات أخرى أيضا بدون الحصول على أي موافقات.

ويؤكد حلمي أنه لا يستطيع إزالة هذه الملاحات وليس أمامه سوى إحالة ملف كل ملاحة مخالفة إلى المسؤولين بوزارة الدفاع بصفتها الوزارة صاحبة السلطة.

وتخضع أراضي شبه جزيرة سيناء كلها – بما فيها الأراضي المقام عليها الملاحات – لتصرف القوات المسلحة لأهميتها للأمن القومي.

غير أن الملاحات بقيت مكانها ولم يستطع أحد إزالتها حتى الآن بسبب اضطراب الأوضاع السياسية والأمنية في البلاد.

موافقة ثم رفض

يؤكد  بعض المستثمرين أنهم حصلوا على موافقة وزير البيئة على اقامة أربع ملاحات بتاريخ  18/10/2013.

كان رئيس مجلس إدارة الهيئة العامة لتنمية الثروة السمكية خالد عبد العزيز الحسني قد وافق على حفر مأخذ مياه من بحيرة  البردويل لإقامة 6 ملاحات.

لكن بعد توقيع الموافقة يوم 24 مارس 2013، عاد وأصدر قرارا يوم 9 يونيو 2013 بإزالة جميع الملاحات التي أقيمت على بحيرة  البردويل. ويقول مسؤولون بالهيئة إن الحسني اكتشف لاحقا أن الملاحات تحصل على المياه من البحيرة عبر فتحات مباشرة ما يؤدي إلى تدفق الزريعة مع المياه وهو ما يخالف الشروط التي وضعتها الهيئة لإنشاء الملاحات.

وقد وثق كاتب التحقيق اعتماد الملاحات على فتحات تتدفق منها مياه البحيرة بغزارة.

وعند التحري عن سبب إصرار أصحاب الملاحات على المخالفة، أوضح بعض المستثمرين والعاملين هناك، وقد طلبوا عدم نشر أسمائهم، أن المواسير الضيقة ووضع شباك بعيون ضيقة حسب المواصفات ستعيق من تدفق المياه بغزارة، ما يؤثر على تدفق المياه بالكميات الكبيرة التي تحتاجها الملاحات يوميا.

المستثمرون يشكون تعنت السلطات

يرد هشام أبو قرومة، وهو أحد أصحاب الملاحات، على الاتهامات الموجهة لهم قائلا إنه أقام ملاحته بموجب القانون 14 لسنة 2012 الذي يسمح لأصحاب الأراضي بنظام وضع اليد باستغلالها في إقامة المناجم والمحاجر بموجب حق الانتفاع.

ويضيف أنه بدأ استصدار الموافقات بتاريخ 25 /7 / 2012 من هيئة الثروة السمكية والبيئة ضمن المستثمرين الذين تقدموا لإنشاء ملاحات في نطاق بحيرة البردويل. وحصل أربعة مستثمرين على موافقات من جهاز شؤون البيئة اطلع عليها كاتب التحقيق.

ويشير أبو قرومة إلى أنه ينتظر موافقة  القوات المسلحة والأمن العام، مؤكدا أن الملاحة بدأت في مرحلة نمو الملح وسيتم حصاده ونقله من الملاحات بعد مرور3 سنوات من إنشاء الملاحة.

ويؤكد أبو قرومة أن استثمارات أصحاب الملاحات ستحقق حوالي 250 مليون جنيه في السنة الواحدة من انتاج الملح  إلى جانب إقامة المستثمرين مصنعا لإنتاج الملح بمنطقة “الروضة” على مسافة حوالي 12 كيلومترا من الملاحات سيقضي على نسبة كبيرة من البطالة في شمال سيناء بتشغيل حوالي 10 آلاف شاب.

موسى عكيرش، صاحب أحد الملاحات، يؤكد هو الآخر أن رجال الأعمال تقدموا للحصول على الموافقات اللازمة في 17/5/2012 لتشغيل الملاحة من الجهات المختصة.

فالمستثمرون لا يتعرضون إلا لمسألة حقهم في وضع اليد على أراضي الملاحات، دون الالتفات إلى المخالفات المتهمين بارتكابها أو إلى محاولة تسويتها.

الموقع أصلا مخالف

 يرى مسؤولون وخبراء أن موقع الملاحات أساسا يهدد حياة الكائنات في البحيرة.

ويقول د.موسى عميرة، المدير التنفيذي لبحيرة البردويل، ان “حفر الملاحات قرب شاطئ البردويل يعد هجوما شرسا يؤدي إلى خفض منسوب مياه البحيرة وقتل كميات كبيرة من الزريعة السمكية.”

ويضيف أنه في عام 2010 بلغ إنتاج البحيرة حوالي 5400 طن من الأسماك ليتراجع بعد إنشاء الملاحات خلال 2012 إلى 4900 طن ثم إلى 3200 طن بنهاية 2013.

ويؤكد رئيس جمعية الصيادين سليمان أبو عيد انه يجب إقامة الملاحات بعيدا عن البحيرة مسافة 200 متر حسب الضوابط التي وضعتها الهيئة العامة لتنمية الثروة السمكية لأن قرب المسافة يعمل على إهدار مياه البحيرة في أحواض الترسيب لاستخراج الملح.

ويضيف ” لكن هناك ملاحات أقيمت على مسافة 150 إلى 170 مترا فقط.”

وهناك مخالفات أخرى يقوم بها أصحاب الملاحات وتهدد الثروة السمكية في البحيرة.

يقول عميرة ان استخدام المواتير يسحب مياه البحيرة إلى الملاحات بسرعة شديدة فتحمل معها أعدادا كبيرة من زريعة الأسماك، ما يسهم في التناقص الحاد في الأسماك.

وسحب المياه بالمواتير يخالف الشروط التي وضعتها هيئة تنمية الثروة السمكية لأن ذلك يجذب الزريعة  إلى الملاحات ويخفض منسوب  المياه وبخاصة خلال فترة منع صيد الاسماك حين تكبر الزريعة.

المسؤولون يتبادلون الاتهامات

يؤكد رئيس الهيئة العامة لتنمية الثروة السمكية الدكتور خالد الحسني أن البعض حصل على موافقات من المحافظة ووزارة البيئة لعمل ملاحات على شاطئ البردويل، وإن هذا “أمر في منتهى الخطورة على الثروة السمكية بالبحيرة التي تعد آخر بحيرات مصر النظيفة، ويهدد بالقضاء على الثروة السمكية”.

أما العلاقمي، رئيس قسم الملاحات بإدارة المحاجر بمحافظة شمال سيناء، فيرد قائلا إن الملاحات أقيمت وفقا لمرسوم بقانون 14 لسنة 2012 الخاص بأراضي وضع اليد.

لكن حلمي، مدير عام ادارة شؤون البيئة بديوان المحافظة نفسها، يعقب على ذلك قائلا إن جميع الملاحات المقامة على البحيرة تقع داخل حدود محمية الزرانيق، وبالتالي لا ينطبق عليها قانون وضع اليد، متجاهلا ما تسببه هذه الملاحات من آثار بيئية سلبية.

ويبدو أن غياب التنسيق بين كل هذه الجهات والاصرار على سلطتها، يتيح للمستثمرين الحصول على موافقة إحدى الجهات متجاهلين ما تضعه جهات أخرى من شروط ومواصفات.

المسؤولون يقترحون حلولا

حاول بعض المسؤولين وضع نهاية لهذه المعضلة باقتراح بعض الحلول، لكن المستثمرين الذين يزعم بعضهم أنهم وضعوا كل أموالهم في مشروع الملاحة، يرفضون اي حلول تتضمن تكاليف إضافية.

يرى عميرة، الرئيس التنفيذي لبحيرة البردويل، أن حلا سبق طرحه واخطر به أصحاب الملاحات يشتمل على مد قناة من البحر مباشرة لتمر بموازاة البحيرة وعلى مسافة 200 متر من الحدود الإدارية للبحيرة، ليتم تغذية الملاحات بالمياه من خلالها.

ويضيف أن المستثمرين رفضوا هذا الحل بدعوى تكلفته العالية وبعد موقع الملاحات عن ساحل البحر حيث “اختاروا الاستسهال في تغذية ملاحاتهم من مياه البحيرة مباشرة”.

ويوضح– أحد المستثمرين بالملاحات – أن هذا الحل سيتكلف قرابة مليوني جنيه.

ولا يعد هذا الرقم ضخما إذا أخذنا في الاعتبار أن أكثر من 20 مستثمرا سيتقاسمونه وما ستدره هذه المشروعات من عائد ضخم.

الصيادون لا يجدون أسماكا

تراكمت الديون على الصيادين بعد أن تراجع حجم المخزون السمكي في البحيرة ولم يعد بمقدورهم الإنفاق على مراكبهم ومعداتهم. ولا يستطيع الصيادون رفع دعوى قضائية على المسؤولين عن إنشاء الملاحات لأنها تتكلف أموالا طائلة وتستغرق سنوات.

ويشكو الصياد مبارك نغيمش قلة السمك، قائلا “تراكمت الديون علينا لأن الإنتاج لم يعد يغطي تكاليف الشباك وصيانة المراكب والمعيشة.”

ويضيف “الملاحات ستدمر البحيرة وتقضي على أسماكها تماما”.

ويشير الصياد شعبان سلامة سويلم إلى أن موسم الصيد الجديد الذي بدأ في مايو الماضي لم يبشر بخير حيث طغت نسبة إنتاج القشريات “الجمبري والكابوريا” على الأسماك البيضاء، نظرا لتكاثرها بأضعاف كمية الأسماك.

وتزداد القشريات في البيئة المائية حين تقل الأسماك التي تعد عدوها الطبيعي.

وبينما تتصاعد الخلافات بين الهيئة العامة لتنمية الثروة السمكية وأصحاب الملاحات يبقى صيادو الأسماك ببحيرة البردويل وحدهم يعانون قلة الرزق وانضمام غالبيتهم لصفوف البطالة.

الشروط التي وضعتها الهيئة العامة للثروة السمكية:

– لا يقل عمق مأخذ المياه عن 3 أمتار.

– يتم اخذ المياه من البحيرة عن طريق ماسورة لا يزيد قطرها عن 1 متر

– أن يكون منسوب الماسورة في منتصف المياه على عمق متر واحد من كل من السطح والقاع

– أن يتم وضع الشباك المناسبة  بشرط ألا يزيد قطر فتحاتها عن 2 ملليمتر لحجز الزريعة  والقشريات المتدفقة مع المياه

– أن يتم التحليل الدوري لمياه البحيرة عند ذلك المأخذ كل نصف سنة لمعرفة تأثير المأخذ على مياه البحيرة.

المهندس جمال حلمي مدير إدارة شؤون البيئة بديوان عام محافظة شمال سيناء يقول انه تم  إنشاء البنية التحتية للملاحات قبل الحصول على أي موافقات من وزارة البيئة في فترة الانفلات الأمني بعد 25 يناير 2011. وتشمل البنية التحتية تقسيم الموقع الى مجموعة من الاحواض تفصل بينها جسور طينية وهي “حوض التركيز وحوض الترسيب ومنطقة الصرف” فضلا عن شق قنوات تغذية بالمياه  لتغذية الأحواض بالمياه مباشرة من البحيرة.

 تم إعداد هذا التحقيق الاستقصائي بدعم من شبكة أريج اعلاميون من أجل صحافة استقصائية عربية www.arij.net ضمن برنامج تدعيم الإعلام لتغطية قضايا الإدارة العامة في  المحافظات.


تعليقاتكم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.