مشافي للاستشفاء ام .....؟!

4 مارس 2008

تحقيق: حمود المحمود

تشرين يتهم المهندس أحمد المصري أطباء من أحد المشافي الخاصّة في حلب بـ «قتل» ولده الشاب مجد المصري 14 عاماً، والذي توفّي العام الماضي بسبب مضاعفات صحية إثر إجراء عملية زائدة دودية في مستشفى كان قد تلقّى إنذاراً بسبب الجرثمة واهمال التعقيم.

الدعوى التي نقلها والد مجد إلى محكمة الجنايات، تتضمن 13 تهمة ضد المشفى، تركّز في مجملها على إجراء العملية الجراحية دون اتخاذ الاحتياطات المطلوبة للتعقيم، بما فيها إجراء العملية للشاب دون خلع ثيابه ودون استبدالها بثياب معقمة، وكذلك مزاعم من أن المستخدمة المختصة بتنظيف النفايات عاونت الطبيب الجرّاح في العملية، وأنها كانت تناوله الآلات الطبية دون تغطية يديها بقفازات. ‏كلمة «إهمال» ذكرت أيضا في أكثر من خمسين شكوى تلقتها نقابة أطباء دمشق خلال العام 2007 وصدرت عقوبات بالحبس وإدانات قضائية ضد ثلاثة أطباء جراحين في دمشق ـ حلب وطرطوس مؤخراً، بعد وفاة ثلاثة أطفال أثناء عمليات جراحية متفرقة بسبب «الإهمال».ولايكاد ينقضي أسبوع إلاّ وتنشر الصحف أو مواقع الانترنت السورية خبراً أو تقريراً عن شكوى ضد أحد الأطباء، متضمنة اتهامات له بالإهمال أو التقصير. ‏‏

قطة سوداء ‏

في حادثة وفاة الشاب مجد المصري سجّل بعض الشهود، أنّ قطة سوداء كانت تلعب في غرفة العمليات أثناء وجود المريض تحت العملية. كما يروي د. لطفي بوبس (أحد أعضاء لجنة الرقابة على المشافي) أنّه أمسك سرباً من الصراصير وهي تزحف على حائط إحدى غرف العمليات في مستشفى حكومي مشهور في دمشق. ‏‏

وحين أصبح الطريق سالكاً أمام القطط والصراصير للوصول إلى غرف العمليات، فلا غرابة عندها أن يكون انتشار الجراثيم التي لاتراها العين المجرّدة بمستوى النتائج المسحية والطبية التي ظهرت خلال الأعوام الثلاثة الأخيرة في كل المشافي السورية، حيث يسجل عدد المشافي المجرثمة والمعاقبة بسبب إهمالها للتعقيم رقماً مضاعفاً ما بين 2005 و 2007.

‏يبيّن مدير المشافي في وزارة الصحّة د. هشام ضويحي أنّ «الوزارة وجهت العام الماضي إنذارات إلى ما مجموعه 32 مشفى خاصاً قبل أن تصدر قرارات بإغلاق 16 منها لمدة شهر بسبب تكرار الإنذارات وإهمالها للتعقيم الذي أدّى إلى انتشار الجراثيم فيها بنسب عالية». وكانت وزارة الصحّة قد أغلقت 10 مشاف خاصة عام 2005 للأسباب نفسها. ‏ويعتقد مدير مخابر وزارة الصحّة د. هزّاع خلف «أنّ مديريات الصحّة في المحافظات لو قامت بواجبها في مراقبة كل مشافي القطر والبالغة 110 مشاف عامّة و 353 مشفىً خاصّاً، لكانت الإنذارات والإغلاقات أكبر من ذلك بكثير». ‏

دمشق: مسيطرة ‏

وفي عام 2006 جرت دراسة في غرف العمليات التابعة لمستشفى المواساة الأضخم في دمشق، ثبت خلالها أنّ الجراثيم المسببة للإنتانات فيها أعلى من النسب العالمية للدول النامية. ‏فمن بين 466 مريضاً أجروا عمليات جراحية في المشفى، أصيب 100 منهم بجراثيم المشافي أي 21.5% من العينة. ‏«وقد كانت نسبة انتشار الجراثيم في غرف العمليات مرتفعة في هذا المشفى قياساً بالنسب العالمية» كما يقول معد الدراسة الدكتور صفوان الزعبي مقارنة مع نسب الدول النامية 9.28% في تايلاند، و 3.6% في الأردن وفي ماليزيا 4 3.%. ‏كان أهم الجراثيم في المشافي السورية: العنقوديات المذهبة slaph. Avreus والتي تسبب «نخراً للانسجه وانحلالا للدم» هي المسيطرة في قسم الاسعاف والعمليات الجراحية تليها جرثومة العصيات الزرق pseudomonas، والعقديات streptococcus، كليبسيلا(klebsiella) وغيرها. ‏

كما جرت دراسة مماثلة في مشفى الأطفال في دمشق عام 2003 لرصد انتشار الجراثيم مقارنة مع العامين السابقين. وسجّلت حالات 276 طفلاً أصيبوا بجرثومة العصيات الزرق بحسب دراسة أشرف عليها الدكتور تيسير البنّي من كلية الطب في جامعة دمشق. ‏أثبتت هذه الدراسة سبب الإصابة بشكل مفصّل، إذ تم تحديد 75% من هذه الإصابات بأنها من المشفى بسبب سوء التعقيم، فيما كانت إصابة 25% منهم من خارج المشفى. ‏

وحددت الدراسة أكثر، حين أوضحت أنّ أكثر الأقسام التي كانت ملوثة بهذه الجرثومة، كانت على التوالي: شعبة الطفل الخديج، ثم الطابق الخامس المحتوي على غرف الأطفال المرضى، ثم شعبة العناية المشددة». ‏ويقول الدكتور مجيب ملحم ـ من شعبة الأمراض الإنتانية في المشفى: «إنّ الدراسات أثبتت وجود العصيات الزرق وجراثيم أخرى خطيرة كالكليبسيلا، وأنها من الأنواع التي أصبحت مستعصية على العلاج». ‏‏

حلب: هواء ملوث

‏ أثبتت دراسة اخرى أجريت لمصلحة كلية الطب البشري عام 2004، وراقبت غرف العمليات الجراحية في مستشفى حلب الجامعي على مدى عام كامل، ورصدت حالة 1360 مريضاً أجروا عمليات جراحية، تبيّن أنّ 130 مريضاً أي 9.5% منهم تعرضوا لجراثيم كان انتشارها على الترتيب (مكورات ذهبية، إيشيريشيا، متقلبات، كليبسيللا، عصيات زرق).

‏و قال الدكتور أمير الفرج معد الدراسة: «هذه النتيجة تفيدنا في وجوب اتباع سبل وقائية أكثر اعتماداً على التعقيم الجيد لساحة العمل الجراحي، وإعداد غرف العمليات بشكل جيد للحد من هذه العدوى». ‏وأجرت الدراسه زرعاً جرثومياً لاختبار غرف العمليات لثلاثه أيام: سبت، اثنين، أربعاء تقول النتائج: «نستنتج وجود تلوث لابأس به لغرف العمليات». ‏ومن نتائج الزرع أيضاً: «يلا حظ وجود التلوث صباح يوم العمل الجراحي في هواء غرف العمليات بنسبه 80% لايام السبت والاثنين و100% ليوم الاربعاء» حسب طريقة القياس التي تتم بوضع اطباق في ارض غرفة العمليات. ‏وللعلم فإنّ «تعقيم غرف العمليات في مشفى حلب الجامعي يتم مرّة واحدة يومياً، أي بعد عدد من العمليات» كما يقول الدكتور بكري دبلوني مدير عام المشفى، فيما «يفترض أنّ يتم تعقيم غرف العمليات بعد كل عملية» كما يقول الدكتور هشام ضويحي مدير المشافي في وزارة الصحّة. ‏

وليست غرف العمليات وحدها هي التي كشفت هذه الدراسة جرثمتها بتلك النسبة، بل أثبتت أيضاً تلوث أسرّة المرضى جرثومياً بنسبة 100% (عنقوديات مذهبة، ايشيريشيا كولوني، كليبسيللا، فطور)، ما يدعو ـ بحسب الدراسة ـ إلى «ضرورة إجراء تبديل يومي ولمرتين، لأغطية المرضى والشراشف للغرف». (استعمل وصفاً لمريض يشكو من شكل الشرشف). ‏ويقول مدير مشفى حلب الجامعي د. بكري دبلوني: «العناية المشددة، هو القسم الوحيد في المشفى والذي تتعهد التعقيم فيه شركة متخصصة، فيما تخضع بقية أقسام وأجهزة المشفى لعمل عمّال نظافة عاديين، لعدم وجود الميزانية الكافية لتشمل أعمال شركة التعقيم المتعهدة كل أقسام وأجهزة المشفى».

‏الفرق ‏

وتختلف أساليب التعامل والرقابة الجرثومية التي تمارسها وزارة الصحّة بين المشافي الخاصّة والعامّة. «ففي المشافي الخاصّة، تردنا تقارير الرقابة الجرثومية» يقول الدكتور لطفي بوبس رئيس دائرة المشافي الخاصّة في وزارة الصحّة، موضحاً أن مديريات الصحّة في المحافظات، هي المكلّفة بإجراء هذه الاختبارات بشكل منتظم. ‏«بناء على هذه التقارير ـ يقول الدكتور بوبس ـ يتم إنذار المشافي التي وجدت فيها الجراثيم مهما كانت نسبة وجودها، بحيث يتم إغلاق القسم الذي اكتشفت فيه الجراثيم لمدّة اسبوع». ‏

و«في هذه الأثناء تكون إدارة المشفى مطالبة بإعادة التعقيم، بحيث يجري إعادة الزرع والاختبار الجرثومي للمشفى» كما يقول د. بوبس. ويتابع: «فإذا ثبت أنّ الجراثيم مازالت موجودة، يتم إغلاق المشفى بالكامل لمدّة شهر على الأقل لحين إعادة الزرع مرّة أخرى». ‏أما المشافي العامّة، فتجري فيها الاختبارات الجرثومية بشكل مستمر، «حيث يفترض أن تقوم بها لجنة مكافحة الانتانات والتي جرى تعيينها في كل مشفى عام» كما يقول الدكتورغسان حجة رئيس دائرة المشافي العامّة. ويضيف: «كما يتم إجراء فحص دوري للمشافي العامّة كل ثلاثة أشهر من قبل مديريات الصحّة». ‏غير أنّ الاختلاف بين المشافي الخاصّة والعامّة، هو أنّه «لايوجد سوى إنذارات للمشافي العامّة المخالفة، ولاتسمح القوانين بإغلاقها» كما يقول د. حجة. ‏ومن خبرته كمدير لمخابر وزارة الصحة (الجهة المسؤولة عن تحليل الزروعات الجرثومية للمشافي) يقول الدكتور هزاع خلف: «مازالت لجان مكافحة الانتانات غير فعّالة كما يجب». ‏

الأكثر جرثمة ‏

غير أن ماتتفق فيه المشافي العامّة والخاصّة هو التشابه في الأماكن الأكثر جرثمة في الاثنين معاً، حيث يكشف كل من رئيس دائرة المشافي الخاصة والعامة، أنّ أكثر الأماكن التي جرى إحصاؤها على أنّها الأكثر جرثمة في المشافي العامّة والخاصّة: «غرف العمليات، وغرف العناية المشددة». ‏

ويأتي الشاش الذي يستخدم في غرف العمليات في المرتبة الأولى، ضمن المواد الأكثر جرثمة في غرف العمليات والعناية المشددة، كما يقول رئيس دائرة المشافي الخاصّة د. لطفي بوبس، موضحاً أنّ «الخطأ الذي تقع فيه معظم المشافي الخاصّة والعامّة، هو أنّهم يعقمون الشاش ويضعونه في علب كبيرة، ما يجعله معرضاً للجرثمة بمجرد فتح العلبة لأخذ قطعة من هذا الشاش». ‏ويعلّق د. بوبس: «ومع ذلك يظلّون يتعاملون مع هذا الشاش على أنّه معقم». ويوضح: «بينما الإجراء الصحيح والذي نادراً ماتطبّقه المشافي السورية، هو تخصيص عبوات صغيرة للشاش تكفي للاستخدام لمرّة واحدة». ‏وتأتي (المنفسة) في المرتبة الثانية في الأماكن الأكثر جرثمة في المشافي العامّة والخاصة، «حيث يجب تبديل ماصّات المفرزات وتعقيمها مع كل مريض يستخدمها» كما يقول د. غسان حجّة رئيس دائرة المشافي العامّة. ‏يعبر هذا الطبيب عن أسفه بأنّ مايحصل في حالات كثيرة هو «إمّا مجرّد تبديل للقطعة التي تكون على تماس مباشر مع المريض، أو مجرد تعقيمها». ويضيف: «وفي كلا الحالتين فإنّ الإجراءات الكفيلة بقتل الجراثيم لم تكتمل، حيث يفترض تبديل ماصّات المفرزات مع تعقيم كامل للمنفسة ومجاريها».

‏ ‏ تطهير أم تعقيم؟‏

ولايخفي الدكتور هزاع الخلف مدير مخابر وزارة الصحّة، أنّ «الاختبارات تؤكّد أنّ المشافي السورية سواءً في القطاع العام أو الخاص، لا تلتزم بمعايير التعقيم إلاّ بالحد الأدنى»، ويضيف: «حتى المشافي التي تتعامل مع شركات متخصصة بالتعقيم، فإنها لم تفلح في الوصول إلى نتائج أفضل». ‏ويقول الدكتور غسان حمّص المدير الطبي لمستشفى الأسد الجامعي في دمشق: «هناك فرق كبير بين التطهير والتعقيم»، ويعبّر عن أسفه بأن كثيراً من المشافي تكتفي بالتطهير، معتبراً أن التعقيم يحتاج لتجهيزات حديثة تختلف باختلاف الأجهزة المراد تعقيمها. «فهناك أجهزة تتطلب التعقيم بالبخار وأخرى بالغاز وأخرى بالأشعة السينية». ‏

ويؤكّد الدكتور حمّص أنّ «على المشافي محاسبة متعهدي التنظيف والتعقيم، والذين تعتمد عليهم معظم المشافي السورية، أن تحاسبهم على النتائج بشكل صارم». ‏بينما يعتبر الكيميائي سليمان بوبس مسؤول التعقيم في شركة زرزور (المتعهدة لتعقيم مشافي وزارة الصحّة في دمشق) أنّ «كثيراً من المشافي الخاصة والعامّة، تمنح المناقصات لشركات تعقيم غير مؤهّلة وبصرف النظر عن مستوى الكادر العامل في الشركة ونوعية المواد المستخدمة في التعقيم، وتفضّل بدلاً من كل ذلك الاعتماد على السعر الأرخص الذي تقدّمه الشركات الداخلة في المناقصة».

‏ويقول بوبس: «إحدى شركات التعقيم فازت بإحدى مناقصات القطاع العام لتعقيم أحد المشافي، حينما قدّمت عرضاً بمليوني ليرة، فيما كانت مواد التعقيم الأصلية نفسها تكلّف خمسة ملايين ليرة، مايؤكّد أنّ هذه الشركة لاتستعمل مواد أصلية في التعقيم». ‏ورغم أنّ مديرية المشافي في وزارة الصحّة أصدرت دليلاً علمياً يوجّه المشافي وشركات التعقيم إلى المواصفات المقبولة لمواد التعقيم بحسب المكان المطلوب تعقيمه، مع ذلك فإنّ هذا الدليل بقي اختيارياً وإرشادياً لم تلزم وزارة الصحة أحداً بتطبيقه. كما أنّ شركات التعقيم المرخصة في سورية والبالغة (11) شركة، لا تخضع لجهة محددة تراقبها إذ لاتتدخل وزارة الصحّة في منح التراخيص لها، حيث يقتصر منحها على وزارتي الاقتصاد والصناعة بناءً على سجل تجاري أو صناعي، كما لاتتدخّل كل من الوزارتين المانحتين للترخيص سوى بالإجراءات المتعلقة بالترخيص ذاته. ‏‏

موقع الشهيد

‏ وهاهو سجل المراقبة الجرثومية في مديرية مشافي وزارة الصحة للعام 2007 يكشف أنّ أحد المشافي الخاصّة الأكثر شهرة والأغلى سعراً، تتكرر فيه هذه النتائج: (حاضنة مشغولة بطفل، سرير مشغول بطفل، سرير مريض عناية) جميعها مجرثمة بنسبة غير مقبولة.. حيث يكتشف المواطنون، أنهم يدفعون أحياناً أرواحهم وأرواح أطفالهم فوق أموالهم بسبب إهمال التعقيم.. ‏في هذه الاثناء ما زال والد مجد المصري ينتظر صدور قرار المحكمة بعد أن أطلق موقعاً الكترونياً سماه «موقع الشهيد مجد المصري». ‏

هذه الجراثيم على أيدي أطبائكم في غرف العمليات ‏تجارب في دمشق وحلب واللاذقية تكشف إهمال الأطباء وتسببهم في نقل الأمراض ‏

أظهرت آخر دراسة علمية لاختبار مدى التزام الاطباء والممرضين والعاملين في غرف العمليات بشروط العقامة أن أغلب العاملين في المجال الطبي في سورية لايلتزم بالشروط. ‏أجرت شركة (أوبال) Obal الألمانية المتخصصة بإدارة وتعقيم المشافي مسحاً جرثومياً شمل 6 مشاف حكومية كبرى في سورية، حيث تم اختيار (أشهر مستشفيين من كل وزارة: الصحة، التعليم العالي، الدفاع). ‏المسح الذي جرى عام 2004 طلب فيه خبراء الشركة الألمانية من الأطباء والعاملين تعقيم أيديهم بحسب المعتاد. ثم أخذوا من أيديهم عينات فورية تم تحليلها في مخابر ألمانية متخصصة، فكانت النتيجة عدم مطابقة الكادر الطبي في هذه المشافي لشروط التعقيم المطلوبة بحسب معايير منظمة الصحة العالمية، حيث يجب ألا تتجاوز 20 مستعمرة فقط على أيدي الجراحين والممرضين. ‏وجدت الدراسة 4484 مستعمرة جرثومية على أيدي أحد ألاطباء و820 مستعمرة على يد أحد الممرضين العاملين في غرف العمليات. ‏

غير ملزم ‏ وفي حلب لم تكن النتائج التي توصلت اليها دراسة أجريت عام 2004 لمصلحة كلية الطب البشري أفضل، فقد راقبت الدراسة غرف العمليات الجراحية في مستشفى حلب الجامعي على مدى عام كامل، وأثبتت أنّ نتائج الزرع والفحص الجرثومي التي تمّت في وقت الظهر لغرف العمليات في المشفى، أكّدت وجود الجراثيم بنسبة بلغت 100% وعلى مدار الأسبوع. ‏وهذه النسبة تؤكّد ـ بحسب الدراسة ـ أنّ: «التلوث الجرثومي لهواء غرف العمليات، هو تلوّث خارجي مصدره الطاقم التمريضي والطبّي والمرضى».

‏وأثبتت أيضاً، وجود نسب جرثومية عالية على أيدي الأطباء الجرّاحين. حيث تم إجراء الفحص لـ20 طبيباً وعلى مدى يومين، فكانت النتائج: «قبل غسيل أيديهم نسبة الجراثيم (العنقوديات المذهبة والبيضاء) عليها 100% وبعد الغسيل بقيت الجراثيم بنسبة 25%.». لذا أوصت الدراسة: «باتباع اسلوب التغسيل قبل الجراحة بشكل أفضل، وتطبيق كل الشروط من قبل الجراحين، وذلك للإقلال من التلوث الجرثومي». ‏وتفترض لجنة المراقبة في مديرية المشافي التابعة لوزارة الصحة من إدارات المشافي نفسها مراقبة مدى التزام الأطباء بشروط التعقيم، حيث حددت عبر دليل توجيهي (غير ملزم) تعليمات طلبت من الأطباء والعاملين في غرف العمليات ضرورة تعقيم أيديهم بمواد معقمة غير مخرشة لمدة لاتقل عن خمس دقائق، وارتداء قبعه خاصة لمنع تساقط الشعر، وتجنب ارتداء المجوهرات والساعات وغيرها من الاكسسوارات المعدنية. ‏‏

الأطباء والسل ‏

لجان مكافحة العدوى في المشافي العامة، تسعى هي الأخرى للبحث عن التزام ذاتي من قبل الكادر الطبي والعامل في المشافي، و يقول الدكتور نذير حاج سعيد رئيس لجنة مكافحة العدوى في مشفى دمشق: «ما نقوم به هو ترسيخ القناعة لدى الأطباء والكادر التمريضي بصرورة الالتزام بشروط التعقيم والنظافة من خلال التعليمات والتنبيهات التي ننشرها في كل الأقسام». ويضيف: «ننشر سوائل التعقيم في كل مكان في المشفى ونكتب تعليمات تطلب من الأطباء والممرضين والعاملين تعقيم أيديهم في حال لمسوا أي مريض أو جهاز». ‏لكن «يبدو من الصعب عملياً القيام بمراقبة كل طبيب وممرض وعامل وإجراء مسح يومي ليديه والتأكّد من مدى العقامة»، بحسب ما يقول الدكتور عماد سلطان رئيس دائرة المشافي في مديرية صحة حلب. ‏وكانت منظمة الصحة العالمية قد دعت منذ عام 2001 للاهتمام بتعقيم الكادر الطبي قبل الدخول إلى غرف العمليات واعتبرته أمراً «مهماً لضبط عملية انتشار الجراثيم في المشافي».

وحذرت في استراتيجيتها الخاصة بالحد من الانتشار الجرثومي في المشافي من أن النقص في تعقيم أيدي الأطباء والعاملين في مجال الرعاية الصحية، سيشكّل خطراً نظراً لمساهمته في نشر الجراثيم وتعريض الكادر الطبي والمرضى للجراثيم. ‏وما يؤكّد وقوع هذا الخطر في سورية، هو ما تكشفه دراسة أجرتها كلية الطب في جامعة تشرين (اللاذقية) عام 2005 على 400 من أطباء وممرضي وعاملي مشفى الأسد الجامعي، حيث تبيّن إصابة 43 طبيباً من أصل 137 بعدوى مرض السل انتقل إليهم من المرضى، وإصابة 60 من الممرضين البالغ عددهم 130 ممرضاً بالعدوى ذاتها، وكذلك إصابة 62 من العمّال البالغ عددهم 133 عاملاً في المشفى بالعدوى نفسها. ‏وبحساب النسب، فقد كانت نسبة إصابة الأطباء 31% وهي الأقل ثم تليها نسبة الممرضين ثم العاملين والتي كانت نسبتها الأعلى في الإصابة بالعدوى.

‏وتقول الدراسة التي أشرف عليها ثلاثة من الأطباء المختصين في عدوى المشافي والتعقيم وهم (د. عمر بلاش، د. أيهم لايقة، د. أحمد عبد الرحمن): « يمكن تفسير النتائج السابقة بوجود تعرض أشد للعدوى الدرنية لدى مجموعتي العمال والكادر التمريضي منه لدى الأطباء والذي يمكن أن يعزا إلى اتخاذ الأطباء لإجراءات وقائية مثل تجنب التماس المباشر لدى معرفتهم بوجود المريض الدرني (أي المصاب بالسل)». ‏

جهات عليا

‏ فيما كشفت دراسات لبعض لجان مكافحة العدوى في المشافي، ومنها تقرير للجنة مستشفى الأطفال منتصف الشهر السادس من العام 2006، أنّ الأطباء والكادر الطبي والعامل في المستشفيات بحاجة للتوعية لمعرفة مصدر العدوى وطرق تجنبها. وجاء في التقرير: «خلصت اللجنة إلى أنّ المناشف التي تستخدم لتنشيف الأيدي بعد غسيلها، تشكّل بؤرة مهمة لانتقال العدوى، وكذلك فتح وإغلاق صنابير المياه».

اقترحت اللجنة استبدال المناشف بورقية والصنابير بالنوع الذي يفتح بضغط الكوع، كما دعا التقرير إلى «نشر ثقافة غسيل الأيدي للكادر الطبي والعامل في المستشفى». ‏وتغيب المراقبة الرسمية للتأكد من التزام الأطباء والفريق التمريضي بشروط التعقيم ضمن أجنحة المشفى أو غرف العمليات، إذ يقتصر ماتطلبه وزارة الصحة على ضرورة وجود سجل رسمي في كل مستشفى يتضمن نتائج الفحص الدوري (كل ثلاثة أشهر) للأطباء والعاملين للتأكد من خلوهم من الأمراض السارية والمعدية… ‏«وتقتصر مهمة لجنة المراقبة، بحسب الدكتور لطفي بوبس ـ مديرية المشافي في وزارة الصحة على التأكّد من وجود هذا السجل في كل مشفى» دون إجراء أي اختبارات مفاجئة أو روتينية للأطباء والعاملين. ‏

أنجز هذا التحقيق بدعم وإشراف شبكة إعلاميون من أجل صحافة استقصائية عربية (أريج) www.arij.net .


تعليقاتكم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.