مدابغ جلود تستخدم مواد سميّة

28 أكتوبر 2014

الوطن لم يعد جسده النحيل يتحمل آلام المرض الصدرى الذى أصاب رئتيه بسبب استنشاقه الغازات المحمَّلة بالمواد الكيميائية داخل مدبغة الجلود التى يعمل بها بمنطقة مصر القديمة، العامل الأربعينى جمال محمود سعد، الذى يعانى من أمراض جلدية أخرى تبدو واضحة على وجهه وذراعيه، لا يهتم بارتداء كمامة تقى جهازه التنفسى من الروائح المنبعثة دائماً من المواد الكيميائية، ولا قفاز يحمى يديه من خطورة التعرض للمواد الضارة، فكل ما يهم العامل البسيط فقط هو ما سيحصل عليه من أجر فى نهاية يوم شاق من العمل، فهذا يأتى فى المرتبة الأولى والثانية والأخيرة، أما ارتداء القفاز والكمامة وسلامة جسده المعرَّض لأمراض عديدة أقلها حساسية الصدر وأخطرها مرض السرطان فلا مكان لها ضمن اهتماماته، حتى وإن كانت تلك الأمراض أنهت حياة أخيه الذى كان يعمل معه فى نفس المدبغة. «الوطن» تكشف فى هذا التحقيق الاستقصائى، وفق تحاليل أجرتها على أربعة منتجات جلدية، وجود مواد مسرطنة تستخدمها مدابغ الجلود تضر العامل والمستهلك، حيث تظهر نتائج التحاليل التى أجريت فى أكبر مركز بحثى حكومى أن كافة العينات غير مطابقة للمواصفات القياسية المصرية، وتحتوى على مواد ضارة أخطرها «الكروم السداسى» المسرطن..

إضافة مواد كيميائية على الجلود قبل دباغتها

المخاطر الصحية لا تقتصر على «جمال» وقرابة 60 ألف عامل مباشر وغير مباشر -غالبيتهم غير مؤهلين- فى حوالى 500 مدبغة محلية تتركز فى مصر القديمة (وفق إحصاءات غرفة صناعة الجلود). بل يحذر خبراء وأطباء أنها تهدّد أيضاً ملايين المستخدمين لمنتجات تلك المدابغ.

وتوصل هذا التحقيق إلى أن غالبية مدابغ مصر تستخدم مواد رديئة الجودة مضرة بالصحة تستورد من الصين، وسط ضعف رقابة وزارتى الصناعة والتموين، وانخفاض العقوبات الرادعة فى قانون حماية المستهلك رقم 67 لسنة 2006.

الرقابة الصناعية لم ترد على طلب التعليق، فيما قطعت وزارة التموين وعداً بالتحرك لإجراء الفحوص.

« الوطن» تجرى تحاليل على 4 عينات من المنتجات الجلدية تثبت وجود مواد مسرطنة

وراء سور مجرى العيون الأثرى فى منطقة مصر القديمة، يقع أشهر تجمع فى القاهرة لمدابغ الجلود. بعد محاولات عدّة، سمح صاحب المدبغة التى يعمل بها «جمال» لمعدى التحقيق بالدخول والتصوير والتحدث مع العاملين بعد أن أوهموه أنهم يعملون على موضوع يتعلق بتطوير المدابغ.

المياه الملونة تغمر أرض المدبغة متسربة من براميل الدباغة. روائح كريهة تزكم الأنوف والأوساخ فى كل زاوية. تتوزع مهام العمال بين تصنيف الجلود وإزالة الشعر منها وغمسها فى براميل «الكيماويات». غالبيتهم يتعاملون مع المواد الكيميائية والجلود بأيديهم المجردة، التى تبدو على العديد منها آثار التهابات ولسعات. ولا تخطئ العين ما يبدو على بعض العمال من علامات الهزال والإعياء وشحوب الوجه. عدد قليل كان يرتدى قفازات لأنهم يتعاملون مع مواد حارقة تستخدم فى إزالة الشعر من الجلود الخام.

بعض المواد الكيميائية المستخدمة فى الدباغة

يقول «جمال» إن المواد الكيميائية المستخدمة تشمل سائل «ماء النار» الذى تسبب فى إصابة العديد من العمال بحروق، وأيضاً مادة النشادر التى تسبب لهم مشاكل صدرية.

بسؤاله عن المعيار الذى يستخدمه لتقدير كميات المواد التى يلقى بها على الجلود فى براميل الكيماويات، يهز «جمال» عظام كتفيه البارزة مستهجناً، ليجيب: «يا بيه إحنا بنشتغل بالبركة».

تكرر السؤال ذاته للعديد من العمال وأصحاب مدابغ فى المنطقة، ليتضح أنهم لا يعلمون شيئاً عن المواصفة المصرية القياسية لصناعة الجلود، التى صدر بها قرار وزارى رقم 1024 لعام 1991 وأدخلت عليها عدة تعديلات كان أحدثها عام 2011 لتحدد النسب المسموح بها والمواد المحظورة.

يقول مصطفى سيد، صاحب إحدى المدابغ وراء سور «مجرى العيون» إن «غالبية المدابغ تستخدم مواد ومستحضرات رخيصة الثمن لخفض تكلفة المنتج حتى تبيعه بسعر يتناسب مع طبيعة السوق والمنافسة مع الجلد الصناعى الرخيص، ففى حين يقترب ثمن بيع أنواع أحذية جلد محلية من ألف جنيه (حوالى 140 دولاراً) أو يزيد، تبلغ تكلفة الحذاء الصينى من الجلد المقلد حوالى 60 جنيهاً (8.5 دولار)»، على ما يشرح «سيد»، مؤكداً أن «المدابغ ومصانع الأحذية تسعى لإنتاج حذاء جلد طبيعى بأقل سعر ممكن لا يتجاوز 70 و80 جنيهاً (حوالى عشرة دولارات و11 دولاراً)».

«الرقابة الصناعية» ترفض الرد.. و«حماية المستهلك» يطلب معلومات لوقف المخالفين

ويضيف «سيد»: «إللى مش هيعمل كدا هيقفل، لأن المستهلك المصرى يهمه السعر إللى على قدّه».

من جانبه، يقول د. نبيل خميس رئيس وحدة الجلود بالمركز القومى للبحوث، إن صناعة دبغ الجلود فى مصر تشوبها مخالفات عديدة، فهى مهنة متوارثة عبر الأجيال لم تواكب فى أغلبها التطور العالمى. ويؤكد «خميس» أن بعض المواد الكيميائية المستخدمة فى عملية الدبغ محظورة وبعضها مباح، لكن بنسب محددة وفقاً للمواصفات القياسية. ويضيف أن «معظم الجلود التى تنتج محلياً وتوزع بالأسواق المصرية غير مطابقة للمواصفات المتعلقة بالصحة والسلامة».

الجلد المدبوغ قبل صباغته

يقول حمدى حرب أحد مصدرى الجلود: إن 10٪ فقط من مدابغ مصر تصدر للخارج، ولابد أن يلتزم مصدر الجلود بالمواصفات الأوروبية ولا يمكنه استخدام أية مواد كيماوية رخيصة الثمن وذات جودة منخفضة، حتى لا يفقد سوقه التصديرية. وأضاف «حرب» أن المدابغ المحلية تستخدم فى أغلب الأحيان مواد ذات جودة أقل نظراً لأسعارها المتدنية فى محاولة لخفض أسعار منتجاتها بالسوق المحلية.

يمكن للمواد الكيماوية المحظورة المستخدمة فى دباغة تلك المنتجات عند ملامستها لجلد الإنسان أن تتسرب إلى أغشية الجلد وتتسبب فى أمراض تبدأ بالحساسية وتصل خطورتها إلى حد الإصابة بسرطان الكبد والرئة والجلد، وفق تقرير صدر فى أغسطس 2013 عن معهد علوم الصحة البيئية بالولايات المتحدة الأمريكية http://ntp.niehs.nih.gov/. وفى الغالب تكون المواد المستخدمة فى الدباغة مصنوعة فى الصين ودول شرق آسيا، بحسب المعلومات المدونة على عبوات الدباغة التى طالعها معدو التحقيق خلال زياراتهم الميدانية للمدابغ. ويؤكد صاحب إحدى المدابغ أن أسعار هذه المواد منخفضة بالمقارنة بمستلزمات الصناعة الأصلية التى يتخطّى سعرها ضعف سعر المواد المقلدة وغير الصحية. وعلى سبيل المثال فسعر الطن من الكروم الروسى الأجود يبلغ 1100 دولار فى مقابل 800 دولار فقط للكروم الصينى. وأسعار ألوان الصباغة من إنتاج ألمانيا تتمحور حول 120 جنيهاً للكيلوجرام الواحد (حوالى 17.2 دولار) مقابل 60 جنيهاً للكيلوجرام الصينى (حوالى 8.5 دولار).

سحب معدو التحقيق أربع عينات من الجلود عشوائياً من مدابغ ومتاجر؛ العينة الأولى حقيبة يد نسائية، والثانية سترة جلدية، والثالثة حذاء جلدى، والرابعة جلد مدبوغ مجهز لاستخدامه فى صناعة الأحذية.

تحاليل المركز القومى للبحوث -أعرق مركز بحثى حكومى معتمد فى مصر- كشفت أن جميع العينات غير مطابقة للمواصفة القياسية المصرية لعام 2011، وتحتوى على نسب عالية جداً من الكروم السداسى، المسبب للتهيج الجلدى ذى النشاط المسرطن إذا لامس الجلد البشرى.

وتنص المواصفة القياسية المصرية على تحديد سقف للكروم السداسى بواقع 3 مللجم لكل كيلوجرام، أى 0.00003%.

لكن التحاليل أثبتت أن نسبة الكروم السداسى عالية جداً مقارنة بالمواصفة القياسية، حيث بلغت نسبة العينة الأولى «حقيبة جلدية» 8%، فيما بلغت العينة الثانية «سترة جلدية» 9%، وكانت العينة الثالثة «حذاء جلدى» 10%، فيما وصلت العينة الرابعة، وهى عبارة عن قطعة من الجلد المدبوغ، إلى 13%.

يقول د. عماد صبحى، عضو الكلية الأمريكية للطب المهنى وأمراض البيئة، إن «مادة الكروم السداسى تصيب المستهلك بسرطان الجلد إذا تعرض لها بشكل مباشر. والتعرض لها بشكل منتظم يزيد من نسبة الإصابة بالمرض الخبيث، وإذا تسرب الكروم السداسى إلى أمعاء العمال يمكن أن يسبب سرطانات بالجهاز الهضمى.

«كشط» الجلد لتقليل سمكه

وقد أثبتت دراسة للبرنامج الوطنى لعلم السموم التابع لمعهد الصحة البيئية الأمريكى، أن التعرض لمادة الكروم السداسى لفترة طويلة يحدث سرطان رئة. وفق الدراسة التى نشرت نتائجها فى أغسطس 2013، أصيبت فئران عرّضت لهذه المادة المسرطنة بأورام خبيثة بعد تناولها عن طريق الفم. وذكرت الدراسة أن التعرض للكروم السداسى واستنشاقه عن طريق الجيوب الأنفية أو وصوله إلى الكلى والكبد يسبب تلفاً وأوراماً سرطانية بالأعضاء التى تصل إليها المادة، كما أن تعرض الجلد لها يسبب تهيجاً وتقرحاً وسرطاناً بخلايا الجلد.

وكشفت التحاليل أيضاً أن العينات تحتوى على مادة الكبريت التى تتسبب فى حساسية صدرية، وجلدية وتهيّج بالأنسجة المخاطية، كما كشفت وجود عنصر الثاليوم الثقيل وهو مادة سامة ومهيجة للجلد. ولم تتعرض المواصفات القياسية المصرية لنسب وجود الكبريت ولا الثاليوم على أساس أنه يفترض عدم وجودهما فى الجلود المدبوغة.

فيما أظهرت التحاليل وجود مادة الكبريت بنسب عالية، حيث بلغت نسبة العينة الأولى 2%، أما العينة الثانية فكانت بنسبة 1٫7%، فيما كانت العينة الثالثة 2%، والعينة الرابعة 6%.

«الصناع»: المنافسة فى السوق وراء استخدام مدخلات رخيصة غير مطابقة للمواصفات

لكن تقرير مركز البحوث يشير إلى أن مادة الكبريت تستخدم فى المدابغ بمركباتها المختلفة، لتساعد على امتصاص المياه من الجلد لمنع التعفن أو التحلل. أما وجود الثاليوم، فقد أثار اندهاش الخبراء.

التحاليل أثبتت وجود عنصر الثاليوم، وبلغت نسبة العينة الأولى 0٫1%، والعينة الثانية 0٫3%%، أما العينة الثالثة 0٫3%، وأخيراً كانت العينة الرابعة بنسبة 0٫2%.

ورغم عدم إشارة المواصفة المصرية لحد أقصى بشأن الكبريت والثاليوم، فإن اتفاقية «بازل» الدولية بشأن التحكم فى نقل النفايات الخطيرة والمشعة عبر الحدود -المبرمة عام 1989 التى وقعت عليها مصر فى 29 أكتوبر 2004- تفيد بأن مادة الثاليوم ومركباته مواد عالية السمية، وتخضع للرقابة الصارمة لمنع أن تلحق أخطارها بصحة البشر والبيئة.

دراسة قامت بها وكالة المواد السامة وسجل الأمراض بالولايات المتحدة فى يونيو 2013، توصلت إلى أن التعرض لمستويات عالية من الثاليوم يمكن أن يؤثر بشكل حاد على الجهاز العصبى، والرئتين، والقلب، والكبد، والكلى وقد يسبب الموت.

براميل تستخدم لغمس الجلود بالمواد الكيميائية

د. محسن سليمان، أستاذ الأمراض الجلدية بكلية طب قصر العينى، الذى يفحص عشرات المرضى يومياً فى المستشفى وبعيادته الخاصة، يؤكد معالجته لحالات حساسية من الجلود يكتشفها بين العديد من المرضى المترددين عليه. ويقول: «ناس كتير تأتى إلينا عندها حساسية لأنها تتعرض للجلود المدبوغة بشكل مباشر، يصاب بعض المرضى بحساسية جلدية بسبب ارتداء ساعة المعصم ذات السيور الجلدية». لكن لا توجد لدى «د. سليمان» بيانات دقيقة عن عدد تلك الحالات.

ويؤكد د. محمود عمرو، المدير السابق لمركز السموم الإكلينيكية التابع لجامعة القاهرة، أن المعادن الثقيلة فى الجلود يمكن أن تتسرب إلى الخلايا الجلدية عن طريق مسام البشرة، وتسبب تساقط الشعر وتقرحات جلدية، كما تؤثر على الجينات والحامض النووى D.N.A وتحدث تشوهات خلقية.

حملنا نتيجة التحاليل وما توصلنا له إلى الجهات الرقابية.

من جانبه يؤكد اللواء عاطف يعقوب، رئيس جهاز حماية المستهلك أنه «لم تصل للجهاز أى شكاوى صحية من المنتجات الجلدية، ربما لأنه فى الغالب لا يستطيع المواطن العادى اكتشاف تلك الأضرار إلا بتحاليل معملية».

وأضاف أن «من سلطة الجهاز أن يغلق المنشآت التى تشكل ضرراً على المستهلك طبقاً لقانون حماية المستهلك رقم 67 لسنة 2006».

ويقول اللواء يعقوب إن عدد المفتشين فى جهاز حماية المستهلك يبلغ 34 مفتشاً، لهم سلطة الضبطية القضائية، طبقاً لقرار وزير العدل رقم 1011 لعام 2011. والغرامة على المخالفين بخصوص عيوب الصناعة طبقاً للقانون الحالى، تتصاعد من خمسة آلاف جنيه (714 دولاراً تقريباً) إلى 100 ألف جنيه (14 ألفاً و285 دولاراً تقريباً)، حسبما يضيف، لافتاً إلى جهود لتعديل القانون بحيث تبدأ الغرامة من 10 آلاف جنيه (1428 دولاراً تقريباً) لتصل إلى نصف مليون جنيه (71 ألفاً و428 دولاراً تقريباً). ويقول اللواء «يعقوب» إنه إذا وجدت لدى أحد المنتجين عيوب فى الصناعة قد تضر بالإنسان، فقد تصبح العقوبة بالغرامة والسجن معاً.

ويؤكد الدكتور أحمد عباس رئيس قطاع الرقابة على التجارة الداخلية بوزارة التموين والتجارة الداخلية، أنه لم يكن يتوقع على الإطلاق أن تكون المنتجات الجلدية مصدراً لإصابة المستهلك بأمراض خطيرة. لذلك قال إنه سيشرع «فوراً فى وضع خطة رقابية لإحكام عملية التفتيش على مصانع المنتجات الجلدية، باعتبارها المنتج النهائى للجلود المدبوغة. سأسحب عينات من المحلات والأرصفة لتحليلها ومعاقبة المتجاوز».

حاولنا مراراً التواصل مع هيئة الرقابة الصناعية المسئولة عن الرقابة على المصانع. وأرسلنا فى فبراير طلباً -عبر المكتب الإعلامى لوزارة الصناعة- لإجراء لقاء مع رئيس هيئة الرقابة الصناعية، لكن دون جدوى.

كما يرفض القائم بأعمال رئيس الهيئة، فى اتصال هاتفى له، إجراء أى مقابلة.

وبدون تحرك حاسم من المسئولين والرقابة ستبقى منتجات صناعة المدابغ غير المطابقة للمواصفات تتدفق إلى الأسواق لتهدد مخاطرها ملايين المصريين فضلاً عن الشقاء المحدق بالعاملين فى تلك الصناعة. وكما يقول عامل الدباغة محمد حامد (28 عاماً) «الشغلانة دى بتاكل الحديد مش بس بتاكل البنى آدميين»

أعد هذا التحقيق بدعم شبكة” أريج” إعلاميون من أجل صحافة استقصائية عربية 


تعليقاتكم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.