مخابز بنابلس تعيد تصنيع الخبز البايت والمتعفن

27 نوفمبر 2011

تحت جنح الظلام، وفي غرف خلفية بعيدة عن الانظار، تبدأ في بعض مخابز مدينة نابلس عملية “تدنيس” لقوت الناس اليومي، عبر خلط العجين الطازج بعجين قوامه الخبز البايت والمتعفن الذي تجري تطريته بالماء الساخن.

يقول عامل في احد مخابز المدينة “مع انتصاف الليل، اتوجه مع عدد محدود من زملائي الى غرفة جانبية ملحقة بالمخبز، وهناك نبدأ فتّ (تقطيع) الخبز البايت ونقعه في الماء الساخن تمهيدا لخلطه مع عجنة اليوم التالي”.

ويؤكد العامل “أ.ع”، الذي تحدث الى”مضمون جديد” بعد تردد، ان هذه العملية تتم بتكليف من صاحب المخبز الذي يقوم قبيلها باطفاء كاميرا المراقبة في تلك الغرفة “تحسبا لان يشاهد زبون عابر ما نفعله عبر الشاشة الموجودة في صالة العرض، والتي ترتبط بكاميرات موزعة في كافة اقسام وغرف المخبز”.

وبحسب ما يخبرنا، فان نسبة كبيرة من مخابز نابلس البالغ عددها نحو 76، تقوم بخلط الخبز البايت مع العجين الطازج.

ويقول “طوال الـ15 سنة الماضية عملت في قرابة 70 مخبزا في نابلس، ولم يكن هناك سوى مخبزين منها تمتنعان عن تدوير الخبز البايت وبيعه للناس”.

ويتحدث هذا العامل عن استغلال اصحاب المخابز لفجوة في توقيت الرقابة من قبل الجهات الرسمية للقيام بهذه الممارسة.

ويقول “تنحصر رقابة موظفي وزارة الصحة ووزارة الإقتصاد في فترة دوامهم التي تنتهي عند الثالثة عصرا، وطوال مشوار عملي في مخابز المحافظة، لم اشاهد موظفا واحدا يقوم بالتفتيش على المخبز بعد هذا الوقت”.

ويضيف “وعليه فنحن نقوم بفت الخبز البايت في اوقات متاخرة من الليل تحاشيا لان يتم ضبطنا، لان ذلك سيتسبب بإغلاق المخبز حتما”.

ويتابع قائلا ان “بعض الموظفين في تلك الجهات الرقابية، هم من نفس المحافظة، وبعضهم للأسف يحمل ربطة خبز ويغادر دون ان يدفع ثمنها، ويتغاضى بالتالي عن أي مخالفة للمخبز”.

برسم البيع

تتأتى كميات الخبز البايت من السياسة التجارية التي تنتهجها مخابز نابلس، والتي تقوم بتزويد البقالات بكميات من الخبز برسم البيع، بمعنى انها تعطي صاحب البقالة نسبة ربح عن الكمية التي باعها، وتستعيد الكميات التي لم يتمكن من بيعها.

والكميات المستعادة يتم تدويرها وتجد طريقها ثانية الى الاسواق.

ووفقا لعامل المخبز “ا.ع”، فان “معدل ما يعود الى كل مخبز يبلغ نحو 100 كيلو غرام يوميا”.

وكما يقول، فان الهدف من إعادة تدوير الخبز البايت هو الحد من خسائر اصحاب المخابز.

ويوضح انه “إذا كانت تكلفة كيلو الخبز 2.5 شيقل، فإن إعادة تصنيع الخبز البايت، تجعل تكلفته تصل إلى 3 شيقل، بمعنى إضافة نصف شيقل للتكلفة، ولكن هذه العملية تحول دون خسارة صاحب المخبز لـ 2.5 شيقل في كل كيلو”.

ويضيف ان “معدل ما يعود الى كل مخبز يبلغ نحو 100 كيلو غرام يوميا”.

ويشرح “أ.ع” آلية تدوير الخبز البايت قائلا “نقوم بتقطيعه ثم نضعه في ماء يغلي ونواصل تحريكه حتى يصبح مثل -الطحينة-، ثم نخلطه مع العجين الطازج، وذلك بمقدار برميل الى كل شوالي طحين”.

ويضيف ان الامر لا يقف عند الخبز البايت، بل ان الخبز المحترق يتم جمعه ليصار الى ادخاله مع العجين الطازج كما يجري مع الخبز البايت.

ويوضح ان “العامل الذي يأتي دوره لاعداد العجين امام بيت النار في الافران التي تعمل على الغاز، يقوم بتجميع الارغفة المحترقة في برميل مليء بالماء يضعه في العادة تحت قدميه، وفي اخر النهار تتم اضافة الكمية المتحصلة الى الخبز البايت بهدف إدماجه مجددا في وجبة اليوم التالي!”.

ويعمل عدد محدود من مخابز نابلس على الكهرباء، فيما الغالبية الساحقة تعمل على الغاز. ويحصل في احيان كثيرة ان ترتفع الحرارة فجأة داخل الفرن ما يؤدي الى احتراق بعض الارغفة قبل ان يعاد ضبط الحرارة.

خبز متعفن

الأكثر خطورة، بحسب هذا العامل، هو الخبز المتعفن الذي يعاد تدويره في احيان كثيرة “بقصد وسوء نيّة!” من قبل عمال ساخطين على اصحاب المخابز.

ويقول “عادة يكون مطلوبا من سيارات المخبز توزيع الخبز الطازج واستعادة البايت من المحلات قبل السابعة صباحا، ولكن بسبب حجم التوزيع الكبير لبعض المخابز وامتداده على بقعة جغرافية واسعة، فان بعض الكميات المعروضة برسم البيع تظل في المحلات ليومين أو ثلاثة إن لم يكن أكثر، وحين يتم جمعها أخيرا، يكون جزء منها قد تعفن”.

ويضيف “ولكون بعض العاملين المناوبين في المخابز مضطرين للإستيقاظ والعمل في الثانية أو الثالثة صباحا، ولوجودهم في ظل ظروف حرارة المخبز العالية، فلا يكون همهم سوى الإنتهاء من العمل الموكل اليهم، ودون ان يكترثوا او يدققوا في ما اذا كان الخبز متعفنا ام لا، خاصة إذا ما رافق ذلك وجود حقد لديهم على ربّ العمل بسبب عدم إنصافهم، أو عدم زيادة أجرهم، فيسعون للنيل منه ومن سمعته!”.

عامل مخبز آخر من محافظة نابلس، هو “م”، أكد المعلومات التي ادلى بها “ا.ع”، واقرّ بقيامه مع عمال آخرين بإعادة تصنيع الخبز البايت رغم يقينه بأن في ذلك “غشّا للمستهلك”، ولكنه قال انه مضطر الى فعل ذلك نظرا لحاجته الى “لقمة العيش”.

كما تحدث هذا العامل عن الصفات التي تلازم الخبز المعاد تصنيعه قائلا “بحكم خبرتي وعملي في نحو خمسة مخابز، فإن الخبز المعاد تصنيعه يجف بشكل أسرع من الطازج، وربما خلال أقل من نصف ساعة من تعرضه للهواء ويصبح ذا رائحة غريبة، وكذلك فإنه يصعب فتحه وإستخدامه للسندويشات”.

وبحسب اعتقاده فان “إعادة التصنيع مُضرة وتقلل مستوى الجودة، ناهيك عن الضرر الصحي الذي قد يترتب على إعادة تصنيع الخبز المتعفن وإن كان بكميات قليلة”.

ولكنه يقول ان “أصحاب المخابز والأفران الذين يعمدون إلى ذلك هم في نهاية المطاف تجّار وهمهم هو كيفية الحصول على أعلى مردود بأقل تكلفة، وبالتالي فهم لا يأخذون الامور من زاوية الحرام والحلال”.

خالد مفلح، صحفي من نابلس، اكد لنا انه واحد من عشرات المواطنين الذين يلمسون بين الحين والاخر تغيرا في صفات الخبز الذي يشترونه دون ان يكون لديهم تفسير لذلك.

وقال “أنا شخصيا كثيرا ما أشتم رائحة غريبة في الخبز، وغالبا حين أشتريه آخر الليل بهدف تجهيز السندويشات لأطفالي في صباح اليوم التالي، أجده قد جف واصبح فتحه غير ممكن الا بعد تسخينه”.

ودعا مفلح “أصحاب المخابز الذين يعمدون لفعل ذلك الى ان يتقوا الله فيما يفعلون، وان يتقوا الله فينا”.

ما يجري في نابلس، ربما لم يمتد إلى بقية المحافظات بحسب عامل المخبز (طارق) من الخليل، والذي قال”لقد عملت لغاية الآن في الكثير من المخابز في كلّ من الخليل والقدس ورام الله، ولم أعمد أنا أو اي من زملائي على إعادة تصنيع الخبز البايت”.

واضاف ان “المتبع في ما يتعلق بالخبز البايت والذي يعود للمخبز آخر النهار من التجار، أن يتم تجميعه، وإما بيعه بنصف السعر في اليوم التالي، أو يتم تجفيفه في اليوم الثالث بهدف بيعه لمربي الماشية”.

وقد وافقه (ز.ش)، وهو من الخليل ايضا، والذي عمل على مدى 14 سنة في عدد كبير من مخابز القدس والخليل.

لكنه أقر حاول فعل ذلك. وقال “لقد جربت إعادة تصنيع الخبز البايت عدد من المرات، ولكنني وجدت أن الخبز البايت لا يذوب عند خبزه لأن قشره ناشف ومُحمر، ولأن الخبز المعاد تصنيعه ستظهر آثار ذلك عليه حين يتم بيعه، حيث سيكون محيط قرص الرغيف محترقا”.

وتابع قائلا “أما الشيء الوحيد الذي نعيد تصنيعه في كل المخابز فهو الخبز مشوّه الشكل أو المحترق الذي يخرج من الفرن، حيث نعيده على الفور إلى خلطة العجين بعد نقعه في الماء”.

بدوره أكد العامل (ش) من الخليل هو الآخر، والذي يعمل في أحد المخابز منذ أكثر من 10 سنوات، بأن المخبز الذي يعمل فيه ، يعيد فقط الخبز الخارج من الفرن وهو ساخن إلى خلطة العجين من جديد، إذا ما كان شكل الرغيف غير مناسب أو محترقا.

لكنه نفى قطعيا قيام المخبز بإعادة تصنيع الخبز البايت، وشدّد على أن المتبع بالخصوص هو أن يتم تفريق الخبز البايت على الجمعيات، إن لم يتم بيعه بنصف السعر في اليوم التالي، وقال أنه في حال كانت الكمية كبيرة، فيتم تنشيفه بهدف بيعه لمزارع الأبقار والأغنام.

دائرة الصحة

من جهتها، نفت دائرة صحة البيئة في وزارة الصحة علمها بوجود مخابز تقوم باعادة تصنيع الخبز البايت.

واكد مدير الدائرة إبراهيم عطية لـ”مضمون جديد” انه يسمع بالامر لأول مرة، مفترضا أن ذلك فيما لو كان يتم “فإنه وعلى الأرجح لا يتم داخل المخبز نفسه، بسبب وجود رقابة مفاجئة لهذه المخابز من قبل اللجان المشتركة في كل المحافظات بين طواقم وزارتي الصحة والإقتصاد، للتأكد من مدى مطابقة السلعة للشروط الصحية، و من تدعيم الطحين بالحديد والعناصرالضرورية، وعدم إستخدام طحين غير مدعّم”.

وحول التغير الي يلمسه المواطنون في احيان كثيرة في صفات ورائحة الخبز، فقد اعتبر إن “الأمر بحاجة إلى دراسة وسحب عينات لفحصها، والبحث في سبب ذلك”، ومع هذا فقد اكد انه “عموما لا مشاكل لدينا مع المخابز حول الشروط الصحبة”.

وختم عطية حديثه قائلا انه “ان كان الخبز البايت يعاد تصنيعه فعلا، فهذا ممنوع من حيث المبدأ، خاصة انه يكون معرضا للتلوث إذا ما كان مكشوفا أثناء تسويقه، وبالتالي فإن إعادة دمجه وتصنيعه ستزيد الامر سوءا، وآمل من العمال الذين أفادوا بحصول هذه الممارسة أن يُدلوا لنا بشهاداتهم، رغم علمي بأنه لا يوجد أي نص قانوني يمنع صاحب المخبز من فعل ذلك. فتحت أي بند سأقدمه للمحاكمة؟”.

وقد خالفة الرأي مسؤول طواقم الرقابة والتفتيش في وزارة الإقتصاد الوطني إبراهيم عبسه، حيث أكد أن إعادة إستخدام الخبز البايت وعجنه وبيعه للمستهلك يشتمل على مخالفة قانونية.

وقال انه وفقا لقانون حماية المستهلك يعتبر هذا غشا وتدليسا لعدم إستخدام مواد صحية، ولأنه مخالف للمعايير، خاصة إذا ما كان هناك خبز متعفن.

واضاف انه “حين يتم إعادة تصنيع الخبز البايت والمتعفن، فأنت لا تضمن عدد البكتيريا الموجودة فيه وإلى أي مدى أثّر التعفن على جودته”.

واكد عبسه ان “هناك مخابز سمعتها تسبقها في موضوع الغش! حيث تتلاعب بقوت الشعب بهدف الربح من خلال تقليل كلفة الإنتاج دون إكتراث لكون أن ما يعاد تصنيعه ربما تكون قد تغيرت خصائصه”.

واضاف ان “المشكلة أنه ومن كثرة الغش لم نعد نتمكن من ملاحقة الكل! مع ذلك فهنالك تقصير من المواطنين أو العمال الشرفاء، حيث ان هناك خط شكاوي يمكننا من خلاله تلقي أي شكوى بهذا الخصوص، ولو تم التوجه لنا بشكل مباشر لقمنا بضبطهم من أجل تحويلهم للنيابة وإتخاذ ما يلزم بحقهم، حيث أن الخبز الوحيد المسموح إعادة تصنيعه هو ما يستخدم لأغراض تحويله إلى علف للماشية”.


تعليقاتكم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.