مئات الصم خارج دائرة العلم والعمل في سورية المناهج، ضعف الكادر التدريسي وجهل الأهل وراء أزمتهم

4 أغسطس 2009

انتسبت لمعهد “التربية الخاصة للإعاقة السمعية في دمشق” قبل سبع سنوات علّها تتسلح بالعلم والمعرفة لدخول كلية الحقوق كسائر أقرانها الأصحاء. إلا أن حلم سها سندس تلاشى كلما تقدم بها العمر وصولا إلى الصف الثامن، حين أدركت وأهلها أن مناهج التدريس ووسائل التلقين التقليدية لم تنجح في تعليمها النطق والكتابة.لذلك أخرجتها عائلتها “طوعا” من الصف الثامن عام 2005، وأرسلتها إلى “جمعية رعاية الصم” الخاصة في دمشق، لتبدأ “مشوار العلم من جديد”. “ثمان سنوات في المعهد كأنها لم تكن. ولذلك انخرطت في دورات محو أميّة بعد أن انهار الأمل”، تستذكر سها (19 ربيعا الآن) رحلتها مع المعهد الحكومي في دمشق، أحد سبعة معاهد حكومية متخصصة في تعليم الصم عبر سورية. تشتكي هذه الشابة من أن المعهد يخلو من “أشخاص يؤمنون بطاقاتي أنا وأقراني”. سها لم تولد صمّاء. لكنّها دخلت هذا العالم بعد أشهر على ولادتها لأنها حقنت بالخطأ ب 15 جرعة (جنتمايسين) لمعالجة التهابات في أمعائها. تستذكر أم سها كيف طرقت وزوجها “جميع الأبواب آنذاك، لكنهما لم يستطيعا إبعاد شبح الصمم عن الرضيعة”. وترى الأم أن “ضعف أداء المعهد انعكس على ابنتي التي خرجت منه دون أن تستطيع كتابة رسالة حتى عبر الجهاز الخليوي”. ظروف ديب بلح (52 عاما) لم تكن أفضل. لكن الحظ حالفه في الخامسة من عمره، حين ساعده موظف في هيئة الأمم المتحدة على دخول “دير الأب أندويخ” المتخصص في لبنان. ومن هناك واصل تعليما متقدما في معهد نرويجي أهله للتعامل مع الصم والتقاط أدوات تعليمهم. “انتقالي للدير ثم المعهد العالي في النرويج كان ولادة ثانية في مكان لطالما تمنيته. عالم آخر يحترم الصم ولا يميز ضدهم وبما يتناسب مع إعاقتهم: بمعنى؛ لا شفقة بالعلم، ولا استهانة بقدراتنا”. الوسائل التي تعلمها ديب في الخارج تختلف عن “المنهاج الجامد الشبيه بطريقة تدريس السامعين (الطلبة الطبيعيين)” المتبعة في مدارس سورية. “من العام السابع إلى العاشر تعلمنا الحروف بلغة الشفاه وعن طريق اهتزاز كل حرف ومكان صدور هذا الحرف في جسم الإنسان”، حسبما يستذكر الرجل الذي يبدو أكبر من عمره، بسبب عمله المرهق في محل الأحذية. ويضيف ديب بطلاقة “من سن 13 إلى 17 تعلمنا الكتابة. وبعد ذلك تقدمت للحصول على (شهادة التخرج الثانوية)” قبل ثلاثة عقود. تواريخ الدراسة ومدتها “لم تكن ثابتة، فكل شخص يجتاز المراحل طبقا لقدرته فلا يأخذ أي أصمّ الشهادة بغير استحقاق”، حسبما يشرح. لكن لدى عودته، اصطدم ديب بالقوانين والأنظمة في بلد يفتقر نظامه التعليمي لمنهاج منفصل لذوي الإعاقات، ما حال دون الإفادة من الخبرات المنهجية التي استقاها في الخارج. وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل، التي تشرف على معاهد الصم، رفضت الاعتراف بشهادته لأنه “لا يوجد معادل لها في اختصاصات التعليم العالي السورية، ولأنه أصم”، حسبما يشتكي الرجل الذي لجأ للعمل في محل متواضع يمتلكه والده لتصليح الأحذية. وزارة التربية التي تشرف على تعديل الشهادات آنذاك رفضت الاعتراف بشهادته لأنه “لا يوجد معادل لها في اختصاصات التعليم العالي السورية، ولأنه أصم. كما رفضت وزارة الشؤون الاجتماعية توظيفه”، حسبما يشتكي الرجل الذي لجأ للعمل في محل متواضع يمتلكه والده لتصليح الأحذية. وزارة التربية تنفي من جانبها صد الباب أمام ديب. إذ يقول سليمان الخطيب، رئيس لجنة تعديل الشهادات السابق والموظف في الوزارة منذ 27 عاما: “لا يمكن أن ترفض الوزارة تعديل الشهادة للأصم أو صاحب أي إعاقة بل تفتخر بهم وتدعمهم سابقا وحاليا”. ويردف الخطيب: “لا يمكن أيضا رفض التعديل لعدم وجود معادل لها في الاختصاصات السورية بل تعادل الشهادة لأقرب اختصاص لشهادته”. اختصاص معادلة الشهادات الجامعية انتقل إلى وزارة التعليم العالي منذ عام 2001. أما وزارة الشؤون الاجتماعية، فيؤكد مدير الخدمات الاجتماعية السابق فيها عماد العز أن تعليمات الوزارة “تخلو من أي بند يمنع الصم من التدريس أو حتى التوظيف. والدليل على ذلك أن معلمة الفنون في معهد التربية الخاصة للإعاقة السمعية صماء”. إلى ذلك توقع العز وجود “سبب آخر وراء رفض (تشغيل ديب)، لافتا إلى أن “الأمر قديم جدا”.تبخر حلم سها وفشل ديب في نقل خبراته المتقدمة إلى أقرانه يختزلان ضعف أداء معاهد تعليم الصم الناجم عن “جمود الأنظمة وسوء تأهيل القائمين على تدريس هذه الفئة من المجتمع”، على ما يرى عدد من الخبراء ومن الصم التقت بهم معدة هذا التقرير. آخر إحصائية عن المكتب المركزي للإحصاء عام 2005 ترصد وجود 6602 أصم في القطر، منهم 1480 في دمشق وريفها. على أن “مؤشرات غير رسمية تقدر الرقم فوق ذلك بكثير، في غياب آليات إحصاء ومسوح متقدمة”، حسبما يرى هيثم دادو، وهو خبير في لغة الإشارة يتعاون مع القطاع الحكومي. ويرى دادو أن “العدد المسجل رسميا في جمعية رعاية الصم بدمشق وحدها وصل إلى 2500 أصم العام الماضي”. انخفاض مستوى تعليم الطلاب الصم يعود إلى عدم وجود مناهج متخصصة لهذه الفئة، وتطبيق منهاج السامعين (الطلبة الطبيعيين) داخل معاهد الصم”، حسبما يشخص دادو، الخبير الحائز على شهادة من الإتحاد العربي للهيئات العاملة برعاية الصم”. ويضيف أن سورية من “الدول العربية القليلة التي لم تضع حتى الآن منهاجا خاصا بالصم”. عضو مجلس إدارة جمعية رعاية الصم والمدرس في دورات محو الأمية هشام طرابيشي يتحدث من جانبه عن ضعف في مناهج تدريس المعاهد الحكومية. ويقول الناشط في القطاع الخاص: “نعقد بين الحين والآخر دورات محو أمية، أول من ينتسب إليها طلاب معهد الصم ، الذين نفاجأ بأن مستواهم لا يختلف كثيراً عن أميين لم يدرسوا بالمعهد “. كادر تدريس.. بلا تأهيل يمر الطالب الأصم بطبقتين في إيصال المعلومة لأن المعلمين، باستثناء المرحلة الابتدائية، يستعينون بمترجمين قد يشوهون مضامين المادة العلمية، حسبما لاحظت معدة التحقيق خلال دوام المعهد ( من 8 إلى 18 نيسان/إبريل 2008). تخسر هذه الطريقة جزءا كبير من عملية التواصل بين المعلم والطالب، بحسب الدكتور راغد هارون الاختصاصي في علم النفس. ” فالطفل الأصم دائم الشك بالآخرين، معتقدا أن مؤامرة ما تحاك ضده. لذلك من الضروري أن يشعر الطالب الأصم بأن معلمه أو معلمته يشبهانه ويعرفان لغته”. أساتذة في المعهد رفضوا إرجاع ضعف تلقي الطالب للمعلومة إلى وجود تقصير لديهم كما أكدوا قدرة الصم على التفاعل داخل الصفوف. الأستاذ باهر نعمة الحاصل إجازة في الرياضيات في جامعة دمشق يقول: “طلابي من أقدر الطلاب على تلقي المعلومة. شهاداتهم وتجاربهم السابقة أثبتت ذلك. وأنا أرفض الاتهامات التي تنال من جهود الطلبة والأساتذة”.معلمة اللغة الفرنسية رباب الحافي ترى من جانبها أن “طبيعة المنهاج تفقد التواصل مع الطالب وبخاصة بالنسبة للغتين الفرنسية والإنكليزية المعتمدتين على السمع والنطق”. إلى ذلك طالبت رباب بإدخال تعديلات “على المنهاج حتى يتناسب مع طبيعة الإعاقة”.معهد الإعاقة السمعية بدمشق يضم 56 معلما (2007ـ2008)، 21 منهم موفدون من وزارة التربية في مختلف الاختصاصات التعليمية؛ لكنهم غير مؤهلين للتعامل مع ذوي الإعاقات السمعية، بحسب مديرة المعهد سوسن رزق. أما البقية، فهم مترجمون من ملاك وزارة الشؤون الاجتماعية؛ 24 منهم يحملون الشهادة الثانوية، واثنان الإعدادية فيما تتراوح درجات السبعة الآخرين بين المعاهد المتوسطة والشهادات الجامعية. المعلمون انخرطوا في دورات ترجمة لغة الإشارة للصم، لكن ليس بشكل كاف”، على ما يعتقد دادو، الذي يعقد دورات في لغة الإشارة لدى القطاع الحكومي. ويرى دادو أن “تأخير عملية التعليم، لا تنجم فقط عن انتقال المعلومة عبر طبقتين من الملقنين بل أيضا عن ضعف لغة الإشارة لدى المترجمين أنفسهم بسبب نقص الدورات التدريبية”. كما أن “كلا منهم يعتقد أنه يمتلك كل أسباب المعرفة ولن يكون بعدها بحاجة لتطوير خبراته ومعرفته المتواضعة، قياسا بما يخرج به العالم من أساليب جديدة وفعالة في التعامل مع الصم”. في المحصلة “لا يكون الضحية سوى الأصم الذي يبذل جهدا مضاعفا ليفهم على المترجمين. وبالطبع يفاجأ الطفل مع كل عام جديد بتغير إشارة نصف المصطلحات التي تعلمها من معلم العام السابق”، على ما يضيف دادو. على أن التفاوت في المصطلحات بين المترجمين “انخفض نوعا ما بعد توفير قاموس لغة الإشارة الموحد في كل الوطن العربي عام 2000 “. ويرى دادو أن هذا القاموس “قد يحدث اختراقا هاما لمصلحة الطلاب الصم مع أنه ما يزال بحاجة للوقت لإثبات آثاره الايجابية”. تجربة سورية مقارنة مع دول الجوار أمين عام المجلس الأعلى لشؤون المعوقين في الأردن أمل النحاس، التي عملت لمدة ثلاث سنوات (1997ـ 1999) في تطوير معهد حلب للصم، تدعو من جانبها إلى ثورة في أساليب التدريس وتطبيق مناهج مخصصة للصم حصرا كما في الأردن مثلا”. وتركز النحاس على دقة التشخيص وتدرج التعليم أيضا. “يبدأ العمل مع الطفل الأصم في مرحلة الروضة، فيوضع له برنامج تأهيل بحسب نسبة صممه (تام أو جزئي)”، حسبما توضح، مشددة على “أن التشخيص المبكر يؤدي إلى التدخل والعلاج المبكر واختيار السماعة المناسبة له، والمفترض أن تتغير كل ستة أشهر”. أما فيما يتعلق بما بعد مرحلة الروضة، فالوضع لا يختلف بين الأردن وسورية من ناحية المنهاج الموحد مع السامعين وأسئلة الامتحانات الموحدة مع زيادة نصف ساعة من الوقت للصم. لكنها ترى أن “الفارق يكمن في الخبرات وأسلوب توصيل المعلومة، إذ يتجاوز العمر التدريسي لبعض مدرسي الصم في سورية 25 سنة، بينما هناك حاجة ماسة إلى خبرات جديدة لديها تأهيل يناسب التقدم الحاصل في أساليب التعليم الخاصة بالصم”. و تعاني المعاهد السورية من “ندرة الفنيين المختصين بفحص السمع (Audiologist) لذلك يستعاض عنهم بأطباء الأنف والأذن والحنجرة”، حسبما قالت لمعدة التحقيق في مكتبها بعمان. في سورية، تشترط المعاهد أن تكون السنة الدراسية للصم مماثلة لسنة الطالب السامع. لكن في الأردن، قد ينجز الطالب منهاج السنة الواحدة في عامين أو أكثر، بحسب قدرته على الاستيعاب والتطور. وبالتالي قد ينهي المرحلة الثانوية في سن العشرين أو الخامسة والعشرين”.مدير الخدمات الاجتماعية السابق بوزارة الشؤون الاجتماعية والعمل عماد العز لا ينكر “ضعف الكادر التدريسي في معهد دمشق وأهمية إعطاء المعلومة مباشرة من المعلم المختص”. لكن العز يرجع المشكلة إلى جذرها؛ “وزارة التعليم العالي”. وبينما حث الوزارة “لتأهيل كوادر في الجامعات قادرة على التعامل مع ذوي الاحتياجات الخاصة بشكل علمي وسليم”، رأى العز “أن هذا الأمر بدأ يحدث تدريجيا”. وأردف قائلا: “لا نستبعد أن نرى في القريب معلم يوصل المعلومة دون الحاجة إلى مترجم”. رئيس قسم التربية الخاصة في وزارة التعليم العالي سهاد الملي تقر بأن جامعات سورية الحكومية الخمس لا تضم كليات متخصصة في وسائل التواصل مع ذوي الاحتياجات الخاصة. لكنها تتوقع “تغير الوضع عام 2010 مع استحداث إجازة في هذا الحقل في جامعة دمشق”.حتى الآن “كل ما لدينا مجرد دراسات ماجستير بتقويم النطق واللغة، وماجستير في التربية الخاصة، كما أن أصحاب هذه الدراسات ليسوا مُعدّين للتدريس في المدارس بل لفتح مراكز علاجية خاصة”، حسبما تؤكد الملي.خصوصية مفقودة يتفق الخبراء في تعليم الصم مثل نحاس ودادو على وجود فروق جوهرية في وسائل تدريس هذه الفئة. يقول دادو:”صحيح أن لدى الصم قدرات كبيرة. لكننا لا ننكر بأنها أقل من الشخص السامع، لذلك هم بحاجة إلى مناهج خاصة تتناسب مع طبيعة مشكلتهم. كما يحتاج الصم إلى تعلم لغة الإشارة سيما المصطلحات الفيزيولوجية والغائية”. على أن علي شيخ كريم، مدير مشروع جمعية الخير والتطوير، يختلف مع هذه الطروحات. إذ يرى مدير الجمعية الخاصة الوحيدة في دمشق الحاصلة على ترخيص لتدريس الصم، “أن الطالب الأصم قادر على التركيز ما يزيد عن الساعتين في حال كانت طريقة الإعطاء غير مملة”. ويقول: “نحن في الجمعية، خضنا التجربة منذ تأسيسها عام 2006. وكانت ناجحة، إذ نبدأ بمحو أمية سبعة طلاب) فرع علمي) قبل أن ينتقلوا إلى منهاج البكالوريا (الثانوية العامة)”. وجدت الجمعية، بحسب كريم، أن “ما يحتاجه الطالب الأصم هو أولاً كتب خاصة بالترميم اللغوي تضاف للمرحلة الابتدائية حتى يكون قادرا على متابعة المراحل العليا بمنهاج لغته”. ويرجع كريم “أمية طلاب معهد الصم إلى التقاعس في إفهام الطفل معاني الكلمات؛ فمثلا: يعلمون الأصم معنى كلمة “ذهبَت” دون الإشارة إلى تاء التأنيث الساكنة، أو الفرق بينها وبين كلمة “مشى”. على أن مديرة معهد التربية الخاصة للإعاقة السمعية في دمشق ترى أن المعهد اتجه للتحسن منذ عامين. وتشتكي رزق من أن المعهد “يضطر لترفيع طلبة رغم انخفاض مستواهم التعليمي الناجم عن ضعف التأسيس في السنوات السابقة”. واليوم، تضيف المديرة، يعتمد المعهد على “وسائل إيضاح أكثر فاعلية (كالرسوم التي تعبر عن الكلمة عوضا عن شرحها) ووضع الشخص المناسب في المكان المناسب، والاجتهاد في دروس النطق”. وهي ترى أن الحل “لا يكمن في تغيير المنهاج بل بتكييفه ليناسب الإعاقة السمعية، وعدم حرمانهم من فرصة دخول الكليات السورية”. من وجهة نظر رزق، “التكييف هو تعديل جزئي بالمنهاج بما يناسب قدرة ذوي الإعاقة السمعية على الاستيعاب وقدرة لغة الإشارة على إيصال المعلومة”. تؤيد هذا الطرح أيضا وزارة التربية، وبخاصة في ظل السياسة العالمية لدمج ذوي الاحتياجات الخاصة مع الأطفال العاديين.إذ استبعد حسام الخلف، العضو في دائرة التربية الخاصة بوزارة التربية، إدخال مناهج خاصة للصم في ظل التوجه نحو سياسة الدمج”، مشيرا إلى “ضرورة تكييف المنهاج بما يناسب الإعاقة السمعي”. يتحدث خلف عن “خطة لتكييف منهاج ذوي الاحتياجات الخاصة بمساعدة خبراء من الخارج لقلة عدد الاختصاصيين السوريين في مجال الإعاقة السمعية، لكن بعد تطوير العملية التعليمية والتخفيف من ضخامة المنهاج”. لم يحدد الخلف توقيت إنجاز هذا المشروع. اختبارات تؤكد الفرضيات سعت سيريانيوز لتقييم مستويات 15 طالب من المرحلتين الإعدادية والثانوية (تتراوح أعمارهم بين 13 و18 عاما) في معهد التربية الخاصة للإعاقة السمعية بدمشق. وهكذا أجرت اختبارات لقياس مستوى هذه العينة في أساسيات القراءة، الكتابة والحساب مقارنة مع السامعين، وذلك بإشراف أربع معلمات مشهود بخبرتهن العملية (معدل 25 عاما) في ميدان التعليم الأساسي للسامعين.عرض الاختبار على خبير لغة الإشارة هيثم دادو، الذي توقع أن يفرز الاختبار نتائج دقيقة لجهة مستوى حجم ضرر الأصم وسلبيات توحيد المنهاج (بين الصم وأقرانهم العاديين). أظهرت نتيجة الاختبار، بحسب المعلمة اعتدال أبو حرب، إحدى المعلمات اللواتي وضعن الأسئلة، “ضعفا واضحا في قدرة الصم على الكتابة والقراءة”. بقياس أجوبة أفراد العينة، توصلت المعلمات إلى أن مستواهم لا يتجاوز الصف الثاني الابتدائي بالمقارنة مع الأصحاء من أقرانهم، المفترض أن يقتربوا من نهايات المرحلة الثانوية. أما بالنسبة لمادة الحساب، فسجلت أعلى علامة الطالبة منار العلي (16عاما) في الصف التاسع، لكن النتيجة قدرت مستوى تعلم هذه الطالبة في الصف الثالث الابتدائي أي ممن لا تتجاوز أعمارهم التسع سنوات .شهادات بغير استحقاقبعرض إجابات الطلاب الصم على دادو. قال خبير الإشارة: “أؤكد كلام المعلمة اعتدال أبو حرب. وأضيف سؤالا للمعنيين عن كيفية تجاوز الطلاب الصم الشهادتين الإعدادية والثانوية وهم عمليا في مستوى طالب الابتدائي، وبخاصة أن الأسئلة موحدة مع السامعين كما المنهاج”. يشار إلى أن عدد الطلاب الصم الذين تقدموا لامتحانات الشهادة الإعدادية للعام الدراسي 2007-2008 وصل إلى 11 طالبا نجحوا جميعا. وفي العام الذي سبقه، تقدم 16 طالبا نجح منهم خمسة عشر. وتقدم ثلاثة طلاب لنيل الشهادة الثانوية (الثالث الثانوي الأدبي)، ونجحوا جميعا، بحسب سجلات وزارة التربية.ويرجع دادو هذه النتائج “غير المنطقية” إلى دور المراقبين في امتحان الشهادتين، معتبراً أن “كل مساعدة منهم كي ينال الأصم شهادة بغير استحقاق، هي حجر عثرة أمام هذه الفئة وذريعة لوزارة الشؤون الاجتماعية لعدم التطوير، باعتبار أن غالبية من يتقدم من الصم للامتحانات ينجح”. إلا أن مصدرا رفيعا في وزارة التربية، رفض ذكر اسمه، يؤكد على “نزاهة امتحانات الصم ويستبعد احتمال تعاطف المراقبين مع الطلاب” معتبرا أنهم “غير قادرين على توصيل المعلومة الصحيحة لجهلهم بلغة الإشارة والمادة على حد سواء”. ولدى سؤاله عن احتمال أن يكتب المراقب المعلومة على السبورة، يجيب المصدر: “هذا غير يمكن لوجود مشرفين على المراقبين”، مضيفا أن “المساعدة الوحيدة المقدمة في امتحانات الصم هي زيادة ربع ساعة عن التوقيت العام وترجمة الأسئلة من قبل أخصائية بلغة الإشارة”. من جانبها، ترى مديرة معهد التربية الخاصة للإعاقة السمعية في دمشق أن الصم أقدر على النجاح من أقرانهم، رغم نتائج الاختبار التي تؤكد ضعف مستواهم. وتبرر رزق نجاح الصم بالشهادتين الإعدادية والثانوية بقوة “الذاكرة البصرية لديهم وقدرتهم على حفظ الدرس مع طريقة كتابته، مقارنةًَ بالطالب السامع الذي يعتمد الحفظ والبصم في دراسته، ما يؤدي لنسيان ما حفظ بعد تقديمه الامتحان مباشرة”. على أن دادو يرى أن “الذاكرة البصرية يملكها كل مبصر سواء كان أصم أم لا، وهي لا تمكنه من اجتياز الشهادات والامتحانات”.مسألة نزاهة الامتحانات تثير استياء سبعة طلاب من الصم الحاصلين على الشهادتين الإعدادية والثانوية التقتهم “سيريانيوز”. إذ يؤكدون أن نجاحهم جاء “بجهدهم الخاص، وأن المراقبين كانوا من أشد المعلمين، ولم يشفقوا علينا لأننا أناس طبيعيين لا نحتاج للشفقة”. على أن أحد طلبة الشهادة الإعدادية للعام الدراسي (2006 ـ 2007) عارض “ما ذهب إليه زملاؤه” وأصر “على دور المراقبين في تسهيل نجاحه وزملائه”. ويقول الطالب الذي رفض الإشارة إلى هويته: “العديد من المراقبين يشفقون علينا، ويكتبون جواب السؤال على السبورة بعد أخذه من أحد الطلاب أو من معلم المادة، ثم ينبهونا إلى عدم إخبار أحد عما حدث حتى لا تسحب الوزارة شهاداتنا”. خارج الحساب لم يكن توحيد المناهج والجدل الدائر حوله هو المشكلة الوحيدة التي تواجه الصم، إذ أن عددا منهم لم يحصل حتّى على فرصة القبول في المعهد. معهد التربية الخاصة للإعاقة السمعية في دمشق احتوى 479 طالبا للعام الدراسي2007 ـ 2008، لكنهم لم يكونوا الوحيدين الراغبين بالتعلم. إذ حيث ينتظر حوالي 45 طالبا دورهم لعدم توافر مقاعد في المعهد. ويقر بذلك مدير الخدمات الاجتماعية السابق بوزارة الشؤون الاجتماعية والعمل. إذ يقول عماد العز: “بالفعل نعاني من زيادة في عدد الطلاب والافتقار إلى معاهد الصم. لكننا بدأنا في تجاوز الأزمة بعد فتح معهد بالسويداء وآخر في درعا، كما أن معهد الصم بريف دمشق قيد الإنشاء”. مديرة المعهد تتحدث عن معاناتها مع أهالي الصم، وتقول إن 70 % من “الأهل لا يؤمنون بقابلية الصم للتعلم، فيفضلون تعليمهم مهنة ما، وبخاصة أن معظم الأهل هم من الأميين “. تضيف ” نبذل جهود لنشجع الأهل على التعاون معنا، حيث سجنا دروس النطق التي تم تصويرها داخل الصفوف على سيديات بهدف إعارتها لأولياء الأمور للاستفادة منها في تعلم لغة الإشارة ودروس النطق ، وفوجئنا بالعدد القليل الذي اهتم لهذه الفكرة “.من جهتها تقول والدة إحدى الطالبات: “لا أعلم لماذا رسبت ابنتي رغم من متابعتي لها”؟ لكنها تستدرك”:بصراحة ليس لي الجلد لتدريسها. وأعتقد أن مستقبل الفتيات يكمن في زواجهن”. بشار الطالب الراسب بالصف السادس عزا والده سبب رسوبه إلى تفضيل ابنه للخياطة عن العلم ، وأكد تشجيعه لولده على هذا الخيار خاصة أن “الصم لاأمل لهم بالعلم” . والد بشار لايعرف لغة الإشارة ولايتكلم مع ابنه أبدا وفي حال حدث ذلك يكون عن طريق والدته . وأشارت والدة مرام الصف الرابع أن “متاعب الحياة تنسينا دراسة أبنائنا الأصحاء فكيف الصم خاصة أن وضعنا العائلي في مزيد من الانحدار سواء المعنوي أو المادي” . قانون التعليم الإلزامي في سورية الذي صدر بتاريخ 16/8/1981 ويحمل الرقم /35/ يفرض عقوبات على الأهالي الذين يحجمون عن تعليم أبنائهم، لكنه لا يتضمن أي أبواب خاصة بالأطفال من ذوي الاحتياجات الخاصة. وتنص مادته الثانية: :يلتزم جميع أولياء الأطفال السوريين (ذكورا وإناثا) والذين تتراوح أعمارهم بين ( 6ـ12) سنة بإلحاقهم بالمدارس الابتدائية” .لكن قرارا حكوميا ، تاريخ 13/10/2001 يحمل الرقم 2640/543(4/3) يتحدث عن ضرورة قبول بعض أصحاب الإعاقات ضمن المدارس الحكومية انطلاقا من توجهها إلى اتباع سياسة الدمج المعتمدة عالميا . نقاط مضيئةيتردد اسم إبراهيم القادري كنموذج للطالب الأصم المميز، والذي كثيرا ما استخدم كإثبات على جودة التعليم في معاهد الإعاقة السمعية. إذ جمع القادري 189 من 290 علامة في امتحان الشهادة الإعدادية. لكن والدة القادري تؤكد أن ذلك الإنجاز لا يعود إلى وسائل التدريس الرسمية أو المنهاج. وتضيف: “كنت أعيد له الدروس التي يتلقاها كل يوم لأن الأصم سريع النسيان. كنت أطلعته سابقا على هذه الحقيقة وقررنا معا تجاوز المشكلة عن طريق زيادة ساعات الدراسة والإعادة قدر المستطاع، فضلا عن دروس النطق التي لم تتوقف، ودروس تعليم حركة الشفاه”. هنا يتدخل إبراهيم ليضيف: ” أنا لا أنكر فضل المعهد. لكن لو اعتمدت على المدرسة دون عناية أمي لكنت مثل بقية زملائي”.قدرة ابراهيم العالية على قراءة الشفاه أهلته الدخول بالثانوية المهنية الصناعية ( للسامعين ) باختصاص المعلوماتية ، ويستعد للتقدم بالعام القادم إلى الشهادة الثانوية ،كما أنه يعمل حاليا مدرس للحاسوب بمركز لمعلوماتية للمعاقين بمنطقة حاميش ( دمشق) . لولا فسحة الأمل رغم ثالوث المناهج، الوسائل وتعاون الأهل الذي يحول دون اقتراب الصم من مستوى أقرانهم، يتطلع الجيل الجديد من الصم إلى الاندماج في المجتمع وتحقيق حلم سها في طرق مهنة المحاماة أو توظيف العلم الذي ناله ديب في الخارج لمنفعة الأجيال المقبلة بدلا من الانزواء في محل والده للأحذية.

 تم اعداد هذا التحقيق بدعم من شبكة إعلاميون من أجل صحافة استقصائية عربية (أريج) www.arij.net وباشراف الزميل علي حسون


تعليقاتكم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.