لا أثر للدولة في «الضاحية» الأكثر اكتظاظا وبؤساًً إلا عبر الأجهزة الأمنية والعسكرية

28 فبراير 2007

تحقيق: بيسان الشيخ

الحياة ارتفع صوت المؤذن يدعو إلى أداء صلاة العصر من جامع حربة في منطقة باب التبانة في طرابلس، فألقى أبو بكر جانباً صندوق الخضار الذي كان يحمله ونفض عن يديه ما علق بهما من تراب ثم مسحهما بطرف قميصه مستأذناً معلّمه، ومضى الى الصلاة. الجامع الذي يرتاده أبو بكر ويقول إنه اختاره للخطب الحماسية والمقنعة التي تلقى فيه، قريب جداً من السوق حيث يعمل عتالاً كغيره من أبناء حزام البؤس المترامي عند الطرف الشمالي لمدينة طرابلس.

في ذلك اليوم لم يعمل أبو بكر وردية كاملة في نقل صناديق من شاحنات المزارعين الى محل معلمه، وبالتالي لن يستحق أجره اليومي الذي لا يتجاوز عشرين ألف ليرة لبنانية، لكنه قال إنه قام بمهمة سامية تستحق التضحية لأجلها بنهار عمل. ففي ذلك اليوم عمل أبو بكر وبعض أصدقائه من «الشباب المؤمن» بنصيحة إمام الجامع الذي كان تحدث في خطبته عن وجوب استبدال «راية الرسول» برايات الكفار. وانهمك الشباب بتوزيع أعلام سوداء خط عليها شعار «لا إله إلا الله» على المنازل التي رفع شبابها على شرفاتهم أعلام فريقهم المفضل في نهائيات كأس العالم لكرة القدم.

أبو بكر قال إن الرايات السوداء التي وزعوها إلى أن انتشرت بكثافة في أزقة باب التبانة الضيقة والموحلة، تتماشى مع الواقعة الحزينة التي حلت بالمسلمين منذ بضعة أيام، وهي مقتل «الشيخ أبو مصعب». فضلاً عن أنها «في مطلق الأحوال تبقى أفضل من أعلام الكفار»، إذ لا داعي لأن يدعم الشباب دولاً تقتل المسلمين في العراق وفلسطين. وليس ما يقنع الشاب الذي لم يتجاوز الثالثة والعشرين من عمره بأن البرازيل مثلاً أو الأرجنتين أو غيرهما من الدول المشاركة في المونديال، لم تشارك في الحرب على العراق. ولعل المرة الوحيدة التي سمح فيها أبو بكر لنفسه ببعض المشاركة في هذا السياق كان شعوره بالسعادة لخسارة المنتخب الإيراني المباراة أمام منافسه المكسيكي. فتلك بالنسبة اليه فرصة للشماتة «ممن أطلقوا العيارات النارية فرحاً بمقتل الشيخ الزرقاوي في بعض المناطق».

وأبو بكر حديث العهد بالالتزام الديني، فهو قبل عام قرر أن يصلي ويصوم ويلتحق بالسلفية مبدأ له تكفيراً عن ذنوبه السابقة. فباعتقاده أنه كلما تشدد في التدين، عوض ما فاته. ذلك أن السنوات السابقة من عمره شهدت فترات من إدمان المسكرات وحبوب الأعصاب… وطبعاً «التشطيب»، وهي الكلمة الشائعة لما يسمى بإيذاء الذات.

فإلى جانب الأوشام المتعددة وأبرزها الصليب النازي المعقوف، لا تزال ذراعا أبي بكر وساقاه ومناطق أخرى من جسمه لم يكشفها، تعاني آثار جروح الشفرات وإطفاء أعقاب السجائر وحروق بأسياخ الحديد الحامية. ويخبر أبو بكر تلك التجارب التي مر بها كسمة طبيعية ترافق الانتقال من الطفولة الى الرجولة في منطقته، إذ يندر أن يلمح الزائر شاباً في السوق تخلو ذراعاه ويداه وأحياناً وجهه من الندوب المفتعلة والأوشام الصادمة. هي علاقة معقدة ومضطربة بالجسد لا تترجم سوى بالعنف الموجه ضد الذات أو ضد الآخر. وعندما يستعرض أبو بكر قصة كل جرح أو حرق، يترافق كلامه بتفاصيل عن حبيبة لم يسمح له أهلها بالتودد إليها، فكان يحادثها من فوهة الأنابيب التي تمتد بين الطبقة السادسة حيث يسكن هو والرابعة حيث تسكن هي، أو بصديق سجن لضلوعه في مشكل فأطلق النار من مسدس غير مرخص، أو بأسابيع كاملة مرت على الأرصفة من دون عمل ولا قوت.

كان الشاب والحال على ما هي عليه يلتقي شلته ويبدأون بجرح أنفسهم وهم غالباً تحت تأثير المخدر وأغان عاطفية لكاظم الساهر وهاني شاكر. ويبدأ الطقس بأن يقوم أحد الشباب بشطب نفسه «على نية فلان أو فلانة» فيلحقه الباقون وهكذا دواليك إلى أن تفرّغ شحنات الألم الداخلي وتملأ الدماء المكان. فأبو صدام مثلاً يقول إنه عندما يغضب لا شيء يهدئه حتى الآن سوى رؤية دمه يسيل. ويروي أبو بكر أنه ذات ليلة فيما كان الضجر يتآكله وبقية أفراد العائلة نيام، قام الى المطبخ يحمي سيخاً ويحرق به رجله لـ «اتسلى بنفسي» كما يقول، فاستفاقت الوالدة على رائحة احتراق وغابت عن الوعي لشدة غضبها، وعندما عادت إلى رشدها طردت ابنها من المنزل.

والاحتقان الممزوج بالمرارة والغضب شعور يتشاطره غالبية أبناء المنطقة التي تعيش على إيقاع سوق الخضار ووتيرة ورش الميكانيك. فالحي المحروم إلا من الكثافة السكانية، لا يمنح قاطنيه أي سبب فعلي لعدم التشنج، أو اعتدال المشاعر. ذاك أن للسوق أعرافاً يسنها الفتوات والقبضايات ويفرضونها بقوة الساعد والسلاح على التجار والعتالين، وهم بدورهم يقدمون لهم الولاء والطاعة مقابل حفظ أمنهم وحماية أرزاقهم.

دينامية داخلية راسخة، لا تتوقف عند مدونة سلوك خاصة يلتزم بها الطرفان وإنما تتخطاها إلى دفع خاوات مادية وتقديم هدايا عينية من بطاقات شحن الخليوي، إلى قطع غيار للسيارة، وغيرها من الخدمات التي ترضي الفتوة وتبعد عنهم شر غضبه. والفتوة في منطق السوق، لا يتصرف على هذا النحو بدافع الشر أو الإساءة وإنما لمروءة وشهامة في نفسه. فجسده القوي وعضلاته المفتولة ليست ملكاً له وحده وإنما هي أيضاً للحي الذي يجب أن يستفيد من حمايتها. وهذه مسؤولية كبيرة في منطقة مكتظة معزولة، يفصلها عن المدينة نهر أبو علي ويحاصرها جبل العلويين الذين تربطهم بأبناء التبانة عداوات وثارات دم.

والتبانة التي لا تتجاوز مساحتها ثلاثة كيلومترات مربعة، هُمشت وأُفقرت وزادت معاناتها وإهمالها بعد مواجهتها السوريين في أوائل الثمانينات ونفذت فيها عمليات قتل راح ضحيتها أكثر من ألف عضو من حركة التوحيد وقياداتها وأصدقائهم. وعوقب الجيل الناشئ من أبناء تلك القيادات بأن غابت الدولة عنهم غياباً تاماً طوال فترة النفوذ السوري، فمنعت المؤسسات الرسمية من دخول المنطقة عدا الأمني منها. وتضم التبانة اليوم 55 ألف نسمة بحسب لوائح الشطب أي ممن تخطوا الحادية والعشرين، ما يعني أن الكتلة الفتية التي تنبض بها الأزقة غائبة عن أي إحصاء رسمي أو غير رسمي، من دون ذكر من هم غير مدرجين في سجلات القيد أصلاً. ولا يحظى هذا التجمع البشري بأي مرافق عامة، فلا مستشفيات ولا مدارس سوى اثنتين ابتدائيتين يهرب التلامذة منهما الى الشارع وصخبه.

وأبو بكر ابن هذه البيئة التي يختلط فيها التزمت الديني بالجنوح المطلق، كما تختلط مياه الشفة بالمياه الآسنة في الأنابيب الصدئة.

وأبو بكر الذي يتمته مجازر التبانة باكراً كغالبية «أولاد دعوته» ممن ولدوا في مطلع الثمانينات، نشأ ينمي حقداً على من قتلوا والده وأعمامه. ثم لم يكن أتم عامه العاشر بعد عندما قذفت به غرف منزله الضيقة الى الشارع ليسترزق. فالبيوت المتراصة طاردة لسكانها من غير الإناث اللواتي يفرضن أحكامهن داخل تلك الجدران، وهي غالباً أحكام لا تتوافق مع الذكورة المتفلتة من أي عقال.

فالأمهات والأخوات والزوجات اللواتي يسكن تحت سقف واحد أحياناً يسيطرن بالكامل على تلك الغرف الضيقة من حيث النظافة والالتزام الديني وجدول الأعمال المنزلية من غسيل وطبخ واهتمام بالجسد الانثوي. وهذه طقوس لا تتسع لذكور العائلة مهما كانوا صغاراً، إضافة إلى الاعتماد الكلي لهؤلاء النساء على مداخيل الرجال.

وتتوزع غرف المنازل بحسب الأبناء المتزوجين الذين تؤول لهم أفضلية غرف النوم. ففي بيت علاء الذي ضم في مرحلة سابقة 15 شخصاً، بين ولد وأبنة وكنة وحفيد، كانت غرفتا النوم الوحيدتان من حظ العرسان الجدد من الأبناء. أما البقية فتفترش ما تراه ملائماً من غرفة الجلوس والممرات… والشرفة صيفاً. هذا وقد يغيب بعض مراهقي العائلة لأيام في السجن فيحتل إخوتهم فرشهم. وتروي والدة علاء التي اخترقت جبينها رصاصة منذ أيام الحرب فأفقدتها عينها وبعض توازنها، كيف كان أبناؤها يخفون عنها سجن أحد إخوانهم فيدعون أنه جاء فيما كانت هي نائمة، ولم يكن أمامها في ذلك الوقت سوى التصديق، «فقد كان عددنا كبيراً، ولم أكن أحصيهم كل ليلة».

وحوّل هؤلاء الفقر المدقع الذي يتخبطون فيه، مدعاة فخر واعتزاز كونه دليلاً دامغاً على عدم تواطئهم مع الأجهزة الأمنية التي تجند مخبرين بينهم بإغراء المال والنفوذ. ويروون كيف يحاول رجال الأمن «توريطهم» بالترغيب حيناً والترهيب حيناً آخر. فيعتقلون أحدهم بتهمة ما، ثم يفرجون عنه ويمنحونه مبلغاً من المال وهاتفاً ورقماً يتصل به إذا احتاج شيئاً. وتبدأ المطاردة عندما يمر يومان ولا يأتيهم بخبر. لذا فإن الشجاع القوي هو من يرفض تلك المغريات ويبقى على عدائه للدولة وتكاتفه معهم.

ويختلف تقويم شباب التبانة لرجال الأمن الداخلي عنه لعناصر الجيش بناء على منطق القوة نفسه. فالجيش عندما ينتشر في الشارع «يغلق المحال ويرعب الجميع»، وهو أقوى وأعنف وبالتالي أكثر احتراماً وإن كان هذا العنف موجهاً ضدهم شخصياً. ويدغدغ ذلك كبرياءهم أحياناً إذ يقول «أبو مريم» مثلاً: «لو لم نكن أقوياء لما احتاجوا هم أيضاً لهذه القوة لمواجهتنا». ثم إن الجيش «لا يمكن شراؤه بعشرين ألف ليرة» يقول أحدهم، أما الدركي فيمكن أن يغض النظر عن عراك مهما كان دامياً إذا بقي محصوراً في الحي ولم يخرج عنه، فلم يسمع أحد خارج التبانة عن الشابين اللذين قتلا قبل أسبوع و«لفلفت» قضيتهما.

ولا يقتصر التشطيب الذي يخطط أجسادهم، على الحاجة الملحة لإخراج العنف الداخلي وتحويله دماً يسيل وندبة تدوم، بل هو محاولة تماه مع المجموعة ووسيلة انتماء الى الفئة القوية من هؤلاء المسحوقين حيث يستمد الفرد قوته من قوة الجماعة.

والشعور بالقبول من الشلة والأمان بين أعضائها ينعكس على الرفاق استرخاء في طريقة الجلوس وحتى في الكلام. فالتأتأة واللثغة اللفظية المنتشرتان بشكل ملحوظ في كلامهم، تنخفض وتيرتهما عندما يتحدثون مع بعضهم بعضاً، جالسين عند الناصية أو في محل الحلاقة. وفي غياب أي منطق يخط حياة تلك الجماعة، وجد الخطاب الديني المتشدد آذاناً صاغية وبيئة حاضنة لأن أئمة المساجد قدموا المشروع الديني كمشروع إصلاحي لعقول الشباب، فكانوا المنقذ الوحيد لهم من دوامة الجنوح والتسيب وحياة الشوارع، كما انهم صاروا صورة ذلك الاب الغائب، المثال الأعلى الذي لم يتسن للأبناء معرفته. فعندما يتحدث الشيخ عمر، أحد المفرج عنهم في قضية الضنية، وهو لم يتجاوز الثامنة والعشرين الى شاب يشطب نفسه، ينبهه إلى أن ما يفعله حرام، وأن جسده ملك لله وليس له. فيطيعه الشاب كأخ كبير، ويلملم أشلاء جسده من الشارع.

في الخطاب الديني الأخوة في الإسلام أقوى من صلة الدم، وهو بالذات ما يحتاجه فتية لم ينشأوا في كنف عائلات متينة التكوين أو عريقة النسب. فصار المسلم في العراق وفلسطين وأخيراً الصومال، أخاً فعلياً لهم يلبون نداءه عندما يحتاجهم. ثم إن هذا الخطاب جاء يترجم إرادتهم الدفينة بالانتقام من المجتمع والدولة التي لم تنصفهم، خصوصاً أن تدينهم الأول جاء في إطار ثقافة محلية تثمّن العنف وتقدره، ما يحولهم تدريجاً الى وقود سريع الاشتعال عندما يأتي من يضفي على عنفهم صبغات سياسية.

كثيرون مثل أبو بكر طووا ماضـــي الفـــتوة والحــــبوب والتشطيب، وساقهم ندمهم العميق الى مغالاة من نوع آخر، لكنهم لم ينسوا تلك الأيام التي يتأرجحون يومياً على شفيرها وما زالوا يحملون ندوبها على أجسادهم وفي نفوسهم. إلا أن ما يعزيهم أن أبا مصعب نفسه كان ذات يوم مثلهم… فتوة حيّه!

أنجز هذا التحقيق بدعم وإشراف شبكة إعلاميون من أجل صحافة استقصائية عربية (أريج) www.arij.net


تعليقاتكم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.