كادحون بأجور بخسة ومستقبل في مهب الريح

29 أغسطس 2011

أصحاب ورش عمل يستغلون ثغرات في القانون لتشغيلهم

صُدِمَ عماد ساحور (32 سنة) حين فصل من عمله عشية زفافه أواخر 2010 بعد أن خفّض راتبه عدة مرات إلى النصف؛ نزولاً إلى 130 ديناراً – أقل بـ 20 ديناراً عن الحد الأدنى للأجور.

ونس حويطات هو الآخر لا يتقاضى الحد الأدنى للأجور. فهو يعمل في ورشة إصلاح سيارات في منطقة وادي رم ( 280 كيلومتراً جنوب عمان)، مقابل 20 ديناراً أسبوعياً، نصف الحد الأدنى المعتمد منذ عام 2009.

أحمد عمور (27 سنة) يعمل في ورشة اصلاح مركبات، مقابل 100 دينار شهرياً، من دون عقد مكتوب يحدد ما له وما عليه من حقوق وواجبات.

عمور تفاجأ بحضور مفتش وزارة العمل إلى الورشة للاطلاع على بيئة العمل والاستفسار عن أجره، فأجابه صاحب العمل بأنه يتقاضى 150 ديناراً في الشهر، وهو ما يجافي الحقيقة. ويبرر صمته أمام مفتش الوزارة بـ»الخوف على رزقي»؛ إذ يخشى أن يستغني عنه بآخرين تدفعهم الحاجة للعمل بأجر أبخس.

تدني الأجور يعود إلى عدم فاعلية أنظمة تفتيش وزارة العمل واستغلال أصحاب العمل لحاجة العمال فضلا عن عدم توثيق عقود العمل في غالبية الأحيان والاكتفاء بالتعاقد الشفوي وأيضا حرمانهم من الاشتراك في الضمان الاجتماعي، على ما توصل إليه كاتب هذا التحقيق.

وبينما تطالب نقابات عمالية برفع الحد الأدنى للأجور إلى 250 ديناراً، تتفاوت عروض الحكومة وأصحاب العمل بين السعي لإلغاء الحد الأدنى أو زيادته بضعة دنانير، على غرار إجراءات الأعوام السابقة. رئيس اتحاد العمال مازن المعايطة يؤكد أن 80 ألف عامل في المنشآت الصناعية أي 6 % من مجموع القوى العاملة المقدرة بمليون و300 ألف، يتقاضون أجراً يقل عن الحد الأدنى.

وزير العمل الدكتور محمود كفاوين يرى أن وضع حد أدنى للأجور بعيداً عن معادلة العرض والطلب يضر بالعامل الأردني؛ ذلك أنه يبعده عن العمل في المصانع بسبب تحديد الراتب بـ 150 ديناراً.

ويؤكد كفاوين مع ذلك أن الوزارة ستشرك القطاع الخاص في تحديد الحد الأدنى، بما يضمن التوازن بين طرفي المعادلة.

تفريخ لجان

محاولات إنصاف العمال باءت بالفشل رغم تشكيل لجنة ثلاثية لشؤون العمل العام الماضي، بموجب المادة 52 من قانون العمل لسنة 2010.

هذه اللجنة التي تضم ممثلين عن العمال وأصحاب العمل ووزارة العمل، عقدت منذ تشكيلها اجتماعاً وحيداً في 25 تموز/ يوليو الماضي، بحسب رئيس نقابة عمال الأخشاب والبناء والتشييد عضو هذه اللجنة محمود الحياري الذي يحمّل الحكومات مسؤولية استعصاء هذه المشكلة، بسبب غياب الاستراتيجية وتغييرها المستمر (منذ 1999 وحتى الآن تعاقب على الدوار الرابع عشر حكومات على الأقل).

في ذلك الاجتماع، أوصت اللجنة الثلاثية بتشكيل لجنة فنية من جميع المؤسسات المعنية ( وزارتي المالية والصناعة والتجارة، البنك المركزي، غرفة الصناعة، غرفة التجارة، مؤسسة الضمان الاجتماعي، وزارة العمل)؛ بهدف قياس ارتفاع تكاليف معيشة المواطن وانعكاسها على أجور العمال.

ويرى الحياري أن رفع الحد الأدنى للأجور بات أمراً ملحاً في ظل تراجع القوة الشرائية لمعاشات العمال. «إنقاذ الطبقة العاملة والمتوسطة يشكل في نهاية المطاف إجراءً اجتماعياً يستفيد منه أصحاب العمل ويخرج الاقتصاد من ركوده ويزيد من حجم الاستهلاك»، على ما يضيف.

في استبيان وزع على 200 عامل في محافظات المملكة الاثنتي عشرة، وجد كاتب هذا التحقيق أن (71.40 %) من العينة ضمن الفئة العمرية (17-40 عاما) يعانون من مشاكل عمالية، بما في ذلك عدم تقاضيهم الحد الأدنى للأجور، وتحاشيهم التقدم بشكوى عمالية لخوفهم على مورد رزقهم.

ويبين الاستطلاع أن (48.2 %) من أفراد العينة لا يشعرون بأمان وظيفي. كما يكشف أن العديد منهم يفضلون العمل في الفرص المتاحة وبالأجر الذي يعرض عليهم جراء محدودية الفرص المتوافرة وعدم تفعيل الرقابة على تطبيق الحد الأدنى للأجور. ووجد الاستبيان تعرض 64 % من العمال لاستغلال في العمل؛ إذ يعملون فوق سقف قانون العمل المحدد بثماني ساعات، ويفتقرون إلى أبسط شروط الصحة والسلامة المهنية، إلى جانب حرمانهم من الإجازات، دون أن يتقاضوا بدل عمل إضافي.

«سراب رزق»

الهجرة من الريف إلى المدينة «سراب رزق»؛ هذا ما يذهب إليه العامل زكي محمود من منطقة أبو السوس، غربي عمّان. محمود يتمنى «عودة الأيام الخوالي في زراعة أرضي الممتدة على ثلاثة دونمات، بدلاً من الجلوس في منزلي متعطلاً عن العمل، يرمقني أبنائي بعين الحسرة». فجيوب هذا المزارع الباحث عن استقرار وظيفي «تشكو القلة بعد أن تنقل بين أكثر من عمل جراء عدم تقاضيه الحد الأدنى للأجور».

ما يفاقم معاناة محمود وسواه من عمال، استغناء أصحاب عمل عنهم كلياً، بعد أن استعيض عنهم بـ «عمالة وافدة» يقلون عنهم بالأجر.

كرم أبو الغيظ (30 عاما)، قَدم قبل أربع سنوات من دولة عربية مجاورة للعمل في الأردن. ورغم أنه يتقاضى الآن 140 ديناراً، يبدي أبو الغيط سعادته في العمل خصوصاً وأن تكاليف معيشته تقل بكثير عن نظرائه الأردنيين، إذ يعيش في غرفة واحدة مع عدد من أقرانه «الوافدين».

تقدر العمالة الوافدة في الأردن بنحو 500 ألف عامل، بحسب الأرقام الرسمية.

العامل محمد سكر لم يكن أحسن حالاً؛ وهو يعيل أسرة من 12 فرداً؛ غالبيتهم في المدارس والجامعات، فضلاً عن والدته المريضة.

سكر كان يعمل ميكانيكاً، ويتقاضى الحد الأدنى للأجور؛ لكن نتيجة مطالبته بزيادة الأجر الشهري أصبح دون عمل.

يقول سكر: «وضعي المعيشي في غاية القسوة وأنا بصحة جيدة وقادر على العمل ولكن.. أين هو»؟

إبراهيم محسيري يعمل في كراج ميكانيك سيارات ويتقاضى راتباً شهرياً مقداره 130 ديناراً. يصف محسيري نفسه بالعمالة الفقيرة نظراً لكونه عاجزاً عن تأمين ضروريات الحياة ناهيك عن كمالياتها.

حربي ابراهيم (25 سنة) يعمل في كراج دهان وتجليس سيارات مقابل 20 ديناراً في نهاية كل أسبوع.

يؤكد إبراهيم أن صاحب العمل يناور من أجل التهرب من تطبيق الحد الأدنى أو إشراكه في الضمان الاجتماعي. ولا يوجد عقد عمل مكتوب يحدد حقوقه وواجباته، بينما «أمرني صاحب الورشة بأن أبلغ مفتشي وزارة العمل في جولاتهم أن أجري 150 دينارا شهرياً».

من جانبه، يبرر «معلم» محسيري تصرفه بأن نظام الأجر في ورشته يصرف أسبوعيا، بما يتماشى مع ظروفه الاقتصادية، للموازنة بين إيراداته ونفقاته. ويؤكد بأن نظام العمل مرتبط بالعرض والطلب.

تحفيزٌ على قبول فرص العمل

عمال يطالبون برفع الحد الأدنى وآخرون يتظلمون لأن أصحاب العمل لا يطبقونه. أحدث بيانات لدائرة الإحصاءات العامة أظهرت أن متوسط الدخل السنوي للفرد 1350 ديناراً، رغم أنه ينفق خلال العام نحو 1504 دنانير، الأمر الذي يشير إلى أن الفرد يعاني عجزا سنويا قدره 154 ديناراً.

احمد رشيد (35 عاما) يرى أن إبقاء الحد الأدنى للأجور سيزيد عوز طبقة اجتماعية واسعة، فالمائة وخمسون ديناراً «تكاد لا تكفي أجرة التنقل وأقل القليل من الاحتياجات الشخصية للعامل».

طه عبد الفتاح وزميله نزار عودة يريان أن الحد الأدنى «لا يؤمن حياة كريمة للعمال أو يحفزهم نحو الإنتاج وقبول فرص العمل المتاحة».

فني الكهرباء أسامة يوسف يدعو وزارة العمل «لاستخدام نفوذها كجهة حكومة للضغط على أصحاب العمل من أجل رفع الحد الأدنى استجابة لمطالب النقابات العمالية»، إلى 250 دينارا.

إبراهيم الانعامي وهاني جمال يقولان إن رفع الحد الأدنى للأجور «مطلب شرعي ليس فقط لمواجهة رفع الدعم عن المحروقات، بل لأن الحد الأدنى المعتمد الآن ليس كافياً لمتطلبات الحياة المعيشية، خصوصاً وأن من يبدأون العمل بهذه الرواتب يكونون غالباً من فئة الشباب الذين يحتاجون إلى تأسيس حياة اجتماعية وأسرية جديدة».

في المقابل يجادل أصحاب العمل بأن رفع الأجور قد يتسبب في زيادة عجز ورش العمل وكراجات الميكانيك، التي يعاني بعضها من تعثر مالي جراء الأزمة الاقتصادية العالمية وارتفاع معدلات التضخم في الاقتصاد الوطني.

معدل التضخم في الأردن لأول سبعة شهور منذ مطلع العام وفقاً لدائرة الاحصاءات العامة بلغ 4.7%.

عامر فراج صاحب كراج ميكانيك، يعمل لديه أربعة عمال مجمل رواتبهم 500 دينار، وتبلغ نفقات كراجه الشهرية نحو مائة وخمسين ديناراً بينما يبلغ مجموع صافي دخله الشهري بعد احتساب نفقاته نحو 400 دينارا.

يعتقد أن رفع الحد الأدنى للأجور قد يفجّر موجة من التضخم، جراء ارتفاع أجور التصليح على المواطنين. ويدعو فراج في المقابل إلى إيجاد آلية رقابة تلزم القطاع الخاص بدفع الحد الأدنى للأجور.

بسام المناصير – صاحب كراج صيانة سيارات في جرش – يرى أن صاحب العمل يجد نفسه مشدوداً باتجاهين. فهو يرغب في تحسين مستوى معيشة العامل وتعويضه عن التضخم، ولكنه في الوقت عينه لا يرغب في رفع كلفة العمل والتأثير سلباً على تنافسيته في السوق.

يشاركه في الرأي كرم الصمادي، صاحب كراج صيانة سيارات.

ورغم أن الصمادي يتفق مع العمال في مطلبهم فإنه يعتقد أيضاً بضرورة وجود «حوافز لضمان نمو الورش». كما يؤكد أن رفع الحد الأدنى للأجور يجب أن يكون مصحوباً بحزمة إجراءات من شأنها دعم تطوير ورش السيارات.

من جانبه يدعو عبد الرحمن خير، صاحب ورشة صيانة آليات ثقيلة، إلى زيادة الحد الأدنى للأجور بالاعتماد على دراسة علمية واقعية تحدد احتياجات المواطن وتضمن له مستوى حياة لائقاً. ويحذر خير من أن استمرار ارتفاع معدل التضخم سيهدد «الاستقرار والسلم الاجتماعي».

رئيس الاتحاد العام لنقابات العمال مازن المعايطة يقول إن المطالبة برفع الحد الأدنى إلى 250 ديناراً على الأقل «قد لا تجد ترحيباً لدى أصحاب العمل، الذين سيضغطون باتجاه رفعه بين خمسة إلى عشرة دنانير أسوة بالأعوام الماضية».

ويعرب المعايطة عن تطلع «عمال الأردن» لأن تأخذ الحكومة مطالبهم بجدية مراعية في ذلك اتساع الفجوة الاقتصادية والاجتماعية التي أصابت عمال الوطن جراء ارتفاع الأسعار والتضخم الاقتصادي.

ويكشف أن 25% من المنشآت الصناعة «ملتزمة بالحد الأدنى لأجور العمال»، لافتاً إلى أن نحو 80 ألف عامل يتقاضون رواتب تقل عن الحد الأدنى للأجوار.

ووفق المعايطة فإن شركات ومؤسسات في القطاع الخاص تلتف على القرار المعمول به حالياً، داعياً وزارة العمل إلى تكثيف حملات المراقبة والتفتيش على تلك المؤسسات.

وفي هذا السياق شخّص مدير مديرية التفتيش في وزارة العمل عدنان ربابعة المشكلة في الورش الصغيرة، وكراجات الميكانيك وصيانة السيارات، ويشير إلى أن غالبية العاملين في هذه المنشآت تربطهم مع صاحب العمل علاقة عقد «شفوي» غير مكتوب، وهو ما يشكل صعوبة في ضمان حق العامل.

ويؤكد أن الوزارة تشرف على نحو 167 ألف منشأة عمل بما فيها كراجات وورش ميكانيك واصلاح السيارات. في المقابل هناك 125 مفتشا فقط يتولون مهمة الرقابة في محافظات المملكة كافة. هذا يعني مفتش واحد لكل 1336 منشأة عمل، علما أن الحد الأدنى المطلوب هو 200 مفتش.

ويبين أن هاجس عمال من التقدم بشكوى لدى الوزارة يحول دون حصولهم على الحد الأدنى للأجور. تتلقى الوزارة الشكوى من العمال بشكل سري، لكن المطالبة بأجر العمال من رب العمل، تؤدي في كثير من الأحيان إلى كشف اسم المشتكي خصوصاً وأن كثيرا من هذه المنشآت تعتمد على عامل أو اثنين، على ما يشرح.

ويؤكدّ أن المشكلة تكمن في ورش اصلاح السيارات غير الصغيرة غير الخاضعة للضمان الاجتماعي.

مخالفة خرق القانون لا تشكل رادعاً قوياً إذ تتراوح بين 50-200 ديناراً، حسب الربابعة.

ويكشف أن وزارة العمل ستباشر مطلع العام المقبل حوسبة أنظمة التفتيش، لتسهيل عمل المديرية، وتحديد أماكن هذه المنشآت وفقاً لقاعدة بيانات خاصة، تسهل تنفيذ جولات تفتيشية على هذه المنشآت.

دور الضمان الاجتماعي

يشتكي مدير المركز الإعلامي في المؤسسة العامة للضمان الاجتماعي موسى الصبيحي من عدم وجود إحصائيات رسمية تظهر عدد ورش الميكانيك واصلاح السيارات. على أن الصبيحي يتوقع تنظيم هذا القطاع بعد أن أدخل أخيراً ضمن مظلة الضمان الاجتماعي، بحيث أن صاحب العمل مُلزم بإشراك العاملين لديه في الضمان دون النظر إلى عددهم.

ويؤكد الصبيحي أن أنظمة الحاسوب في المؤسسة لن تقبل إدخال أي بيانات متعلقة بأجر العامل في حال قل عن 150 ديناراً.

ويرجع المشكلة إلى أن أصحاب عمل يرغمون العمال على قبول أجور تقل عن الحد المتعارف عليه حسب القانون، في الوقت الذي يدعّون بأنهم يتقاضون الأجر القانوني، لافتا إلى أن غالبية العاملين في هذه الورش لا يمتلكون عقوداً موثقة لعملهم. ويشير إلى أن بعض عقود العمل المكتوبة لم تذكر أجر العامل الحقيقي، لا سيما أنه يقل عما هو مكتوب.

بموجب القانون، شرعت المؤسسة في إشراك كل من يعمل في منشأة رغماً عن صاحبها، وبأثر رجعي اعتبارا من تاريخ دخوله العمل، وتكبده فوائد التأخير وغرامات التأخير المترتبة عليه.

تشغل مؤسسة الضمان الاجتماعي 70 مفتشاً يتولون مهمة تفتيش نحو 50 ألف منشأة عمل مشمولة بالضمان الاجتماعي، بحسب الصبيحي الذي يرى أن هذا العدد غير كاف لضمان تنفيذ القانون.

أنجز هذا التحقيق الاستقصائي بدعم من شبكة “أريج” إعلاميون من أجل صحافة استقصائية عربية وإشراف الزميل سعد حتّر


تعليقاتكم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.