كابوس الصحة في عمران..ضعف الرقابة، نقص الكوادر والمخصصات يصيبها بالشلل

25 مارس 2014

الثورة – عاد عبدالملك (35 عاماً) مع زوجته في ليلة شديدة البرودة من ليالي آذار/ مارس 2012 بجثة رضيعتهما ذات الأربعين يوماً واللوعة تعتصر قلبيهما، بعد موتها نتيجة غياب طبيب مناوب أو ممرض في مركز صحي قريب من منزلهما.

كان الوالدان اضطرا لنقل الرضيعة في منتصف الليل – بعد اصابتها بحمى وإسهال حاد – إلى واحد بين 33 مركزاً صحياً تخدم مديرية السودة التابعة لمحافظة عمران، حيث يقطن مليون و50 ألف نسمة. 

“كان البرد قاسيا. لكن للأسف لم نجد فيه أي عامل صحي مناوب”، على ما يستذكر عبدالملك. وهكذا ماتت الرضيعة ملاك بعد نصف ساعة على الانتظار في المركز.

أما مجاهد (23عاماً)، فباغته الموت واتسعت حدقتا عينيه وجمدت نظرته بعد تعرضه لاختناق بـ”القات” في مايو/ أيار2012. يقول علي (28 عاماً) – جاره الذي حاول إسعافه: “نقلته بسيارتي إلى مركز صحي قريب في مديرية السودة، ولم أجد فيه أي طبيب، فانتظرنا بعد الاتصال بمديره ومدير إدارة الصحة، ولم يصلا إلا بعد أن فارق مجاهد الحياة بساعة”.

وقعت الوفيتان فعلًا في مديرية السودة، وفق إقرار مدير الصحة هناك محمد المخير والمقربين من هذه الحالات. حيث باتت الحاجة الى رعاية طبية، كابوس لسكان المحافظة المليونية. 

ويؤكد المخير وقوع 16 حالة وفاة خلال عام 2012 من إجمالي 16822 حالة عالجتها المراكز والوحدات وبنسبة 0.09 % على مستوى المديرية، نتيجة وجود كادر فني فقط دون أطباء عموم أو أي كادر طبي متخصص على الإطلاق، إلى جانب نقص الأدوية والإمكانات وقلة النفقات التشغيلية.

كما لا تتوافر لدى هذه المراكز والوحدات إمكانيات للمناوبة. اذ يتراوح عدد المراجعين للمركز الذي قضى فيه مجاهد بين 15 الى 30 شخصًا يومياً، حسب ما يقول المخير.

هذا التحقيق يكشف من خلال الزيارات الميدانية والوثائق أن تداخل صلاحيات ومسؤوليات السلطات المحلية ووزارة الصحة في عمران، وضعف رقابة الوزارة وسوء إدارتها، يسفران عن تدهور الخدمات في مراكز هذه المحافظة، ووحداتها الصحية. 

ووثقت الجولات الميدانية، على مدى ستة أشهر نقصًا حادًا في الكوادر الطبية المتخصصة وإهمالا أديا إلى عدم قيام المنشآت الصحية بوظائفها ما أسفر عن إغلاق 20 % من 222 وحدة صحية، منذ إنشائها خلال الفترة بين عامي 2000 و2010. كما أن 41 من 120 وحدة زارها كاتب التحقيق تخلو من وجود قابلة، و33 وحدة لا توجد بها مرشدة صحية، و47 لا يوجد بها فني تمريض و54 لا يوجد بها مساعد طبيب. وغالبيتها لا يوجد بها أدوية أو مستلزمات إسعاف، فيما تعمل المراكز الصحية الـ33 في المحافظة بشكل جزئي اذ لا تقدم خدمات متكاملة، وبالتالي يحرم سكان المنطقة من العلاج وتتهدد حياتهم كما تهدر موارد الدولة.

وتشكل نسبة وفيات الرضع أكثر من 30 % من وفيات الأطفال تحت سن الخامسة بحسب التقرير المرحلي  للصحة الصادر عن اليونيسف عام 2012.

يموت سنويا قرابة 10 ملايين من صغار الأطفال في البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل قبل بلوغهم سنّ الخامسة بسبب حالات مرضية يمكن توقيفها وعلاجها، بحسب معلومات مدونة على موقع “اليونيسف” عن العام 2012.

متوسط المعدل السنوي العالمي للحد من وفيات الأطفال دون سن الخامسة بلغ 3.9 % في الفترة 2005-2012، مقارنة بـ 1.2 في المائة سنوياً في الفترة 1990-1995، إلا أنه يظل غير كافٍ لإحراز الهدف الإنمائي للألفية المتضمن الحد من معدل وفيات الأطفال دون سن الخامسة بنسبة الثلثين بين عامي 1990 و2015، وفقاً لتقرير حديث صادر عن اليونيسف ومنظمة الصحة العالمية ومجموعة البنك الدولي وإدارة الشؤون الاقتصادية والاجتماعية بالأمم المتحدة أواخر العام 2013. لكن التقرير الوطني لأهداف التنمية الألفية في اليمن لعام 2010 يشير الى ان عدد وفيات الأطفال دون سن خمس سنوات بلغت 78.2 لكل ألف مولود حي والمستهدف 40.6، وعدد وفيات الأطفال الرضّع 69 لكل ألف مولود حي والمستهدف 27.2. 

وحدات غير صحية

تقدم الوحدة الصحية الواحدة خدمات وقائية بصورة رئيسية، إضافة إلى خدمات علاجية أساسية بسيطة لما بين 1000 – 5000 نسمة، بينما المركز الصحي يقدم خدمات وقائية تشخيصية وعلاجية لما بين 10000-30000 نسمة، حسب النموذج النمطي الوطني لإنشاء وتجهيز وتشغيل وحدات ومراكز الرعاية الصحية الأولية في الجمهورية اليمنية الصادر بالقرار (“18/3” لسنة 2005.

يشمل الكادر الفني فئات طبية مساعدة مثل: مساعدو أطباء، تمريض، صيدلة، مختبرات، أشعة، قبالة، صحة عامة، طب مجتمع، تخدير، علاج طبيعي. وهم يحملون دبلوم عالي أو متوسط.

تداخل الصحي بالسياسي والأمني 

تبدو الوحدات والمراكز كمنشآت كافية لتقديم الخدمات الصحية، إلاَ أن الزيارات الميدانية لـ22 من 33 مركزا و120 وحدة من 222 أظهرت أن الواقع مغاير تماماً لما تضمنه “النموذج الوطني” من مواصفات ومعايير توظيف الكوادر وتوفير التجهيزات الفنية والتقنية والأدوية وتحديد نوعية الرعاية الصحية ومواقعها داخل النطاق السكاني. 

نوافذ غالبية الوحدات الصحية مهشمة، وعلى جدرانها الخارجية ومداخلها شعارات لبعض الأحزاب، وبدون تسوير (حوش أو سياج). ولا توجد بها خزانات مياه أرضية. أما في الداخل فلا تجد فيها إلا مسؤولًا صحيًا

واحدًا أو إثنين على الأكثر، إن لم تكن مغلقة، وهناك 45 وحدة مغلقة من 222 لنقص الكادر والأثاث ونفقات التشغيل. 

ويشير كشف حصل عليه كاتب التحقيق عن واقع “الوحدات الصحية في المحافظة لعام 2011” إلى تدخل المشايخ مباشرة في اختيار الكوادر أو طردهم ومنحهم إجازات. وأحياناً يقومون بإيقاف العمل في أي من هذه المرافق، رغم أن المــادة (321) من قانون الجرائم والعقوبات رقم (12) لسنة 1994 تنص: “يعاقب بالحبس مدة لا تزيد على سنة أو بالغرامة من هدم أو خرب أو أعدم أو أتلف عقاراً أو منقولاً غير مملوك له أو جعله غير صالح للاستعمال أو أضر به أو عطله بأي كيفية”.

ورغم تكرار اعتداءات المشايخ وتعطيل النزاعات القبلية لوحدات صحية، لم ترفع أي قضية ضد المعتدين في المحاكم. الأمر الذي يفسره الناشط الحقوقي عبدالاله سلام بغياب مشروع الدولة وحلول مشروع الزواج السياسي بين القبيلة والدولة منذ أواخر السبعينات وحتى يومنا هذا.

يفاقم المشكلة عدم الاستقرار الأمني بسبب النزاعات القبلية، وتمدد الحوثيين الذين سيطروا على مديرية حرف سفيان واحتلوا ست وحدات في العام 2010 وحتى الآن.

المادة (123) من قانون العقوبات تنص: “يعاقب بالحبس مدة لا تقل عن سنة ولا تزيد عن عشر سنوات كل من احتل أو شرع في احتلال أي شيء من المباني العامة أو المخصصة لمصالح حكومية أو مرافق أو مؤسسات عامة بغير تكليف من السلطة المختصة”. لكن القانون لم ينفذ ضد أحد بشأن تعطيل مرافق صحية في المحافظة بسبب غياب سلطة الدولة، بحسب الناشط الحقوقي عبدالاله سلام.

وتفتقر الوحدات الصحية إلى قابلات اذ يفترض أن توجد قابلة مجتمع في كل وحدة من الوحدات الصحية حسب النموذج الوطني. وتبين أن 41 وحدة من أصل 120 زارها كاتب التحقيق لا توجد فيها قابلة، و33 وحدة لا توجد بها مرشدة صحية، و47 لا يوجد بها فني تمريض و54 لا يوجد بها مساعد طبيب. 

كما أن غالبية الوحدات لا يوجد بها أدوية أو مستلزمات إسعاف، وتعاني من قلة النفقات التشغيلية. ووثق كاتب التحقيق هذه النواقص في 120 وحدة جال فيها على مدى ستة أشهر. (الجدول المرفق 2) 

تخفيض المخصصات

خفضت مخصصات الوحدة الصحية ثلاث مرات تقريبا من 25 ألف ريال شهريًا (116 دولار) في العام 2010 نزولا إلى 9600 ريال (45 دولار) منذ 2011 وحتى تاريخه. 

وزارة الصحة خفّضت النفقات المخصصة لكل مركز من 66 الف ريال شهريا (306 دولار) إلى 49 ألف (227 دولار) منذ 2011، بحسب بيانات الوزارة لعام 2013.

دفع هذا التراجع لإلغاء بندي المياه والإنارة، حسب المصرح المالي للوحدات والمراكز والمستشفيات لعام 2013، الذي يظهر بندي المياه والإنارة مصفرين. 

لكن مدير الصحة بالمحافظة يرجع ذلك الى “شح الموارد والظروف الصعبة التي تعيشها البلاد عموما”. 

أما الوحدات المؤقتة فتقع في منازل أو مدارس آهلة بالسكان يعمل فيها ممرض أو اثنان، جدرانها مطلية بالطين وعليها ملصقات توعوية.

موازنات لا تلبي الطموح وأقل من مستوياتها في الشرق الأوسط

بحسب البيانات المستقاة من مكتب المالية بالمحافظة، يبلغ الإجمالي العام لاستخدامات مكتب الصحة في موازنة العام 2012 (1.669507) مليون ريال (7765.14 دولار). أما المصرح الشهري للمكتب وفروعه في المديريات للفترة (يوليو/ تموز- سبتمبر/ أيلول من العام 2013) فيبلُغ (15.295960) مليون ريال (71144دولار)، منها (4.471740) مليون ريال (20798.7 دولار) لصيانة المباني والمركبات والمعدات والأثاث، و(10.824.220) مليون ريال (50345.2 دولار) نفقات على السلع والخدمات.

ويبلغ إجمالي إنفاق الفرد على الصحة في العام 57.41 دولار، فيما الإنفاق الحكومي 15.23 دولاراً، ويزيد ما يصرفه الفرد على الصحة عن الإنفاق الحكومي 42.18 دولار للفرد، أو ما نسبته 66.33 %، ويشكل الانفاق على الصحة 3.58 % من الميزانية الحكومية. وهو معدل متدنٍ قياساً بدول منطقة الشرق الأوسط، حسب تقرير صادر عن الوزارة.

وبالنسبة لمساهمة الإنفاق على الصحة إلى إجمالي الناتج المحلي، فيتسم بالإستقرار خلال الأعوام (2009-2010)، ما يعني أن هناك قصوراً في السياسات الإقتصادية التي تهدف إلى تحقيق زيادة مخصصات الصحة، حسب تقرير جهاز الإحصاء لعام 2012.

وبلغ الإنفاق على قطاع الصحة خلال السنوات 2006 – 2009 نحو 238 مليون دولار منها 129 مليوناً و900 ألف دولار تمويل حكومي و108 ملايين و100 ألف دولار من مصادر خارجية، فيما تبلغ الموارد المطلوبة لتأمين الإنفاق خلال السنوات 2010 – 2015 نحو 13 ملياراً و893 مليون دولار، حسب التقرير الوطني لأهداف التنمية الألفية 2010.

تبادل للاتهامات والمسؤولية ضائعة

لا تبدو المراكز الصحية أحسن حالاً من الوحدات. وبمعاينة 22 من 33 مركزًا برفقة عاملين فيها تبين أن 21 مركزًا تفتقر إلى الدينامو المحرك لأنشطتها؛ وهو الطبيب، إثنان منها مغلقان وإثنان يعملان كوحدات صحية لعدم توفر الكادر، كما أن المبنى لوحدة صحية لكن النفقات التشغيلية لمركز صحي. في ستة منها فقط توجد تحاليل مخبرية،  فيما لا توجد أقسام أشعة في أي منها، وفق زيارات ميدانية، تؤكد ما أورده الكشف الذي حصل عليه كاتب التحقيق حول المراكز القائمة في المحافظة لعام 2011.

وتفتقر جميع المراكز الى لوحات تعريفية وإرشادية، ولا تجد إلا ثلاثة مختصين بالتطعيم والإرشاد وتسجيل المرضى، حسب ما لاحظه كاتب التحقيق.

تتوسط صالة الانتظار باحة للصيدلية لا تزال على حالها كما بنيت لم تجهز بعد، فيما البعض مجهز ولكن مغلق، الأرضيات والمغاسل متعفنة وقاتمة. وضع يُرثى له فيما يتعلق بمستوى النظافة ايضاً، دواليب الأدوية خاوية. كما أن المياه غير متوافرة وكراسي العاملين مهجورة تنتظر من يجلس عليها. 

مدير الصحة بالمحافظة التابع لوزارة الصحة الدكتور عبدالعزيز الضلعي يبرر التراجع بـ “سوء التخطيط من قبل المجالس المحلية”.

يوافقه الرأي الدكتور علي جحاف مدير صحة الأسرة بوزارة الصحة، إذ يقول “إن السلطة المحلية هي المعنية بترجمته على الواقع كونه يقع تحت إدارتها”. 

لكن عضو المجلس المحلي بمديرية ذيبين مصلح زايد ينفي ذلك قائلاً: “دورنا كسلطة محلية ومجلس محلي هو الاشراف على تنفيذ الخطط والبرامج ولا نقوم بأي دور تنفيذي”.

بمراجعة بيانات الترصد الوبائي (للأشهر الثلاثة الأولى) من 2013 والمبلغ عنها من 24 مركزاً بالمحافظة لإحتساب معدل الإصابة بالأمراض -إحصائيًا- تبين أن المعدل بلغ 37.6% من إجمالي عدد سكان محافظة عمران. ووصلت عدد الحالات المرضية المصابة 3892 حالة، منها 1981 ذكور بنسبة 50.9 % و1911 إناث بنسبة 49.1 %.

ومع هذا يقر مدير الصحة في محافظة عمران الدكتور عبدالعزيز الضلعي “بسوء الخدمات الصحية المقدمة نتيجة عدم وجود مستشفيات تخصصية، إضافة إلى نقص الوسائل التشخيصية”.

ويرجع الدكتور الضلعي الخلل العلاجي إلى وزارة الصحة، ويقول “عندما تأتيك عُلبة بها ثلاثة آلاف كبسولة للسكر، كيف ستوزعها على محافظة بأكملها”؟

الطبيب “الممرض” يشتري أدوية على حسابه !

وفيما كان كاتب التحقيق يطالع ملصقات لأحد المراكز، وصل للتو حمدان (28 عاماً- بكالوريوس تمريض)، نُقل قبل سنة تقريباً إلى المركز الذي يعمل به حالياً كبديل للطبيب العام غير الموجود أصلاً. يقول الممرض إنه فوجىء بعدم وجود أدنى الأدوات لاستقبال الحالات الطارئة، الأمر الذي دفعه بوازع إنساني إلى شراء بعض الأدوية على نفقته “تجنباً للإحراج”، لكن ذلك بالطبع غير مجد.

يقول حمدان (والأسماء هنا مستعارة كسائر أسماء الكادر الصحي والمواطنين الواردة في التحقيق): “ضعف تفاعل العاملين وعدم حضورهم وإهمالهم خلال أيام الدوام يحتاج إلى تحفيز الجهات المسؤولة مادياً لهم نتيجة لضعف رواتبهم”. 

الدكتور عبد العزيز الضلعي مدير الصحة بالمحافظة يقر “بنقص الكوادر الطبية وإهمالها؛ إذ تفتقر المحافظة إلى الكادر التخصصي في الجراحة العامة والمخ والأعصاب. فالإخصائيون لا يتجاوزون العشرة مع حوالي 180 طبيباً عاماً، لكن في الواقع فإن المتواجدين بحدود 40 طبيبا”.

وتبلغ الدرجات الوظيفية لعام 2012 لمقدمي الخدمات الصحية خمسين درجة توزعت بين أخصائي وطبيب وفني، حسب الدكتور عبدالعزيز الضلعي. لكن تقرير معوقات الأداء الصحي للعام 2013 يفيد بأنه “لا يوجد أطباء متقدمين من حملة المؤهلات العليا- بكالوريوس وأخصائيين- نتيجة قلة المخرجات من أبناء المحافظة”.

وأرجع التقرير عدم تعيين أطباء ومختصين الى “شح الكوادر التخصصية وعدم اعتماد الدرجات الوظيفية المرصودة عند إعداد الموازنات حسب الاحتياج الفعلي، وكذلك عدم وجود حوافز مادية لجلب الكوادر بما يتناسب مع بيئة المحافظة، الى جانب عدم تفهم احتياج مكتب الصحة من الدرجات الوظيفية حسب خطة الاحتياج، وعدم العمل بها وتشكيل لجان للتوظيف من المحافظة عبثت بها؛ ما أدى الى سوء في اختيار تخصصات من تم توظيفهم”.

يفيد موقع المرصد الوطني للموارد البشرية الصحية بأن مقدمي الخدمات الصحية في اليمن 1.05 عامل لكل 1000 من السكان. ويشير المرصد الى أن الدول التي يقل فيها مقدمو الخدمات الصحية عن 2.5 عامل لكل 1000 نسمة تعد في أزمة، واليمن إحدى هذه الدول. ومع العجز في الكادر التخصصي، فإن الكادر الإداري يستحوذ على نسبة 43.1 % من الدرجات الوظيفية مقارنة مع الإخصائيين وحملة البكالوريوس الذين تبلغ نسبتهم 56.9 % من إجمالي القوى العاملة في الصحة بالمحافظة في 2011، حسب تقرير صادر عن وزارة الصحة.

لكن تقرير آخر صادر عن الجهاز المركزي للإحصاء يشير الى أن عدد الأطباء في اليمن بلغ 6570 طبيبا، و12885 ممرضا و16826 سريرا، حتى نهاية العام 2012. وباحتساب سكان الجمهورية على الأطباء فإن لدى اليمن طبيب واحد لكل 3733 مواطن، وسرير واحد لكل 1485 مواطناً.

بيانات مكتب منظمة الصحة العالمية في صنعاء تقدر عدد العاملين الصحيين لكل عشرة آلاف نسمة بـ12 فردا في اليمن، اي نصف المعدل العالمي الأدنى للمنظمة المتمثل بتوفير 23 عامل صحي (أطباء، ممرضين، قابلات وأطباء أسنان وصيادلة).

ويبين تقرير وزارة الصحة أن نسبة المراكز والوحدات الصحية لكل عشرة آلاف من السكان تبلغ 1.6 و0.1 على التوالي.

وبحسب تقرير الاحصاء فإن هذه المؤشرات تعد متدنية مقارنة مع المتوسط المحلي باستثناء الفنيين الذين ترتفع نسبتهم الى الأطباء بما يقابلها من السكان بنسبة 7.3 لكل عشرة آلاف كما ورد في تقرير الوزارة.

موارد الدولة تنفق على منشآت لا تعمل

في صباح رابع أيام عيد الفطر مضى الكاتب الى الوحدة الصحية (مؤقتة) في قرية الخيسين بمديرية ذيبين ليجد جابر (28 عاماً – دبلوم تمريض) يعمل وحيدًا مُنذُ العام 2007 في إحدى زوايا مدرسة قريته بانتظار اعتماد مبنى لوحدة القرية. إلا أن تدخل المجلس المحلي بإنشاء مبان جديدة في مناطق ليس فيها كوادر وليست ذات أولوية -على حد قوله- أعاق ذلك. 

ويوضح أن “السلطات المحلية في المديريات تحدّد الأولويات للقرى على أساس الاحتياج وتوفر الزمام السكاني المناسب من خلال القيام بالزيارات الميدانية أحيانا”.

تفيد المــادتان (137) و(247) من اللائحة التنفيذية لقانون السلطة المحلية رقم (269) لسنة 2000 بأن “المكاتب والأجهزة التنفيذية في المديرية تتولى تحديد احتياجات الوحدة الإدارية من مشاريع التنمية وتقدير التمويل اللازم لها وإجراء المسوحات الميدانية”. 

غير أن مصلح زايد عضو المجلس المحلي بمديرية ذيبين ينفي ذلك الاتهام: “لا توجد أي تدخلات من قبل السلطات المحلية فيما يخص إنشاء مبان جديدة الا بحسب الاحتياج وتوفر الزمام السكاني”.

أذونات مفتوحة

ويبقى الوضع الصحي عالقاً وسط المحاباة والمحسوبية، إذ يقوم أعضاء مجالس محلية في مديرية ذيبين بمنح مقربين منهم إجازات مفتوحة مباشرة دون الرجوع إلى إداراتهم حسب تأكيد جبري، مدير أحد المراكز الصحية.

عبدربه الزبيري عضو المجلس المحلي بمديرية عيال سريح ينفي هو الآخر أي تدخل في ذلك قائلاً “لا يوجد أي تدخلات تقوم بها المجالس المحلية في عمل الصحة، إنما نقوم بدورنا الرقابي والإشرافي حسب قانون السلطة المحلية”.

كشوف الحضور والانصراف لأحد تلك المراكز، تحتوي على 12 إسماً من تخصصات مختلفة، يوقعون حضورًا وانصرافًا، في حين لا يتواجد إلاَ أربعة منهم، باستثناء الطبيب العام غير الموجود أصلاً، في حين أن (النموذج الوطني) يؤكد على أن “كادر المركز يتكون من 14 شخصا، أولهم الطبيب العام”. أما الغالبية فليس لهم حوافظ دوام.

يعلّق جبري (35 عاماً) ويعمل مديرا لأحد المراكز الصحية على ذلك “بأنه لا يتم العمل بكشوف الحضور والإنصراف، بل يتم اتخاذ الإجراء العقابي مباشرة من قبل الإدارة التي تفرض ذلك على موظفيها، بتوقيف رواتبهم؛ وهذا ما حصل معي عدة مرات من قبل مدير إدارة الصحة” مشيرًا إلى أن “فرض العمل بهذه الكشوف  التي تضبط الدوام في المراكز والوحدات تضر أقارب مدراء الصحة ومحسوبين عينوهم فيها -أي المراكز والوحدات-“.

 وفي ظل هذا الوضع يقول الدكتور عبدالعزيز الضلعي إنه “بإهدار أموال الدولة، فهناك 15 % من هذه الوحدات مغلقة، فيما 85 % مفتوحة، والمرافق متوفرة، لكن ينقصها التأثيث والتجهيز. شح الإمكانات وسوء التخطيط، على مستوى الوزارة أو المحافظة يعد سببا في ذلك”.

وفي مديرية القفلة حرّر مدير المديرية مصلح صالح الوروري ومدير الصحة محضرًا بإغلاق عشر وحدات، لتحويل نفقاتها التشغيلية إلى مستشفى المديرية “مستشفى القفلة” لعدم وجود كادر، كما أفاد بذلك الدكتور الضلعي الذي يضيف “هذا خطأ كبير، فهي تقرب الرعاية الصحية إلى حيث يعيش الناس ويعملون”.

رقابة غائبة

ويؤكد علي دعبوش مدير الصحة في بني صريم أن “الدور الاشرافي والرقابي لمكتب الصحة بالمحافظة غائب منذ عامين، فهو مقيّد داخل السور الذي يقع فيه، ولا يقوم بأي جولات على المرافق”. 

ورغم ذلك فإن مدير الصحة بالمحافظة يقر أن المديرية هي الجهة المشرفة على المراكز والوحدات، لكنه يعزو “نصف مشاكلها إلى المجالس المحلية، والنصف المتبقي إلى قيادة المحافظة ومكتب الصحة والوزارة، إذ أن مدير المديرية والأعضاء ومدير الصحة، هم من يراقبون ويحاسبون وليس معقولًا أن نعرف متى أغلقت الوحدة أو المركز؟”.

ويضيف: “نحن ثلاثون مراقبا على الخدمات الصحية في المحافظة أولهم مدير عام مكتب الصحة بالمحافظة الى جانب مديري الرعاية والخدمات في مكتب صحة المحافظة ومدراء ادارات الصحة في المديريات”.

معد التحقيق حاول الحصول على رد من وزير الصحة على هذه الأوضاع الصحية، لكنه أحاله إلى مدير الإدارة العامة لصحة الأسرة الدكتور علي جحاف. الذي أقرّ بأن الوزارة ليس لها دور رقابي مباشر ولا تستطيع أن تقرر بأن أي من المرافق يعمل أم لا. ومع ذلك تتحمل الوزارة جزءاً من ضعف الرقابة، لغياب التنسيق مع السلطات المحلية الذي أدى إلى نوع من التراجع لدى الوزارة، باعتبار أن ما يتم في المحافظات مسؤولية السلطة المحلية”. ويستدرك قائلا: “هذا ليس صحيحاً تماماً، فنحن في الوزارة لم نتمسك بدورنا بشكل جيد على الرغم أن المــادة (11) من القــرار (76) لسنة 2004 بشــأن لائحة وزارة الصحة، التي تنص على أن الإدارة العامة لصحة الأسرة تختص بتقييم نشاط الوحدات والمراكز الصحية بشكل منتظم”.

غير أن عبدربه الزبيري عضو المجلس المحلي بمديرية عيال سريح يعترف بـأن “المجالس المحلية لا تقوم بالدور الرقابي 100% ، فذلك يعتمد على قدرة العضو”.

ووسط هذا الجدل تنص المــادة (13) من اللائحة التنفيذية لقانون السلطة المحلية رقم (269) لسنة 2000 على: “تقوم الأجهزة التنفيذية في المديرية- تحت إشراف وإدارة ورقابة المجلس المحلي- بالإشراف والرقابة على الشؤون الصحية وتنفيذ الخطط والبرامج والعمل على تطوير الخدمات وتحسينها”. 

الاستقرار هو الحل !

في تعليقه على ما رصده كاتب التحقيق، يؤكد رئيس جامعة عمران الدكتور صالح السلامي على أن “إصلاح الوضع الصحي في عمران يحتاج إلى العديد من الاعتمادات والجهود، وما على الحكومة إلاَ البحث عن موارد واستثمارات في التعليم الطبي وتحسين البنية التحتية وتدريب واستقطاب الكوادر”.

ويرى الدكتور جحاف أن حل المشكلات التي تعاني منها الصحة مرهون “باستقرار الدولة عموماً وتفعيل دورها على المستويات كافة كي نستطيع متابعة مخرجات ما نعممه من سياسات وبرامج”. 

لكن السخط مستمر

حالة التذمر والسخط التي وجدناها بين المواطنين لم تنته حتى لحظة كتابة هذا التحقيق، وما يزال آخرون مثل رضيعة عبد الملك ومجاهد يموتون دون أن يعبأ بهم أحد. 

ويتساءل المواطن حمود (35 عاماً) بحزن: “كم من الأجساد النضرة، والأغصان الطرية اغتالها هذا الجسد المشوه والملوث في آن”؟ في إشارة إلى مراكز ووحدات صحية أصابها الانهيار. 

أعد هذا التحقيق بدعم من شبكة أريج (إعلاميون من أجل صحافة استقصائية عربية) وبإشراف الزميل خالد الهروجي.


تعليقاتكم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.