قصور في ترجمة التوجيهات الملكية بعد خمس سنوات على إطلاق المشروع منطقة معان التنموية.. أحلام مؤجلة ومشاريع في الخيال

27 نوفمبر 2012

 معان… أحلام مؤجلة ومشاريع في الخيال

المنطقة التنموية … قصور في ترجمة التوجيهات الملكية بعد خمس سنوات على إطلاقها

الروضة الصناعية… مشاريع متعثرة وأخرى غير مجدية

مسكن يتسع لـ1500 طالبة كلّف 14 مليون دينار

مركز مهارات من المفترض أن يؤهل 3000 طالب … ما يزال حبرا على ورق

واحة الحجاج… ما تزال في مرحلة بناء الأساسات… والجدوى الاقتصادية غائبة

البداية … توجيهات ملكية

في 9 أيلول/ سبتمبر 2007  أطلق الملك عبد الله الثاني مدينة معان الاقتصادية التنموية حتى تشكّل نواة للأنشطة الاقتصادية والاجتماعية والعلمية، ضمن حلقات تنموية متكاملة على رأس أولوياتها مكافحة الفقر والبطالة وتوفير فرص العمل وتحسين الظروف المعيشية للمواطنين. بعد بضعة أيام، التقى الملك مع فعاليات أكاديمية وأهلية ورسمية من محافظة معان، وأوعز لهم “بوضع التصورات والمطالب في صيغة آليات وبرامج عمل تسهم في تخطيط المنطقة التنموية” المنشودة.

”   المجتمع المحلي والفعاليّات المدنيّة في محافظة معان ستلعب دورا مهماً في إعداد آليّات تنفيذ مشاريع المنطقة الاقتصادية التنموية في المحافظة التي تهدف إلى النهوض بالمستوى الاقتصادي والمعيشي لجميع الألوية والمناطق وصولاً إلى “اقتصاد تكاملي متنوّع، يعكس ميزات المحافظة الصناعيّة والسياحيّة والزارعية، وٕايجاد خطط تطوير لتمكين المواطن اقتصاديّاً عبر حزمة من مشاريع التنمية المستدامة لجعل المناطق جاذبة للسكان والقوى العاملة المدرّبة، مع أهميّة التكامل الاقتصادي بين ألوية المحافظة خاصّةً في قطاعي السياحة والزراعة”.تصورات جلالة الملك عبد الله الثاني ابن الحسين حول منطقة معان التنموية خلال اللقاء في 17 أيلول 2007.

في نيسان/ إبريل 2008، أبرمت اتفاقية شراكة ثلاثية بين شركة الجنوب للإعمار والتطوير ومؤسسة المدن الصناعية وجامعة الحسين بن طلال، تأسست بموجبها شركة تطوير معان، كشركة خاصة تعنى – بحسب الأوراق الرسمية – بتطوير منطقة معان التنموية بمحاورها الأربعة، والإشراف على الترويج لها، وتطويرها، وإنجاحها من خلال جلب الاستثمار وتوفير الخدمات المحاسبية والإدارية لدعم أعمال المستثمرين، ومتابعتها.

بحسب تصريحات علّقت على موقع “جلالة الملك عبد الله الثاني في التاسع من أيلول لعام 2007م فإن كلفة أعمال البنية التحتية للمحاور الاربعة التي جاءت بها منطقة معان التنموية (150 ) مليون دينار أي ما يعادل ( 200) مليون دولار، المدير التنفيذي لشركة تطوير معان د ماهر مدادحه ومدير التخطيط في شركة تطوير معان د مأمون الفانك أكدا للمحقق أن هذا المبلغ بقي حبيس الدراسات التي تأسست بموجبها منطقة معان التنموية، والمبالغ التي تم صرفها قليلة جدا مقارنة مع المبالغ الموضوعة في الدراسة.

قامت شركة الجنوب للإعمار والتطوير بإنشاء شركة تطوير معان.خلال عشر سنوات من إنشائها الاستثمارات المتوقعة 700 مليون دولار. ستخلق 20 ألف فرصة عمل خلال العشر سنوات. مجموع الاستثمارات التي تم توقيعها في منطقة معان التنموية- محور الروضة الصناعية- 400 مليون دينار وستوفر 5000 فرصة عمل منها 1500 فرصة مع نهاية العام 2009م. سكن الطلاب – محور المجتمع السكني- سيتم تسليمة في الربع الثاني من عام 2009م . محور واحة الحجاج سيتم البدء بإنشائه في الربع الثاني من العام 2009م. مركز تطوير المهارات سيبدأ بتقديم دوراته التدريبية في الربع الأخير من العام  2008  ليدعم سوق العمل الأردني والإقليمي بالطاقات المعنية.

تقرير صادر عن مركز الرأي للدراسات 11 2008م / أعدَّه : هادي الشوبكي

وتضيف التصريحات السابقة : ستوفر المرحلة الأولية – مرحلة تهيئة البنية التحتية – سبعة آلاف فرصة عمل، من المفترض أن ترتفع عام 2025 إلى 20 ألف فرصة.

بعد خمس سنوات على إطلاق المنطقة التنموية يقف الواقع  شاهدا على عشوائية التخطيط وضعف متابعة الأجهزة الرسمية. والأسوأ وضع العربة أمام الحصان لدى تنفيذ المشروع، إذ تبخرت خطط بناء مركز تدريب متكامل كان يفترض أن يستقبل 3000 طالب سنويا لتأهليهم في مختلف المهارات. يكشف هذا التحقيق عبر سلسة جولات ميدانية ومجموعة وثائق وكتب رسمية، كيف حال  ضعف التخطيط والمتابعة من قبل هيئة المناطق التنموية (المظلة الحكومية للمناطق التنموية في البلاد، ومنها منطقة معان التنموية) دون ترجمة التوجيهات الملكية إلى وقائع على الأرض.

منطقة معان التنموية تمتد على مساحة 9 كم2، و تتألف من أربعة محاور مختلفة في غاياتها ولكنها متكاملة: مركز تطوير المهارات، الروضة الصناعية، واحة الحجاج، والمجتمع السكني، على ما يوضح الموقع الخاص بالمشروع.

كاتب التحقيق توصل إلى أن الاستثمارات مجتمعة وفّرت حتى الآن 86 فرصة عمل لسكان معان، مقابل 2600 فرصة موعودة- أي نصف عدد العاطلين عن العمل في هذه المحافظة، الأعلى في معدلات البطالة والفقر. وتقف مؤسسات العمل والاستثمار الحكومية عاجزة عن تثبيت حقوق العمال من أبناء المحافظة.

  • معان هي كبرى محافظات المملكة الاثنتي عشرة إذ تشكل  37 % من مساحة المملكة (32 ألف و832 كيلو متر مربع)، ويقطنها قرابة 117 ألف نسمة (2 % من عدد السكان). 
  • في عام 1869  استحدث أول مركز إداري في معان بدرجة قضاء يتبع للواء البلقاء التابع لولاية سورية في العهد العثماني. وفي عام 1994 تم فصل لواء العقبة والمراكز الإدارية التابعة عن محافظة معان.
  • شهدت معان (220 كيلو متر جنوبي عمان) اضطرابات دموية خلال الثلاثين سنة الماضية، من أبرزها (هبّة نيسان) عام 1989، التي نقلت البلاد صوب التحول الديمقراطي. ثم أحداث عام 1996 ( ثورة الخبز) إثر قرار رفع الدعم عن الخبز. وفي 2002 وقعت مواجهات دامية بين رجال الأمن والسلفية الجهادية أسفرت عن مقتل ستة أشخاص بينهم شرطيان. وفي عام 2011 شهدت معان أحداث شغب إثر مقتل  شخصين في مشاجرة عشائرية في منطقة الشيدية سببها الرئيس نزاع على فرص عمل في شركة نقل مياه الديسي.
  • كما شهدت معان خلال 2012 والعام المنصرم  13 احتجاجا وصل إلى حد إغلاق الطريق الدولي (العقبة-عمّان) أو قطع الكهرباء والماء عن منشآت استثمارية. وكثيرا ما انتهت الاحتجاجات بأعمال شغب و/أو مشاجرات عشائرية. ويرجع المحتجون غضبتهم إلى استيائهم وفقدان صبرهم من تكرار وعود المسؤولين والحكام الإداريين بتوفير فرص عمل في المشاريع المحلية، لكن دون جدوى. 

المدير التنفيذي لشركة تطوير معان د. ماهر مدادحة (خلف محمد الترك عام 2010) ، يؤكد لكاتب التحقيق أن 27 مليون دينار (35 مليون دولار) ضخّت حتى الآن في منطقة معان التنموية (البنية التحتية وسائر المرافق). منها 14 مليون دينار (20 مليون دولار) مكرمة ملكية تم انفاقها على مساكن الطالبات، وأربعة ملايين دينار (خمسة ملايين دولار)، مساهمات من الحكومة لتوصيل خدمات الماء والكهرباء إلى الروضة الصناعية. يضاف إلى ما صرح به المدادحة مساهمة مؤسسة المدن الصناعية (الشريك الثاني)؛ وهي 32 هنجرا ومجموعة من المباني تقدّر قيمتها المعلنة بـ 27 مليون دينار. وقدّمت جامعة الحسين بن طلال 1000 دونم لإنشاء مجتمع السكني.

إلا أن المشهد العام على الأرض يبدو مخيبا لآمال سكَّان المحافظة الصحراوية.

فمركز المهارات لم ير النور حتى الآن.  أما الروضة الصناعية، وهي عبارة عن بنية تحتية مجهزة بالكامل لجذب المصنعين والمستثمرين، فعجزت عن تحقيق الغاية منها طبقا للإحصاءات التي تكشف العدد الحقيقي للعاملين فيها من “المعانيين”، فضلا عن تعثر أو توقف بعض مصانعها. واحة الحجاج التي بدئ العمل ببنيتها التحتية مع منتصف عام 2011 تأخر بناؤها عن البرنامج الزمني المعلن عام 2008.

ومن المفترض، بحسب مخطط المدينة الشمولي، أن يخدم المحور الرابع – وهو المجتمع السكني – أسر العاملين في مشاريع المحاور الثلاثة السالفة الذكر- والمقدر أن يصل عدد أفرادها مجتمعين إلى 15 ألف. يتم ذلك عبر “بيئة متكاملة لتوفير الراحة ونمط حياة عصري للموظفين باشتماله على مرافق متنوعة من فلل، مطاعم، شقق، مدارس، حدائق عامة وملاعب”، تبدو صورها الثلاثية الأبعاد مدهشة في كتيبات منطقة معان التنموية. لكنها لم تنفذ بعد.

تعد الروضة الصناعية أكبر تجمعات منطقة معان التنموية. تقع على بعد 10 كم جنوب شرقي معان، وتبعد عن ميناء العقبة 109 كم. تحوي 50 هنجرا صناعيا 32 منها كانت ملكا لمؤسسة المدن الصناعية، و18 هنجرا نفذّتها شركة تطوير معان.وهي مزودة بخدمات البنية التحتية من المياه، كهرباء، انترنت، وطرق لتوفير بيئة مناسبة لجذب المستثمرين. أجرة المتر الواحد تتفاوت بحسب العقد المبرم بين الشركة والمستثمر بين 10 دنانير و 15 دينارا (14 إلى 21 دولارا). إلى جانبها تنتصب مجموعة من المباني الإدارية يعمل فيها ما يزيد عن 25 موظفا من المفترض أنهم يديرون الحالة الاستثمارية في الروضة الصناعية. 

الروضة الصناعية…مصانع لا تعمل، متعثرة وأخرى لا تؤدي الغاية منها

المنظر العام على الورق يوحي بوجود آلاف الأيدي العاملة في مختلف الصناعات، ولربما تتمنى أن تكون أحد المحظوظين للعمل هناك! لكن الصورة سرعان ما تتبدد مع  الاقتراب أكثر وولوج ساحات الروضة والتجوال بين جنبات مصانعها.

تضارب في البيانات

بحسب كشوف منطقة معان التنموية تحوي الـ50 هنجرا تلك  26 “استثمارا قائما” بقيمة بـ 82 مليون دينار (117 مليون دولار)، منها 13 مصنعا عاملا، وثلاثةمتعثرة لأسباب مالية ومصنع متوقف، فيما التسعة المتبقية قيد الإنجاز.

في حين أن الزيارات الميدانية لكاتب التحقيق تؤكد وجود ثمانية مصانع عاملة في الروضة وليس13.

Untitled

عدد المصانع العاملة في الروضة بحسب الجولات الميدانية

هيئة المناطق التنموية تتمتع بشخصية اعتبارية ذات استقلال مالي وإداري، يرأس مجلس إدارتها رئيس الوزراء، تتمثل مهام الهيئة برسم السياسة العامة للمناطق التنموية وإقرار الخطط والبرامج اللازمة، و تنظيم البيئة الاستثمارية والأنشطة الاقتصادية والرقابة عليها، والإشراف على تنفيذ المطورين الرئيسيين لالتزاماتهم ، ومتابعة تنفيذ الخطط والبرامج ، و حماية البيئة ومصادر المياه والموارد الطبيعية والتنوع البيولوجي. وتعمل في المملكة ستة مناطق تنموية تحت مظلة الهيئة  وهي: منطقة الملك الحسين بن طلال التنموية في المفرق، ومنطقة معان التنموية، ومنطقة إربد التنموية، ومنطقة البحر الميت التنموية، ومنطقة جبل عجلون التنموية، ومنطقة مجمع الملك حسين للأعمال، كما ضمت الهيئة تحت مظلتها مؤخراً كل من المدن الصناعية والمناطق الحرة.

أقر مدير الروضة هاني خطاطبة بوجود ثمانية مصانع فقط، شارحا بأن الزيادة الواردة في بيانات الروضة تعود لشركات متعثرة أو مقاولات غير مستدامة نفذّت مشاريع وغادرت المنطقة.  ويؤكد خطاطبة أن حجم الاستثمار في المصانع القائمة يزيد عن 39 مليون دينار (55مليون دولار)، في حين يشير كتاب لمنطقة معان التنموية (مرفق نسخة عنه) إلى أن مجمل تلك الاستثمارات تقدر ب (55.000000) مليون دينار (قرابة 78 مليون دولار) .

وتشمل قيمة الاستثمار الأرض، الهناجر، وسائر الخدمات يضاف إليها نفقات المستثمر.

لدى مراجعة العقود الموقعة مع مستثمرين بين 2008 و 2009، من المفترض أن توفر المشاريع 2600 فرصة عمل لإبناء المحافظة. أما تقديرات شركة تطوير معان (الذراع الاستثمارية لمنطقة معان التنموية)، فتتوقع توفير ثمانية آلاف فرصة عمل بحلول عام 2017 وصولا إلى 20 ألفا بحلول عام 2025.

تفيد أرقام منطقة معان التنموية بأن الروضة “وفرّت حتى الآن  124 فرصة عمل من بينها 102 من أبناء المحافظة”. إلا أن الزيارات الميدانية للروضة الصناعية وسجلات مديرية عمل محافظة معان تؤكد أن الروضة لم تشغل سوى 86 عاملا وعاملة، منهم 39 من أبناء المجتمع المحلي، 23 من خارج محافظة معان و24 من العمالة الوافدة.

مدير شركة تطوير معان (مدادحة) يفسر التباين في الأرقام بالقول: “العمالة في الاستثمارات القائمة في الروضة الصناعية متحركة تتغير ارتفاعا وانخفاضا خلال شهرين، وهذه الأرقام لا يعول عليها”.

من جانبهيؤكد رئيس غرفة صناعة وتجارة معان عبد الله صلاح: “حتى الآن لم يلمس المواطن المعاني أي تغيير حقيقي أو نقلة نوعية فيما يخص تشغيل الأيدي العاملة وإتاحة الفرص أمام الشباب”. ويؤكد أن تشغيل المجتمع المحلي لم يرتق إلى مستوى الترويج بتوفير 2500 – 3000 فرصة عمل.

مدير مركز الدراسات والاستشارات وتنمية المجتمع في جامعة الحسين د باسم الطويسي يرى “أن شركة تطوير معان أخفقت في فهم آلية تأهيل الأيدي العاملة. فهي لم تخلق علاقات تشاورية واسعة مع القطاعات المتعددة خارج حدود الروضة الصناعية. وكان بإمكانها تدريب الآلاف من أبناء المنطقة وتزويد سوق العمل بهم، بخاصة في المشاريع الكبيرة التي شهدتها المنطقة خلال (5 ) سنوات مضت”.

عدد المتعطلين عن العمل في محافظة معان بحسب إحصاءات 2011م  بلغ (4591) متعطل بنسبة (15.2 %) وهي أعلى نسبة بطالة على مستوى المملكة والتي تقدر بـ  ( 12.9 % ). 

معان اليوم ينخفض فيها معدل دخل الفرد دون معدل دخل الفرد في المملكة. ففي معان يسجل(1300.1) دينار، مقارنة بدخل الفرد في المملكة الذي يسجل (1660.2) دينار.

أحلام تتبخر

الثلاينية آمال أم لطفلين، متزوجة من سائق في القطاع العام، دخله الشهري (300 دينار) يدفع نصفه إيجارا لمنزله. آمال تنتظر منذ ثلاث سنوات للعمل في أحد مصانع الروضة لتعين زوجها في إعالة بيتها.

في 2010، تلّقت آمال تدريبا على تجميع عدّادات الكهرباء رفقة 21 فتاة في مركز التدريب المهني للمحافظة بالتنسيق مع شركة تطوير معان. الهدف كان “تأهيل تلك الفتيات للعمل في مصنع العدّادات الأردني-البريطاني في الروضة الصناعية” على ما تروي.

بعد تفوقهن في التدريب تم اختيار آمال وسبع من زميلاتها للعمل في المصنع.

المهندس أحمد العمرات، المشرف على تدريب الفتيات أكد أن 16 فتاة نجحت في البرنامج المخصص للتدريب، وأن 14 منهن مؤهلات للعمل فعليا على خطوط تجميع العدادات.

لحظات البهجة بالحصول على العمل لم تدم طويلا. فالفرصة الموعودة ضمن المشروع الذي سوّقته الجهات الرسمية على أنه الحل لمشكلة البطالة والفقر، انتهت بتسريحها وزميلاتها قبل توقيع العقد.

 الشروط التي فرضها صاحب المصنع على آمال وزميلاتها تضمنت العمل 10 ساعات يوميا على مدار خمسة أيام في الأسبوع دون تأمين صحي، ضمان اجتماعي، بدل مواصلات، حوافز أو إجازات، على ما تروي هذه السيد. وتضيف: “كان هدف صاحب المصنع تشغيلنا لمدة شهرين فقط وتسريحنا قبل توقيع العقد، حتى لا يضطر لتحمل الأعباء الناجمة عن إدراجنا في الضمان أو التأمين الصحي طبقا لقانون العمل”.

اشتكت آمال وزميلاتها لمكتب عمل معان. وهذا ما أكدته أيضا رئيسة قسم التفتيش في المكتب أروى الرفايعة : “بعد تقديم الشكوى في المكتب قمنا بتحرير مخالفة للمصنع باعتبار الفصل تعسفيا، وهذا أقصى ما يمكننا فعله”.

يؤكد مدير الروضة الصناعية، المهندس هاني خطاطبة الجهة – المسؤول عن متابعة مصانع الروضة – أن الفتيات تدربن لأربعة شهور، براتب 100 دينار (141 دولار) شهريا دون التزام بالتوظيف من قبل صاحب العمل. إلا أن آمال تؤكد أن مرتبها وزميلاتها لم يتجاوز 50 دينارا ( 70 دولارا) مقابل شهرين من العمل دون أن تنفي أن عقدها نص فقط على التدريب.

لم يتمكن معد التحقيق  من أخذ رد من صاحب العمل لكون محل إقامته خارج المحافظة. لكنه التقى المهندسة المشرفة على المصنع، ولاء المدني التي تؤكد: “عدم حاجة المصنع لمثل هذا العدد من العاملات، كما أن المصنع لم يوقع معهن عقد عمل. وقد كنَّ ضمن فترة التدريب”.

حقوق عمالية غائبة

(س. ك) 26 عاما عملت في مصنع (السهم الذهبي لصناعة الأسمدة) مطلع تشرين أول/ أكتوبر 2011، وحتى نهاية أيار/ مايو 2012. طيلة تلك الفترة ظلت دون مسمى وظيفي محدد، لتنوء بمهام السكرتاريا، اللوازم  والمالية وبمرتب شهري لا يتجاوز 250 دينارا (350 دولارا) .

خريجة جامعة الحسين بن طلال قسم إدارة المكاتب عام 2007 تقول: “كنت أعمل  خمسة أيام في الأسبوع من الثامنة صباحا وحتى الرابعة عصرا. لكن بعض العاملين كان يتجاوز عملهم  10 ساعات دون مقابل (أوفر تايم). لم أكن أتلقى خلال سنة كاملة من عملي الحقوق العمالية الأخرى، كالضمان الاجتماعي، التأمين الصحي، الإجازات والعمل الإضافي وهو حال بقية الزملاء، حتى استنفذت تماما وقررت الاستقالة”.

بعد هذه التجارب الفاشلة انضمت الفتاتان إلى صفوف العاطلين عن العمل البالغ عددهم أزيد من 18 الفا؛ ما يعادل 15.7 % من سكان معان، بحسب بيانات دائرة الإحصاءات العامة لعام 2011.

يرى خبير الاقتصاد التنموي إبراهيم الهوارين أن “الهدف الأساسي من قيام شركات تطوير المناطق التنموية هو رفع المستوى المعيشي لسكان المناطق الأقل تنمية – وهذا ينطبق على شركة تطوير معان- ويتحقق هذا الهدف من خلال استقطاب مزيد من المشاريع الاستثمارية للمحافظة، القادرة على خلق تغيير إيجابي في واقع حياة السكان”. على أن “المشاريع التي استقطبتها شركة تطوير معان لم تظهر أي تغيير ملموس على النشاط الاقتصادي، ما يجعلنا ندور في مدار الاقتصاد الريعي أو اقتصاد الغنائم الذي يكلّف خزينة الدولة الكثير، دون جدوى”، يضيف الخبير.

 ينص قانون العمل الأردني في المادة ( 35) فقرة أ: لصاحب العمل استخدام أي عامل قيد التجربة وذلك للتحقق من كفاءته وإمكاناته، للقيام بالعمل المطلوب، ويشترط في ذلك أن لا تزيد مدة التجربة في أي حالة من الحالات على ثلاثة أشهر وأن لا يقل أجر العامل قيد التجربة عن الحد الأدنى المقرر للأجور190 دينار.

مركز تطوير المهارات حبر على ورق

“في قلب معان إلى الشمال من الروضة الصناعية يقع مركز تطوير المهارات بمساحة (50) ألف متر مربع، وبطاقة استيعابية تبلغ (3000) متدرب، يتم تزويدهم بالتدريب النظري والعملي وخدمات السكن”، هذا هو وصف المركز في النشرات الترويجية الرسمية.

يوضح الشكل التالي واقع هذا المركز الآن وبعد ثلاث سنوات على إطلاق استراتيجية منطقة معان التنموية. إذ لا يظهر سوى يافطة باسم المشروع تحاصرها الصحراء من كل جانب.

تأخر إنجاز هذا المركز زاد من صعوبة تشغيل مصانع الروضة الصناعية لأبناء المدينة، نظرا لنقص خبراتهم وكفاءاتهم.

مدير الموقع في مصنع النخبة لصناعات الأسمدة الزراعية والأدوية البيطرية (عبد الله الجالوسي) يشكو من “تدني خبرة العاملين من أبناء المحافظة، ما يدفعه إلى تسريحهم بشكل متكرر”.

وهذا ما تؤكده مديرة الاستثمار في الروضة الصناعية نانسي الشبطات: “معظم طالبي التوظيف من أبناء معان غير مؤهلين، وكثيرا ما نتفاجأ بقلة خبرة من نرسلهم للعمل في المصانع على اختلافها”.

بحسب خطط شركة تطوير معان، من المفترض أن يوفر مركز تطوير المهارات “الأيدي العاملة في منطقة معان التنموية بأعلى درجات التأهيل والكفاءة والاحتراف”.

المدادحة يبرّر تأخير تجهيز مركز المهارات بالقول: “أنظر إليه من ناحية اقتصادية بحته، ليس من المعقول أن أبني مركزا للمهارات، وليس هناك حاجة ماسة لتنمية مهارات بشرية بأعداد كبيرة في ظل ضعف الطلب على الأيدي العاملة من قبل المصانع في الروضة الصناعية”.

في المقابل يرى د باسم الطويسي أن تنمية رأس المال البشري عصب التنمية المحلية. ويلفت إلى أن الرؤية التنموية لمنطقة معان “تضمنت إنشاء مركز متخصص للتأهيل التقني والمهني كان يفترض أن يزود قطاعات الانتاج في المحاور الأخرى بالكفاءات المطلوبة”.

واحة الحجاج في مهب الريح

بحسب المخططات، تمتد هذه الواحة، على مساحة 200 دونم، وتحوي “فنادق وخيم، مواقف للمركبات، مسجد، مطاعم ومحلات تجارية متخصصة بمستلزمات الحج والعمرة”

إلا أن تلك الواحة لم تر النور حتى الآن؛ إذ لا تزال في مرحلة إنشاء البنية التحتية التي بدأت فقط في أيلول/ سبتمبر 2011 بتكلفة أربعة ملايين دينار، على أن تنتهي في أيلول/ سبتمبر 2012.

عن ذلك يقول المدادحة: “كان يفترض أن يناط تنفيذ واحة الحجاج بالقطاع الخاص. لكن بعد تقييم المشروع، تبين أنه غير مجد اقتصاديا لأن الحج عمل موسمي ولا توجد عوائد تخلق فائضا”. يقدر عدد الحجاج والمعتمرين بنصف مليون سنويا، لكن ليس من السهل أن تفرض على الحجيج التوقف في الواحة.

هنالك العديد من الفرص الاستثمارية لمشاريع متوسطة وصغيرة في محافظة معان وهي ذات جدوى اقتصادية منها: استخدام المياه العادمة لزراعة الأعلاف، تربية وتسمين الإبل، زراعة الأعشاب الطبية في الجفر، انتاج عبوات زجاجية للاستخدام الصناعي، انتاج معجون السيلكون، زراعة النخيل، انتاج السماد، مصنع دهانات، انتاج أدوات المائدة الخزفية، قص وتشكيل حجارة البناء، فندق مصنف 3 نجوم(مدينة معان)، وغيرها. 

المجتمع السكني

“على مقربة من جامعة الحسين بن طلال يتربع المجتمع السكني بما يحتضنه من أكثر من 4000 وحدة سكنية موزعة بين فلل وأشباه الفلل، شقق وإسكانات طلاب مخدومة بالبنى التحتية والمرافق اللازمة من مدارس، مساجد، مراكز صحية، مراكز تسوق…وحدائق ومتنزهات بمساحاتها الواسعة وخضرتها اليانعة لإيواء 15 ألف شخص”.

هذه الصورة التي تقدمها بروشورات منطقة معان التنموية تبدو مثالية. لا ينقصها في الواقع إلا تفصيل واحد وهو أنها ليست سوى كلمات على الورق.

جل ما نفذ من هذا المشروع “الطموح” سكن للطالبات يتسع لـ 1500 طالبة بكلفة 14 مليون دينار (20 مليون دولار). رغم أن فكرة هذا المجتمع تقوم على تأسيس مساكن متعددة للطلاب تسمح بإيواء 3000 طالب، كان يفترض أن تستكمل أعمال بنائها بحلول العام 2009.

يفسر المدادحة سبب التأخير في تسليم مساكن الطالبات بالقول: “كان هناك سرعة ومبالغة لدى المخططين لهذا المشروع في تقييم وتحديد الوقت اللازم لإنشائه… هذه مشكلة توقع”. ويرجع التأخير أيضا إلى “عدم وجود استثمار بالحجم الكافي حتى الآن… فهو مبني على احتياجات العاملين في المنطقة التنموية”.

من جانبه يرى رئيس بلدية معان السابق خالد الشمري أن “مشروع مساكن الطالبات – الذي يعد نواة المجتمع السكني لشركة تطوير معان – يفتقر إلى الكثير من التخطيط التنموي. فهو يحاكي مشاريع أخرى يملكها أبناء المدينة، في حين من المفترض في شركة تطوير معان أن لا تنافس أبناء المحافظة في استثماراتهم، بل تأتي بما هو جديد، فضلا عن أن تكلفة البناء عالية جدا”.

يرى د باسم الطويسي أن إنجازات منطقة معان التنموية “أقل من طموحات المجتمع المحلي؛ فمن خلال استعراض المحاور الأربعة للمشروع، والحملات الإعلامية يتضح أن حجم الإنجاز مخيب للآمال، إذ بقيت معظم المحاور حبرا على ورق”.

يرجع الطويسي ذلك إلى “خلل في تقديرات المؤسسات المعنية بالمشروع  للفرص التنموية والاقتصادية من جهة، وإلى الظروف الاقتصادية التي تمر بها البلاد من جهة أخرى. يقول: “لاحظنا أن المنطقة التنموية أديرت دعائيا وبواسطة العلاقات العامة أكثر من البحث عن الفرص الاقتصادية والتنموية بشكل جدي”.

وحول الخط الزمني لتنفيذ المنطقة التنموية، يقول المدادحة إنه يمتد على 25 عاما، لافتا إلى أن “المناطق التنموية تحدد أهدافها على المدى البعيد لا القصير”. وهذا مالا يتفق مع التقرير الصادر عن مركز دراسات الرأي عام 2008 ويشير إلى أن المد الزمني لتنفيذ أعمال البنية التحتية للمشروع 10 سنوات.

على أن رئيس غرفة تجارة وصناعة معان عبدالله صلاح ورئيس بلدية معان الكبرى السابق خالد الشمري، ينفيان وجود مثل هذا السقف الزمني لدى إعلان منطقة معان التنموية في محاورها الأربعة.

يرى الشمري أن شركة تطوير معان مثلّت “ضربة قاضية لسكان المحافظة، فبناء على الزخم الإعلامي الذي سبقها، عقد عليها المعانيون آمالا عريضة، سرعان ما تبددت، مع بقاء الحال على ما هو عليه”.

أما عبدالله صلاح صلاح فيرى أن الشركة “لم تدرك أن عملية التنمية معقدة بخلاف ما تصوره الموظفون من أنها محض رسومات توضيحية، لافتات ضخمة ودعاية فارغة المضمون. أضف إلى ذلك أن الدولة لم تدرك أن مشاريع من هذا النوع تحتاج إلى دراسة معمقة للواقع الاقتصادي، وطبيعة الثروة وكمياتها، إضافة إلى توفير الشروط الأولية اللازمة للبدء بالعمل ومستوى تراكم الرأسمال الأولي، مع الأخذ بعين الاعتبار المستوى الثقافي والاجتماعي والسياسي لسكان المنطقة”.

أعد هذا التحقيق بدعم شبكة إعلاميون من أجل صحافة استقصائية عربية(أريج) وبإشراف الزميل عماد الرواشدة


تعليقاتكم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.