قصور إجراءات التقاضي والبعد العشائري وراء استمرار مسلسل الاعتداءات على الاطباء

3 أكتوبر 2010

لم يخطر يوما ببال صبري الشلالدة, الطبيب المقيم في طوارئ العظام بمستشفى الأمير حمزة, بأن مهنة الطب التي طالما حلم بامتهانها ستتحول إلى نقمة عليه. فما بدأ كأنه يوم عمل اعتيادي في 15/4/,2008 تحوّل إلى منعطف مزعج في حياة هذا الطبيب العملية والشخصية. مشادة كلامية مع مرافق مريضة عرّض الطبيب للضرب فتحول إلى نزيل على مدى ثلاثة أيام في المستشفى الذي يعمل. تفاقمت معاناة الطبيب حين قدم شكوى لدى القضاء, ما دفع الطرف الآخر لتقديم شكوى كيدية مضادة, في محاولة لإجباره على التنازل عن حقه في التقاضي. وهكذا ظل الطبيب معلقا بين أروقة المحاكم لـ 18 شهراً. في المحصلة, أسقط الطبيب الثلاثيني حقّه تحت ضغوط عمله وما توصل إليه من عبثية التقاضي, على ما يستذكر. قصة الشلالدة تتقاطع مع تجربة زميله أحمد المقيم في طوارئ البشير, الذي تعرض للصراخ والشتم من قبل مرافقي أحد المرضى, لكن الدكتور أحمد اكتفى بـ اعتذار المعتدي أمام المحافظ عوضا عن الانغماس في غياهب الشكاوى. أما الطبيب عمر, من مستشفى الزرقاء الحكومي, فأبدى سعة صدر أكبر من زميليه رغم تعرضه للشتم والتحقير, معتبرا ما حدث معه زوبعة في فنجان قام بها شاب خائف على أمّه المسنة الراقدة في طوارئ الجراحة. قصص الاعتداء على الأطباء تتكرر على نحو شبه يومي, لكن من الصعب حصر أبعادها ومآلاتها في المحاكم بسبب عدم وجود إحصائيات وتحرج الأطباء أنفسهم من الإفصاح عن الاعتداءات. مسلسل الاعتداءات دفع نقيب الأطباء احمد العرموطي إلى التلويح بإجراءات تصعيدية, من بينها تنفيذ إضراب شامل ما لم تتدخل الحكومة لوقفه. جاءت تهديدات العرموطي في مؤتمر صحافي يوم الثلاثاء (20/4), لكن وزير الصحة نايف القاضي أكد عقب اجتماع مع العرموطي في اليوم التالي (21/4), أن الحكومة ترفض الاعتداء على الأطباء وتولي هذه المسألة اهتماما خاصا, كما اتخذت حيالها إجراءات إدارية وقانونية رادعة للحد منها. واتفق الجانبان على عدم اللجوء إلى الاعتصام فضلا عن تنظيم حملة توعوية لبناء منظومة ثقافية اجتماعية مناهضة للعنف الموجه ضد الكوادر الطبية. ظاهرة متنامية مثل هذه الحالات, التي يرفض أبطالها الإفصاح عن هوياتهم, ليست مجرد حوادث عارضة خارج السياق, بل أمثلة حية على ظاهرة الاعتداء على الأطباء, التي تتنامى بسبب غياب نص قانوني محدد سابقا يحمي الأطباء أثناء تأدية واجبهم وتداخلات عشائرية تنشد المصالحة بعد وقوع الاعتداء, لذلك تنتهي 95 % من الملاسنات والمشاجرات بـ بوسة لحية قبل أن تنتقل إلى القضاء أو الحاكم الإداري, بحسب مسؤولين في وزارة الصحة ومستشفيات عامة. سجلات الوزارة تشير إلى تسجيل 41 حالة اعتداء عام ,2009 بزيادة أربع حالات عن السنة التي سبقتها, على أن حالات التهجم والاعتداء قد تكون أضعاف العدد المسجل, لأن العشرات منها تحلّ في لحظتها. دقّت معدة هذا التقرير أبواب القضاء ووزارة العدل مرارا بحثا عن إحصاءات رسمية حول عدد القضايا المتصلة بالاعتداء على الأطباء خلال السنوات الخمس الماضية. لكن بعد أسابيع من تكرار المحاولات, قدّمت وزارة العدل أرقاما عن 114 قضية منذ مطلع العام الحالي (1/1/2010-21/6/2010) تتعلق باعتداءات ضد موظفين بشكل عام. جميع تلك القضايا لم يبت بها حتى الآن, وعندما طلبت معدة التقرير تصفح سجل القضايا في الوزارة من أجل فرز تلك المتصلة حصرا باعتداءات على أطباء, اصطدمت برفض مسؤولة في الوزارة, لم تشأ الإفصاح عن هويتها. استطلاع رأي بين أطباء, مراجعين ومرضى يظهر أن اثنين من كل ثلاثة أطباء في المستشفيات الحكومية تعرضا بشكل أو بآخر لاعتداء جسدي أو لفظي من مريض أو مرافق له. في التفصيل, 70 % من حالات الاعتداء وقعت في قسم الطوارئ, فيما كان نصيب القسم الباطني 25 % والأقسام الأخرى 5 %, بحسب استبيان وزعته كاتبة التقرير على 100 طبيب ومثل هذا العدد من المرضى والمراجعين (مرفق تحليل الاستبيان). عامل الاكتظاظ والقلق يلعب دورا في تركيز حالات الاعتداء داخل الطوارئ. يستقبل هذا القسم 1000 مراجع يوميا في كل من مستشفيات القطاع العام الـ ,20 التي يعمل فيها زهاء 3800 طبيب, بحسب إحصائيات وزارة الصحة. وزير الصحة الأسبق وعضو مجلس نقابة الأطباء سابقاً زيد حمزة يرى أن ثمّة تداخلاً عشائرياً ملاحظاً في قضايا الاعتداء على الأطباء. ويفضّل حمزة اللجوء إلى القضاء حتى يحصل كل ذي حق على حقه, معتبرا أننا ما نزال نعاني من الإحراج العشائري المخالف للدين الحنيف, الذي يقول (ولا تزر وازرة وزر أخرى). إلى ذلك يتساءل: ما ذنب العائلة الممتدة حتى تتوسط لمساعدة أحد أفرادها في حال إقدامه على ضرب شخص آخر سواء أكان طبيبا أو غيره? فهذا أمر مرفوض جملة وتفصيلا. تعدّدت الأسباب.. يقر أطباء وقانونيون بأن تصرفات عدائية تصدر عن مرافقي مرضى ضد أطباء تنشأ عن ممارسات استفزازية عن بعض الأطباء في وقت يمر فيه مرافقو المرضى بحالات نفسية صعبة قلقا على مرضاهم. تسعة من كل عشرة مرافقين استطلعت كاتبة التحقيق آراءهم يرجعون الاعتداءات إلى إهمال الطبيب, وعدم اهتمامه بمشاعر المرضى, والأخطاء الطبية. أبو محمد الذي يعاني من السكر منذ 20 عاما, يشتكي من تصرفات أطباء يطالبونه بفظاظة بانتظار الدور, رغم أنه لا يقوى على الوقوف بسبب تفاقم حالته المرضية. هذا الرجل الخمسيني يراجع منذ سنوات قسم السكري والغدد الصماء في مستشفى الزرقاء الحكومي. وهو يقول إن بعض الأطباء يتعاملون معه بلامبالاة ومماطلة, وأحيانا يقومون بمحاباة مرضى على حساب آخرين, الأمر الذي دفعه في إحدى المرّات للصراخ في وجه إحدى الممرضات بسبب الإحساس بالغبن. الأربعيني مصطفى أبو شاور مرّ بظرف مشابهة قبل ثلاث سنوات, فحين اصطحب زوجته إلى مستشفى الرمثا الحكومي نتيجة الاشتباه بأعراض زائدة دودية, تفاجأ بعدم اهتمام الأطباء ورفضهم الكشف على زوجته رغم تلويها من الألم. اشترط الأطباء أن يراجع الزوج قسم المحاسبة, لكنّه كان في حالة قلق وحثهم على معالجتها في تلك الأثناء, وحين رفضوا مجددا تعمق قهر أبو شاور وحاول التهجم عليهم لولا تدخل المراجعين ورجال الأمن. بعد فض الاشتباك, قدّم الرجل اعتذارا في مخفر الشرطة, حسبما يستذكر. الصحافي مشهور أبو عيد يستذكر أيضا: من واقع التجربة أن تصرفات الأطباء قد تكون دافعا رئيسيا وراء ردود أفعال سلبية عن المراجعين. ففي عام 2008 تدافع أبو عيد وعدد من زملائه في وكالة الأنباء الأردنية بترا إلى طوارئ البشير لإسعاف زميل لهم تعرض لحادث سير, لكنهم لم يجدوا أدنى مساعدة من أي طبيب أو فنّي, حسبما يستذكر أبو عيد, الذي أكد أن الأمر كاد يتطوّر إلى مشادة كلامية لولا أنهم ضبطوا أعصابهم. عمر عورتاني يذهب إلى أبعد من ذلك, إذ يبرر الاعتداء على الأطباء, نتيجة ارتكابهم أخطاء طبية متكررة, وفاتورة العلاج غير المبررة, حتى في المستشفيات الحكومية.

إرباك ولكن..

من جهتهم; لا ينكر أطباء أن حالة الإرباك والفوضى نتيجة اكتظاظ المستشفيات الحكومية قد تكون من العوامل التي تؤدي إلى شحن الأجواء واستثارة ردود فعل سلبية لدى المرضى ومرافقيهم.

الطبيب العام أديب صالح, الذي سبق له العمل في مستشفى البشير, يجادل بأن عبء العمل الواقع على كاهل طبيب القطاع العام يتجاوز ضعف حجم العمل المطلوب من نظيره في القطاع الخاص, فطبيب الحكومة يعاين بين 70-100 حالة يوميا, أي عشرة أضعاف المعدل الطبيعي, عدم خبرة الخريجين الجدد في التعامل الهادئ مع الحالات الحرجة والخطرة يلعب دورا أحياناً في استثارة ردود فعل سلبية لدى المريض ومرافقيه, كما يوضح الدكتور حاتم مصطفى, الذي سبق له العمل في مستشفيات حكومية. يشرح مصطفى بأن كثيرا من الحالات تنتهي بالوفاة, ما يتطلب من الطبيب حساسية عالية في التعامل مع ذوي المصاب واستيعاب ردود أفعالهم في مثل هذه الظروف.

المسلسل مستمر

أحد الاعتداءات وقع مطلع شباط/ فبراير في مستشفى النديم في مأدبا. بعد أن تلقى مرافقو مريض ستيني نبأ وفاته, اعتقدوا أنه نجم عن خطأ طبي, فضربوا أحد الممرضين ضربا مبرحا وحطموا أجهزة ومعدات تقدر بـ 60 ألف دينار, بحسب إدارة المستشفى.

الناطق الإعلامي باسم وزارة الصحة حاتم الأزرعي يؤكد أن وزارته تتابع هذه القضية مع الأجهزة الأمنية, إذ تم تحويل المعتدين إلى المدعي العام. ورفعت الوزارة قضية ضد المعتدين تشمل عملية الاعتداء على الممتلكات العامة وموظف عام.

تشديد متابعة الوزارة يرجعه الأزرعي إلى كتاب التكليف الملكي لحكومة سمير الرفاعي قبل أربعة أشهر, إذ تضمن انتقادا واضحا لحالات ضرب الأطباء, كما يؤكد أن القانون وضع عقوبات صارمة جداً بحق أي معتدٍ منذ عام .2009

وفي اعتداء آخر قبل أربعة أشهر, تعرض طبيب في مستشفى الزرقاء الحكومي لمحاولة اعتداء وشتم بسبب رفضه توقيع إجازة لسائق سيارة أجرة, وأحيلت الحادثة آنذاك إلى مركز أمني قريب من المستشفى, حيث انتهت بـ بوسة لحية.

الوزارة تابعت تلك الحادثة, خاصة بعد أن قدم الطبيب شكوى في المركز الأمني. لكنه تراجع عنها, على ما يشرح الأذرعي, مؤكدا أن الوزارة تأخذ المتهجم إلى المحكمة إلا إذا رغب الطبيب عن ذلك.

تعدد المرجعيات

ومع أن المديرية تابعت 25 حالة اعتداء لدى المحاكم خلال العام الفائت (2009); فإنها كانت تتفاجأ في كل مرة بقيام الطبيب بإسقاط حقه الشخصي نتيجة ضغوط وإحراجات وجاهات, أو لعدم رغبته بالخوض في إجراءات المحاكم. لذلك تضطر الوزارة للطلب من محاميها إسقاط الدعوى برمتها, بحسب مدير دائرة الرقابة في وزارة الصحة حكمت أبو الفول.

أبو الفول يرى أن من أسباب عدم حصول الأطباء على حقوقهم القضائية سابقاً تعدد المرجعيات; فهناك مديريات الشؤون القانونية في الوزارة, إدارة مديريات الصحة, الرقابة والتدقيق الداخلي.

لإنهاء هذه التداخلات حصرت وزارة الصحة متابعة قضايا المشاجرات أو المشاكل بين الأطباء والمرضى بمديرية الرقابة وذلك اعتبارا من مطلع كانون الثاني (يناير) .2009

ويوضح أبو الفول أن هذه المديرية الخاضعة لإدارته باتت تتولى متابعة جميع قضايا الاعتداء على الأطباء والكوادر الطبية, كما عزّزت بالتعاون مع مديرية الأمن العام المستشفيات الحكومية بمفارز أمنية, كذلك أصدرت وزارة الصحة تعميما مطلع عام 2009 باعتبار أي اعتداء على أي كادر طبي هو اعتداء على موظف عام أثناء تأديته لعمله الرسمي بالمعنى القانوني للكلمة.

في السابق, كان غياب صفة قانونية مميزة للطبيب في قانون العقوبات يحول دون حصول هذه الفئة على حقّها, كما يوضح المحامي صالح أبو جيش, فالاعتداء على الطبيب قضية إيذاء شأنها شأن أي قضية اعتيادية, وتمر عبر الإجراءات القانونية والقضائية نفسها. وغالباً ما تنتهي بحكم مخفف على المجني عليه في حال وصلت القضية إلى مرحلة الحكم النهائي.

أما اعتبار الطبيب في القطاع الحكومي موظفا عاما, بحسب المادة 187 من قانون العقوبات, فمن شأنها تغليظ العقوبة, من ستة أشهر إلى عامين (أنظر الإطار المرفق). ذلك أن من يعتدي على موظف عام (من ضمنهم الأطباء في المستشفيات الحكومية) ينال عقوبة مضاعفة لأن المحكمة لا تأخذ في هذه الحالة بالأسباب المخففة التقديرية.

المتحدث باسم وزارة العدل القاضي علي المصري يقر بوجود اختلاف في التعاطي مع قضايا الاعتداء بين أطباء القاطع الخاص والعام, فالاعتداء على موظفي الدولة بمن فيهم الأطباء يسجّل في المحاكم تحت مسمى واحد من دون تفصيلات فرعية بحسب مهنة الموظف, فيما تسجل قضايا الاعتداء على أطباء القطاع الخاص تحت بند إيذاء, إذا لم يترافق مع جرم آخر. ويؤكد المصري أن قانون العقوبات الجديد شمل في أحكامه الاعتداء على الأطباء والممرضين في مستشفيات القطاع الخاص بحيث ينطبق عليهم ما ينطبق على الموظف العام.

القانون الجديد احتوى على نص يمنع المحاكم من الأخذ بالأسباب المخفّفة في الجنايات الواقعة على شخص من الأشخاص المنوط بهم ممارسة سلطة عامة أثناء, ممارسته لتلك السلطة, حسبما يشرح القاضي المصري.

الحد الأدنى للعقوبة في هذه الحالات هو السجن لمدة سنة تخفّض إلى أربعة شهور في حال تنازل الموظف عن حقه الشخصي ومنع القانون المحاكم من إيقاف تنفيذ هذه العقوبة.

النقابة تقترح مشروع قانون لحماية أعضائها

أمين سر نقابة الأطباء باسم الكسواني, يؤكد أنها تبادر للدفاع عن أعضائها الذين يتعرضون للاعتداء, لكن شريطة أن لا يتنازلوا عن حقّهم الشخصي بعد رفع الدعوى, وأن لا يحركوا الدعوى ابتداء إلا بعد العودة للنقابة.

نقابة الأطباء التي ينتسب إليها ثلاثة آلاف طبيب ممارس اقترحت سابقا تعديلا على قانونها وقدمته إلى وزارة الصحة بتاريخ 13/4/,2006 بحيث يتضمن لأول مرّة بندا خاصا بـحماية الأطباء من الاعتداء في جميع القطاعات; الخاص والعام, بحسب الكسواني, الذي أكد أن مشروع القانون ظل حبرا على ورق. ينص مشروع القانون: يعاقب من يعتدي على طبيب بالضرب أو بتهديده أو بأي فعل آخر أو من يعامله بالعنف والشدة أو أشهر السلاح عليه أثناء ممارسته عمله بالحبس من ستة أشهر إلى سنتين وبغرامة من 100- 1000 دينار. هذه العقوبة تتساوى مع نص المادة المتعلقة بالاعتداء على موظف عام لكنها تزيد عليها بتعميم الحماية على كل طبيب ممارس للمهنة.

بين نقابة الأطباء, وزارة الصحة ونصوص القانون يبحث الأطباء عن حماية في مواجهة تزايد الاعتداءات عليهم في مجتمع متسامح تطغى فيه صلحة فنجان القهوة على إجراءات التقاضي فتمسح سورة الغضب في معابر المستشفيات.

أعد هذا التقرير بدعم أريج (إعلاميون من أجل صحافة استقصائية عربية) www.arij.net تحت إشراف الزميل سعد حتر


تعليقاتكم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.