غزة مقبرة الأطفال الخدج، ابرة الحياة «سيرفاكتنت» تودي بحياة مئات الاطفال الخدج

15 أكتوبر 2012

 الحصار والمحسوبية تزيد فرصة حياة الأطفال الخدج صعوبة، ومؤسسات صحية تسقطهم من سجلاتها!!

عدم توفر إبرة السيرفاكتنت وإخفاء الأطباء عن الأهالي حاجة أطفالهم لها ونقص الحضنات يرفع أعداد وفيات الخدج في غزة.

الصحة العالمية: يمكن تفادي 75٪ من الوفيات في الأطفال الخدج إذا تم تقديم العلاج والعناية اللازمة لهم.

غزة / صحيفة الحياة الجديدة  – يتذكر الشاب زياد أبو هداف ليلة 13 نيسان/أبريل 2012 بأوجاعها وآلامها، وكأنها كابوس يطارده في يقظته ونومه. فالمستشفى الإماراتي، واحد من سبع مشافي حكومية تحتوى على 114 حاضنة عاملة في أقسام التوليد التابعة لهذه المشافي في أخصب بقعة سكانية في العالم،  يرفض المستشفى توليد زوجته وتوائمها الأربع قبل أوانها لعدم وجود مكان في حاضناته الست.

حالة من القلق بدأت تشتعل في جسد زياد بينما يزداد صراخ وآلآم زوجته، أمسك بهاتفه المحمول واتصل بأصدقائه وأفراد عائلته طالبا إليهم مساعدته في البحث عن مشفى يحتوي حضانات فارغة تنقذ توائمه الأربعة.

وانطلق الجميع في سباق مع الزمن من المستشفى الأوروبي إلى مستشفى ناصر الطبي.. إلى مستشفى شهداء الأقصى في رحلة استغرقت أربع ساعات، قبل أن يتلقى اتصالا بأن مشفى الولادة في مجمع الشفاء الطبي بغزة سيستقبل الزوجة، لتقطع مسافة 40 كم من رفح إلى غزة وحالتها تزداد سوءا.

ولم يكد زياد يتنفس الصعداء بعد إنجاب زوجته لتوائمه الأربعة: محمد، محمود، أنس وعبد الرحمن بعد اجراء عملية طبية -زراعة أطفال الأنابيب-، ليتفاجأ بالأطباء يبلغونه بأن رئتي أطفاله لم يكتمل نموها، مخفين عنه حاجتهم إلى إبرة “السيرفاكتنت” التي تساعد على نمو الرئتين لدى الأطفال الخدج.

يتضاءل الأمل، تتلاحق أنفاسه ويشحب لونه قبل أن يأتي الخبر المشؤوم بوفاة رضيعه الأول بعد ست ساعات على ميلاده لتتوالى على مدار 15 يوماً أخبار وفاتهم واحد تلو الأخر، وتضيع عليه خمس آلاف دولار جمعها خلال ثلاث سنوات لتغطية تكاليف عملية الزراعة (التلقيح) وتوابعها للمرة الثانية.

لاحقا فقط علم من الأطباء أن تلك الإبرة يجب أن تعطى للأطفال في غضون 24 ساعة بعد الولادة على أقصى تقدير. ثمن الإبرة الواحدة من هذا النوع-إن وجدت في صيدليات القطاع- ألف دولار، في بقعة يعيش38.8% من سكانها تحت خط الفقر حسب جهتز الاحصاء المركزي الفلسطيني معتاشين على 12 دولارا يومياً لأسرة مكونة من خمسة أفراد بالمعدل.

كابوس أبو هداف، 27 عاما، يشبه ما يمر به آلاف الأمهات والأباء الذين يحبسون أنفاسهم على مدار شهور الحمل، بانتظار مولودهم الجديد في قطاع يبلغ معدل الولادة فيه سبعة أفراد لكل أسرة فيما لا تحتوى مشافيه الخاصة على أي حاضنات.

أزمة في الحاضنات

وتتفاقم المشكلة أكثر في حال الولادة المبكرة نظرا لقلة الحاضنات حيث يحتاج قطاع غزة إلى زيادتها بنسبة 300% ، وتوقف وزارة الصحة في القطاع منذ عام 2004 عن  جلب إبرة السيرفاكتنت مبررة ذلك بارتفاع تكاليفها، معطوفا على ذلك قلة عدد الأطباء والممرضين المتخصصين في أطفال الخداج والقادرين على التعامل مع متطلبات هذه الإبر، وكذلك قدم الأجهزة وعدم صيانتها بشكل دوري، خصوصا أجهزة التنفس وأجهزة التشخيص والتصوير التلفزيوني ونقص الأدوية والمستلزمات الطبية الضرورية للولادة.

يقول د. مدحت محيسن مدير عام المستشفيات في وزارة الصحة بقطاع غزة: ان أعداد الحضنات زادت بنسبة 20% خلال العام الجاري لتصبح 114، نحن بحاجة عاجلة لأكثر من 50 حاضنة، وننتظر تبرعات المانحين من اجل ذلك، خصوصا أن موازنة وزارة الصحة بغزة ليس فيها أي مبالغ لإقامة مشاريع إلا عبر المتبرعين”.

إضافة إلى تلك التحديات، يعقد أمر أطفال الخداج ضعف إمكانية التنبؤ بحدوث الولادة المبكرة لتجهيز “طلبية ابر السرفكانت”، خصوصا لعدم متابعة الأمهات الحوامل عند أطباء مختصين علما أن دراسات منظمة الصحة العالمية تؤكد بأنه يمكن تفادي حوالي 75٪ من الوفيات في الأطفال الخدج إذا قدم لهم العلاج والعناية اللازمتين.

وزارة الصحة بغزة والمسؤولية

المشكلة تبدأ عند وزارة الصحة في غزة، فهي، خلافا لوزارة الصحة في الضفة الغربية، قررت عدم توفير ابر السيرفاكتنت ووضعتها على لائحة “الأدوية المكملة” التي تحتاج إلى موافقة لجنة خاصة لجلبها، هذا إن طلبها الأطباء وهو ما لا يحدث إلا في حالات نادرة، بعكس صيدليات الضفة التي تبيعها، فأن صيدليات القطاع لا تجازف بجلبها لارتفاع ثمنها وعدم رغبتهم في المجازفة.

أمام هذا الوضع، لا يبقي حل أمام من يرزقه الله بطفل خداج إلا الاستنجاد بالصليب الأحمر الدولي لتوفير الإبرة من الضفة أو تحويل الأم نفسها إلى مشافي الضفة المزودة بحاضنات، لتبدأ بعدها عملية تخطي الإجراءات البيروقراطية لكسر الحصار الإسرائيلي المفروض على القطاع وجلب الإبرة من رام الله أو تحويل المريض وهي عملية تستغرق شهرا كاملا في بعض  الأحيان.

الواسطة

المحظوظ هو صاحب الواسطة؛ فالأطباء لا يصارحون سوى أصحاب النفوذ وأقاربهم بحاجة المواليد الخداج للسيرفاكتنت، بينما يخفون تلك المعلومات عن بقية المواطنين، كما حدث مع أكثر من عشرين حالة التقيناها خلال إعداد هذا التحقيق.

فبعكس توائم أبو هداف، تمكن المواطن احمد الغلبان (34) عاماً  من الحصول على تحويلة علاجية لزوجته لمشفى المقاصد بالضفة الغربية، لتتكلل عملية التلقيح الاصطناعي بالنجاح وينجو أربعة من توائمه الخمسة من الموت بعد إعطائهم إبرة السيرفاكتنت اللازمة لنمو الرئتين.

وتشير رئيسة قسم الحضانة في مشفى ولادة الشفاء الأخصائية حنان الوادية إلى أن الأطباء قاموا بإبلاغ نجل احد أصحاب النفوذ بضرورة جلب علاج “سيرفاكتنت”، وبالفعل جلب الإبرة عن طريق الأنفاق على الحدود الفلسطينية المصرية من مصر مما ساعد في الحفاظ على حياة مولوده.

تمر عملية التحويل إلى مستشفيات الضفة من القطاع بإجراءات معقدة، تبدأ بحصول المريض على نموذج رقم(1)، ثم الحصول على موافقة دائرة التحويل للخارج، يليها الحصول على تصريح إسرائيلي للمرور للضفة قد يستغرق أياما أو أسابيع أو قد يواجه الطلب بالرفض.

إبرة باهظة الثمن

يشير مدير مستشفى الولادة في مجمع الشفاء الطبي د. حسن اللوح إلى أن “إبرة السيرفاكتنت” باهظة الثمن “فحتى وإن وصلت بطريقة ما إلى غزة، فإن الفقراء لن يكون بمقدورهم شرائها لارتفاع سعرها في الصيدليات، حيث تباع الواحدة بألف دولار” بينما تبلغ تكلفتها على وزارة الصحة في الضفة 500 دولار”.

د. عبد الكريم البواب، رئيس قسم الحضانة في مشفى الولادة بمجمع ناصر الطبي يقول بأن السبب وراء عدم إبلاغ أهالي أطفال الولادات المبكرة بوجود نقص في ابر السيرفاكتنت هو الخشية من الوقوع في مشاكل مع أهل الطفل أو إلحاحهم على نقله للعلاج في الخارج. وتعد العناية المركزة والحضانة في مستشفى الشفاء الأكبر من حيث عدد الأسرة والاتساع حيث تتسع ل 38 حاضنة لكن نسبة الدخول للحضانة أعلى من قدرتها الاستيعابية ما يضطر الأطباء إلى وضع الأطفال الخدج في حضانة أخرى لا يوجد بها خدمة العناية المركزة.

غياب الإحصائيات

الحصول على أرقام رسمية لوفيات الخداج عملية معقدة؛ فوزارة الصحة في القطاع  لا تسجل وفيات الخدج وتكتفي بإحصاء المواليد بشكل عام.

بحسب التقرير السنوي لوزارة الصحة، بلغ عدد المواليد العام الماضي 57.804 مولود حي.  وتشير دراسات منظمة الصحة العالمية حول الولادة المبكرة لعام 2012 إلى وجود “تفاوت في معدلات البقاء على قيد الحياة للأطفال الخدج وفق البلد”؛ ففي البلدان المنخفضة الدخل حال قطاع غزة، فإن نصف الأطفال الذين ولدوا في الأسبوع 32 (شهرين في وقت مبكر) يموتون بسبب نقص الرعاية الممكنة بينما في البلدان ذات الدخل المرتفع، تكتب الحياة لجميع أطفال الولادات المبكرة تقريبا.

وتقدر منظمة الصحة العالمية عدد الولادات المبكرة في 184 دولة ب 15 مليون طفل كل عام (قبل 37 أسبوعا من الحمل الانتهاء)، ويتوفى منهم 1.1 مليون طفل نتيجة لمضاعفات الولادة المبكرة، دون تقديم إحصائية دقيقة عن عدد الوفيات منهم في كل دولة..

إلا أن جولة ميدانية قام بها معد التحقيق شملت اربعة من سبعة مشافي تستقبل الولادات كشفت عن نسب تقريبية تفيد بوفاة نحو 25% من أجمالي عدد الأطفال الخدج المولودين.

وتشير الإحصائية التي جمعتها د. حنان الوادية رئيسة قسم الحضانة في مستشفى الشفاء ،إلى دخول 1367 حالة ولادة للقسم عام 2011، نصفهم تقريبا حالات ولادة مبكرة، توفي حوالي ربعهم.  بينما دخل الحضانة خلال السبعة شهور الأولى من العام الجاري 457 حالة ولادة مبكرة توفي منهم 132 طفل.

وفي مجمع ناصر الطبي بخانيونس جنوب قطاع غزة لم يتم إدراج تصنيف الولادات المبكرة سوى العام النصف الثاني من العام الجاري حيث تظهر أرقام المشفى استقبال الحضانة 57 حالة ولادة مبكرة خلال أشهر حزيران، تموز، آب 2012 توفي منهم 14 حالة أي بنسبة تقترب من 25%. أما في المشفى الأوروبي، فقد تفرغ الطبيب المسئول ماجد حسنين لعمل إحصائية يدوية أظهرت دخول 49 حالة طفل خداج خلال الثمانية شهور الأولى من العام الجاري 2012 توفي منهم 20 طفلاً بنسبة تزيد عن 40%.. وبينت إحصائية الثمانية شهور الأولى من العام الجاري في حضانة مستشفى النصر دخول 35 حالة طفل خداج محولة من المستشفيات المجاورة والعيادات الخاصة توفي منهم أربعة حالات.

السيرفاكتنت والمستودعات

وبدورها رفضت وزارة الصحة في قطاع غزة توفير تبريرات مقنعة لشطب إبرة السيرفاكتنت عن لائحة الأدوية التي توفرها مجانا. يقول مدير عام المستودعات في وزارة الصحة بغزة د. زكري أبو قمر بأن  ابر “سيرفاكتنت” ليست ضمن القائمة الرئيسية للأدوية والبالغ عدد أصنافها فوق ال 500 صنف في غزة والتي لم يجر تعديلها منذ عام 2005. لكنها توجد ضمن قوائم تسمى “بالمكملة” أي غير الأساسية والتي تحتاج لجنة خاصة لطلبها بناء على توصية اللجنة المختصة.

ويضيف أبو قمر “ليس لدينا القدرة على شراء الأدوية بشكل مستقل عن مناقصة وزارة الصحة في رام الله، ونحن نعتمد على الأدوية التي يتم توريدها لنا من رام الله وهناك عجز كبير في الأدوية الرئيسية (…) وخصوصا المرتفعة الثمن”.

ويشير إلى أنهم منذ منتصف العام الجاري قاموا بطلب عشرة ابر من السيرفاكتنت  من وزارة الصحة في رام الله، وكل شهرين يجددون الطلب،  ولكن هذه عجزت عن توفيره  نتيجة نفاده من مستودعاتها، “استطعنا توفير خمسة ابر منها كتبرع من الصليب الأحمر لكنها نفدت” ينوه أبو قمر.

يشير المسؤول، إلى ما وصفه “بعدم التنسيق بين لجنة غزة ولجنة الضفة الخاصة بتوفير الأدوية الأساسية أو المكملة نتيجة حالة الانقسام لرفض رام الله التعامل معنا”. وأكد بأن منظمة الصليب الأحمر الدولي ومنظمة الصحة العالمية تقومان بدور الوسيط بين وزارتي غزة ورام الله. لكن المدير في مستودعات وزارة الصحة برام الله الدكتور رزق عثمان، يرفض هذه الاتهامات ويقول بأن ابر السيرفاكتنت موجودة لكنها لا تصل غزة لعدم طلبها من قبل المختصين.

في الأثناء تصر د. حنان الوادية بأن مشفى الشفاء “وضع حقن السيرفاكتنت ضمن قائمة الأدوية التي تحتاجها”. أما المشفي الأوروبي فلا يزال ينتظر وصول ستة حقن  سيرفاكتنت شهرياً لدورها في التقليل من نسبة الوفيات بين الأطفال الخدج منذ عدة شهور.

وتستمر معاناة الأهل الذين يترقبوا مواليدهم خوفا من ملاقاة مصير ابو هداف، وسليم أبو دية، 45 سنة، والذي حاول الاستنجاد بالصليب الأحمر لتوفير الحقنة من الضفة الغربية لإنقاذ توائمه الخمسة، لكن الإبرة وصلت متأخرة، فقد كانت يد الموت أسرع إليهم.

هذا التحقيق تم بدعم شبكة اريج – إعلاميون من اجل صحافة استقصائية عربية بإشراف الزملاء حسام عز الدين، سعد حتر، عماد الرواشدة..


تعليقاتكم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.