غزة.. عمال في مهب الإستغلال

23 أكتوبر 2014

الرسالة نت – يؤدي محمد خليل مهمته في نقل الحصى داخل كسارة (ماكينة لتفتيت الصخر) في المحافظة الشمالية من غزة، وسط جو حار ملبد بالغبار. يرتدي هذا العامل وهو في العشرين من العمر، حذاء بلاستيكياً لم يسعفه في حماية أصبع قدمه من الكسر وإصابتها بخدوش وجروح بين حين وآخر، لعدم توفر شروط السلامة المهنية.

وفوق ذلك، يعتمر خليل (اسم مستعار) غطاء رأس من القماش، بينما يتطاير الحصى في وجهه جرّاء عملية الطحن، دون توافر أي من متطلبات السلامة المهنية التي يجهل أدواتها في هذه الحرفة المصنفة ضمن إطار الصناعات التحويلية.

خليل الذي ابيّض وجهه وشعر رأسه بفعل الغبار، ومعه أربعة معاونين آخرين في هذه المهنة الشاقة هم سواء في الجهل بمستلزمات عملهم؛ كالخوذة والحذاء الواقي فضلاً عن ضرورة وجود قفازات، بالإضافة إلى الكمامات لحماية الجهاز التنفسي.

صاحب العمل (أبو حسين) يرفض التعليق على أحوال عمّاله وغياب متطلبات السلامة، بذريعة الانشغال. بل يكتفي بالتأكيد على أن عليهم المحافظة على أنفسهم كأمر بديهي –بدون أي مستلزمات- على قاعدة “بالكاد أستطيع أن أوفر لهم رواتب في هذه الظروف العصيبة، فكيف سأوفر مستلزمات أخرى؟”. علما أن هذه المنشأة حاصلة على رخصة بلدية فقط.

تنسحب هذه المخاطر على عمال المنشآت الصناعية المقدر عددهم بـ 35 ألف عامل- حسب الغرفة التجارية بغزة- بسبب إحجام أصحابها عن توفير أدوات السلامة العامة والالتزام بشروطها، وفق ما يوثق هذا التحقيق.

ويستغل أرباب العمل – عددهم بالآلاف – تجاهل قرار حكومي (2011) بتوحيد منافذ ترخيص المنشآت وضعف رقابة المؤسسات الرسمية، خصوصا جهاز الدفاع المدني ووزارة العمل المفترض بها حماية حقوق العمّال. كما يستغلون ضعف أدوات التنفيذ وتداخل المرجعيات والصلاحيات بين الجهات المخولة بترخيص المنشآت الصناعية والرقابة عليها. في ضوء هذا الإهمال، 6 % فقط من 2650 منشأة مسجلة جدّدت ترخيصها عام 2014، حصرا لدى وزارة الاقتصاد، متجاهلة أدوار سائر أجهزة الحكم.

توثيق ميداني

إصابات العمال تتراوح بين خفيفة، ومتوسطة، وخطيرة، وقاتلة. الإصابات غير القاتلة تسبب مشاكل صحية وقد تعوق العامل عن خدمة نفسه مع تقدمه في السن خصوصا أن أخطرها ما يسبب قطعا في الأوتار أو الأطراف أو يتسبب بحروق وهي بالعشرات كما تقول وسام البواب مديرة قسم الاصابات بوزارة العمل.

تضيف البواب “لا توجد احصاءات دقيقة لحالات اصابات العمل في قطاع غزة للمنشآت الصناعية وقطاع الانشاءات. 

رحلة بين العمال

عشرة عمال يعملون في مصنع كيميائيات -مواد منظفة– تتراوح أعمارهم بين 18-25 عاما. يلاحظ معد التحقيق إصابة أربعة منهم بضيق تنفس حاد على فترات متقاربة.

خالد محمد يعاني من ضيق في التنفس وأزمة صدرية حادة، ولكن لم يستطع الكومسيون الطبي (لجنة فحص وتقييم حجم الضرر تابعة لوزارة الصحة) الجزم بأن ذلك المرض مهني أم هو نتيجة مرض وراثي. ولهذا بقيت قضية هذا العامل معلقة منذ أكثر من عام.

ويرجع العاملون إصاباتهم إلى عدم توفر شروط السلامة المهنية مثل: الكمامات والخوذات الواقية والأحذية والنظارات الخ، إضافة الى غياب التهوية اللازمة. وهذا ما وثقه معد التحقيق الذي زار المكان.

2

وزارة العمل وجهاز الدفاع المدني مطالبان بحسب القانون بالتفتيش على مستلزمات السلامة المهنية الخاصة بالعاملين، ولوائح السلامة والوقاية من الحريق الخاصة بالمنشآت عموما. لكن كلا الطرفين يتذرع بتعقيدات تعوق تنفيذه لمهامه.

تؤكد وزارة العمل أن القانون لا يمنحها حق المشاركة في قرار منح الترخيص حتى تضمن بيئة آمنة للعمال. ويقول مدير عام التفتيش وحماية العمل كمال محفوظ إنهم يتمتعون بـ”صلاحية التفتيش على المنشآت فقط لا إصدار التراخيص”، مؤكدا أن لديهم كادرا مؤهلا للتفتيش على تلك المنشآت.

الا ان عدد المفتشين لا يتناسب مع حجم هذا القطاع. ذلك أن ثمانية مفتشين فقط تابعين للوزارة مكلفون بمتابعة جميع المنشآت، حسبما يشرح مصباح الحوراني رئيس قسم التفتيش وحماية العمل في مديرية غزة – إحدى كبريات مديريات وزارة العمل الموزعة على محافظات القطاع الخمس. يضاف إليهم 22 مفتشا يعملون وفق نظام التشغيل المؤقت.

ويشتكي الحوراني من أن “30 مفتشا لا يكفون للتفتيش على المنشآت التي تصل نسبة المخالفة منها لقواعد السلامة المهنية نحو 70%”.

وللدلالة على ذلك، يؤكد المهندس محمد السيقلي من دائرة السلامة والصحة المهنية بوزارة العمل أنهم تفقدوا عينة عشوائية تضمنت 76 منشأة خلال يونيو/ حزيران الماضي، ليجدوا أن 61 منها تخالف شروط السلامة والصحة المهنية، فيما التزمت 15 فقط بهذه المعايير. تباينت المخالفات بين افتقاد المنشآت لسبل التهوية، وعدم توافر أدوات سلامة وصحة مهنية، فضلا عن ضعف حماية الأجهزة وعزل أسلاك الكهرباء.

البحث قادنا للكشف عن تسجيل أربع مخالفات رسمية فقط خلال العام المنصرم، بحق أصحاب منشآت غير ملتزمة بالشروط القانونية، تستدعي تقديمها للقضاء.

“على ضوء ما تقدم”، يقول الحوراني، “يكتفي المفتشون في ظل الظروف الاقتصادية العصيبة، بإسداء النصائح لأرباب العمل بضرورة تصويب أوضاع البيئة العمالية المخالفة”.

يشكل ذلك مخالفة للمادة (113) من قانون العمل: “على مفتش العمل تنظيم محضر بالمخالفة واتخاذ إجراءات بحق المخالف، تبدأ بإسداء النصح والإرشاد، أو توجيه تنبيه شفهي لإزالة المخالفة خلال مدة محددة، أو التوصية لهيئة تفتيش العمل بتوجيه إنذار خطي بشأن المخالفة”.

وزارة العمل

وهنا تفيد احصاءات مكتب مدير عام التفتيش وحماية العمل، أن عدد الإنذارات خلال العام المنصرم بلغت 26 إنذارا، فيما كان عدد التنبيهات الشفهية 326 تنبيها.

وزارة العمل تلقت أيضا 1093 شكوى عمالية ضد أرباب عمل عام 2013، تبين أن 181 منها اصابة عمل تستدعي إحالتها إلى لجنة الفحص الطبي المركزي لتقدير نسبة العجز. لكن لأن معظم المصابين جاءوا لتقديم الشكوى بعد عامين من الاصابة، فلم يحصلوا على تعويض حقيقي لأن القانون لا يضمن التعويض بعد عامين من الإصابة (ما لم يكن التأخير ناتجا عن عدم استقرار الاصابة او عن عذر مشروع ). لهذا فإن 67 إصابة منها فقط، أي 6% من الشكاوى، فتح تحقيق مهني فيها لإثبات نسبة العجز ومنحه التعويض اللازم.

مسؤول قسم إصابات العمل في الوزارة وسام البواب ترجع محدودية معالجة الشكاوى إلى تقادمها – بعد مرور عام أو عامين على الإصابة. كما أن 30 إلى 40% يسحبون شكاواهم بعد أن يتوصلوا لتسويات وديا مع أرباب العمل.

وطبقا للإحصاءات، جرى احتساب مستحقات مالية كتعويض عن إصابات عمل لـ95 إصابة -حوالي 3.5 مليون شيكل (مليون دولار)- بعد عرضها على الكومسيون الطبي. إلا أن معظم تلك التعويضات لم تدفع لأصحابها حتى اللحظة وتنتظر حكما قضائيا لأمر يتعلق ببطء الإجراءات القانونية، فيما حصل قلة على تعويضات منقوصة بعد مساومتهم من قبل أصحاب المنشآت، وفق البواب.

ثلاثة مصابين -اثنان منهم أبناء عمومة- ممن توصلوا إلى تسوية لملف الإصابة التي تعرضوا لها خلال العمل، يؤكدون لمعد التحقيق أنهم لم يحصلوا على حقوقهم الكافية وفق ما نص عليه القانون، ولجؤوا إما الى شركات التأمين أو أرباب المصانع أنفسهم لتسوية هذا الملف بعيدا عن المحاكم التي تستغرق سنوات حتى تحسم مسألة التعويض.

الدفاع المدني

جهاز الدفاع المدني يعاني أيضا من قلة الكادر القائم بالتفتيش على تفقد المنشآت وضعف الإمكانات المتعلقة بملاحقة المخالفين، خاصة أن الحكومة تخصص له سيارة واحدة و120 لتر وقود شهرياً للتفتيش على المنشآت المسجلة لديه في مناطق متفرقة من القطاع البالغة مساحته 365 كلم 2.

تتضمن سجلات الدفاع المدني 317 منشأة فقط بين 2007 ومطلع 2014، أي 12 % فقط من المنشآت المسجلة (2650) لدى وزارة الاقتصاد، علم أن 168 منها فقط جددت ترخيصها مطلع 2014. ناهيك عن مئات المنشآت التي تعمل في الظل بعيداً عن “الاقتصاد” و”الدفاع المدني” وحتى “الحكم المحلي”.

مسؤول دائرة الأمن والسلامة في الدفاع المدني المهندس وائل لولو يقول إنهم يفتشون على جميع المنشآت المسجلة وغير المسجلة، مؤكدا أنه وجه 127 مخالفة عام 2013 لأصحاب منشآت غير ملتزمة بنصوص القانون.

تتضمن شروط رخصة الدفاع المدني توفير أجهزة أطفاء يدوية وأتوماتيكية. الإجراءات المتخذة بحق المخالفين تبدأ بإنذار شفاهي، وبعد نحو أسبوعين، يصدر بحقهم إخطار يرتبط بمدة محددة حتى يتمكن من توفير مستلزمات الوقاية من الحريق. واذا تخلف يصدر الدفاع المدني محضر ضبط مخالفة، ومن ثم توجيهه إلى النيابة العامة. ويوضح لولو أن عدد المخالفات التي أحيلت إلى النيابة للنظر فيها عام 2013 بلغت 38 مخالفة، أما بقية المخالفين فقد وفروا لاحقا الشروط اللازمة.

عواقب الإهمال

في سبتمبر/ أيلول 2009، نشب حريق في مطبخ حرب للمأكولات الشرقية داخل مخيم جباليا شمال القطاع. قتل ستة من العمال آنذاك وأصيب 20 آخرون جرّاء انفجار أنبوبة غاز. ولم يجري تعويض أي من أهالي الضحايا لانهم أبناء، وأباء أخ صاحب المطبخ.

وخلصت تحقيقات مركز الميزان لحقوق الإنسان – هيئة مدنية مستقلة- إلى أن المأساة نجمت عن غياب الرقابة وعدم احترام القانون فيما يتعلق بإجراءات الترخيص مع غياب تدابير السلامة والأمان.

لم يتسنّ لمعد التحقيق الحصول على إحصاءات حول عدد ضحايا العمل في المنشآت الصناعية. لكن تشير سجلات قسم الإصابات في وزارة العمل إلى توثيق 48 إصابة في النصف الأول من 2014.

4

البلديات في دائرة الاتهام

يتهم لولو البلديات بالقفز عن دور الدفاع المدني، بمنحها تراخيص دون العودة إليهم كطرف رئيس يتعين عليه أن يبدي موقفا فيما يخص مدى مطابقة المنشأة لمواصفات السلامة والوقاية من الحريق.

2

من خلال جولات ميدانية في أكثر من 20 منشأة صناعية من بين 2650 منشأة مسجلة لدى وزارة الاقتصاد الوطني (صناعات استخراجية، تحويلية، حرف يدوية)، يلاحظ معد التحقيق بأن أصحاب المنشآت يتذرعون بالأوضاع الإقتصادية في عدم توفير مستلزمات الوقاية والسلامة المهنية. أما عن الترخيص الرسمي للمنشأة فيثبتون أنهم حاصلون على رخص من قبل البلديات.

يقر صاحب المنشأة الصناعية التي يعمل بها “خليل” بأنها غير حاصلة على ترخيص من وزارة الاقتصاد الوطني، فضلاً عن الأطراف الأخرى كالدفاع المدني ووزارة العمل. لكنّه يقول إن بلدية غزة منحته ترخيصا.

يفترض أن يستخرج صاحب المنشأة رخصة من وزارة الحكم المحلي بشرط موافقة وزارة الاقتصاد والداخلية (الدفاع المدني)، على أن تتولى فيما بعد البلدية التي تقع المنشأة في إطار نفوذها تجديد الترخيص بشكل سنوي.

لكن الواقع يكشف عشوائية في منح التراخيص نظرا لتداخل الصلاحيات بين الوزارات والبلديات صاحبة النفوذ. هذا الوضع منح البلديات دورا استثنائيا مارسته في الظل بإصدارها تراخيص للمنشآت، مقابل رسوم مرتفعة نسبيا؛ 500-1000 شيكل سنويا (140$-270$) بدل رخصة حرفة. يضاف إليها خمسة دولارات لكل متر مربع من مساحة المبنى، في حال لم تكن قطعة الأرض التي ستقام عليها المنشأة مفرزة من اللجنة المركزية.

6

قبول بالخطر

تتزايد المخاطر المحدقة بعمال غزة، على وقع ضيق العيش وارتفاع معدلات البطالة بفعل الحصار الاسرائيلي (المضروب منذ 2007)، ما حدا بالشباب للالتحاق بالمحاجر والصناعات الخطرة –على ندرة الفرص. ولا يكترث العمال بصعوبة المهمة في قطاع مكتظ تقدر نسبة الفقر فيه 38 % من عدد السكان المقدر بمليون و800 ألف نسمة، بحسب مركز حماية لحقوق الإنسان، فيما تبلغ نسبة البطالة 40 %.

يقول المهندس صبحي سكيك مدير دائرة التخطيط في وزارة الحكم المحلي، ونائب رئيس اللجنة المركزية للتخطيط وتنظيم المدن: إن “الأصل في منح التراخيص هو مطابقة موقع المنشأة للمخطط الهيكلي المعتمد”.

7

تذرع بالرخصة

هذا البحث قاد معّد التحقيق إلى مخبز في حي الشيخ رضوان غرب مدينة غزة، أقيم أسفل بناية سكنية (حواصل). في الداخل يخلع العمّال ملابسهم تحت وطأة الحرارة المرتفعة ونقص التهوية، ما يعكس عدم قانونية هذه المنشأة رغم أن صاحبها “أبو محمد” يؤكد أنه حاصل على رخصة من بلدية غزة، ولديه اسطوانات إطفاء حريق قمنا بمعاينتها.

 

الصورة توضح حجم تكدس العمال في مخبز يفتقر الى التهوية

الصورة توضح حجم تكدس العمال في مخبز يفتقر الى التهوية

عمال المخبز الذين يزيد عددهم عن 15 بمستوى تعليمي متدن، يشتكون من الأوضاع الخطرة التي يعملون فيها. يقول أحدهم أنه كسر ساقه قبل عامين أثناء العمل حين تعرقلت قدماه بسلك كهربائي أعاق حركته وهو يحمل على ظهره شوالا من الدقيق. ولم يطالب بتعويض مادي حفاظاً على شغله: “نحن لا نملك أن نغير شيئاً في هذا الواقع”.

وتظهر نتائج دراسة حول واقع السلامة والصحة المهنية في المنشآت التحويلية أعدتها الباحثة الفلسطينية أميمة المغني إلى أن ٧٩.2 % من المنشآت الصناعية في غزة لا تهتم بعمل التقارير الخاصة بحوادث وإصابات العمل.

تغييب وزارة العمل

كمال محفوظ مدير عام التفتيش وحماية العمل في وزارة العمل يؤكد أن وزارته “خاطبت مجلس الوزراء في غزة مطلع 2014- قبل تشكيل حكومة الوفاق الوطني في يونيو/ حزيران- لغاية دمجها في إطار لجنة التصنيف الوطنية بحيث تغدو اشتراطات السلامة والصحة المهنية وشروط ظروف العمل معياراً وطنياً في تصنيف أصحاب العمل. وأيضا إشراك الوزارة في اللجنة المركزية للأبنية والتنظيم، لضمان توفر جميع اشتراطات السلامة والصحة المهنية في المنشآت التي تأخذ ترخيصاً من اللجنة المركزية. غير أنهم لم يتلقوا إجابة حتى الآن.

خلصت مقارنات أجراها معد التحقيق إلى أن توفير أصحاب المنشآت لمستلزمات السلامة والصحة المهنية للعمال، يعد أقل كلفة من التعويضات المالية التي يضطرون لدفعها في حال تعرض العمال للإصابات المختلفة.

وبحسب المادة (120) من قانون العمل الفلسطيني، فإن الإصابة التي تخلق عجزا كليا دائما بالنسبة للعامل تقتضي من رب العمل أن يدفع راتب 3500 يوم عمل كتعويض، أو أن يحتسب قيمة 80 % من الأجر الأساسي عن المدة المتبقية حتى بلوغ العامل المصاب سن الستين.

9

في قراءة لقرار مجلس الوزراء رقم (10) لسنة 1999 المعمول به في غزة، وجد معد التحقيق في مادته الثانية نصا صريحا بعدم جواز منح تراخيص لإقامة أي صناعة في فلسطين دون الحصول على ترخيص من وزير الاقتصاد الوطني.

غير أن الواقع يعكس جوا تشعبيا مناقضا. إذ يشير رئيس قسم الترخيص في وزارة الاقتصاد الوطني المهندس هاني العصار، إلى أن أصحاب المنشآت الصناعية لا يأخذون بهذا القرار باعتبار أنهم يستخرجون رخصة بلدية ويكتفون بها. “تمنح التراخيص بعيدا عنا”، حسبما يقول العصار. في الوقت نفسه أشار العصار إلى ضرورة سن قانون يضبط العمل ويوفر مرجعية واحدة لإصدار التراخيص (وزارة الاقتصاد). 

التنسيق الغائب

في الأثناء، تبين أن قرارا صادرا عن الرئيس الفلسطيني محمود عباس سنة 2011 بشأن قانون الصناعة يعد أكثر شمولية من سابقه، خصوصاً في مادته السادسة التي تنص على تولي وزارة الاقتصاد إنشاء النافذة الموحدة لإصدار التراخيص الصناعية. كما أن المادة التاسعة أعطت الحق للوزير بوقف رخصة تشغيل المنشأة إذا لم يقم صاحبها بتجديد الترخيص سنوياً.

غير أن المهندس العصار يشير إلى أن الانقسام السياسي يقف حائلا أمام تطبيق هذا القرار في قطاع غزة، مشيرا إلى أنه لا يتوافر لديهم أرقاما دقيقة عن عدد المنشآت الصناعية عموما، نظرا لأن هناك منشآت غير مرخصة ولا مسجلة أصلا لديهم.

خلل

الاختلاف في الإحصاءات المتوفرة لدى مختلف الدوائر الرسمية، يعكس الخلل في تنسيق الجهود الحكومية. لكن وزارة الحكم المحلي تحصر الخلل في إجراءات البلديات التي تقفز في منح التراخيص عن الجهة الأم (وزارة الحكم المحلي).

ويشير صبحي سكيك مدير دائرة التخطيط في وزارة الحكم المحلي، إلى “تجاوزات تتم من خلال البلديات، حيث تتعامل مع أصحاب المنشآت مباشرة، ونحن لا علاقة لنا بذلك”. وردا على سؤال عن مسؤولية الوزارة، المفترض أن تكون مرجعية البلديات الـ 25؟ يجيب سكيك “نحن في اللجنة المركزية نعمل وفق القانون ولا استثناءات لدينا، أما البلديات تتعامل مع الكثير من المشاريع بعيداً عنا، لأن لديها مصلحة تتمثل في العائد المادي”.

حصل معد التحقيق على نسخة من خطاب وجهته وزارة الحكم المحلي إلى بلدية دير البلح (وسط قطاع غزة) في 15 يونيو/ حزيران 2014، تطالبها فيه بتكليف مدير منجرة بالعمل على ترخيصها بما يتوافق مع الشروط التنظيمية. وفي حال تعذر ذلك، على البلدية إغلاق المنجرة وتكليف صاحبها بالبحث عن مكان آخر وفقا للشروط التنظيمية.

إتخذت البلدية قرار بالغلق، لكن المنجرة أغلقت شكليا، فصاحبها لم يلتزم بالقرار الإداري الصادر عن البلدية.

في المقابل ينفي رئيس بلدية دير البلح سعيد نصار، إنه تجاهل خطاب الوزارة، مؤكدا أن موظفيه أغلقوا المنشأة اداريا وجمدوا الترخيص.

فيما يعود نصار للقول: “ليست مسؤوليتنا إذا أعاد صاحب المنشأة تشغيلها من جديد، فالمتابعة والملاحقة تحتاج جهة تنفيذ ونحن لسنا جهة تنفيذ”.

ويؤكد رئيس البلدية أن الاجراءات المتبعة في التراخيص تتطلب العودة إلى عدد من الأطراف من بينها سلطة البيئة ووزارتي الصحة والمواصلات بالإضافة الى الدفاع المدني، والعمل احيانا، لغاية الحصول على موافقتها لقاء منح الترخيص.

من جانبها، تنفي بلدية غزة – كبرى بلديات القطاع –انفرادها بمنح التراخيص. أيمن حمودة رئيس قسم المهن في البلدية يؤكد: “لم نمنح رخصة حرفة بالمطلق دون الرجوع لجهات الاختصاص ممثلة بوزارة الاقتصاد وجهاز الدفاع المدني”. لكنه يردف: “لكن ليس لنا علاقة بوزارة العمل”.

ويطلع حمودة معد التحقيق على نموذجين من مخاطبات رسمية قدمتها بلدية غزة إلى وزارة الاقتصاد في شباط/ فبراير ومارس/ آذار 2014، يفيدان بضرورة إبداء الوزارة موقفا في منح ما يعرف بـ”رخصة حرفة” لمنجرة ومخبز آلي. نافيا أن تكون الوزارة قد أعطت جوابا.

وتؤكد البلدية أن لديها “جيشا من المفتشين – 70 مفتشا- مسؤوليتهم اجرائية تتمثل في تقديم اخطار للمخالفين لمدة اسبوع، ومن ثم القيام بتحرير مخالفة ما لم يقم المخالف بتصويب اوضاعه. وهم أيضا ليسوا جهة تنفيذ.

ويوضح سكيك مدير دائرة التخطيط في وزارة الحكم المحلي، أن دائرته خاطبت صانعي القرار فيها لتشكيل لجان تحقيق مع رؤساء بلديات حول التجاوزات، لكن دون جدوى.

التقصي داخل عشرة مصانع للأثاث وورش الحدادة في مناطق متفرقة من القطاع، كشف خلوها بالإجماع من اسطوانات إطفاء، وكذلك من خراطيم مياه، أو حتى علامات إرشادية خاصة بالسلامة والوقاية من الحريق، وفق ما نصت عليه مواد قانون الدفاع المدني لسنة 2000.

ووجد معد التحقيق أن معظم الآلات الحادة والقاطعة غير مطوقة بجدران حماية. وصادف كذلك أسلاك كهربائية معراة موصلة عشوائيا على أرضية أحد المصانع، التي لم يلتزم عمالها بألبسة واقية. كما أن ورش الحدادة والمخارط افتقر جميعها لمعدات وقاية العين والوجه والسمع، وكذلك توفير صندوق الإسعافات الأولية.

على ضوء ما تقدم، تقع على الحكومة الفلسطينية وأصحاب المنشآت الصناعية مسؤولية ضمان سلامة العمال. ويطالب العمال بسن قانون يضمن بيئة آمنة لهم كما يحدّد صلاحيات كل من الجهات الرقابية ومانحة التراخيص.

أعد هذا التحقيق بدعم شبكة أريج (إعلاميون من أجل صحافة استقصائية عربية) www.arij.net


تعليقاتكم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.