عيادات تتلاعب بقيم الفواتير مستغلة جهل المرضى.. والرقابة في سبات

7 يناير 2013

عمان – الغد- ما إن فتحت الخمسينية أم أحمد، جزائرية الجنسية، فمها أمام الطبيب، حتى ولول حزنا على حالتها: “وضعك مأساوي يا حجة! كيف ساكتة كل هالمدة على هالحال! لو طولتي ما أجيتيني كان سنانك نزلوا بإيدك!”.

تملكها الرعب، من هول وصف الطبيب، لكن رعبها تضاعف حال معرفتها بكلفة العلاج.

فقد أوصاها الطبيب في مركز خاص لطب الأسنان في عمان، بإجراء 20 زراعة، وتركيب 28 تاج بورسلان بكلفة 30 ألف دينار، وهو ما أكده تقريره الطبي الذي زود به أم أحمد وحصلنا على نسخة منه.  

حال من تصفهم أم أحمد “بولاد الحلال” دون استكمال العلاج لدى المركز المذكور، بعد تحذيرها من “مبالغة المركز في تشخيص حالتها وتقدير كلفة علاجها”.

عرضنا تقرير المركز والمبلغ المطلوب على رئيس لجنة الأتعاب والأجور في نقابة أطباء الأسنان الدكتور عماد الزعبي، الذي أكد أن “إجمالي الحد الأعلى لجميع الإجراءات الطبية المذكورة في التقرير، وفق لائحة أجور النقابة تبلغ نحو 13 ألف دينار، أي أن قيمة الزيادة على فاتورة المريضة بلغت 17 ألف دينار.

حاولنا الاتصال بالمركز، والطبيب المُوقع على التقرير أكثر من مرة؛ لأخذ رده، كما بعثنا برسالة مكتوبة عبر الفاكس، لإدارة المستشفى الذي يتبع له المركز لمعرفة موقفها من تقرير الطبيب، لكننا لم نتلق أي رد.

نتائج استطلاع رأي علّمي مُحكم أجري لصالح التحقيق، أشارت إلى أن 45.2 % من المرضى تعرضوا لاستغلال مادي من قبل عيادات ومختبرات طبية. وأن 30.7 % من المرضى تعرضوا لسمسرة علاجية، تقوم على تجيير مرضى بين الأطباء أنفسهم ومختبرات وسائقي تاكسي مقابل عمولات مالية.

يبلغ عدد أطباء القطاع الخاص في المملكة 4057 طبيباً، يعملون في 2866 عيادة خاصة، و61 مستشفى خاصا، فيما يبلغ عدد المختبرات الطبية الخاصة قرابة 400 مختبر. 

كشف هذا التحقيق، الذي ينشر على جزأين، وعبر رحلة بحث استمرت قرابة عام، جَشع بعض العيادات الطبية والمختبرات الخاصة، بزيادة أجورها مخالفةً بذلك لائحة الأجور الطبية الصادرة عن نقابة الأطباء الأردنيين، علاوة على جلب مرضى بالاتفاق مع بعض سائقي التاكسي مقابل عمولة يدفعها لهم بعض الأطباء بعد اقتطاعها من جيوب المرضى بطريقة غير مباشرة، إضافة لإجراء فحوصات طبية، مخبرية، إشعاعية، وتداخلات جراحية، وصرف أدوية لا يحتاجها المرضى، تهدف فقط لتعظيم أرباحهم، وتبادل المنافع بين الأطباء، ما يضر بالمريض مادياً وصحياً، ويضع سمعة الخدمة الطبية الأردنية على المحك.

يحدث هذا وسط ضعف رقابة ومتابعة وزارة الصحة، ونقابتي الأطباء وأطباء الأسنان لمخالفات من هذا النوع؛ إذ لم تتجاوز الشكاوى التي وصلت الوزارة بين الأعوام 2008-2012 فقط 19 شكوى، غالبيتها تتعلق بمخالفة لائحة الأجور المعتمدة وبفروق وصلت في إحدى الحالات لأكثر من 20 ألف دينار. في حين كان أقصى إجراء اتخذته الوزارة بحق العيادات أو الأطباء المخالفين “إعادة المبلغ الزائد”، أما نقابة الأطباء الأردنيين، فكان مجموع ما تلقته من شكاوى خلال آخر خمس سنوات 126 شكوى، حفظ نحو 80 منها، وبنسبة بلغت 68 %.

تجرية حية

ما إن خرجت حنان (22 عاما) من غرفة فحص الطبيب “د”، الذي يملك عيادة في شارع حيوي بعمان، بعد أن شكت له سمنتها، حتى طالبتها السكرتيرة بـ60 ديناراً بدل كشفية، في مخالفةٍ صريحة للائحة أجور الأطباء الصادرة عن نقابة الأطباء، التي حددت أتعاب الكشفية في عيادة الطبيب الاختصاصي بـ20 دينارا؛ يضاف إليها في الحد الأقصى 4 دنانير، “لمن أمضى أكثر من 20 سنة على حصوله على شهادة الاختصاص”.

حنان لم تكن سوى زميلة كاتب التحقيق الذي تخفى كسائق تاكسي، كان قد اتفق معها على لعب دور المريضة لاستكمال اتفاق مسبق مع الطبيب، يقوم على جلب مرضى لعيادته مقابل عمولة 20 دينارا.

“أنا بعطيك على بركة أيدي 10/ 20/ 30/ 40 دينارا” عن كل مريض بتجيبو للعيادة”. بهذه الكلمات كان الطبيب قد لخص الاتفاق، بعد أن اطمان لكاتب التحقيق المتخفي؛ “فكرتك أمن وقائي.. يا خوي إحنا بنخاف من البحث الجنائي والأمن الوقائي”.

بعد انتهاء التشخيص، طلب إلينا الطبيب أن نرسل حنان إلى مختبر معين محدد لإجراء ستة فحوصات مخبرية، تبلغ كلفتها 175 دينارا. حيث رصدت الكاميرا السرية لكاتب التحقيق أكثر من 3 تقارير مخبرية داخل المختبر، مروسة باسم الطبيب “د”.

كان اتفاقنا مع الطبيب “د” ولقاءاتنا المتكررة مصورة بكاميرا مخفية.

اكتشفنا في زيارتنا تلك أن حنان ليست المتضررة الأولى للطبيب، ويبدو أنها ليست الأخيرة أيضا، فخلال انتظارنا في القاعة المجاورة، جلس رجل سعودي ينتظر خروج أسرة شقيقه من غرفة الطبيب. 

الأسرة السعودية التي تتعالج من العقم، جاءت هي الأخرى لعيادة “د” برفقة سائق تاكسي يدعى أبو راشد. حين قدم كاتب التحقيق نفسه لأبي راشد كـ”زميل مهنة” سارع الأخير للتحدث عن هموم وأحوال السمسرة للأطباء، ليختم حديثه هامسا: “هذا الدكتور بدفع كويس” ثم مد يده إلى جيبه وأخرج كرتا يحوي أرقام هواتفه وصفته “خدمة تاكسي”.

وحرصا على التوازن والموضوعية والتزاما بحق الرد، واجهنا الدكتور “د” بالحقائق التي أثبتها التحقيق، وعبر رسالة تسلمها باليد عبر إحدى شركات البريد المستعجل، تلقينا بعد أيام اتصالا هاتفيا من مسؤول حكومي رفيع المستوى، يستفسر عن الموضوع مادحاً “د” ومهنيته، طالبا منا عدم ذكر اسم الطبيب، لأن ذلك يعد “تشهيرا”. 

ما هي إلا ساعات، حتى حضر الدكتور بشخصه إلى مقر “راديو البلد”، نافيا تجاوزه على لائحة الأجور، وسمسرته مع سائقي التاكسي، ومؤكداً أن ما دفعه لكاتب التحقيق أثناء تخفيه كان من باب “الشفقة” لا أكثر، رافضا التسجيل معه، زاعماً أنه قام بطرد كاتب التحقيق فور رؤيته لأول مرة، خلافاً لما وثقته كاميراتنا السرية، التي تظهر حفاوة الترحيب والاستقبال لكاتب التحقيق المتخفي.    

طريق مغلق !

في لقاء سجلته الكاميرا المخفية، سوق “د” نفسه باعتباره قادرا على علاج نحو 18 مرضا، ابتداءً من الروماتيزم، المفاصل، السكري، المسالك البولية والتناسلية، مرورا بالعقم، الخصوبة والجهاز الهضمي، الرئتين والحساسية، وأمراض القلب، الصدر والضغط.

طرق كاتب التحقيق باب المجلس الطبّي الأردني المؤسسة الوحيدة المعنية بتدريب وتأهيل الأطباء والاختصاصيين، والذي يمنح أعلى شهادة اختصاص “البورد” أو يعترف بها؛ للتأكد من اختصاص “د”، إلا أن المجلس الطبي رفض الطلب المقدم له وفق قانون ضمان حق الحصول على المعلومات للعام 2007. 

ولدى التظلم عند مجلس المعلومات الأردني المعني بتطبيق قانون ضمان حق الحصول على المعلومات، أصدر المجلس قراره رقم (6/2012) برد شكوانا، باعتبار المعلومات المطلوبة “وثائق محمية” استناداً إلى القانون.

مقاولة طبية

في عيادة طبيب التجميل “ك” حصل الأمر ذاته، فقد اتفق “ك” مع كاتب التحقيق، المتستر كسائق تاكسي، على أن يمنحه عن كل 1000 دينار يدفعها المريض لعملية التجميل، 150 دينارا عمولة (15 %)، بالإضافة لـ 5 دنانير عن كل مريض يجيره كاتب التحقيق لعيادة “ك”.

حنان، رافقتنا لعيادة “ك” لاختباره أيضا، أوهمته هذه المرة برغبتها في إجراء جراحة تجميلة لأنفها، فخيرها الطبيب بين عدد من المستشفيات التي يتعامل معها “وفق نظام البكج”، وهو نظام يقوم الطبيب بموجبه باستيفاء كافة أتعابه مضافا إليها أجور المستشفى سلفا وبالنيابة عن المستشفى. تكلفة العملية التي اقترحها الطبيب على حنان تراوحت بين 1500 – 2000 دينار. 

يعتبر نظام البكج مخالفة صريحة لنظام الأجور الطبية رقم (46) لسنة 1989 الذي نص صراحة “لا يجوز للطبيب أن يقاول المريض عن مجموع أتعابه وأجور المستشفى سلفاً بالنيابة عن المستشفى”. 

حاولنا أخذ رد من “ك” على هذا الموقف عبر اتصالنا به، ورسالة بعثنا بها إليه عبر إحدى شركات البريد المستعجل، إلا أننا لم نتلق ردا.

وعند مراجعة المستشفى الخاص، الذي يتعامل بنظام البكج، برر المدير الطبي للمستشفى ذلك، بقلة عدد المرضى وحجم العمل.

وأضاف “المستشفى لا يستطيع أن يمنع الطبيب من ذلك؛ لأن الطبيب زبون المستشفى كما المريض” متسائلا: “ما ذنب المستشفى إذا اتفق الطبيب مع المريض خلافا للأسعار المقررة”.

لم تقتصر السمسرة على بعض العيادات، فقد اتفقنا مع المختبر الذي أحالنا إليه الطبيب “د” على إعطائنا 30 – 50 % من إجمالي ما يدفعه المريض الذي نأتي به لمختبره.

وحين واجهنا مدير المختبر بحقيقة ما وثقناها بالكاميرا المخفية، عبر رسالة بريدية لم نتلق منه أي رد.

المرضى أطباء وسائقو تاكسي

كاتب التحقيق، كشف أيضا بكاميرته السرية عن استعداد 22 عيادة طبية ومختبر من أصل 29 زارها  في شارع الخالدي “ابن خلدون”، لتجيير مرضى لهم مقابل عمولة تراوحت بين 5 دنانير و50 % من إجمالي ما يدفعه المريض لطبيبه.

بحسب الدستور الطبي الأردني؛ يحظر على الطبيب “إقامة أي نوع من العلاقات على أساس السمسرة أو المكافأة الطبية، سواء مع زملائه الأطباء، أو مع المؤسسات الطبية، أو مؤسسات المهن الطبية الأخرى وأفرادها، أو استخدام من يقوم بهذا العمل”.

في تعليقه على ما رصدناه، يرى رئيس جمعية المستشفيات الخاصة د.فوزي الحموري أن ظاهرة التاكسي “انتشرت في الماضي لكنها معدومة الآن، لأن المستشفيات والأطباء أصبحوا قادرين على الوصول إلى المرضى في بلدانهم بدون وسطاء، فالإنترنت قلل من هذه الظاهرة عبر سهولة وسرعة الوصول إلى الأطباء والمستشفيات”.

رئيس لجنة التاكسي في نقابة أصحاب السيارات العمومية أحمد دويلة، نفى من طرفه تلقي النقابة أي شكوى تفيد بوجود سمسرة بين أطباء وسائقي تاكسي على مدار عمر النقابة البالغ 35 عاما.

صعوبة الحصول على فواتير تفصيلية

يرى وزير الصحة عبداللطيف الوريكات أن جزءا من المسؤولية يتحمله المريض؛ الذي عليه أن يحصل على فواتير تفصيلية للبنود التي دفع المال مقابلها ليتسنى للوزارة متابعة الأمر في حال الشكوى، ومعاقبة المخالفين من الأطباء.

قمنا بدورنا، بالاستفسار من 20 مريضا على نحو عشوائي، فيما إذا كان الأطباء الذين راجعوهم، يسلمونهم وصولات تبين قيمة ما يدفعونه لهم مقابل الطبابة، فأفاد 17 منهم بعدم حصولهم على أي فواتير أو وصولات تبين ذلك، فيما أجاب الثلاثة الآخرون بأنهم يحصلون عليها بعد طلبها من الطبيب.

ومن خلال مراجعتنا لعشر فواتير من أطباء مختلفين، خمس منها كانت عبارة عن اختصارات باللغة الإنجليزية، بحيث لا يفهم مكنونها. وأربع لا تحتوي على أي تفاصيل عن المبلغ المدفوع.

عيادات بلا لوائح 

تعتبر لوائح الأجور الطبية للعام 2008 والصادرة وفق  نظام الأجور الطبية رقم (46) لسنة 1989 وتعديلاته؛ وسيلة مثلى لتوثق المرضى والمراجعين من قيمة العلاج، فبحسب نظام أجور الأطباء رقم 46/ لسنة 1989 والذي ينص “على الطبيب أن يعلن في مكان بارز في عيادته عن الأجور التي يتقاضاها وفق التعرفة المقررة”.

لكن واقع الحال يكشف عن عدم التزام بعض الأطباء بإبراز تلك اللوائح في عياداتهم. فقد زار كاتب التحقيق 55 عيادة اختصاص من أصل 700 في شارع الخالدي وجبل الحسين، وكشف عن عدم التزام أي منها بإبراز لائحة الأجور والأتعاب الطبية.

ويعتبر ذلك مخالفة تأديبية بالمعنى المقصود في قانون النقابة والأنظمة الصادرة بمقتضاه. بحسب المادة 8 من نظام أجور الأطباء. حيث تنص على ما يلي “تعتبر مخالفة الطبيب لأحكام هذا النظام بما فيه ذلك عدم الإعلان عن التعرفة المقررة وفقاً لأحكامه والتعليمات الصادرة بمقتضاه مخالفة تأديبية بالمعنى المقصود في قانون النقابة والأنظمة الصادرة بمقتضاه”.

يُقر رئيس لجنة تقدير الأتعاب في نقابة الأطباء د.رائف فارس بمخالفة الغالبية العظمى من العيادات للنظام من خلال عدم إبرازهم للائحة الأجور، في الوقت نفسه يؤكد أن النقابة ليس لديها كادر للتفتيش على العيادات لضعف الإمكانات المادية للنقابة، إضافة إلى عدم وجود شكوى واحدة في هذا السياق.

قانون نقابة الأطباء الأردنيين رقم 13 لسنة 1972، أناط مهمة الرقابة على أتعاب الأطباء وأجورهم بمجلس النقابة ولجنة تقدير الأتعاب النقابية، إضافة إلى الفصل في الخلافات التي تنشأ بين الطبيب والمريض أو القائمين على أمره على مقدر أتعاب الأطباء.

مديرية التراخيص والمهن في وزارة الصحة المعنية بالرقابة على تراخيص “العيادات الطبية” فقط، تؤكد أنه ليس من مهامها التفتيش والرقابة على التزام الأطباء في العيادات الخاصة بلائحة الأجور الطبية المقرة من النقابة أو إبرازها، وأن صلاحيات المديرية تقتصر على ترخيص العيادات، والتأكد من حصولها على موافقة النقابة والأمانة، والتزامها بالنظافة والمتطلبات الأساسية، علاوة على التأكد من صحة الإعلانات والآرمات، وأن صلاحيات التأكد من انضباط الأجور الطبية تقتصر على النقابة فقط. بحسب مدير التراخيص والمهن في وزارة الصحة د.قاسم الرحاحلة.  

يضيف الرحاحلة، أن الوزارة تخاطب نقابة الأطباء في حال ورود أي شكوى للوزارة، أو ضبط مخالفات للائحة الأجور الطبية.

من خلال مراجعة كاتب التحقيق لقانون الصحة العامة رقم 47 لسنة 2008 وقانون نقابة الأطباء الأردنيين رقم 13 لسنة 1972 وتعليماتها ونظام الأجور الطبية الصادر بمقتضاه، لم يجد أي نص قانوني صريح يحدد مقدار العقوبة وكيفيتها على مخالفة الطبيب للائحة الأجور أو عدم إبرازها. 

لدى محاولتنا ممارسة دورنا الرقابي كسلطة رابعة، والتأكد من رقابة نقابة أطباء الأسنان على قطاعها ومنتسبيها؛ تقدمنا بطلب للحصول على المعلومات من نقابة أطباء الأسنان بتاريخ 30/ 5/ 2012، تضمن أربعة أسئلة عن دور النقابة الرقابي على قطاع أطباء الأسنان، والتزامهم بلائحة الأجور الطبية وإبرازها في عياداتهم، وكيفية حمايتها لحقوق المرضى، وذلك لتعزيز وتدعيم التحقيق، وبرغم أيضا من زياراتنا واتصالاتنا المتعددة مع النقابة لمتابعة ما طلبنا، لم تستجب النقابة لذلك.

كل ذلك، دفعنا للتظلم لمجلس المعلومات الذي أصدر قراره بتاريخ 29/ 8/ 2012، بقبول تظلمنا والطلب من مجلس نقابة أطباء الأسنان بتزويدنا بالمعلومات المطلوبة. إلا أن النقابة لم تستجب لكل هذه المحاولات، ما حال دون الحصول على المعلومات المطلوبة.

كشفية عيادات خاصة تصل 80 دينارا

رافقنا المريض اليمني صالح في زيارة لأحد أشهر أطباء القلب في عمان، حين سأل سكرتيرة العيادة عن قيمة الكشفية، أجابته: “80 دينارا، لكل المرضى بغض النظر عن جنسياتهم”. 

في رصد عشوائي، قام به كاتب التحقيق، لـ 20 عيادة طبية في عمان، للاستفسار عن قيمة الكشفية التي تتقاضاها من المرضى، خرجنا بنتيجة مفادها أن تسع عيادات منها تراوحت قيمة الكشفية فيها بين 30 و80 ديناراً؛ فيما كانت قيمة ست منها 25 دينارا، والخمس الباقيات تراوحت قيمتها بين 10-20 ديناراً. 

تنص لائحة أجور الأطباء الصادرة عن نقابة أطباء الأردنيين على أن لا تتجاوز الكشفية بحدها الأعلى 24 دينارا للطبيب الاختصاصي الذي مضى على حصوله على شهادة الاختصاص أكثر من 20 سنة. 

ما رصده كاتب التحقيق من مخالفات ترتكبها بعض المستشفيات الخاصة بحق بعض مرضاها يبدو أمراً ليس جديداً إذ تكشف دراسة الخبير في المسؤولية الطبية الدكتور محمد شريم والصادرة قبل عشر سنوات، أن 19.7 % من مجموع الشكاوى المقدمة من المرضى على الأطباء تتعلق بأجور زائدة، عبر تحصيل مبالغ أكثر من التسعيرة المقررة.

أشكال أخرى لاستغلال المرضى

“عملية كيّ عنق الرحم” أسهل الحلول وأقصرها، فكل من دخلت عيادة الطبيبة النسائية، التي نمسك عن ذكر اسمها لعدم وجود دليل مصور لدينا، وجبت عليها هذه العملية لقاء 70 دينارا تدفعها للطبيبة، سكرتيرة العيادة، أكدت لأم أحمد بعد وقوع “الفأس بالرأس” بأجرائها للعملية، أن هذه العملية تخضع لها كل المراجعات/ المريضات، بحسب أم أحمد.

اختصاصي الباثولوجي الدكتور عماد إبراهيم، يؤكد أن هناك بعض الأطباء يقوم بإجراء عمليات للمرضى ليسوا بحاجة لها وخاصة عمليات المرارة وعمليات دوالي الخصية وتنظير المعدة، وهناك الكثير من القصص والشواهد على ذلك. يتفق مع ما ذهب إليه إبراهيم الطبيب أديب صالح.

يضيف إبراهيم قائلاً “طبيب يتعاون مع طبيب جراح، يوصي له بإجراء عمليات لا يحتاجها المريض، يقوم عندها الجراح بجرح المريض بدون إجراء عملية حقيقية، تم الجرح، لإيهام المريض أنه عالجه وأجرى له التدخل الجراحي اللازم”.

من جانبه؛ يعتبر رئيس جمعية المستشفيات الخاصة ومدير عام مستشفى الشميساني الدكتور عوني البشر، الأمر حالات فردية لا ترقى لمستوى الظاهرة، “فالأبواب مفتوحة والكل يستطيع أن يقدم شكوى”. يضيف البشير أن نسبة الخطأ بسيطة جدا وتتركز مع المرضى السودانيين واليمنيين، الذين يحضرون إلى الأردن بدون ترتيب مسبق.

رقابة ضعيفة وحفظ الشكوى سيد الموقف

لدى مراجعة كاتب التحقيق لسجل الشكاوى في وزارة الصحة خلال الفترة بين 2008-2012، تبين أن 19 شكوى فقط وصلت الوزارة على أطباء لمخالفتهم لائحة أجور الأطباء، تراوحت إجراءات الوزارة  بمخاطبة نقابة الأطباء الأردنيين في 7 شكاوى لأخذ إجراءاتها، والمطالبة بإعادة المبالغ الزائدة عن القيمة الصحيحة للفاتورة في 5 شكاوى تراوحت الزيادة بين 120 دينارا و29 ألف دينار، فيما 3 شكاوى قيد الإجراء، و3 أخريات تم حفظهن، وشكوى أمام القضاء.

بلغ عدد شكاوى المرضى على أطباء لدى نقابة الأطباء الأردنيين لمخالفتهم للائحة أجور الأطباء لآخر خمس سنوات 126 شكوى، حفظت منها 86، بنسبة 68 % من مجموع الشكاوى، في حين طالب النقابة 9 أطباء فقط بإعادة المبالغ الزائدة، تراوحت قيمة هذه المبالغ بين 320 – 1310 دنانير.

يرى وزير الصحة السابق د.زيد حمزة أن كل من وزارة الصحة ونقابة الأطباء مقصرتان في الجانب الرقابي، داعيا النقابة لمواجهة المريض بالحقيقة، بأنها لا تستطيع أن تأخذ له حقه من الطبيب، خاصة وأن عقوبات النقابة تقتصر على التحذير والتأديب والتنبيه.

“نقابة الأطباء قادرة على القيام بدور أفضل، والمشكلة أن الأحزاب مسيطرة على العمل النقابي، وإذا وقع خطأ من أحد أفراد الحزب الذي يسيطر يصعب محاسبته، والسبب في ذلك إلزامية العضوية في النقابات، وهذه مخالفة للمواثيق الدولية”، بحسب وزير الصحة الأسبق زيد حمزة.

وزير الصحة د.عبد اللطيف وريكات، يوضح أن مخالفة أطباء القطاع الخاص، ومتابعة قضاياهم هي من مسؤولية نقابة الأطباء بتشارك مع وزارته التي تستطيع إغلاق أي عيادة أو مستشفى مخالف.

نقابة الأطباء، وعلى لسان نقيبها الدكتور أحمد العرموطي تنفي تواطؤها مع أي من منتسبيها، مؤكدة أنها قادرة على معاقبة أي طبيب مخالف، وتقوم بواجبها لحماية حقوق المرضى.

*أنجز هذا التحقيق بدعم وإشراف شبكة “أريج” إعلاميون من أجل صحافة استقصائية عربية، ومن إعداد الوحدة الاستقصائية لراديو البلد.


تعليقاتكم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.