عندما لا نعرف شيئاً عن 95 بالمئة من المرضى النفسيين

7 نوفمبر 2009

شعور بالإحباط، ملل وتعب متواصل.. تلكم بعض أعراض الاكتئاب الذي يعاني منه (ك.أ) 29 عاماً إلى جانب فقدان الشهية وغياب الرغبة في عمل أي شيء. هذا الشاب يندرج ضمن شريحة متزايدة من المكتئبين تناهز المليوني شخص في سورية، وفق نسبة الإصابة إلى عدد السكان المقدّرة عالمياً بـ 10%.

عامان مرّا على خضوع (ك.أ) لعلاج دوائي، لكن دون جدوى ما دفعه للتفكير بالتوقف عنه دون مراجعة الطبيب. مذ ذاك تتفاقم حالته النفسية إلى صراع مع الذات وصولاً إلى التفكير بإيذاء نفسه أو الانتحار، كما يقول.

حالة (ك.أ) وغيره من ضحايا الاكتئاب تشكل عبئاً معنوياً ومالياً على الدولة. فبحسب مديرية صحة دمشق: “ترتفع فاتورة الأدوية النفسية أكثر من 10 %” سنوياً. وهذا يعمّق الجدال حول جدوى حصر العلاج بالمسار الدوائي، إذ يرى أطباء اختصاص أنه يشكّل رافعة بدنية تساعد المصابين بالاكتئاب على الانتحار.

تقدم وزارة الصحة الأدوية النفسية في عياداتها النفسية مجاناً، ويقدّر حجم الإنفاق على الأدوية النفسية 4 % من موازنتها البالغة (27.5) مليار ليرة سورية (نحو 58 مليون دولار)، مع العلم أن سورية تستورد 10 بالمئة فقط من حاجتها للدواء والباقي تنتجه محلياً من خلال 66 معملاً للدواء، 93 % منها للقطاع الخاص.

الطبيب النفسي أسامة شعبان يحذّر من “ميول مرضى الاكتئاب الشديد إلى الانتحار”، ما يستدعي اعتماد نمط للعلاج يحمي المريض والمجتمع. ويرى شعبان أن هذه الحماية “لن تتحقق إلا بالعلاج المبكر والمراقب و المناسب”.

عالمياً يُعد الاكتئاب ((depression) من أكثر الأمراض النفسية انتشاراً. إذ يتجاوز عدد هذه الفئة 500 مليون شخص، أي أن واحداً من كل 12 إنسان حول العالم يعاني من الاكتئاب، طبقاً لتقديرات منظمة الصحة العالمية التي تشير كذلك إلى أن نسبة الإصابة لدى الإناث نحو20% ولدى الذكور 10%.

خسارة بالمليارات

من تبعات هذه الحالات.. تعطّل الإنتاجية لدى المكتئبين، ما ينعكس خسارة بمليارات الدولارات. فألمانيا على سبيل المثال تخسر سنوياً 2.2 مليار دولار فيما تفقد الولايات المتحدة 40 ملياراً من دخلها بسبب ارتفاع عدد المصابين بالاكتئاب المزمن.

حوار دوائي فقط

رئيس شعبة الأمراض النفسية في مشفى المواساة الدكتور يوسف لطيفة يؤكد أن “العلاج الدوائي، الأسلوب الوحيد المتبع مع المرضى النفسيين في سورية، غير كافٍ”. ويدعو إلى اعتماد علاج “تكاملي سلوكياً وإكلينيكياً”. من بين الوسائل التي يطرحها العلاج السلوكي (Behavioral Therapy ) والعلاج التحليلي النفسي (psychoanalytic Therapy) وذلك بإشراف فريق عمل مؤلف من طبيب نفسي، متخصص في الإرشاد النفسي، باحث اجتماعي وممرض نفسي. يفترض أن تنطوي هذه الحزمة “على جلسات حوار دورية في جو هادئ و مريح مع المريض لمدة زمنية وفق الحالة”.

( ك. أ) لا يحظى بهكذا رعاية. فهو يذهب مرة واحدة في الشهر، ولمدة دقائق يلتقي خلالها طبيب العيادة النفسية بعد انتظار مطول في غرفة إلى جانب 25 مريضاً آخر. وقد شعر بالصدمة حين علم أن طبيب العيادة لا يحمل اختصاصاً في الطب النفسي. تلك العيادة تندرج ضمن 24 عيادة تخصصية افتتحتها وزارة الصحة عام 2001 في مستشفيات ومراكز صحية تابعة لها، ست منها في العاصمة واثنتا عشرة في ريف دمشق، ثلاث في حلب وواحدة في كل من طرطوس وحماه وإدلب. يضاف إلى ذلك انتشار 22 عيادة “رعاية أولية في الصحة النفسية”، تقتصر مهمتها، بحسب مدير مديرية الصحة النفسية الدكتور بيير شنيارة “على تقديم العلاج الدوائي فقط”. يقر د. شنيارة بأن “بعض أطباء عيادات الرعاية الأولية لا يحملون اختصاصاً بالأمراض النفسية بل اختصاصاً في الصحة العامة أو في طب الأسرة”. ولكنه يردف أن “المديرية أجرت لهم دورات تأهيلية”.

منذ إحداثها، تخلو العيادات من الاختصاصات المساعدة. وبعد مطالبات لأكثر من خمس سنوات عينت الوزارة 60 خريجاً في الارشاد النفسي وعلم الاجتماع أواخر العام الماضي. لكن لم يلتحق بعملهم سوى 40 منهم. إذ فضّل بعض المستنكفين العمل في وزارة التربية بموجب المسابقة التي أجرتها كما يوضّح أحدهم معتبراً “أن العمل فيها أقل عناءً من العمل مع المرضى النفسيين”.

ويقول د. شنيارة: إن”هذا العدد ضئيل جداً قياساً بالحاجة الفعلية التي أقدّرها بنحو 10000 آلاف منهم”.

إنه الانتحار

يحذّر د. شنيارة بأن”العلاج بالدواء وحده لا يؤدي إلى النتائج المرجوة” لافتاً إلى أن غياب “العلاج التكاملي يوقع المريض في دائرة الخطر التي توصله إلى الانتحار أو محاولة الانتحار”. ويرى د. شنيارة أن “95 % من مرضى الاكتئاب في سورية خارج أية رعاية”، بسبب “عدم إجراء أي مسح حتى الآن حول واقع الصحة النفسية” في البلد.

العيادات العامّة قدّمت خدماتها لنحو 200 مصاب بالاكتئاب، بحسب سجلاتها (للربع الأخير من العام الماضي) وهو عدد ضئيل قياساً بالرقم المفترض لمرضى الاكتئاب في سورية و المقدّر بنحو مليوني مكتئب. و إذا لم يقدم العلاج المطلوب للمريض فإنه قد يصل لمرحلة الانتحار وهو ما يخشاه (ك.ا).

(ح.ع) 27 عاماً أحد الذين حاولوا الانتحار بداية هذا العام بسكين حاد حزّ فيه معصم يده اليسرى وقد أذى نفسه غير مرة للقصد ذاته قبل أن يتم إنقاذه من قبل ذويه. شقيق (ح.ع) الذي “عجز عن إقناعه بالذهاب إلى طبيب نفسي” يتوقع أن “يستيقظ ذات صباح على نبأ انتحار شقيقه”. وهو حائر بما يجب فعله من أجله. وفق أرقام عالمية دقت ناقوس الخطر لتعلن العاشر من أيلول يوماً عالمياً لمنع الانتحار، فإن 90 % من حالات الانتحار ترتبط باضطرابات نفسية وبالتحديد الاكتئاب. يصل عدد المنتحرين سنوياً إلى نحو مليون شخص في العالم وفق آخر إحصائيات الصحة العالمية. ووجدت الدراسة أن الاكتئاب سببٌ رئيس للانتحار. وفي البلدان العربية تشير الدراسات إلى ارتفاع أعداد المنتحرين إذ سجلت دراسة أُجريت في اليمن 4100 حالة انتحار من عام 1995 وحتى عام 2002 وووجدت أن 81 بالمئة من الشباب المنتحر كان يعاني من مشكلات نفسية.

الاكتئاب وعلاقته بالانتحار في سورية

حتى الآن لم تصدر أية دراسة محلية حول هذه الظاهرة وعلاقتها بالأمراض النفسية. الإحصاء الوحيد يشير إلى تسجيل 84 حالة انتحار من بين 4197 وفاة بين عامي 1996و2000، أي 2 % من أسباب الموت، طبقاً لسجلات الطبابة الشرعية بدمشق.

الطبيبة الشرعية منال دوغمان تقر “بغياب الأرقام”، لافتةً إلى أن ذلك يعود “إلى حساسية الموضوع التي تدفع بعدم تلقّي الطبيب الشرعي لأجوبة صادقة من ذوي المتوفى في حال الاشتباه بحالة انتحار”. إلى ذلك “لا يوجد الدعم المطلوب للبحث العلمي في الطب الشرعي حتى يتم الكشف عن الحقيقة”.

دواء يحفّز على الانتحار

ولئن كان الانتحار نتيجة لوضع نفسي غير طبيعي، كما توضّح الدكتورة منال، فإن أخطر ما ذكرته حول العلاج الدوائي يكمن في أن “مضادات الاكتئاب قد تكون محفّزة على الانتحار إذا لم تتم المراقبة المطلوبة للمريض”. وتشرح ذلك بأن “المكتئب عموماً لديه إحباط جسدي عضلي. فلا يقوى على القيام بفعل الانتحار، لكن مضادات الاكتئاب من رافعات المزاج وهي تنشّط المكتئب ليقوى عضلياً على القيام بفعل الانتحار”. وهذا ما حدث مع الممثل العالمي هيث ليدغر إذ انتحر بمفاعيل مضادات الاكتئاب. ولذلك فهي “تحذّر من إعطاء الدواء للمريض و تركه دون مراقبة من قبل المشفى أو الأسرة ودون تطبيق العلاجات النفسية الأخرى”.

لكن (س،ر) المصابة بالاكتئاب لم يكن أمامها سوى دواء الاكتئاب ذاته لتتناول منه 20 حبة دفعة واحدة محاولة الانتحار إثر تدهور حالتها النفسية لظرف عائلي وتم إنقاذها في اللحظات الأخيرة وتقرر بعد أن تماسكت إلقاء الدواء في «الزبالة» كما قالت، معاهدةً نفسها على عدم تناوله مرة أخرى، وتشرح كيف أن جسدها قد تعب في المرحلة الأولى التي تركت فيها الدواء وذلك لأنها تركته مرة واحدة كما تقول، ومع مرور الوقت بدأت إرادتها تقوى وصارت أفضل حالاً.

وفي المشافي التي يقتصر علاجها على الدواء فقط، يؤكد مصدر في أحدها أنه “كان شاهد عيان على العديد من محاولات الانتحار لمرضى وهم قيد العلاج، ما يثير القلق حيال المكتئبين الذين هم خارج أية رعاية تُذكر”.

الصحة النفسية واستعراض القوة

من جهة أخرى تشدّد معاون مدير المرصد الوطني لرعاية الشباب الباحثة الاجتماعية أليسار فندي، على أنه “لايحق لأية جهة إحضار المريض النفسي عنوةً للعلاج. بل يجب أن يحضر طوعاً أو مع ذويه”.

مدير مشفى ابن سينا للأمراض النفسية الدكتور مازن حيدر يوضّح من جانبه أن “طرقاً ثلاث تحكم دخول المريض الى المستشفى، حضوره مع ذويه أو إحالته بموجب ضبط للشرطة أو بأمر محكمة بصفته موقوفاً احترازياً”.

ورغم الخطر الذي يهدد المريض النفسي أو المجتمع فيما لو تأخر علاج المريض، فإن القانون لا يسمح بتطبيق العلاج الإلزامي.

بلا قانون

يخضع هذا القطاع لقانون قديم صدر عام 1953. وفي عام 2005 تقدّم عدد من أطباء الرابطة السورية للطب النفسي بمشروع قانون حديث للصحة النفسية و العقلية إلى عدد من أعضاء مجلس الشعب. لكن حتى الآن لم يصدر أي تشريع جديد، وبالتالي يلقي غياب البنية القانونية التكاملية بظلال سلبية على واقع تقديم الرعاية الصحية للمرضى النفسيين، وعلى تطبيق ما يُعرف بالعلاج النفسي التكاملي.

في السياق ذاته، يؤكد د. شنيارة “عدم وجود قانون يرخّص المهن النفسية غير الطبية”. فالوزارة لا تعطي ترخيصاً إلا بمزاولة المهن الطبية مثل الطبيب والصيدلة، وهي تدرس إمكانية دخول عناصر مساندة في العلاج من خارج الاختصاصات الطبية وتحت إشرافها. ويشير المصدر ذاته أيضاً إلى إعداد مسودة قانون بهذا الشأن وهي قيد الدراسة لدى الشؤون القانونية في وزارة الصحة. وتتضمن المسودة، كما يوضح شنيارة، تعريفاً شاملاً للصحة النفسية والعناصر والمؤهلات المطلوبة لمزاولة المهنة في هذا المجال وحقوق المريض النفسي و إلزامية علاجه وإحداث مراكز للعلاج النفسي وشروط ذلك…الخ.

إرشاد نفسي و اجتماعي ولكن!

على أن إشراك الخريجين من الإرشاد النفسي أو علم الاجتماع أظهر مشكلة عدم مقدرتهم على الممارسة العملية مع عالم الصحة النفسية ومرضاه. وبرأي د.شنيارة، فإن “الدراسة الجامعية وحدها لا تؤهل لمعالجة المرضى النفسيين”.

(ي.س) إحدى المعيّنات باختصاص إرشاد نفسي وتخرّجت في العام 2002 تحدثت عن “صدمتها لدى أول احتكاك مع مرضى نفسيين بعد أربع سنوات من الدراسة النظرية وبمنهاج بعيد كل البعد عن الواقع”، كما تقول، في قسم يخرّج سنوياً نحو 80 طالبة وطالباً. وقد عينت وزارة التربية المئات منهم ضمن كوادرها. ويذهب الدكتور كمال بلان رئيس قسم الإرشاد النفسي في كلية التربية بجامعة دمشق إلى “حاجة المرضى النفسيين لكوادر متخصصة ومدربة سريرياً ضمن فريق العلاج النفسي التكاملي الذي مازال غائباً في سورية رغم انتشار الأمراض النفسية وحاجتها إلى خدمات نوعية”.

تشاطره في الرأي الدكتورة عائشة ناصر المدرّسة في القسم والمتخصصة في الصحة النفسية. تقول د. عائشة: “لا أملك أنا وغيري فرصة ممارسة دوري في عالم الصحة النفسية بسبب غياب تطبيق العلاج النفسي التكاملي ولأن القوانين لا تسمح لنا بذلك”. بينما يرى رئيس شعبة الأمراض النفسية في مشفى المواساة د. لطيفة أن “تطبيق فكرة العلاج التكاملي غير ممكنة لأنها لم تنضج بعد سواء لدى الكوادر المطلوبة أو لدى المرضى”. ويضيف أن ذلك يتطلب إيجاد “الأسس اللازمة وفق المعايير العملية وتوفير الإمكانات المادية والبشرية”.

في السياق ذاته، لا تقدم الجمعية العلمية السورية للعلوم النفسية التي تأسست عام 1996 ووصل عدد أعضائها إلى نحو 450 عضواً “سوى خدمات بسيطة”، كما وصفها رئيسها الدكتور عماد سعادة كتلك

المتعلقة بصعوبات النطق والتعلم وخلافات الأزواج. يقدم هذه الخدمات نحو 12 مختصاً فقط مقابل 200 ليرة سورية للجلسة الواحدة.

إنها الوصمة

وتدخل نظرة المجتمع أيضاً كعائق في العلاج النفسي. فلم يكن من السهل على (ك.ا) مراجعة طبيب نفسي بسبب نظرة المجتمع للمريض النفسي التي تعرف بالوصمة، حسبما يؤكد.

كذلك تبدو (س، ل)47 عاماً، وهي تخطو أولى خطواتها نحو العلاج النفسي بعد أن صعبت حالتها النفسية -كما تقول- حيث باتت أكثر يأساً وعصبيةً على خلفية عارض صحي أصابها قبل سنوات وأثّر بها كثيراً فلجأت إلى صديقة لها تطلب مساعدتها في الاستدلال على طبيب نفسي دون علم ذويها خشية نظرة الناس السلبية لها لو عرفوا إنها تُعالج نفسياً وتضيف: “لن أخبر أحداً مهما كان الثمن”. ويعلّق د. لطيفة على ذلك بأن “المريض النفسي مظلوم في بلدنا من جهة العلاج الذي يطبق عليه، ومن جهة ما يُعرف بالوصمة، لذلك يعزف الكثيرون عن مراجعة الطبيب النفسي أو حتى مرافقة ذويهم إلى العيادات ومشافي الأمراض النفسية، على اعتبار أن المجتمع مازال ينظر إلى المريض النفسي على أنه فاقد العقل (مجنون)”. ويوضّح د.أسامة شعبان أن “المريض لا يأتي إلى العيادة إلا وحالته متأخرة بسبب الوصمة، وهو مايترك خطراً عليه وعلى من حوله”. والظلم بطبيعة الحال لا يولد إلا خطراً ما زالت تتسع دائرته بصمت ليطال المريض ومن حوله، إذا ما كانت نهاية المريض إما الانتحار أو ارتكاب جريمة قتل

والفصام أيضاً

أكثر المرضى النفسيين المهيئين لارتكاب جريمة قتل هم مرضى الفصام (schizophrenia) كما يقول المختصون ووفق دراسات نُشرت للدكتور أحمد عكاشة (مصر) رئيس الجمعية العالمية للطب النفسي فإن 15% من مرتكبي الجرائم مرضى نفسيون وبخاصة الفصام. والفصام هو أحد أصناف الأمراض العقلية أو الذهانية يصيب واحد بالمئة من عدد السكان، ما يعني احتمال وجود نحو 200 ألف مريض بالفصام في سورية، جلّهم لا يعرف عنهم شيئاً. إذ لا يتلقى رعاية صحية سوى 0,5 % منهم وفق أرقام مديرية الصحة النفسية، التي تعكس تفاوتاً لافتاً يدعو للاستغراب. فعلى سبيل المثال، راجع العيادة الوحيدة النفسية في مدينة حماه، البالغ عدد سكانها نحو مليون ونصف المليون نحو 170 فصامياً، في حين راجع 12 عيادة في ريف دمشق التي يتجاوز عدد سكانها مليونين و50 ألف

نسمة سبعة مرضى فقط. ويقرّ د. شنيارة بأن “تلك الأرقام ليست بالصريحة”، فهي تعكس حجم الخدمات ولا تعبّر عن الرقم الحقيقي لعدد المرضى طالما لم يتم إجراء أي مسوح حتى الآن. أما د. شعبان فيرى أن “40 % من الفصاميين في سورية لا يعرف عنهم شيئاً. وهي نسبة كارثية لأن مريض الفصام إذا لم تتابع حالته قد لا يشفى إلا بعد ارتكاب جريمة قتل”، كتلك التي وقعت قبل ثلاثة أعوام، عندما أقدم شخص على قتل زوجته وحماته، ليتبين فيما بعد أنه مريض بالفصام. ومرتكبو الجرائم العنفية من الفصاميين يتم إيقافهم احترازياً في المشافي النفسية ومنها مشفى ابن سينا.

والمشافي أيضاً

“ابن سينا” هو أحد مشفيين عامين لعلاج الأمراض النفسية، ويوجد المشفى الثاني (ابن خلدون) في مدينة حلب. ويوجد في سورية كذلك مشفيان خاصان لعلاج الأمراض النفسية. وقد تأسس مشفى ابن سينا في عشرينيات القرن الماضي، وهو من أكثر المشافي شهرةً، ويضم 500 سرير. يؤوي هذا المشفى حالياً 430 مريضاً، 100 منهم موقوفون احترازياً. ويوضّح د. حيدر مدير المشفى أنه “يتم استقبال حالات الفصام والهوس والاضطراب ثنائية القطب (اكتئاب– فصام)”. والمشفى مقسّم إلى مهاجع، يتسع كل منها لنحو 30 مريضاً. هذا التوزيع يصفه د. حيدر بأنه “أسلوب بدائي، وبعيد كل البعد عن المعايير العالمية ومنها وضع المريض في غرفة تتسع لثلاثة فقط يطبّق عليهم العلاج التكاملي”. ويتحدث د. حيدر عن مشروع إنشاء مشفى جديد ضمن حرم المشفى القديم، معتبراً أن “إنشاء مشافٍ متخصصة بالأمراض النفسية لم يعد مجدياً والأسلوب الأمثل هو إحداث شعب نفسية في المشافي حيث يخصص 12 % من أسرتها للأمراض النفسية”. ويؤكد هو الآخر أن “العلاج الدوائي وحده لا يكفي. فلابد من استخدام أساليب العلاج الأخرى” حتى أن العلاج بالجلسات الكهربائية، وهو أحد وسائل العلاج المهمة، غير موجود في المشفى التي يعمل فيها 12 طبيباً فقط بصفة التعاقد، بعضهم يتغيب عن العمل لارتباطه بالعيادات الحكومية المحدثة ليوم واحد في الأسبوع”.

86 طبيباً نفسياً و1200 سرير في القطر

النقص في عدد الأطباء النفسيين مشكلة أخرى تُضاف إلى سلبيات واقع الخدمات المقدمة في الصحة النفسية. إذ لا يوجد في سورية سوى 86 طبيباً في حين المطلوب وجود نحو 2000 طبيب، وفق توصية منظمة الصحة العالمية، تماشياً مع نسبة طبيب نفسي لكل عشرة آلاف مواطن. ورغم خلق محفزات للتخصص في الطب النفسي ومنها صدور قانون بمنح تعويض إضافي يوازي الأجر الشهري (بحدود 15 ألف ليرة سورية)، ورغم إعفاء خريج كلية الطب من شرطي العمر والمعدل فيما إذا رغب بالتخصص في الطب النفسي، فإنه بالكاد يتخرج ثمانية أطباء باختصاص الطب النفسي سنوياً. ولا تمنح وزارة التعليم العالي حتى الآن شهادة الدكتوراه في الطب النفسي ومنحت المجال فقط للدراسات العليا في قسم أحدثته عام 2003 ولا يوجد فيه سوى اثنان يحملان الدكتوراه من الخارج (الدكتور يوسف لطيفة واحد منهما)، في حين لا يوجد في وزارة الصحة مجال للدراسات العليا. وهي تمنح الاختصاص بموجب تطبيق نظام الإقامة لأربع سنوات على الخريجين من كلية الطب والراغبين في التخصص بالطب النفسي. وقد بدأت بمنح الاختصاص منذ منتصف التسعينيات ولا يوجد حتى الآن مركز لتدريب اختصاص الطب النفسي معتمداً من قبل المجلس العربي للاختصاصات الطبية ( البورد العربي)، كما يشير د. لطيفة.

كما يوجد نقص في عدد الأسرّة التي يتوافر منها نحو1200 سرير للمرضى النفسيين في المشافي العامة و الخاصة في حين المطلوب هو بحدود 8000 سرير. هذا النقص في الكوادر والإمكانات لن يظهر جلياًً في حال بقيت ثقافة المجتمع حول المرض والمرضى النفسيين على حالها (الوصمة). وفي حال لم تتحرك الجهات المعنية للكشف عنهم وتطبيق مبدأ الإلزام في العلاج، وفيما لو تغير الحال، فإن هذا النقص سيوقع تلك الجهات في إحراج كبير. ويرى الدكتور مازن خليل وهو مدير أحد المشافي الخاصة، “أن الاهتمام بالصحة النفسية في سورية بدأ يشهد خطوات أفضل مما سبق، إلا أنها لا تزال بعيدة عما هو مطلوب توافره. كما جاء متأخراً ولذلك باتت الضرورة تقتضي الإسراع.”

بينما يؤشر إلى “غياب الأرقام التي تدل على عدد الذين تم شفاؤهم من المرضى النفسيين”، يقر الدكتور مازن “بأن الكثير منها يصل إلى المرحلة المزمنة” .

بلا معهد

ولا يوجد حتى الآن في سورية معهد للصحة النفسية، رغم ما أُثير قبل عامين عن نية وزارة التعليم العالي استحداث مثل هذا المعهد. يتحدث الدكتور غياث بركات وزير التعليم العالي عن أهمية إحداث ذلك المعهد، لافتاً “إلى نية الوزارة إعداد ما يلزم لفعل ذلك في العام المقبل إن أمكن”.

ويؤكد د. شنيارة أن “إحداث معهد عالٍ للصحة النفسية يتطلب خبرات نفتقدها” على صعيد إعداد الهيكلية أو على صعيد التدريب. فالمعهد ليس فقط لتخريج ممرضات وممرضين نفسيين، بل لابد أن “يكون لتدريب الأطباء والمرشدين النفسيين والاجتماعيين على علاج المرضى وتهيئة الكوادر التمريضية وكل ذلك يتطلب إمكانات مادية وبشرية “.

ولذلك فإن الممرضات العاملات في مجال العلاج النفسي، هنّ من خريجات المدارس والمعاهد والكليات التمريضية العامة وقد اكتسبن خبرة مع مرور الوقت. تقول إحدى الممرضات التي مضى على عملها خمس سنوات: “لم نكن نعرف شيئاً واعتدنا على الأمر مع مرور الوقت”، إذ يقتصر دورنا على إعطاء الدواء للمريض في الوقت المحدد لا أكثر ولا أقل”.

(س، ن) واحدة من عشر نساء أُدخلن حديثاً إلى قسم النساء في مشفى ابن سينا. وهي تعاني من مرض الفصام لتنضم إلى نحو 30 في مهجع واحد. وهي سترى كل يوم زميلة لها تركض في الرواق وهي تنظر خلفها لتخاطب رجلاً مفترضاً أنه يحمل سوطاً ليضربها به، ولتبدأ رحلة العلاج في ظروف قد لاتكون أفضل من الظروف التي قادتها إلى مكانها الجديد.


تعليقاتكم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.