عمال البناء العشوائيين في اليمن تحت مطرقة المقاولين

22 نوفمبر 2014

المصدر اون لاين –  لم يعد الحاج أحمد محمد سعد قادراً على العمل الذي أدمنه طيلة 30 سنة. فبعد سقوطه من سقالة إحدى البنايات في منطقة نقم بصنعاء قبل أربع سنوات، لم يعد يقوى هذا الرجل – المعروف ببنيته القوية وخبرته الطويلة في مجال البناء –  على حمل نفسه، فكيف له أن يحمل المواد الثقيلة وأداء الأعمال الشاقة التي تعود عليها.

حادث السقوط من الطابق الرابع كان نقطة تحول في حياة هذا العامل البالغ من العمر 58 عاما، بعد أن كان يُشار إليه كأحد أفضل البنائين في المنطقة. “صحيح نجوت من الموت بأعجوبة لكن الفقرة الثانية عشرة في العمود الفقري تعرضت لكسر، ما جعلني طريح الفراش لأشهر، قبل أن أتمكن بعدها من الجلوس والمشي لكن بصعوبة بالغة”، على ما يستذكر أحمد. في الأثناء اضطرت عائلته للاستدانة لتغطية تكاليف علاجه العالية، ذلك أن المقاول لم يعوضه “ولو بريال واحد”.

أحمد لا يتمتع بحقوق عمالية وضمان اجتماعي على غرار قرابة مليون عامل يصنفون في اليمن ضمن فئة عمال البناء غير المنظمين، بحسب تقديرات نقابة عمال البناء والأخشاب، مقارنة مع 9300 عامل مسجل في مجال البناء والتشييد بحقوق مضمونة في إطار قانون العمل يعملون في 664 منشأة، وفق بيانات الجهاز المركزي للإحصاء الصادرة في 2013.

قرابة مليون عامل يصنفون في اليمن ضمن فئة عمال البناء غير المنظمين

ويفاقم معاناة العمال غير المنظمين وقوعهم ضحية نقص التدريب والتأهيل، إضافة إلى عدم تزويدهم بأدوات السلامة العامة من أرباب العمل، قبل الشروع بالأعمال المهنية، في مخالفة للمادة 113 من قانون العمل.

المادة 113 من قانون العمل تنص: على صاحب العمل عند تشغيل أي منشأة جديدة أن يوفر شروط السلامة والصحة المهنية فيها وعلى الوزارة المختصة التأكد من توافر الشروط والظروف الملائمة للسلامة والصحة المهنية.

بيد أن نصوص القانون تطبق فقط على العمالة المنظمة.

غياب الغطاء القانوني لهذه الفئة من العمال، لا يقتصر فقط على قانون العمل، فمظلة التأمينات الإجتماعية لا تشملهم أيضاً. إذ تنص المادة الرابعة من قانون التأمينات الإجتماعية اليمني على أن: “العمال العرضيون والموسميون” هم من ضمن الفئات المستثناة من أحكام القانون.

الإتحاد العام لنقابات عمال اليمن – الذي تأسس عام 1956 للدفاع عن حقوق العمال ورعاية مصالحهم – يخلي ساحته من العمل على إدراج العمالة غير المنظمة في قطاع البناء والإنشاءات، ضمن عضويته بسبب “عشوائيتهم وعدم التمكن من التواصل معهم”، بحسب رئيس الاتحاد علي بلخدر. ويشتكي بلخدر أيضا من شح موازنة الاتحاد البالغة 140 ألف دولار سنوياً مقدمة من الحكومة.

أما وزارة العمل فتقر بعدم قدرتها على التفتيش على مواقع العمل كافة. إذ يقول الدكتور علي النصيري، وكيل وزارة الشؤون الإجتماعية والعمل لقطاع علاقات العمل: “الوزارة بالكاد تفتش على مواقع العمل المنظمة وعددها أكثر من 4000 منشأة، اذ لا يوجد سوى ثلاثة فرق تفتيش واحد منها في صنعاء تضم 30 مفتشاً وفرقتين لبقية المحافظات”.

ويُقر عزام صلاح رئيس لجنة القوى العاملة والشؤون الاجتماعية بمجلس النواب اليمني، بوجود قصور تشريعي فيما يخص بتنظيم عمالة البناء غير المنظمة، إلا أنه كشف عن وجود “نية حقيقية” لدى مجلس النواب بإضافة فئة العمال غير المنظمين في مشروع قانون العمل الجديد الذي يتم تداوله حالياً في مجلس الوزراء.

غياب الغطاء القانوني لهذه الفئة من العمال لا يقتصر فقط على قانون العمل، فمظلة التأمينات الإجتماعية لا تشملهم أيضاً

ويؤكد على أن “قانون العمل لا يحمي العمالة غير المنظمة، وإنما يضمن فقط حقوق العمال المتعاقدين”.

الحاج أحمد، من قرية الحدا بمحافظة ذمار، عمل خلال 30 عاماً في منشآت ضخمة وسقالات خطيرة دون أي عقود، يقول: “طوال فترة عملي في اليمن لم يتم تزويدي بأدوات السلامة المهنية ولا حتى إخباري بأهمية هذه الأدوات. لم يوفروا لنا حتى القبعات لحماية رؤوسنا من حرارة الشمس”. حب الحاج أحمد لمصدر رزقه الوحيد، جعله يقبل بالشروط التي يقرها أرباب العمل، بما فيها تلك التي تجبرهم على عدم المطالبة بأي مستحقات في حال تعرضهم لأي إصابة عمل، وإلزامهم بالتوقيع على ذلك قبل بدء العمل.

لم تعد قصة الحاج أحمد غريبة على عمال البناء غير المنظمين الذين يتخلى عنهم أرباب العمل بمجرد إصابتهم، فالآلاف منهم وقعوا ضحية العمل في بيئة خطرة، أو العمل على آلات خطرة من دون تدريبهم على استخدامها مسبقاً.

ولا تتوافر إحصائيات دقيقة بعدد الإصابات في صفوف العمالة المنظمة أو غير المنظمة، سواء لدى الجهات الحكومية أو المنظمات الدولية المعنية بالعمال. ويوضح ممثل مكتب منظمة العمل الدولية في اليمن علي دهاق بأن المنظمة تعتمد على الوزارة في توفير البيانات، مشيراً أن وزارة العمل لا تمتلك بيانات وإحصاءات دقيقة بعدد الإصابات في هذا القطاع.

لم يقتصر تخلي أرباب العمل عن العمال الذين يصابوا خلال عملهم فقط، بل تعداه إلى إهمال من فارقوا حياتهم نتيجة عملهم في منشآت خطرة وسط عوامل سلامة غائبة.

الثلاثيني ماجد أحمد زين، من أبناء محافظة الحديدة، توفي في مارس من العام الحالي بعد سقوطه من الطابق الثالث خلال عمله فوق سقالة أحد البنايات. غير أن البحث الجنائي الذي وصل لمكان الحادثة سجل في تقريره أن “الحادثة عبارة عن قضاء وقدر”.

يقول وائل أحمد زين، شقيق المتوفى: “جاء أربعة عساكر من البحث الجنائي

builling1

وصوروا الجثة ووعدوا بإنصافنا ولم نراهم مرة أخرى، أما صاحب العمارة، فقام بإعطائنا كيس رز ودقيق كتعويض”. ويضيف: “لا ندري لمن نشتكي، نحتاج واسطة وفلوس حتى نتابع القضية، ونحن بالكاد نستطيع توفير قيمة المصاريف اليومية”.  

تدريب غائب.. ونقابات ضعيفة

لأكثر من عام، ظل الخمسيني فراس غانم عاطلاً عن العمل بعد أن تعرض لإصابات بالغة في يده ورجله اليسرى واضطر للمكوث في بيته بمنطقة نقم بالعاصمة صنعاء بسبب تدهور حالته الصحية. إعتاد فراس منذ سنوات العمل على منشار خشبي لقطع الأخشاب، غير أن صاحب العمل ألزمه باستخدام منشار كهربائي من دون أن يرشده إلى كيفية استخدامه ما أدى إلى جرح يده اليمنى عند أول استخدام للمنشار، لتسقط بعدها الآلة على رجله اليسرى وتصيبها هي الأخرى بقطع غائر.

يقول فراس إنه “أبلغ صاحب العمل بعدم معرفته باستخدام هذه الآلة الجديدة لكنه أجبر على استخدامها لتأمين لقمة العيش”، ويتحدث بمرارة عن خذلان المقاول له وتخليه عنه “لم يعطني سوى عشرة آلاف ريال (حوالي 50 دولاراً)، ومن ثم تخلى عني. استطعت بالكاد أن أقوم بخياطة الجروح في يدي وساقي بصورة مؤقتة”.

 ويضيف “أحتاج لأكثر من عملية، فما زلت أشعر بألم شديد. لكن من أين لي بقيمة العلاج وأنا لا أستطيع أن أوفر قيمة الخبز لي ولعائلتي” يشتكي بيأس.

 ورغم تعدد الجهات المعنية بقضايا عمال البناء بين حكومية، نقابات واتحادات، إلا أن كل جهة تتحدث عن صعوبة إدماج والتواصل مع عمال البناء غير المنظمين أو الموسميين، كما تشكو هذه الجهات من ظروف صعبة وإمكانيات شحيحة تحد من محاولاتهم مساعدة وحماية هذه الفئة من العمالة.

 ويفضل العديد من المقاولين “العشوائيين” استقطاب هذه الفئة من العمال لرضوخهم للعمل بأثمان “بخسة” نتيجة لحاجتهم الماسة للعمل. ومعظم الإتفاقات بين هؤلاء المقاولين والعمال تتم بصورة شفهية.

 ويبلغ معدل أجرة العامل الموسمي في اليوم الواحد 3 آلاف ريال (أقل من 15 دولار) وقد تصل عدد ساعات العمل إلى عشر ساعات، فيما يتقاضى العامل المعين ما يقارب 5000 ريال (حوالي 23 دولار) يومياً.

في منطقة بيت بوس في العاصمة صنعاء، حيث العمال يهرعون بشكل سريع عند ظهور أي “زبون” أو مقاول. قررنا الانتظار حتى ظهور أحد هؤلاء المقاولين الذين يسعون لاصطياد عمالة بأقل الأثمان، إلى أن ظهر أحد الأشخاص الذي يبدو معروفاً لدى جميع العمال، ليقوم بإختيار عاملين للعمل في إحدى البنايات الصغيرة.

“أنا رُبع مقاول”، هكذا يصف المقاول نفسه رافضاً ذكر اسمه. ولدى سؤاله عن مدى التزامه بتوفير أبسط أدوات السلامة المهنية لهؤلاء العمال، قال ضاحكاً: “مفيش حاجة إسمها سلامة مهنية هنا. كل واحد يحفظه أرحم الراحمين”.

ويبرر المقاول سبب قدومه لمثل هذه الأماكن لإختيار هذه النوعية من العمال بقوله: “هؤلاء بدون شهادة لكنهم مهنيون بالدرجة الأولى. هؤلاء من بنوا السعودية ودول الخليج ومعظم محافظات اليمن”.

من جانبه، يرحب علي بلخدر رئيس الإتحاد العام لنقابات عمال اليمن، بعضوية العمالة غير المنتظمة في قطاع البناء والإنشاءات، لكنه يشير إلى صعوبات تحد من إدماجهم ضمن إطار الإتحاد بسبب “عشوائيتهم وعدم التمكن من التواصل معهم”.

وذكر بلخدر بأن ضعف الميزانية السنوية للاتحاد إضافة إلى عدم التزام العمال أنفسهم بتسديد الاشتراكات السنوية عبر النقابات العمالية المختلفة يحد من قدرة الاتحاد على القيام بأي استثمار لزيادة الدخل.

يقول بلخدر: “الاتحاد غير قادر أن يقوم بعمله ويؤدي رسالته المفروضة تجاه هؤلاء بسبب موازنته الضعيفة التي تصل إلى 30 مليون ريال يمني (حوالي 140 ألف دولار) سنوياً مقدمة من الحكومة، فجزء كبير من الميزانية يذهب لإيجار المبنى ورواتب الموظفين بالإتحاد ودفع الاشتراكات السنوية للنقابات العالمية”.

“إذا أصيب أحد موظفي الإتحاد لن نستطيع معالجته بالشكل المطلوب بسبب ظروفنا المادية، فكيف بالعمال المنتشرين بمئات الآلاف في اليمن” على ما يضيف بلخدر. ويشير “إذا كان صاحب العمل في قلبه رحمة فإنه سيساعد العامل المصاب من جانب إنساني فقط لأنه ليس مجبراً على معالجته”.

قانون العمل لا يحمي العمالة غير المنظمة، وإنما يضمن فقط حقوق العمال المتعاقدين

بلخدر يخلي ساحته من المسؤولية لعدم وجود موازنة، ويوجه اللوم لوزارة العمل، قائلاً: “وزارة العمل تمثل الحكومة، والحكومة كمنظومة هي مسؤولة عن جميع أبناء الشعب اليمني سواء عمال أو غير عمال. وهناك قصور كبير من قبل الحكومة تجاه العمال بصفة خاصة”.

وفيما يتعلق بنقص التدريب لهؤلاء العمال، يفيد حسان الياسري، مسؤول التأهيل والتدريب في النقابة العامة لعمال البناء والأخشاب بأن “ورش العمل والتدريب لعمال البناء التي تقيمها النقابة مع الاتحاد العام لنقابات عمال اليمن، تقتصر فقط على العمال المنظمين”.

وأشار الياسري إلى أن النقابة ليس بمقدورها تدريب وتأهيل العمال غير المنظمين والنزول لأماكن تواجدهم وتوزيع المنشورات عليهم لأن ذلك بحاجة إلى إمكانيات كبيرة، حد قوله.

ضعف التفتيش ونقص المفتشين

بحسب المادة (124) من قانون العمل؛ “يجري التفتيش على منشآت العمل من قبل موظفين تابعين للوزارة (وزارة العمل) ومكاتبها وتكون لهم صفة الضبطية القضائية”.

يرجع الدكتور علي النصيري، وكيل وزارة الشؤون الإجتماعية والعمل لقطاع علاقات العمل، أسباب بعض إصابات العمل إلى إهمال العمال أنفسهم في هذا الجانب. ويقول: “قانون العمل لم ينظم هذه الفئة (العمالة غير المنظمة)”، مشيراً أن الوزارة تستقبل شكاوي بعض العمال غير المنظمين وتسعى إلى حلها ودياً، وإن تعقدت المشكلة يتم إحالتها إلى لجنة تحكيمية مختصة بالنظر في نزاعات العمل.

دراسات شحيحة

ووفقاً لمسح ميداني للقطاع غير المنظم في اليمن، نفذه الإتحاد العام لنقابات العمال ومنظمة العمل الدولية في العام 2004، فإن نسبة الذين لا توجد لديهم أي عقود عمل من العاملين بالقطاع غير المنظم بصورة عامة بلغت 88.38% ممن شملهم المسح، وأفاد 97.2% ممن شملهم المسح بعدم إشعار مكتب العمل بعملهم. كما أكدت نتائج المسوحات بأن العمل بالقطاع غير المنظم هو عمل مفرط ومضاعف بالمقارنة مع العمل المنظم.

وتضطر هذه الفئة للعمل في القطاع غير المنظم بسبب الفقر وارتفاع معدل البطالة وبسبب استيعاب هذا القطاع لأي عامل دون أي شروط، ويعد هذا القطاع، مرتعاً خصباً يحصل فيه الشخص على عمل بسهولة.

يبلغ معدل أجرة العامل الموسمي في اليوم الواحد 3 آلاف ريال (أقل من 15 دولار) وقد تصل عدد ساعات العمل إلى عشر ساعات

وطبقاً للمسح، فإن 10.4% فقط من العاملين بأجر في القطاع غير المنظم المشمولين بالمسح لديهم عقود عمل مع أرباب العمل معظمها اتفاقات شفوية. وفيما تصل نسبة من تعرضوا لإصابات عمل إلى 17%، فإن 3% منهم فقط حصلوا على تعويض عن إصابات العمل التي لحقت بهم.

ويعتبر هذا المسح من المسوحات النادرة التي تستهدف القطاع غير المنظم في اليمن وصدر قبل 10 سنوات.

فاطمة مشهور، باحثة ونائبة مدير مركز الدراسات الاجتماعية وبحوث العمل، أشارت إلى عدم وجود دراسات علمية تشخص أوضاع هؤلاء العاملين، مضيفة أنه “لا توجد أي مسوحات وطنية تحدد عدد هؤلاء العمال وليست هناك دراسات نوعية تحدد طبيعة المشاكل التي يعانون منها”.

 

لجان تحكيمية بلا إمكانات

رئيس نقابة عمال البناء والأخشاب في اليمن، يحيى الطبيب، يقول: “عامل البناء غير المنظم؛ الأسوأ حظاً على مستوى الوطن، لأنه يفتقد لأبسط الحقوق الطبيعية التي قد ينالها المواطن العادي”.

وعن دور النقابة في توفير الحماية لهذه الفئة، أوضح أن “الإمكانات المتاحة للنقابة لا تمكنها من الوصول لهذا القطاع الواسع”، منتقداً وزارة الشؤون الإجتماعية والعمل لإهمالهما هذه الفئة.

ويقول: “الوزارة تغرد خارج السرب، ولم تستطع أن تنصف هؤلاء العاملين، ولم تكلف نفسها بإعداد الدراسات حول هذا القطاع”.

ويكشف الطبيب عن وجود مئات القضايا لعمال مظلومين تنتظر البت فيها باللجان التحكيمة في وزارة العمل. “لو حاول العامل أن يشكو ضد رب العمل لن يجد من ينصفه، فليس لهذه الفئة حماية اجتماعية على الإطلاق”.

بالتقصي الميداني لمعدي التحقيق فإنه ورغم وجود فرق تفتيش ميدانية تابعة لوزارة العمل يحق لها بموجب القانون دخول أماكن العمل والإطلاع على سير الأعمال الجارية وفحص الوثائق والعقود بالإضافة إلى أخذ عينات من موقع العمل وذلك فيما يتعلق بالصحة والسلامة المهنية، إلا أن عمل هذه الفرق يقتصر على المنشآت المنظمة والمقيدة لديها فقط.

وبموجب قانون العمل، لا تتعامل المحاكم إبتداءً مع قضايا نزاعات عمال البناء ويتم حل هذه النزاعات بصورة ودية عبر مكاتب العمل التابعة لوزارة العمل، وإن فشلت في التوفيق في أي قضية عمالية تقوم بإحالتها إلى اللجنة التحكيمية لقضايا النزاعات العمالية التي تتعامل مع تلك القضايا بصورة مستعجلة، ويعتبر حكمها بمثابة حكم ابتدائي. كما تتعامل اللجنة مع مختلف العمال سواء كانوا منظمين أو غير منظمين.

معدا التحقيق رصدا أيضا أنه وفي قطاع علاقات العمل التابع لوزارة العمل بصنعاء، تعمل اللجنة التحكيمية بأعضائها الثلاثة في ظل إمكانيات ضعيفة ومكاتب تفتقر لأبسط أنواع متطلبات السكرتارية والقرطاسية وقاعات الجلسات.

بموجب قانون العمل، لا تتعامل المحاكم إبتداءً مع قضايا نزاعات عمال البناء ويتم حل هذه النزاعات بصورة ودية عبر مكاتب العمل التابعة لوزارة العمل

في مقر عملهم بصنعاء التقيا معدا التحقيق رئيس اللجنة التحكيمية القاضي عبد السلام السماوي، والعضوين الآخرين فؤاد الصباري ومحمد مكرم. يقول السماوي: “في صنعاء، ليس هناك سوى لجنة تحكيمية واحدة لحل قضايا العمال مشكلة من رئيس اللجنة المنتدب من وزارة العمل وعضوين فقط يمثلان رب العمل والعامل، وتنظر هذه اللجنة إلى العشرات من القضايا العمالية بشكل يومي”.

“الإشكالية الكبيرة هي اعتقاد الكثير من الناس بما فيهم المحامين والقضاة بأن مخرجاتنا تندرج ضمن أحكام المحكمين ولا يدركون بأن اللجنة مشكلة وفق القانون وتمارس عمل قضائي بقوة القانون شأنها شأن المحاكم الأخرى”، يتحدث عبد السلام السماوي، وهو يستقبل عشرات الشكاوى في مكتبه.

يعمل الأعضاء الثلاثة برفقة أمناء السر ومحضرين وموظفي أرشيف يتقاضى بعضهم رواتب تصل إلى 30 ألف ريال (أقل من 150 دولار) شهرياً.

في اليمن، لا يوجد سوى 6 لجان تحكيمية في صنعاء، الحديدة، تعز، عدن، حضرموت وإب. وتضطر اللجنة التحكيمية بصنعاء لاستقبال القضايا العمالية من محافظات أخرى مثل حجة، عمران، صعدة، الجوف، مأرب، المحويت وذمار بسبب عدم وجود لجان تحكيمية في هذه المحافظات ما يزيد العبء على اللجنة.

“ليست لدينا إمكانيات بشرية أو مادية، ولا نحصل حتى على نصف ما يحصل عليه القاضي العادي. أحياناً نعقد في اليوم الواحد 80 جلسة، ونضطر أن نعمل خارج إطار الدوام الرسمي، وأحياناً نعمل على إنجاز القضايا في البيوت، حتى الإجازة القضائية لا نأخذها لأننا إن توقفنا عن العمل ستتراكم علينا العديد من القضايا” على ما يقول السماوي.

وتمتلك اللجنة ميزانية سنوية من الحكومة تصل إلى 2 مليون ريال يمني (نحو 10 آلاف دولار)، وهو مبلغ شحيح، بحسب رئيس اللجنة.

يعمل السماوي منذ العام 1970 في لجان التحكيم العمالية، ويشير إلى أن قضايا العمال تزداد تعقيداً وتشعباً مع مرور السنوات بسبب التوسع في الأنشطة العمرانية. ولا تمتلك اللجنة إحصاءات دقيقة بعدد القضايا التي تم البت فيها خلال السنوات الماضية بسبب تشتت الملفات وضياع بعضها.

الإتحاد العام للمقاولين معني بتحسين الأداء المهني للمقاولين غير أن معظم أعضائه من أصحاب شركات المقاولات الضخمة والمنظمة إدارياً ومالياً

وللإطلاع على أداء اللجنة التحكيمية ومدى رضا العمال عن هذه اللجنة، قضى معدا التحقيق يوماَ كاملاَ في قاعة الجلسات الوحيدة للنظر في قضايا العمال التي لا تتسع لأكثر من ثلاثين شخصاً. كانت العشوائية والفوضى حاضرة في القاعة الشبيهة بغرف حراس المباني.

استطلعنا آراء المتقدمين بالشكاوي الذين أعربوا عن رضاهم بأداء اللجنة الحالية التي توحدت في إبريل/ نيسان 2013 بعد أن كانت منقسمة للجنتين ضمن العاصمة صنعاء.

يؤكد السماوي “من النادر أن تستقبل اللجنة شكاوى من عمال بناء، ولم نصادف

2

أي شكوى من عمال بناء غير منظمين، الشكاوى التي

نستقبلها تعود لعمال شركات ومؤسسات يحملون عقود عمل”.

اثناء وجود معدا التحقيق في أروقة اللجنة التحكيمية دخل المحامي فؤاد الدبعي

بمشادة كلامية مع أحد أعضاء اللجنة وتم الطلب منه مغادرة القاعة بسبب

خلافات حول موعد النظر في قضيته. يفيد الدبعي:

“هناك بعض العيوب في هذه اللجنة مثل النظر في أكثر من قضية في وقت

واحد وعدم التزام بعض أمناء السر بالمواعيد”. ويستطرد: “لكن بشكل عام تقوم هذه اللجنة بإنصاف العمال رغم أنهم ورثوا تركة ثقيلة من اللجان القديمة”.

 منذ خمسة عشر عاماً والمحامي الدبعي يتعامل مع لجان تحكيم القضايا العمالية. ويقول في هذا الصدد: “هذه اللجنة هي الأفضل حتى الآن ورئيسها يمتلك قوة تصرف. كما أن هذه اللجنة أصدرت العديد من الأحكام في فتره قياسية مقارنة بالمحاكم الأخرى”.

على الرصيف.. في انتظار “الفرج”

لا يفقه معظم العمال غير المنظمين لغة القوانين ولم يسبروا أغوار موادها التي لم تشملهم بالرعاية، إلا أنهم يدركون تماماً أنهم مغيبون ومهملون من أي حماية قانونية واجتماعية في حال تعرضهم لأي إصابة.

في العديد من التجمعات العمالية بالعاصمة صنعاء، يقبع العمال على الرصيف في انتظار أي “زبون” أو مقاول منذ الساعة الخامسة فجراً. ومن بين هؤلاء صادفنا عمالاً تعرضوا لإصابات لا تمكنهم من العمل في مجال البناء والتشييد، ومع ذلك فهم مصرون على العمل بسبب ظروفهم المالية.

محمد سليمان، أصبح ضحية ما يسميه “جشع المقاول”. فقد عينه اليمنى بالكامل قبل عشرة أشهر عندما طار مسمار إلى عينه خلال العمل، ليجري بعدها عملية ويستئصلها ويستبدلها بعين زجاجية لا يرى منها شيئاً. “خسرت ما يقارب 300 ألف ريال (1400 دولار)، والمقاول لم يلتفت لي، حتى الآن أنا مديون”.

لم يلجأ سليمان لأي جهة ليبث شكواه، فهو يرى بأن شكواه ستجلب له آلاماً إضافية. “أين أشتكي؟ إذا ذهبت لأشتكي سأحتاج أكثر مما صرفت على علاجي”.

الاتحاد العام للمقاولين.. مهمة صعبة

يعد الإتحاد العام للمقاولين الجهة المعنية بتحسين الأداء المهني للمقاولين والنهوض بقطاع المقاولات، غير أن معظم أعضائه هم من أصحاب شركات المقاولات الضخمة والمنظمة إدارياً ومالياً. وتقر إدارة الإتحاد بصعوبة تنظيم وضبط المقاولين العشوائيين.

يؤكد أمين صالح ناجي مهدي، نائب رئيس الإتحاد العام للمقاولين اليمنيين وصاحب مكتب مقاولات، أن الاتحاد لديه مقترح لمسودة مشروع قانون مزاولة مهنة المقاولات في اليمن ينص على أن يكون التأمين بند أساسي لضمان حقوق العامل.

وعن دوره كمقاول في توفير أدوات الصحة والسلامة المهنية لعماله، يقول: “لدينا تعميم بأن كل عامل يجب أن يلتزم بارتداء أدوات السلامة المهنية، وأي عامل كرر عدم الالتزام يفصل ويتم إيقافه من العمل تماماً”.

يقر وكيل وزارة الشؤون الإجتماعية لقطاع علاقات العمل الدكتور علي النصيري بأن توفير أدوات السلامة المهنية للعمال محصور في العمالة المنظمة وشركات المقاولات الضخمة التي تبرم عقود عمل مع منتسبيها، وقال “العمال غير المنظمين؛ ضحية تعسف الكثير من أرباب العمل”.

سمير النجار، مدير الإعلام والتوعية في وزارة الأشغال العامة والطرق، أكد وجود تصنيف للمقاولين من الدرجة الأولى حتى السادسة يتم إعطائه للمقاول، بعد معاينة لجنة تابعة للوزارة للإمكانيات ومعدات وخبرات للمقاول ومن ثم يعطى شهادة التصنيف.

وأشار النجار إلى أن تصنيف المقاولين كان عشوائياً في السابق، حتى بدأ التنظيم في العام 2006 وألغي بعدها تصنيف بعض المقاولين الذين لا تنطبق عليهم الشروط.

بحسب تقرير صادر في العام2011 عن الجهاز المركزي للإحصاء، فإن حالة توجس تصيب بعض المقاولين في إعطاء بيانات حول منشآتهم، تخوفاً على مصير تلك البيانات، كما رصد التقرير صعوبات للوصول إلى أماكن المقاولين بسبب إدارة الكثير منهم لأعمالهم من بيوتهم.

المحامي أمين حجر قال إن “بإمكان العمال غير المنظمين أخذ حقوقهم في حال الإصابة حتى وإن لم يكن قانون العمل قد أنصفهم في هذا الجانب”، مشيراً إلى أن غياب الوعي القانوني من قبل العمال هو ما يجعلهم يغضون الطرف عن حقوقهم.

وتقول المادة (30) من قانون العمل اليمني: “في حالة عدم وجود عقد مكتوب؛ على العامل أن يثبت حقوقه بجميع طرق الإثبات”.

ويضيف حجر: “إن لم يكن للعامل المصاب عقد عمل، بإمكانه أن يستخدم من أسعفوه كشهود وأن يستخدم سجلات الجهة الطبية التي أسعف إليها كدليل على إصابته ورفع دعوى قضائية ضد رب العمل”.

وأفاد حجر بأن المشكلة في التجمعات العشوائية للعمال ولعدم تنظيم أنفسهم. ويقول: “مسألة تنظيم هؤلاء العمال لأنفسهم لا تحتاج لإمكانيات، من المفترض أن يكون لكل تجمع عمالي مندوب يقوم بتسجيل بيانات رب العمل، العامل، مدة ومكان العمل، هذا بمثابة عقد، وهو أفضل للعامل من وجود عقد مجحف قد يقره رب العمل على العامل”.

وتنص المادة (100) من قانون الإثبات اليمني على أن “المحررات الرسمية حجة بما جاء فيها من أمور قام بها محررها في حدود مهمته الرسمية أو وقعت من ذوي الشأن في حضوره أو صودق منه على توقيعاتهم عليها في حضورهم بعد التحقيق من أشخاصهم ما لم ينكرها الخصم فيتعين إثباتها بالطرق الشرعية أو يتبين تزويرها”.

بين تلكؤ وزارة الشؤون الإجتماعية والعمل في الإهتمام بعمال البناء وسعيها لحمايتهم وعجز الإتحادات والنقابات العمالية للوصول إلى هذه الفئة، يظل عمال البناء غير المنظمين تائهين في الأرصفة باحثين عن عمل يسد رمقهم حتى ولو كلفهم هذا العمل جزءاً من أجسادهم النحيلة أو حتى حياتهم المليئة بالوجع والألم.

أُنجِزَ هذا التحقيق بدَعم من شبكة أريج (إعلاميون من أجل صحافة استقصائية عربية)، وبإشراف الزميلة رنا الصباغ.


تعليقاتكم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.