مرضى القصور الكلوي في سورية الحد الأدنى من العلاج يساوي الحد الأدنى من الحياة

11 يناير 2009

تحقيق: راما نجمة

 قبل أن تصل لباب الإسعاف، وقعت مريم دفعة واحدة، فاقدة وعيها، وبدأت تصاب بنوبات تشنج، وخرج بعض الزبد من شفتيها.. لقد ارتفع البوتاسيوم في دمها، ارتفعت الحموضة مما هدد حياتها… كانت هذه إحدى نوباتها التي تتكرر منذ أصيبت بالفشل الكلوي قبل ست سنوات وبدأت العلاج بالكلية الصناعية…

خلال هذه السنوات خسرت مريم عملها في روضة الأطفال مثلما خسرت 26 كيلو من وزنها… أصيبت رئتيها بالالتهاب بسبب ارتشاح الماء فيها… أصبحت شاحبة اللون بسبب فقر الدم، كما قلت مناعتها ومقاومتها للميكروبات وأصيب بإنتانات، كما تنقل مريم عن طبيبها المعالج.

كل أسبوع، كان على مريم الذهاب إلى المشفى الوطني في اللاذقية لتصل شرايينها لمدة أربع ساعات بجهاز ضخم، يقوم بدلاً عن كليتيها بتنقية الدم ليعاد من جديد إلى جسمها…

2800 شخصا مثل مريم… هم مرضى الفشل الكلوي النهائي في سورية، بحسب تقديرات الرابطة السورية لأمراض وزرع الكلية… إلا أن عددهم الحقيقي قد يتجاوز الخمسة آلاف، لأن “ثلث المرضى لا يصلون للطبيب ولا يشخص مرضهم”، حسب الرابطة.

يمر مئتا لتر من الدم في الكلية يوميا لتتم تنقيتها وتحافظ الكلية على معدل الضغط الشرياني ودرجة حموضة الدم وإفراز الهرمون المسؤول عن تشكيل الخضاب في الدم…. والفشل الكلوي النهائي يعني أن الكلية غير قادرة على تخليص الجسم من السموم، حسب رئيس الرابطة الدكتور أحمد عجه… “أما العلاج فهو زراعة الكلية، أو على المريض الخضوع لجلسات غسيل الكلية مع حمية غذائية وأخذ أدوية معينة”.

“بين كل مليون شخص في سورية يظهر 65- 70 إصابة جديدة بالقصور الكلوي النهائي في كل سنة، يحصل 14 منهم على فرصة بزراعة الكلية”، حسب دراسة نشرت عام 2006 للدكتور مصطفى حبش أخصائي زراعة الكلية، ما يعني أن بين كل عشرة مرضى بالقصور الكلوي يضطر ثمانية للعلاج على الكلية الاصطناعية.

في منتصف الليل

بعد أن تعطل أحد الأجهزة، قضت الدكتورة سحر دامرلي ثلاثة أرباع الساعة وهي تعيد ترتيب جدول جلوس 165 من المرضى على ثمانية أجهزة للكلية الصناعية في مشفى دمشق أكبر مشافي وزارة الصحة (البالغ عددها 67 مشفى)… رغم كل محاولاتها.. بقي على بعض المرضى أن يأتوا الساعة الثانية فجراً للمشفى كي يحظوا بدور…

حسب دامرالي، “بسبب الكلفة الباهظة للعلاج في المشافي الخاصة، يعالج 90% من مرضى القصور الكلوي لدى المشافي الحكومية مجاناً، لكن لا يوجد سوى 220 آلة غسيل كلية” أي “آلة لكل 13.6 مريضاً، ما يغطي 50% من الحاجة الوسطية” حسب الدكتور حبش، في حين تبلغ نسبة المرضى لعدد آلات الغسيل في اليابان 2.38 مريضاً لكل آلة، و3 مرضى لكل آلة غسيل في السعودية.

ولاحظت دراسة قام بها الدكتور إبراهيم سليمان، والدكتور حسين سعيد، (أستاذي قسم الأمراض الباطنية في كلية الطب، جامعة تشرين) عن وضع الكلية الصناعية في الساحل السوري عام 2005، أن نسبة عدد المرضى لعدد الأجهزة في الساحل “عالية مقارنة مع النسب العالمية والتي لا تزيد عن (4) مرضى لكل جهاز”.

العلاج بالتقسيط

“قبل الجلسة مريضة وبعد الجلسة مريضة أيضاً” قالت مريم…

كمعظم مرضى القصور تحتاج مريم لثلاث جلسات أسبوعياً، لكن بسبب قلة الأجهزة وكثرة المرضى في المشافي الحكومية، تحصل على اثنتين فقط، ما يعني أن عليها حمل السموم فترة أطول في جسمها، فترة ربما تكون أكثر مما يحتمل جسدها… وكما تروي مريم فإن وزنها يزداد قبل كل جلسة إلى خمس كيلو غرامات بسبب احتباس السوائل، ومع تأخر موعد الجلسة تتكرر نوب من غثيان وقيء وإسهال..

تحاول مريم اختصار معاناتها اليومية قائلة “أشعر أني معلقة بين الحياة والموت.. فأنا أعالج كي لا أموت… لكن علاجي لا يكفيني لأعيش”.

في دراسة سليمان وسعيد تبين أن غالبية المرضى في الساحل (84%) يجرى لهم القصور بمعدل جلستين أسبوعياً، فيما يخضع 62% من مرضى غسيل الكلية في فرنسا مثلاً إلى 3 جلسات أسبوعياً، ويخضع 14% إلى أربع جلسات.

وبالإطلاع على سجلات مديريات الصحة في المحافظات الثلاثة عشر، يتضح أن المنطقة الشرقية والوسطى، هما الأكثر معاناة، وتفيد سجلات مديرية صحة حمص (وسط) أن حوالي أربعمائة مريض حصلوا على 22 ألف جلسة غسيل السنة الماضية، أي بمعدل جلسة ونصف أسبوعياً فقط… فيما كانت حصة مرضى محافظة حماة (وسط) جلسة واحدة أسبوعياً لكل مريض وسطياً… في حين لا يوجد في محافظة الحسكة (شمال شرق) سوى ثمانية أجهزة، فيما عدد المرضى يتجاوز 160…

مناقصات متأخرة

يقول مدير التخطيط في وزارة الصحة محمود دشاش “إن الوزارة وضعت هذا العام سبعين جهازاً جديداً في الخدمة، في وقت تضع خطط لاستيراد 150 جهاز جديد، لكن ذلك يواجه بعقبات روتينية تخص نظام العقود والمناقصات، حيث لا تصل الأجهزة إلا بعد سنتين أو ثلاث من طلبها”.

تعود آخر أجهزة لغسيل الكلية اشترتها وزارة الصحة السورية لعام 2002، وعددها ستون جهازاً، فيما بقية الأجهزة يتجاوز عمرها عشر سنوات، وهي بحكم “المنسقة” عالمياً، وكثير منها يتعرض للأعطال بشكل مستمر، وفي الأسبوع الممتد من 7 تموز وحتى 14 تموز، اتصلت مجلة “تجارة وأعمال” باثني عشر مراكز رئيسية لغسيل الكلية تقع كل منها في محافظة، وتخدّم حوالي ألف مريض، وكان معدل الأجهزة المعطلة ثلاث من كل عشرة، ويضطر المرضى في هذه الحالات إلى انتظار قائمة دور جديدة.

وبالاطلاع على بعض التقارير المخبرية التي أجرتها مريم بعد عمليات الغسيل تقول الأخصائية المخبرية الدكتورة مرام سانوسيان أنه يلاحظ “ارتفاع معدل الكرياتنين (أحد السموم) بشدة وارتفاع معدل البوتاسيوم لدرجة خطيرة، يشير إلى أن الأجهزة لا تعمل بشكل جيد وقد يعود ذلك لقدمها أو لقصر فترة الجلسة أو لعدم معرفة استعمال الجهاز بشكل فعال”.

ويوافق دشاش على أن أجهزة الكلية الصناعية يجب تجديدها كل خمس سنوات… لكنه يقول: “إن الموضوع يخضع لموازنة الوزارة وللأولويات لديها”.

وكان الدكتور الأخصائي بأمراض الكلية الدكتور ماهر حسامي –الذي أصبح اليوم وزيراً للصحة- قال في أسبوع العلم عام 2003: “نحن بحاجة في كل عام لأن نشتري حوالي 200 جهاز لنستطيع أن نغطي حاجة المرضى فيما إذا كنا نود أن نتبع أسلوب التنقية الدموية في الكلية الصناعية” منوهاً أن الحل يجب أن يركز على زيادة عمليات الزرع، وهو الأمر الذي لم يتم حتى الآن.

فيروس إلى جانب المرض

لم تكن مريم تدري أن جلسات الغسيل التي تقوم بها مؤقتاً ريثما تجد متبرعاً يمنحها كلية سليمة، ستصادر لها أملها بالحصول على فرصة الشفاء، ففي عام 2005، كانت مريم واحدة من 130 شخصاً، انتقل لهم فيروس الكبد C في المشفى الوطني باللاذقية، طويت القصة على عجل، ليبقى هؤلاء صامتين مع معاناتهم، صمت اعتادته مريم طويلاً وهي التي اعتادت القول أن “مرضها أصبح سجنها”.

وتعرف الدكتورة سانوسيان فيروس الكبد C، بأنه فيروس ينتقل عبر الدم وسوائل الجسم وتكون الإصابة به صامتة سريرياً أي لا يشعر المريض بأعراضه، في وقت يتحول في 80% من الحالات إلى التهاب كبد مزمن ومن ثم تشمع أو سرطان كبد، حسب آخر دراسات منظمة الصحة العالمية”، وتضيف أن هذا الفيروس يجعل من عملية زرع الكلية شبه مستحيلة وغير ذات جدوى…

ينفي مدير الأمراض البيئية والمزمنة محمود كريّم أن انتشار الفيروس بين مرضى القصور أعلى من المستويات المسجلة عالمياً، وعند السؤال عن نسبة الانتشار، يجيب بأن آخر دراسة أنجزتها المديرية قبل عامين تشير إلى أن نسبة انتشار الفيروس الكبد B، هي 8%، أما فيروس C، فهي تتجاوز 12% رافضاً تقديم رقم محدد…

بالرجوع لدراسة سليمان وسعيد تبين أن (8.5%) من مرضى القصور في الساحل لديهم إيجابي B، في حين هناك (39.8%) لديهم إيجابية أضداد C، وفي بحث مستقل قامت به مجلة “تجارة وأعمال” في اثنا عشر مركزاًَ للكلية الصناعية تبين أن مريض من أربع مرضى بالقصور الكلوي يحمل فيروس C.

ويمكن ملاحظة أن هذه المعدلات أعلى بكثير من المعدلات العالمية بالرجوع لدراسة طبية قدمها الدكتور أيمن علي أخصائي أمراض الهضم العام الماضي، وذكر فيها أن انتشار الخمج بفيروس الكبد B لدى مرضى القصور في الولايات المتحدة انخفض إلى 0.9% عام 2000 فيما انتشار إيجابية أضداد C بلغ 8.4% عام 1999. ويضيف أن “معدل الوفاة لدى مرضى القصور والتشمع أعلى بنسبة 35% منه لدى مرضى القصور بدون تشمع”.

على عكس فيروس C، يوجد لقاح لفيروس الكبد B، ويقول الدكتور كريم أن الوزارة تؤمنه لجميع مرضى القصور بجرعاته الثلاث، كونهم يعتبروا من الفئات المعرضة بشدة للإصابة به، وبالتالي نقلها لفئات أخرى.

إلا أن (50%) من مرضى القصور الكلوي في الساحل مثلاً، فقط تلقوا الجرعات الثلاث الرئيسية لالتهاب الكبد B، بينما توزعت النسبة الباقية بين مرضى تلقوا جرعة واحدة أو جرعتين أو كانوا لا يعرفون شيئاً عن اللقاح أو يجهلون أهميته أو أماكن إعطائه، حسب دراسة سليمان وسعيد.

إجراءات مشددة

يفسر الدكتور كريم انتشار هذين الفيروسين، بكونهما يحتاجان لتقنيات تعقيم متطورة، مؤكداً أن الوزارة اتخذت إجراءات مشددة لزيادة التعقيم في أجهزة الكلية الصناعية، إضافة لعزل المرضى المخموجين عن المرضى السليمين.

وتعتقد الدكتورة دامرلي أن سبب انتشار فيروسي الكبد B وC هو الكادر التمريضي والطبي، لافتة إلى قلة عدد الممرضين في وحدات الكلية الصناعية، “حيث تقوم ممرضة واحدة بتخديم عدد من الأجهزة فتنقل الفيروس من مريض إلى مريض”.

وفي زيارات متكررة قامت بها المجلة لعدد من المشافي في حمص وحماة واللاذقية ودمشق، وجدت أن المرضى الحاملين للفيروس يخصص لهم أجهزة، فيما يعالج المرضى السليمين على أجهزة أخرى، لكنهم يوضعون في نفس القاعات ويتعامل معهم نفس الكادر التمريضي، باستثناء مشفى الكلية الجراحي الذي قام مؤخراً بعزل المرضى مكانياً.

وخلال هذه الزيارات، تأكدت المجلة أن تعقيم الأجهزة يتم مرة واحدة فقط في نهاية اليوم، وليس بعد كل جلسة، وعزت الممرضات ذلك “لضغط المرضى وعدم وجود وقت بين الجلسات”، وأشرن إلى حالات خضع مريض غير حامل لفيروس الكبد للعلاج على جهاز مخصص لحاملي فيروسB أو C، بسبب انشغال الأجهزة المعقمة، وتقول مديرة مشففى الكلية الدكتور رانية ديراني، أن هذه الحالات حدثت بالفعل، “خاصة عندما يأتي مريض إسعافي ويجب أن يخضع لجلسة غسيل، ولا يتوفر سوى الأجهزة المخصصة لمرضى التهاب الكبد”.

وتلفت الدكتور سانوسيان إلى سبب آخر لانتشار الفيروسين وتقول: “يتم الكشف عن فيروسي الكبد في المشافي العامة بطريقة المشعرات، وهي طريقة يمكن أن تعطي نتائج كاذبة خاصة عند مرضى القصور، ويجب أن تكون طريقة الاختبار عبر الدي إن ايه، وهو اختبار يتوفر في مخابر وزارة الصحة”.

أدوية مفقودة

تقول الدكتورة ديراني “أن العلاج لا يقتصر على جلسة غسيل الكلية، بل توجد أدوية مرافقة لرفع خضاب المريض وتثبيت الكلس في جسمه، وهي أدوية باهظة التكاليف مثل هرمون فيتامين d3 (الوان ألفا)، وهرمون الثروبايوتين وغيرها”.

ومثل الجلسات يحتاج المريض لهذه الأدوية بمعدل مرتين على الأقل أسبوعياً، لكن بسبب الضغط الكبير من المرضى والتكلفة الباهظة للعلاج الذي تقدمه الحكومة مجاناً، يحصل معظم المرضى على جرعة واحدة أسبوعياً، وقد رصدت المجلة خلال هذا العام انقطاعين لدواء الوان ألفا امتد أحدها شهرين، فيما انقطع دواء البيغ أنترفرون المعالج لمرض الكبد ثلاث مرات… ويضطر المرضى في هذه الحالة لشراء الدواء.

ويصل سعر إبرة الوان ألفا إلى 1400 ليرة (26 دولار) فيما الثروبايوتين يترواح سعره بين 1000 و3500 حسب الشركة المصنعة (20دولار و60دولار)، أما دواء الكبد فتبلغ ثمن جرعته الأسبوعية 180 دولار، في بلد كسورية يبلغ متوسط الأجور فيه أقل من 200 دولار شهرياً.

على هامش الموت

“علاجي موت بطيء” جملة رددتها مريم كثيراً خلال مقابلات استمرت طيلة إعداد هذا التحقيق، قبل أن يغيبها الموت نهائياً، عن عمر 49 عاماً… لتترك خمسة أبناء أصبح موت والدتهم “عزاءً لهم” عن آلامها.

قضت الشهر الأخيرة من حياتها في غيبوبة وخضعت في سنتها الأخيرة لثلاث عمليات جراحية وأصيبت بالتهاب كبد مزمن، وقال الأطباء أن سرطان في أحشائها بدأ بالنمو، لتموت فيما بعد بسكتة دماغية.

تقول الدكتورة سانوسيان بعد الإطلاع على فحوصات مريم أنها “وفاة مبكرة دون أدنى شك” مضيفة أنها كانت لتعيش مدة أطول لو استطاعت الحصول على كلية، وكانت تستطيع الحياة بمعاناة أقل لو حصلت على معالجة طبية مناسبة”.

من جهته، يقدر الدكتور حبش أن ثلث مرضى القصور لا يصلون للطبيب، ولا يشخص مرضهم، ولا يعالجون، “أي يوجد حوالي ألفي وفاة بسبب قصور كلية غير مشخص وغير معالج سنوياً”.

وإذا أسقطنا الموت على لغة الأرقام الجافة، ففي سورية 2800 مريض يقومون بجلسات غسيل الكلية، يضاف لهم سنوياً 1300 مريض جديد، ويحصل حوالي 300 على كلية من متبرع، أي يكون الموت مصير أكثر من ألف شخص سنوياً، رغم خضوعهم للعلاج بالكلية الصناعية…

وفي مراجعة قامت بها المجلة لسجلات مشفى دمشق، تبين أن 42 مريض لقوا حتفهم من حوالي 198 مريض خضعوا لجلسات الغسيل العام الماضي.

المرض ينتشر

ماتت مريم.. ويموت الآن أحدهم أيضاً

حسب إحصائيات وزارة الصحة فإن الوفيات بسبب أمراض الجهاز البولي والتناسلي أصبح السبب السادس للوفاة في سورية، رغم أنه لا يتواجد ضمن الأسباب العشرة للوفيات في العالم في بيانات منظمة الصحة العالمية.

حسب الوزارة، راجع أكثر من ثلاثون ألف مريض مستشفياتها بسبب أمراض تتعلق بالكلية العام الماضي، وشغلت أمراض الكلية المرتبة السابعة عام 2007 ضمن الأمراض العشر الأكثر انتشاراً في سورية، واللافت أنها تشغل المرتبة الرابعة ضمن الأمراض الأكثر انتشاراً في محافظة دمشق تحديداً..

تقول مديرة مشفى الكلية الدكتورة رانية ديراني: “لا يوجد سجل وطني للمصابين بالقصور الكلوي، ومعظم الأرقام هي تقديرية مؤكدة بالوقت نفسه أنه لا يوجد أي دراسة رسمية تبحث في أسباب زيادة أمراض الكلية خاصة في دمشق، سوى بعض ملاحظات الأطباء المختصين والتي تعيد السبب إلى انتشار مرض السكري بنسب عالية وهو الذي يعتبر السبب الأول للقصور الكلوي، إضافة لارتفاع التوتر الشرياني”، فيما يرى الدكتور دشاش أن انتشار المرض قد يعود لتلوث المياه، وترى الدكتورة دامرلي أنه يعود لضعف الثقافة الصحية لدى المواطنين ما يؤدي لتأخر الكشف عن المرض، ووصوله لحالاته المزمنة قبل بدء العلاج.

والجدير بالذكر أن دراسة طبية رسمية رفعت تقديرات الإصابة بالقصور الكلوي في سورية، لتصبح مئة مريض جديد لكل مليون نسمة، أي ضعف النسبة العالمية التي تبلغ 54.6 مريضاً جديداً لكل مليون نسمة.

أين تتبخر الأموال؟

تنفق الدولة على مرضى الكلية نفقات باهظة بسبب أعدادهم الكبيرة والعلاج المجاني، حسب الدكتورة ديراني، حيث “تبلغ تكاليف كل جلسة غسيل حوالي 3000 ليرة أي 55 دولار”، وبما أن وزارة الصحة أعلنت أنها قامت السنة الماضية بـ199 ألف جلسة غسيل، بحساب بسيط فإن كلفة العلاج بالكلية الصناعية لجميع المرضى المشخصين يعادل أكثر من نصف مليار ليرة سنوياً (11 مليون دولار)، وهو مبلغ يكفي لإجراء 2000 عملية زرع كلية سنوياً، (كلفة عملية زراعة الكلية هي حوالي 5 آلاف دولار) أي يغطي حاجة جميع المرضى.

وترى الدكتورة ديراني “إن الزيادة العالية لمرضى القصور الكلوي تسبب صعوبات في مجاراة ومواكبة العلاج عبر شراء الأجهزة وتأمين الأدوية وجلسات الغسيل، لذلك فالاتجاه الأسلم هو زرع الكلية..”.

إلا أن السؤال عن حال المرضى ريثما يتم تأمين الزرع لهم، يبقى سؤالاً قائماً… في وقت يستنزفهم الألم والموت والمعاناة اليومية.. “فلا جدال في أن كل إنسان سيموت بسبب أو بآخر ولكن الموت لا يجب أن يكون بطيئاً ولا مؤلماً ولا مبكراً”…

فرصة للحياة

ككل الأطفال، يرسم لؤي أصدقاءه وهم يلعبون، لكن هنالك طفل لا يلعب مع البقية… رسم على خاصرته نقطتان كبيرتان بالأسود… هذا هو لؤي نفسه، والدائرتان القاتمتان هما كليتاه المريضتان.

– “إنه ينتظر”… يقول لؤي.

ماتت مريم، لكن آخرين ينتظرون فرصة، هناك محمود لاعب الملاكمة، الذي يعتقد أن منحه جلسة إضافية أسبوعياً تكفيه أن يحيا حياة طبيعية، وهناك حسام، الطالب في كلية الحقوق، الذي يحاول الشفاء من فيروس الكبد، علّ أمله بزراعة الكلية يعود إليه، وهناك لؤي، ابن الحادية عشر الذي ينتظر…

– “ينتظر فرصة للحياة ككل الأطفال..”.

تم اعداد هذا التحقيق بدعم من شبكة إعلاميون من أجل صحافة استقصائية عربية(أريج) www.arij.net وباشراف الزميل علي حسون

وثائق التحقيق


  • تعليقاتكم

    اترك تعليقاً

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.