صناعة 'غرف الموت' بالمستشفيات الحكومية الفلسطينية!

15 سبتمبر 2013

صناعة 'غرف الموت' بالمستشفيات الحكومية الفلسطينية!

15 سبتمبر 2013

لم يكن الشاب صلاح أبو حلتم يعلم أن دخوله باب غرفة العمليات في مستشفى عالية في الضفة الغربية من أجل إجراء عملية لا تستغرق عادة سوى 15 دقيقة سيكون باب النهاية لحياته كلها… والسبب إهمال من طبيب التخدير حسب شهادة العائلة ووزارة الصحة.

ولم تعلم الطفلة تولين براش أن دخولها باب مجمع فلسطين الطبي (وهو المجمع الطبي الرئيس في الضفة) من أجل إجراء معالجة ضيق في التنفس سيصيبها بالشلل… والسبب خطأ من طبيب التخدير حسب شهادة العائلة وجهات مستقلة. 

صلاح (19 عاما) وتولين (3 أعوام) ليسا سوى اثنين من نحو ألف شخص فقدوا حياتهم او تضرروا صحيا، خلال عام، نتيجة لأخطاء أطباء التخدير التي ما زالت رهن التحقيق، حسب الإحصائيات التي حصلنا عليها من دائرة الشكاوي في وزارة الصحة. 

قرر تلفزيون “وطن” التحقيق في هذه الشكاوى خلال أربعة أشهر من البحث والاستقصاء من أجل التثبت من صحتها ومعرفة حجم ظاهرة أخطاء أطباء التخدير داخل وخارج غرف العمليات في أحد عشر مستشفى حكومي. 

لكن خيوط التحقيق قادتنا إلى أحد أهم الأسباب وراء الأخطاء الطبية أو إهمال للأطباء داخل غرف العمليات: تسرب بعض الأطباء أثناء ساعات الدوام الرسمي للعمل في مستشفيات خاصة أو الجمع بين وظيفتين في مخالفة للقانون. 

خلال التحقيق واجهنا المتضرر والمتسبب، بل والمسؤول.. وعلى رأسهم وزير الصحة والأطباء بما وصلنا إليه في حال الأطباء المتهمين بالتجاوزات. 

وواجهنا أسر الضحايا للتأكد من صدق روايتهم… 

“القصة المؤلمة”! 

في 30 أيلول/ سبتمبر عام 2010، توجه صلاح أبو حلتم لإجراء عملية تعديل انحراف العين في مستشفى عالية الخليل. 

لكن “تخديره على يد فني تخدير دون تواجد طبيب التخدير والإنعاش أدى إلى توقف قلبه بعد دقائق من بدء العملية”، هذه هي رواية العائلة التي التقيناها في مستهل التحقيق. 

والدته التي كانت برفقته تقول إنها انتظرت لساعات خروج صلاح من العملية التي كان يفترض ألا تتجاوز 15 دقيقة.. 

أحد الأطباء جاء إليها أخيرا وأخبرها “يا حاجة ما عملنا عملية لابنك لأنه ما اتحمل البنج”. 

يتقطع كلام الوالدة وهي تلهث لتجمع أنفاسها وتكمل الرواية: “أنا ما عرفت ابني، لما اطلعت عليه كان مثل الجمل بارخ وكله أجهزة.. يكفيك شره”. 

وبالفعل أمدتنا الأم بصورتين لصلاح مختلفتين تماما عن بعضهما البعض. 

في الأولى، “قبل” العملية، يبدو الشاب العشريني مفعما بالحيوية والنشاط ومبتسما أمام الكاميرا، وفي الثانية “بعد العملية بشهرين” تحول إلى جثة هامدة بهيكل عظمي فاقد معظم وزنه وغائب عن الوعي تماما. 

وتضيف الأم: لا بهنالنا أكل ولا شرب، وبضل رايح وجاي على المستشفى، لكن بقول الحمد لله على كل حاجة وحسبي الله عليهم وبس. 

في بيت عائلة أبو حلتم ببلدة ترقوميا (شمال غرب الخليل) يتدخل شقيق صلاح _ عبدالجواد_ ليقول إنه حسب طبيب العيون، “توقف قلب صلاح بعد خمس دقائق من بدء العملية، بسبب حصوله على البنج من قبل فني تخدير دون إشراف طبيب التخدير”. 

أُدخل صلاح للعناية المركزة في مستشفى عالية وبقي هناك لأسبوع وكانت درجة حرارته فوق الـ 40 درجة مئوية، وكان في غيبوبة تامة. 

لكن بعد أسبوع من العلاج هناك، تم تحويله للعلاج في الأردن.. 

وحسب تشخيص الطبيب إبراهيم آدم في المستشفى التخصصي بالأردن، “حصل صلاح على جرعة زائدة من التخدير في مستشفى الخليل”، وفق ما أخبرتنا عائلة المتوفى. 

“حوالة الأردن” لم توقف عداد النهاية لصلاح.. وبقي استنزاف الوقت من حياة الشاب يتسارع، حتى تمت إعادته بعد 50 يوما إلى وطنه ليتوفى في كانون أول/ ديسمبر 2010. 

أحداث “القصة المؤلمة” استمرت بعد الوفاة… 

فعندما طلبت الأسرة التقرير الطبي من مستشفى “عالية” بالخليل لم تحصل عليه في البداية، وعندما حصلت عليه لم يشر إلى أي خطأ طبي كسبب للوفاة. 

لكن كل ما سبق يبقى “شهادة” من أسرة صلاح و”اتهام” غير مثبت بالأدلة. 

الفني والطبيب

بدأنا التحقيق في قضية صلاح من خلال محاولة الحديث مع فني التخدير الذي قام بتخديره وطبيب التخدير والإنعاش الذي من المفترض أن يكون متواجدا أثناء العملية. لكن كلاهما رفض. 

حاولنا مقابلة ثلاثة من الممرضين وفني تخدير يعملون في قسم العلميات بنفس المستشفى، إلا أن جميعهم رفضوا الحديث عن هذه القضية، لأنهم “ليسوا مستعدين للدخول في قضية شائكة” حسب قول بعضهم، كما أنهم بحاجة لتصريح من وزارة الصحة. 

توجهنا إلى مستشفى عالية الحكومي حيث أجريت العملية.. 

في هذا المستشفي تُجرى نحو 40 عملية جراحية يوميا؛ موزعة على ثلاث غرف عمليات ويشرف عليها طبيب تخدير واحد. 

قابلنا مدير المستشفى وليد زلوم، الذي نفى أي خطأ طبي أو إهمال طبي. 

وقال “حادثة صلاح أبو حلتم من الممكن أن تحصل في أي مستشفى جراء تفاعل الجسم مع نوع الدواء الذي أعطي للمريض، ولا يمكن تفادي هذه المشكلة”. 

وأضاف زلوم أن غياب طبيب التخدير لم يكن سبب مشكلة صلاح، فالدواء هو السبب الأساسي. 

“إجابة مضللة”… هكذا جاء رد فعل أسرة صلاح عندما واجهناهم بشهادة مدير المستشفى مكررين ذات الاتهامات بالإهمال والتقصير إلى المستشفى. 

وسط الاتهامات والتفسيرات المضادة بين عائلة صلاح والمستشفى، قررنا مزيدا من البحث لمعرفة سبب وفاة حالة صلاح. 

وجدنا أن وزارة الصحة شكلت لجنة للتحقيق في الشكوى المقدمة من أسرة صلاح في الثالث من تموز/ يوليو 2011. 

تمكنا من الحصول على نسخة من تقرير اللجنة، الذي خلص إلى أن المريض لم يكن يعاني من أية مشاكل صحية قبل العملية وأشار بشكل واضح إلى خطأ في التخدير داخل غرفة العمليات. 

وجاء فيه أن فني التخدير “لم يعط المريض عقار Atrobine قبل العملية وعند البدء في التخدير، حيث أن ذلك ضروري قبل العملية، وكان المفترض تخدير المريض (المتوفى) من قبل الأخصائي والفني مجتمعين بتواجد الأخصائي على الأقل، حسب التعليمات الناظمة في وزارة الصحة”. 

كان يمكن لتقرير اللجنة أن يأخذ مساره الطبيعي من محاسبة أو محاكمة المتسبب عن الخطأ الجسيم الذي أودى بحياة صلاح.. لكن ذلك لم يحدث. 

وزير الصحة هاني عابدين (قبل رحيله عن الوزارة) أقر لنا بجواز تخدير مريض من قبل فني أو ممرضة دون تواجد طبيب التخدير المختص. 

وقال الوزير “هناك فني التخدير والممرضة بخبرة 3- 4 سنوات وكلهم يمكنهم القيام بعملية التخدير، إذا لم يكن هناك أي مرض آخر، أي أن المريض معافى، ولكن إذا كانت هناك مضاعفات ستحصل لوجود أمراض متعددة لديه، يجب أن يكون الاختصاصي موجودا”. 

حاولنا إيجاد وثيقة أو اتفاق يثبت صحة تصريح الوزير، إلا أننا لم نجد ذلك، فتحدثنا مع أكثر من أخصائي للتخدير يتمتعون بالاستقلال عن القطاع العام، وأكدوا أن رأي الوزير السابق يحمل “مخالفة طبية” يفتح الباب للاستغناء عن طبيب التخدير من الأساس. 

ويؤكد أخصائي التخدير حسن إسماعيل أن “أي عملية صغيرة أو كبيرة يجب ألا يتم إجراؤها إلا بوجود طبيب تخدير متخصص، للحفاظ على سلامة المريض، وهذا متفق عليه عالميا”. 

غياب طبيب التخدير عن العملية يعني وفاة المريض حسب الدكتور إسماعيل، لأن طبيب التخديرهو المسؤول عن إنعاش المريض في حال ظهور أي أعراض بشكل فجائي، أثناء وبعد العملية. 

فيما يعتبر أخصائي التخدير في مستشفى رام الله الحكومي محمد العاجز أن اهمية طبيب التخدير مثل أهمية أي طبيب مشارك في العملية. 

وقال: لا يمكن أن يغيب طبيب التخدير عن العملية. 

بعيدا عن تصريحات الوزير أو أخصائيين في مجال التخدير قررنا اللجوء للقانون من أجل معرفة الحقيقة. 

المخالفة الطبية في تصريح الوزير تؤكدها المادة الثالثة من الاتفاقية التي أبرمت عام 2007 بين نقابة فنيي التخدير ووزارة الصحة. 

تنص المادة “يلتزم العضو في نقابة فنيي التخدير بكافة أنظمة الصحة الفلسطينية، تحديدا بعدم السماح لفني التخدير القيام بتخدير المريض بشكل منفرد دون الإشراف المباشر من قبل أخصائي التخدير”. 

مدير وحدة الشكاوى في وزارة الصحة محمد عودة، أكد أنه إذا ثبت على المستشفى مخالفة طبية، يتم إغلاق القسم المخالف، بعد قرار قضائي من المحكمة، أو من وزير الصحة مباشرة. 

وأغلقت وزارة الصحة في منتصف أيار/ مايو الماضي، مستشفى الهلال الأحمر في طولكرم، بعد وفاة المواطنة يارا بدوي (30 عاما) جراء نزيف حاد بعد عملية قيصرية أجريت لها. 

ولأن حكاية صلاح تخص فنيي وأطباء التخدير والإنعاش، حسب التقرير الصادر عن لجنة التحقيق في وزارة الصحة، قررنا التحدث إليهم لمواجهتهم باتهامات الخطأ. 

نقيب فنيي التخدير والإنعاش عماد الديبي، أخبرنا أن “غياب الأطباء هو سبب المشكلة” مشيرا إلى أن بعض المستشفيات الحكومية تتمتع بعدد كاف من أطباء التخدير، “ما يسمح لهم بالخروج متى شاءوا، خاصة في مجمع فلسطين الطبي حيث يغادر الأطباء قسم العمليات حتى بلا إذن مغادرة”. 

قررنا مواجهة الأطباء أنفسهم بهذا الاتهام

في مجمع فلسطين الطبي، أكد لنا مديره العام أن خمسة أطباء “عدد كاف للإشراف على العمليات في المجمع، التي تصل إلى 40 عملية يومية… بالتالي ليست هناك مشكلة نقص في عدد الأطباء”. 

وأكد القائم بأعمال مدير عام إدارة المستشفيات في وزارة الصحة محمد أبو غالي، أن المستشفيات تلزم العاملين فيها بطلب إذن مغادرة من الإدارة في حال الخروج في الحالات الطارئة… بالتالي، لا توجد مشكلة “تسرب” حسب ادعاء نقيب فنيي التخدير والإنعاش عماد الديبي.

الأمر ينطبق على مستشفيات الضفة الغربية كلها… 

في الضفة يوجد 11 مستشفى حكوميًا، تحتوي على أقسام للعمليات الجراحية، يشرف على العمليات في هذه الأقسام نحو 40 طبيب تخدير، وهو عدد يراه المختصون كافيا ومتناسبا بالنسبة لعدد المرضى. 

بينما يعمل نحو 35 طبيب تخدير آخرين في المستشفيات الخاصة وهو عدد يراه المختصون أيضا كافيا. 

هل هناك “تسرب”؟ 

في مجمع فلسطين الطبي برام الله قررنا تتبع سير عمل أطباء التخدير الخمسة للتأكد من واقعة التسرب من العمل. 

أولا هل يوجد تسرب لأطباء التخدير فعلا في المستشفى حسبما يدعي نقيب فنيي التخدير أم لا يوجد تسرب حسبما يؤكد مسؤلو المستشفى؟ 

استطعنا الدخول إلى قسم العمليات في جناح “أبناء رام الله” وهو أقدم جناح في مجمع فلسطين. 

وهناك طلبنا من إحدى الطبيبات مساعدتنا في البحث عن أطباء التخدير الذين من المفترض أن يكونوا على رأس عملهم. 

بعد دقائق عادت الطبيبة وأخبرتنا أن “لا أحد هنا من أطباء التخدير”، والطبيب الذي من المفترض أن يكون على الدوام موجود “تحت”. 

أدركنا أن “تحت” الذي تقصده الطبيبة هو أحد قسمي العمليات الآخرين في المجمع، الموزعين على المبنيين “الكويتي والبحريني”. 

توجهنا إلى إدارة المجمع التي رفضت منحنا تصريحا لدخول هذين القسمين بسبب عدم تواجد المدير العام. 

حصلنا على إذن التصوير بعد يومين فسمح لنا المدير العام بالدخول إلى قسم العمليات في المبنى الكويتي، حيث تُجرى العمليات الصعبة، وكانت الأمور على ما يرام في هذه الزيارة التي تصادفت مع وجود وفد طبي أجنبي يجري عمليات هناك. 

ومع ضبابية المشهد قررنا العودة للمرة الثالثة بالتصوير السري لنفس القسم الذي زرناه من قبل _قسم العمليات في جناح أبناء رام الله_ إلا أننا تفاجأنا بأحد العاملين في القسم يخبرنا أن لا أحد من أطباء التخدير متواجد، وواحدٌ منهم متواجد بقسم العمليات في المبنى البحريني.

في المبنى البحريني التقينا مع طبيب التخدير الذي من المفترض أن يكون على رأس عمله في جناح أبناء رام الله، فأخبرنا أنه يغطي قسمي العمليات في المبنيين بسبب إجازة طبيب التخدير في هذا الجناح. 

وأثناء اللقاء الذي استمر لدقائق على باب قسم العمليات هناك، سألنا الطبيب ما إذا كان أطباء التخدير يستطيعون مغادرة القسم، فأخبرنا أنه إذا لم يكن هناك عمليات يستطيع مغادرة المستشفى. 

لكن اللافت.. أن طبيب التخدير كان في إجازة خلال يوم عادي تجرى فيه 40 عملية جراحية، إضافة إلى أن طبيب تخدير آخر يقضي إجازته الأسبوعية. 

أي أن أطباء التخدير المتواجدين في المجمع في ذلك اليوم ثلاثة من أصل خمسة… ما جعل طبيب تخدير واحد يشرف على قسمي عمليات في مبنيين منفصلين داخل المجمع! 

عدنا إلى مدير المستشفى وسألناه عن ذلك فأكد أن غياب الطبيبين هو استثناء وليس قاعدة نافيًا أي حديث عن تسرب الأطباء. 

لكن نقيب فنيي التخدير الديبي رفض هذه الرواية وأصر على أن الأطباء في المجمع الطبي يتسربون أثناء ساعات العمل الرسمي أو يعملون في مستشفيات خاصة، دون أن يعطينا دليلًا موثقًا على ذلك. 

إدارة مجمع فلسطين الطبي، نفت بدورها تلك الاتهامات، واعتبرتها “تدخلا في سياق الخلافات النقابية بين الفنيين والأطباء”. 

مدير مجمع فلسطين البيتاوي يقول إن “اتهامات النقابة عارية عن الصحة، ومع احترامي لهم لديهم خلافاتهم النقابية، ولا يجوز أن يضعوا المجمع في هذا الصراع”. 

لذا قررنا تتبع مسيرة أطباء التخدير الخمس العاملين في المجمع لمعرفة مدى تجاوزاتهم حسب الشكاوى المقدمة من بعض المرضى أو من بعض فنيي التخدير وهي جهة خصوم من الأساس. 

أين يذهبون؟ 

داخل مجمع فلسطين الطبي (الأكبر في الضفة) علمنا من العاملين هناك أن اثنين على الأقل من أصل خمسة أطباء تخدير يتسربون أثناء الدوام الرسمي؛ أحدهم يذهب لمستشفى خالد الخاص. 

قمنا بتتبع الطبيب (ع) وهو طبيب تخدير في المستشفى للتأكد من المعلومات التي حصلنا عليها من مصادرنا الخاصة، التي تفيد بأنه يعمل في الأصل بمجمع فلسطين الطبي. 

لكن.. لم نتمكن من التأكد من أن الطبيب متسرب من مجمع فلسطين. 

إلا أن مدير مستشفى “خالد” جمال الطريفي، أكد لنا أنه يستعين بأطباء التخدير من المستشفيات الحكومية خارج دوامهم الرسمي في حال عدم تواجد التخصصي الذي يعمل في مستشفاه.. 

الطريفي رفض تأكيد أن اسم الطبيب الذي يعمل في المستشفى هو (ع). 

اضطررنا لتسجيل اتصال هاتفي مع مستشفى خالد لمعرفة ما إذا كان (ع) يجري عمليات في المستشفى الخاص. 

أكدت الموظفة التي أجابت على الهاتف أن الطبيب (ع) متواجد في غرفة العمليات ويشرف على عملية جراحية، مع الإشارة إلى أن الاتصال تم وقت الظهيرة من يوم الأحد، وهو وقت دوام رسمي له في المستشفى الحكومي. 

عدنا مرة أخرى إلى مستشفى خالد الخاص، فأكد لنا مديره الطريفي أنه يستعين بالطبيب (ع) “في أي وقت ولا يوجد يوم معين لدوامه”. 

تصريح الطريفي يؤكد أن (ع) يتسرب أثناء الدوام الرسمي من مجمع فلسطين الطبي، للعمل في المستشفى الخاص خلال أي وقت. 

أما طبيب التخدير الآخر (م) الذي تتبعناه، يذهب للتدريس في الكلية العصرية على بعض خطوات من المجمع. 

تفيد بعض الشكاوى المقدمة من قبل فنيي التخدير لإدارة مجمع فلسطين، أنه يعمل في وظيفة أخرى خلافا للقانون أو يتسرب أثناء العمل الرسمي في المجمع. 

قررنا الذهاب إلى الكلية العصرية.. 

رفض المسؤولون في الكلية التعليق على الأمر وسط حالة من القلق الواضح من وجودنا كفريق إعلامي، إلا أن طالبين أكدا لنا أن الطبيب (م) يدرسهم مساق فن التخدير. 

توجهنا إلى الطبيب نفسه، الذي نفى عمله في الكلية العصرية تماما بالقول: لا يوجد في المجمع أحد من أطباء التخدير يدرس في جامعات، وحين يخرج طبيب التخدير يكون ذلك بإذن رسمي ولكن ليس للعمل. 

سألنا أحد الأطباء عن آلية الحصول على إذن مغادرة في المجمع، فأخبرنا أن الطبيب يقدم كتابًا لرئيس القسم، الذي بدوره يقدمه للمدير العام، حتى تتم الموافقة على مغادرة الطبيب. 

وأيد مدير المستشفى البيتاوي رواية الطبيب قائلا: لا يوجد طبيب واحد يخرج من دوامه الرسمي ويذهب للتدريس، خلال الدوام ممكن أن يأتي متدربون وندربهم، ولا يترك أي طبيب يترك دوامه الرسمي ويذهب للكلية. 

تدريب الطلبة لا يخالف القانون، حيث تسمح وزارة الصحة بتدريب الأطباء الجدد وخريجي كليات المهن الصحية في المستشفيات الحكومية. 

لكنّا تمكنا من الحديث مع مسؤول من الكلية العصرية، الذي عاد ووافق على الحديث معنا بشرط عدم ذكر اسمه. 

هذا المسؤول أكدّ أن (م) يعمل بالفعل في الكلية العصرية يوم السبت، وهو يوم إجازته في مجمع فلسطين، ما يتناقض مع تصريح الطبيب (م) ويؤكد مخالفته للقانون في الجمع بين وظيفتين في نفس الوقت. 

يبقى السؤال هل التسرب ينطبق فقط على مجمع رام الله أم يمتد ليكون ظاهرة في مستشفيات حكومية أخرى؟ 

إذن للتسرب!!! 

لقياس مدى حجم الظاهرة قررنا التوجه شمالا. 

ذهبنا إلى مستشفى رفيديا، وهو المستشفى الحكومي الأكبر في شمال الضفة والوحيد في نابلس حيث تجرى فيه أكثر من 1200 عملية شهريا، وبإشراف 4 أطباء تخدير وإنعاش. 

لم نستطع الدخول لقسم العمليات أو إجراء أي مقابلات بحجة عدم وجود تصريح من وزارة الصحة. لذلك توجهنا إلى المستشفيات الخاصة في المدينة. 

أكد لنا مدير المستشفى العربي التخصصي سمير الخياط أنه كان يستعين قبل أعوام بأطباء التخدير من المستشفيات الحكومية، لكنه توقف بعد ذلك، لا سيما أنه تمكن من توفير عدد كاف من أطباء التخدير الخاصين به. 

بينما في مستشفى نابلس التخصصي الخاص قال لنا المسئولون إنه يتم الاستعانة بأطباء التخدير بعد أخذ إجازة من الدوام في المستشفى الحكومي، إذ تقدم لمسؤول القسم ويوافق عليها مدير عام المستشفى. 

وقال مدير مستشفى نابلس التخصصي عبد الرحيم كتانة، إن القانون يمنع عمل الأطباء في المستشفيات الخاصة حتى خارج الدوام الرسمي، لكن الوزارة تتجاوز عن ذلك وتسمح لهم بالعمل أثناء الإجازة. 

وقتها تدخلنا وسألناه ما إذا كان أطباء التخدير يأخذون إجازة من مستشفى رفيديا ويأتون للعمل في مستشفاه الخاص؟ فأكد لنا أنهم يفعلون ذلك أحيانا. 

المسؤولون في لجنة الشكاوى بوزارة الصحة يؤكدون صحة هذه الروايات ويشيرون إلى أن “الظاهرة منتشرة في كل أنحاء الضفة”. 

مدير وحدة الشكاوى في الوزارة محمد عودة، قال لنا إن تسرب الأطباء أثناء الدوام الرسمي هو الصبغة العامة والاستثناء أن يلتزم الأطباء بدوامهم الرسمي، كما أن الجمع بين وظيفتين مخالف للقانون. 

بينما أكد القائم بأعمال مدير عام المستشفيات محمد أبو غالي أن للوزارة إجراءات وقائية لمنع ذلك، تبدأ من اللوم والمسآلة إلى إجراءات إدارية حسب القانون. 

وعندما سألنا غالي عن عدد الأطباء الذين تم توجيه اللوم والمساءلة لهم، قال لنا إنه لا يوجد عدد محدد، لكنه قليل. 

وقال عودة “وزارة الصحة لا توفر للأطباء الظروف الملائمة.. التسرب هو ظاهرة ويجب حلّها بالقانون والتشريع لتعطي للموظف حياة كريمة”. 

وأكد لنا طبيب التخدير، حسن إسماعيل – الذي يعمل في مستشفى خاص- أن الأطباء في المستشفيات الحكومية أجورهم متدنية. 

وقال إسماعيل: لا يتجاوز أعلى راتب سبعة آلاف شيقل (ألفي دولار) تقريبا، وهو ما يسمح لهم بالعمل في المستشفيات الخاصة، إذ يتقاضون مقابل كل عملية بين (150- 350) شيقل، حسب مدة العملية. 

وأوضح أن رواتب أطباء الحكومة تبلغ نحو نصف أطباء المستشفيات الخاصة، ما يدفعهم للعمل خارج المستشفيات الحكومية. 

90 شكوى في التخدير

وتظهر إحصائيات وحدة الشكاوى في وزارة الصحة أن الوحدة تتلقى يوميا بين (4- 5) شكاوى تتعلق بالأخطاء والإهمال الطبي، بينما تبلغ نسبة الشكاوى المتعلقة بأخطاء التخدير والإنعاش 5% من مجمل الشكاوى، أي أن عدد الشكاوى المتعلقة بالتخدير والإنعاش خلال العام الواحد تتراوح بين ( 73- 91) شكوى. 

بينما يؤكد مدير وحدة الشكاوى في الوزارة محمد عودة، أن الرقم الحقيقي لهذه الشكاوى أكثر من ذلك، حيث يمتنع المواطنون عن تقديمها للوزارة بسبب عدم ثقتهم بها. 

كما أن العديد من المصادر لتقديم الشكاوى، بعضها يكون في المستشفى، وأخرى في نقابة الأطباء، والمؤسسات الحقوقية، إضافة إلى الشكاوى التي تقدم للجهات القضائية مباشرة. 

هذه الأرقام قد تكون صغيرة من حيث النسبة والعدد، إلا أنها كبيرة من ناحية الخطر لأنها تضمن ضحايا. 

وقال مؤلف كتاب “الأخطاء الطبية في فلسطين”، الباحث محمود فطافطة، “إذا كان الموضوع يتضمن أرواحا تزهق ودماء ترهق إذا هي ظاهرة حتى لو كانت 3% أو 2%، لأن الأرواح لا تقاس بالأرقام”. 

وأضاف: 5% من نسبة الأخطاء الطبية المتعلقة بالتخدير، كنسبة رقمية لا ننظر إليها بالشكل الخطير ولكن بالنسبة الفعلية، هي نسبة مزعجة ويجب أخذ الترتيبات لتفادي الوفاة ونهاية الحياة. 

واعتبر مدير وحدة الشكاوى محمد عودة أن تلافي الأخطاء الطبية المتعلقة بالتخدير والإنعاش أو التقليل منها، يتم من خلال اتباع البروتوكول الصحي الذي يضمن الكشف على جسم المريض وحساسيته للبنج. 

لكنه يؤكد في حديثه أن وزارة الصحة لا تطبق هذه البروتوكولات في مستشفياتها. 

إرهاق وعدم تركيز 

العمل الإضافي للأطباء الذي يصل لمدة 24 ساعة أحيانا، وهو ما يحصل في مستشفى نابلس التخصصي، حسب تصريحات مدير المستشفى عبد الرحيم كتانة، يتسبب بالإرهاق وعدم القدرة على التركيز مما يزيد من نسبة وقوع الأخطاء الطبية. 

وأوضح أخصائي التخدير حسن إسماعيل أنه “لا يمكن تغطية الطبيب مدة طويلة في المستشفيات التي تجرى فيها كثير من العمليات لأن ذلك يتسبب في إرهاقه”. 

من جانبه، أكد عودة أن مضاعفة العمل لطبيب التخدير يدفعه للخطأ، وأن المسؤولية في ذلك تقع على السياسة الصحية في البلد. 

في كثير من حالات ضحايا الأخطاء أو الإهمال الخاصة بالتخدير والإنعاش، تكون المسؤولية أحيانا عن الخطأ أو الإهمال مشتركة لكل طاقم العملية الذي يتكون من خمسة أشخاص، وهم (طبيب تخدير، فني تخدير، ممرضتان، طبيب جراح).

وهو سبب قد يدفع إلى غياب تحديد المسؤولية عن الخطأ الطبي. 

أوضح مدير وحدة الشكاوي في وزارة الصحة أن طبيب التخدير ليس له علاقة مباشرة بأهل المريض في حالة تقديم الشكاوى، خصوصا قبل الوفاة، لأنه يتدخل قبل العملية وبعدها. 

أي أن الشكوى التي يقدمها أهل المريض لا تكون ضد طبيب التخدير مباشرة، إنما يشتكون بوجود خطأ طبي. 

وقال: نأتي بعد ذلك بطبيب التخدير ونرى كيف اتبع الخطوات في تخدير وإنعاش المريض، وإذا كان هناك موت تصبح المسؤولية شاملة لطاقم العملية. 

تعقيدات العملية تساعد أيضا على تجنب إلقاء اللوم على طبيب التخدير وحده، إلا أنه لم يتم توجيه “تهمة” القتل لأي طبيب أو فريق طبي في الضفة الغربية، حسب ما أفادنا عودة. 

تواصلنا مع مركز الإعلام القضائي للحصول على عدد القضايا المرفوعة ضد فرق طبية بسبب الأخطاء الطبية أو الإهمال الطبي. 

لكن.. لم نتمكن من الوصول إلى تلك القضايا أو عددها، وكانت القضايا المرفوعة تخص أطباء بمفردهم فقط، أو ضد مستشفيات. 

ويبقى السؤال: إلى أي مدى يؤثر ذلك الوضع على المرضى أنفسهم؟ 

تولين تدخل المجمع 

في مخيم الأمعري بمدينة رام الله، تحدثنا مع عائلة تولين ابراش، وأكدت العائلة أن ابنتهم تعرضت لجرعات زائدة من التخدير في مجمع فلسطين الطبي، قبل نحو عام مما أفقدها قدرتها على الحركة لأشهر عدة. 

وقال والدها أكرم ابراش، إن طفلته كانت تعاني قبل إدخالها مجمع فلسطين من ارتفاع في درجة حرارة جسمها وصعوبة في التنفس دون أي أعراض أخرى. 

لكن بعد عرضها على الأطباء في المجمع، أعطيت الأوكسجين لثلاث ساعات وتم “تبنيجها وتربيطها” قبل أن يتم إدخالها غرفة العناية المركزة. 

وأكدت والدة تولين أنه عندما ينتهي مفعول البنج “تصحو وتحاول الهروب من سريرها، لذلك تم ربطها”، حسب والدتها. 

من جهته، نفى مدير المجمع الطبي البيتاوي تلك الاتهامات..

وقال إن “تولين لم تتعرض لأي جرعة زائدة وموضوعها ليس موضوع تخدير، وتم وضعها على أجهزة التنفس الصناعي لأن نسبة التروية عندها كانت 65%”. 

لكننا حصلنا على التقرير الطبي الصادر عن مستشفى “هداسا” الإسرائيلي في مدينة القدس المحتلة، التي تم علاج تولين فيها بعد عملية مجمع فلسطين، وهو يتناقض في بعض بنوده مع تصريحات البيتاوي. 

وضع التقرير ثلاثة احتمالات للأسباب التي أدت لحالة تولين، من ضمنها “تفاعل ورد فعل نتيجة للمواد المخدرة التي تلقتها في العناية المكثفة في مجمع فلسطين”. 

أما السببان الآخران “تلف عصبي ناتج أثناء تواجدها بالعناية المكثفة، واختلال في هدم وبناء المواد الغذائية في الجسم”. 

وأكد أخصائي التخدير حسن إسماعيل الذي استعنا به كجهة مستقلة نفس الرواية. 

وقال: يتم إعطاء المريض جرعات من المواد المهدئة في حال وضعه على جهاز التنفس لفترات طويلة، ويمكن أن يؤدي إلى ضعف في عضلات الجسم تستمر لأشهر، بالاعتماد على الفترة التي قضاها المريض على جهاز التنفس. 

منظومة متكاملة!!! 

قبل نهاية التحقيق زرنا من تحدثنا إليهم مرة أخرى. 

– تولين استعادت قدرتها على المشي بعد رحلة علاج طبيعي مستمرة منذ نحو عام، لكنها لا تزال تعاني من خلل في التوازن، يعرضها للسقوط أرضا. 

– عائلة صلاح مازالت تتردد على أروقة المحاكم في انتظار حسم قضائي يضع المتسبب في وفاته خلف القضبان. 

– في المستشفى التي أجريت فيها عملية صلاح قبل وفاته، مازال المسؤولون ينفون أي مسؤولية عن الإهمال رغم تقرير لجنة الشكاوى الرسمية. 

– وزارة الصحة لا ترى مشكلة في السماح لفنيي التخدير بالقيام بمهمة طبيب التخدير وكذلك لا ترى مشكلة في ازدواج عمل الأطباء بين أكثر من وظيفة. 

بل إن وزير الصحة نفسه الذي قابلناه (هاني عابدين) يعمل بين وظيفته كطبيب ووظيفته كوزير. 

– أطباء التخدير يعلقون أخطاءهم وتسربهم على تدني الرواتب في ظل ارتفاع مستوى المعيشة والشعور بالظلم مقارنة مع وظائف أخرى أعلى أجرا. 

وإن اختلفت الأسباب والظروف فالجميع يعلق المشكلة على مشكلة أكبر تتعلق بمنظومة الرعاية الصحية في الضفة الغربية. 

تم إنجاز هذا التحقيق التلفزيوني بدعم وإشراف من شبكة (أريج) إعلاميون من أجل صحافة استقصائية عربية لصالح وحدة الصحافة الاستقصائية التي أسسها تلفزيون وطن بداية العام بالتعاون مع أريج.


تعليقاتكم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.