سحر عزازي
يوثق هذا التحقيق انتهاكات ضد صحفيين مصريين داخل مؤسسات صحفية خاصة. منظومة تحكمها انتهاكات مُتشعبة؛ فصل تعسفي دون تحقيق، وأجور هزيلة تقل عن الحد الأدنى للأجور، وتأمينات غائبة، وحلم الالتحاق بالنقابة لا يُحقق إلا بالمال (الباب الخلفي)، وقوانين عاجزة يُخشى تعديلها.
“إنتِ هيبقى ملكيش لازمة عشان حامل، حالياً تعبانة وبعد ما تولدي هتبقي مش قادرة تراعي الشغل وهتفضلي تاخدي في إجازات”
هكذا كان رد رئيس مجلس إدارة جريدة الوطن السابق على دينا عبد الخالق، الصحفية التي أمضت تسع سنوات في المؤسسة قبل أن تُفصل تعسفياً في 2023 بسبب حملها. قصتها ليست استثناءً، بل هي واحدة من عشرات القصص المتشابهة التي يعيشها صحفيو القطاع الخاص في مصر.
أجرت معدة التحقيق استطلاعاً شارك فيه 152 صحفياً وصحفية من مؤسسات خاصة في مختلف المحافظات، بتوزيع متقارب بين الجنسين (49.3 في المئة إناث و50.7 في المئة ذكور).
غلبت على العينة الفئة العمرية 25-35 سنة (57.2 في المئة)، تليها فئة 36-45 سنة (28.9 في المئة)؛ ما يعني أن الأزمة تطول في المقام الأول الجيل الأكثر نشاطاً في المهنة.
العمل الإضافي: يضطر أغلب الصحفيين للعمل في أكثر من مؤسسة لتأمين احتياجاتهم الأساسية؛ ما يؤثر في جودة المحتوى واستقلاليته.
تحظر المادة (16) من قانون تنظيم الصحافة والإعلام، رقم 180 لسنة 2018، فصل أي صحفي قبل التحقيق معه، وإخطار نقابته بمبررات الفصل، ثم مرور ستين يوماً من تاريخ الإخطار للتوفيق بين الطرفين، لكن ما يحدث على الأرض مختلف تماماً.
“لا يجوز فصل الصحفي أو الإعلامي من عمله إلا بعد التحقيق معه، وإخطار النقابة المعنية بمبررات الفصل، وانقضاء ستين يوماً من تاريخ هذا الإخطار تقوم خلالها النقابة بالتوفيق بينه وبين جهة عمله، فإذا استنفدت النقابة مرحلة التوفيق دون نجاح، تطبق الأحكام الواردة في قانون العمل بشأن فصل العامل ولا يجوز وقف راتبه أو ملحقاته خلال مدة التوفيق”.
المشكلة لا تقف عند الفصل التعسفي وحده؛ فالمادة (6) من قانون النقابة رقم 76 لسنة 1970 لقبول العضوية، تشترط أن يمارس الصحفي مهنته في صحيفة مطبوعة أو وكالة أنباء مقابل أجر ثابت، وهو شرط يُقصي بطبيعته معظم الصحفيين الرقميين، رغم أن الصحافة الإلكترونية تقود المشهد اليوم.
نتيجة هذه الاشتراطات، انتشرت آلية بشكل لافت؛ الدفع مقابل الانتساب للنقابة عبر “الباب الخلفي”، بأسعار تبدأ من خمسين ألف جنيه، وقد تصل إلى مئة وخمسين ألفاً كما وثق التحقيق.
صحفيون في بيئة عمل طاردة
اضغط على أي بطاقة لقراءة التفاصيل كاملة.
01 · فصل تعسفي | جريدة الوطن
دينا عبدالخالق: فُصلت لأنها حامل
من نيسان/أبريل 2013 إلى 2023 .. تسع سنوات من العمل
اقرأ التفاصيل
02 · فصل جماعي | البوابة نيوز
ياسمين عزت: حكم لم يُنفَّذ
عملت بلا عقد
اقرأ التفاصيل
03 · الباب الخلفي | اسم مستعار
محمد أحمد: 50 ألفاً ضاعت مرتين
5 سنوات صحافة في الخليج — عالق بلا هوية مهنية
اقرأ التفاصيل
04 · دفعت لتُنشر | اسم مستعار
رحاب حسن: 58 ألفاً ثمن الانتماء
خريجة 2015 — عشر سنوات على هامش المهنة
اقرأ التفاصيل
05 · استقالة مُزوَّرة | اسم مستعار
عبير إبراهيم: وقّعت استقالتها دون أن تعلم
7 سنوات من العمل
اقرأ التفاصيل
06 · رئيس تحرير “منتحل صفة” | اسم مستعار
عمر حسن: 14 عاماً في الصحافة وخارج القانون
رئيس تحرير لا يستطيع كتابة اسمه على الترويسة
اقرأ التفاصيل
“القانون بحاجة إلى تغيير، لكنّ الجمعية العمومية تخشى من مخرجات قانون جديد من البرلمان. هذا الخوف يلازمنا دائماً وعلينا حسمه، والنقابة خاطبت جميع الصحف وهي مستعدة لخوض معركة الحد الأدنى للأجور مع الجميع. مصر كلها عارفة إن فيه تجارة في العضوية وسوق مشوه”، لكن الزملاء يرفضون الإعلان عنها، وبالتالي ليس لدينا إثبات لاتخاذ إجراء قانوني أو فتح تحقيق رسمي، وكل المحاولات لتحويل الأقاويل لإثبات باءت بالفشل لأن جميع الأطراف مستفيدة.
طلبنا من بعض الزملاء تقديم بلاغ رسمي “خافوا”، ومع ذلك جمدنا قيد عدد من هذه الصحف وبعض الصحف الحزبية التي تصدر عن أحزاب وبها مشكلات.
وضعنا شروطاً في لائحة القيد الجديدة، لمعالجة هذه الظاهرة، تُلزم الصحف بالآتي: إخطار النقابة بأسماء المتدربين كل ستة أشهر، وألا يخرج القيد عن هذه الأسماء، والحصول على الحد الأدنى للأجور في الدولة وفقاً لتاريخ توقيع العقد، وضرورة تطبيق الشمول المالي، وتقاضي الراتب عبر حساب بنكي فقط، لأن هذا الإجراء سيمنع الفصل التعسفي، فلا يتم إلا عن طريق المحكمة.
بعد طرح هذه الشروط “الدنيا هاجت”، ورفضت الجمعية العمومية إقرارها وتمريرها، وتصدر تجار العضوية زملاء يتحدثون نيابة عنهم. وبالتالي، إذا لم تُقرّ هذه البنود كلائحة، ستُطرح كقرارات للمجلس لإغلاق هذا الباب تماماً.
هناك صحفيون مهنيون لا يجدون فرصة للتعيين في ظل انغلاق السوق، فيلجؤون إلى صحف تبيع العضوية من أجل الالتحاق بالنقابة. ومن ثم لا بد من فتح أبواب بديلة لعضوية حقيقية بضوابط؛ مثل إتاحة عضوية المواقع الإلكترونية، إلا أن هذا الطرح قوبل بهجوم”.
خالد البلشي
نقيب الصحفيين المصريين
“الصحافة المصرية كصناعة ومهنة تعاني مشكلات كثيرة وخللاً هيكلياً، نتيجة احتكار كيان واحد لـ75-80 في المئة من المشهد الإعلامي. الدولة تتحمل المسؤولية الأكبر حين تتعامل مع الصحافة كأداة تسويق لا مهنة مستقلة”.مجدي الجلادرئيس تحرير موقع مصراوي
“الحد الأدنى 6 أو 7 آلاف جنيه، أرقام عبثية. المؤسسات الخاصة تعمل بمنطق: لا أحد يجبرني على التطبيق، ونحتاج إلى تعديلات جذرية في القوانين المنظِّمة للصحافة: قانون 180 لسنة 2018 وقانون النقابة 76 لسنة 1970”.عمرو بدررئيس تحرير موقع القصة
“البدل أحد الكوارث التي جعلت النقابة لا تضم أبناء المهنة فقط، بل الباحثون عن فرصة عمل بمبلغ مناسب. القانون الحالي لا يسمح بقيد صحفي حاصل على جوائز يعمل في أهم المواقع، بينما يسمح لجريدة لديها وضع متوافق مع قانون النقابة وتصدر عدة أعداد في العام”.هشام يونسالرئيس السابق للجنة القيد في نقابة الصحفيين المصريين
“حصلنا على أحكام تجاوزت 400 ألف جنيه لصالح صحفيين، لكن التنفيذ قد يستغرق وقتاً. المؤسسات المتعنتة هي الأغلبية، مقابل قلة تستجيب طوعاً، نتخذ إجراءات التنفيذ الجبري وفقاً للقانون، لكن المؤسسات قد تغير مقرها أوتُفرغ أصولها من القيمة”.أحمد عبد اللطيفرئيس الوحدة القانونية في المرصد المصري للصحافة والإعلام
“هناك استغلال واضح للصحفيين وقانون الصحافة مشارك فيه. أصحاب المؤسسات يدفعون نسبة من الإعلانات للنقابة ويحشدون موظفيهم في انتخاباتها، فتنشأ علاقة مصلحة متبادلة، تشلّ يدها عن المطالبة بحقوق الصحفيين”.شعبان خليفةالأمين العام السابق — الاتحاد الدولي لنقابات عمال آسيا وإفريقيا، ورئيس نقابة العاملين بالقطاع الخاص
لا تزال دينا تنتظر حكماً نهائياً في قضيتها منذ ثلاث سنوات، على أمل استرداد جزء من حقها ورد اعتبارها، بعد تسع سنوات من العمل انتهت بالفصل. وتحلم ياسمين باليوم الذي تنتسب فيه أخيراً إلى نقابة الصحفيين، وتتخلص إلى الأبد من وصمة “منتحل الصفة”.
لكنهما ليستا استثناء؛ قصصهما صورة مُصغَّرة لعشرات الصحفيين في القطاع الخاص، يعملون بلا عقود ولا تأمينات، بأجور متدنية، تحت وطأة فصل تعسفي وأبواب نقابية موصدة. المنظومة برمّتها من القانون إلى النقابة، إلى أصحاب المؤسسات، تُنتج في نهاية المطاف صحفياً “مكسور الجناح”، يدفع ثمن صوته مرتين؛ مرة حين يؤدي عمله، ومرة حين يطالب بحقوقه.
وما لم تُعدَّل القوانين المنظِّمة للمهنة، وتُفعَّل آليات الرقابة والمحاسبة، وتتحوّل النقابة من هيكل دفاعي انتخابي إلى مؤسسة حماية حقيقية، سيظل الأمان المهني حلماً مؤجَلاً لكل من يختار صوته وقلمه على الصمت.
الصور المستخدمة مولدة باستخدام الذكاء الاصطناعي.
* الأسماء مستعارة بناءً على طلب أصحابها.