سيد» التائب المحسوب علي الجماعات الإسلامية : ِ«الواحد يسرق أو يتاجر في المخدرات علشان يدخل تاني المعتقل علي الأقل كنا بنلاقي أكل وشرب ومكان ننام فيه" عبد الناصر: «قضيت بالمعتقل سنوات شبابي كلها وخرجت وأنا في نهاية الثلاثين والجميع يرفض تشغيلي

4 فبراير 2009

ضابط شرطة ببدلة بيضاء تعلو كتفيه دبورة»، كانت هي كل أحلام «سيد» عندما كان عمره 14 عاما؛ وقتها تم اعتقاله لسبب لا يدركه حتي الآن، غير أن حلمه تحول إلي كابوس يؤرق منامه، ولا يري فيه إلا وجوده داخل زنزانة السجن الذي قضي به نصف عمره، وخرج منه حاملا وصمة «معتقل سياسي» لتقفل في وجهه كل أبواب الرزق.

«سيد» أو كما يناديه الجميع بـ«الشيخ سيد»، رغم أنه لم يتعد بعد الثالثة والثلاثين من عمره؛ كان واحدا من آلاف الشباب الذين تم اعتقالهم في أوائل التسعينيات بموجب قانون الطوارئ، بتهمة الانتماء لجماعات إسلامية مارست العنف الديني تجاه المجتمع في ذلك الوقت. وتم الإفراج عنه مع بداية عام 2005 بعد تفعيل مبادرة وقف العنف التي أعلنتها الجماعة الإسلامية عام 1997؛ وأدت إلي قناعة جهاز الأمن المصري بضرورة الإفراج عن آلاف من المعتقلين الذين لم تثبت إدانتهم بعد.

«سيد» الذي دخل المعتقل عن طريق الخطأ، كما قال لنا وأمضي به أكثر من نصف عمره، خرج ليصطدم بواقع أشد قسوة من السجون، واقع لا يجد فيه عملاً يؤمن له قوت يومه، فالمجتمع يرفضه، والدولة تتعثر في صرف مبلغ التعويض الذي حصل عليه بحكم قضائي، الأمر الذي دفعه إلي طلب العودة إلي المعتقل.

يقول «سيد» كنت ضمن عدد كبير من المعتقلين وطلبنا العودة إلي المعتقل بعد أن ضاقت علينا الدنيا وأقفلت جميع الأبواب في وجوهنا، لدرجة أن بعضنا اضطر للسرقة لسد جوعه! وساعات نقول لضباط الأمن المراقبين لنا: الواحد يسرق أو يتاجر في المخدرات علشان يدخل تاني المعتقل، علي الأقل كنا بنلاقي أكل وشرب ومكان ننام فيه.. ومن جهتهم يقولون لنا اصبروا وإحنا بنحاول نكلم رجال أعمال علشان يشغلوكم»!

«سيد» نموذج متكرر بين آلاف المعتقلين المفرج عنهم، يقدرون بنحو 15 ألف معتقل من الجماعة الإسلامية وتنظيم الجهاد، بعد نقلة فكرية نتج عنها وقف نزيف الدماء والابتعاد عن العنف كوسيلة وحيدة لما اعتقدوه آنذاك تحكيماً للشرع، ليجدوا أنفسهم دون فرصة عمل تعينهم علي مواجهة متطلبات الحياة من جانب، وعدم التزام مؤسسات الدولة بدفع التعويضات التي أقرها لهم القضاء في أحكام نهائية من جانب آخر. وأكدت الوثائق والبلاغات المقدمة إلي النائب العام تضررهم من عدم التزام وزارة الداخلية بمسئولياتها تجاههم، بالرغم من نفي الوزارة لما يتردد عن عدم صرف أو تعثر شيكات التعويضات لهم.

رحلة آلاف الجنيهات والأهوال السبعة

«لا توجد لدينا أي مشكلة في صرف التعويضات مادام قد صدر بها حكم قضائي واجب النفاذ. وما يحدث مجرد إجراءات طبيعية، حيث يقوم محاميّ الدولة بهيئة قضايا الدولة بالاستشكال في الحكم الصادر وهي إجراءات قانونية طبيعية» هكذا يقول اللواء حمدي عبد الكريم مسئول الإعلام بوزارة الداخلية.

إلا أن محاميّ الجماعات الإسلامية يعتبرون تلك التصريحات «نوعاً من المماطلة». مشير أحمد علي، أحد أشهر محاميّ تعويضات لمعتقلي الجماعات الإسلامية المفرج عنهم، يقول بخبرة ترجع إلي بداية التسعينيات، «المشكلة لا تكون في صدور الحكم بقدر ما تكون في تنفيذه، فعادة ما تضع وزارة الداخلية ـ وهي المعنية بتنفيذ الحكم ـ العديد من العثرات أمام التنفيذ بما يطيل المدة إلي 3 سنوات في بعض الحالات.. فهي تأخذ حكم القضاء الإداري وتركنه لديها شهوراً طويلة تبدأ بعدها في عمل استشكال في الحكم يستغرق شهوراً أيضا، لكنها في النهاية وبرغم المماطلة تضطر إلي صرف التعويض، لأنه حكم نهائي واجب النفاذ.. وهناك الآلاف من الأحكام التي لم تصرف حتي الآن، الأمر الذي جعلنا نقدم ولأكثر من مرة بلاغات إلي النائب العام ونطلب رفع الحصانة عن وزير الداخلية لعدم تنفيذ أحكام التعويض».

حلقات متصلة قد تستغرق سنوات، يدخل فيها المعتقل المفرج عنه لصرف تعويض صدر بحكم قضائي عن مدة اعتقاله، يوضحها أحد قيادات الجماعة الإسلامية – رفض ذكر اسمه – قائلا «كل من أفرج عنه من الجماعة الإسلامية أو تنظيم الجهاد تقدم بطلب تعويض عن سنوات اعتقال تتراوح بين 6 سنوات و16 سنة كأطول مدة اعتقال، وإن كانت بعض التعويضات قد تم صرفها، فالأكثرية لم تصرف حتي الآن، وذلك لأن عملية الصرف تتم علي مراحل طويلة ومعقدة، تبدأ من إصدار حكم المحكمة بمبلغ التعويض، ثم استخراج صورة الحكم وتسليمها لوزارة الداخلية».

وهنا – يضيف المصدر نفسه – نمر بسبع مراحل أخري لكي يتم تجهيز الشيك للصرف، منها: المرور علي الضرائب في بلدته والتي تخصم من مبلغ التعويض، وهي خطوة تستغرق 6 أشهر كاملة.. ثم مرحلة قسم الحسابات في الوزارة وإصدار الشيك وصرفه، ولا يتم الصرف إلا إذا كانت هناك ميزانية متوافرة في الوزارة لبند التعويضات، وفي العادة لا تكون هناك ميزانية كافية فيتم ترحيل مبلغ التعويض إلي السنة التالية فالتالية… وهكذا»!.

ويدفع اللواء فؤاد علام نائب مدير أمن الدولة السابق عن وزارة الداخلية تهمة التقصير أو التقاعس قائلا: «ما لا يعرفه الكثيرون أن هناك إجراءات تتم مع عدد من الوزارات الأخري، وعلي رأسها وزارة المالية لتخصيص ميزانية لصرف هذه التعويضات، وهو ما قد يأخذ وقتا .. فهناك لائحة بالأسماء ويتم صرفها بالدور، وليس هناك واحد في مصر صدر له حكم ولم ينفذ .. لكن المشكلة أن المعتقل عاوز يقدم النهاردة ويصرف بكرة وهذا ليس من الممكن، وقد تأخذ شهراً أو اثنين حسب الإمكانيات المتاحة وحسب المتقدمين وحسب تخصيص ميزانية للتعويضات، خاصة أن ميزانية الداخلية ليس بها بند للتعويضات، ولكن يصدر بها قرار من وزير المالية كإجراء قانوني»!

العودة إلي العنف من الأبواب المغلقة

تلك الرؤية الرسمية ربما لا تدرك إلي حد كبير كيف يمثل التعويض طوق النجاة لآلاف من المعتقلين المفرج عنهم، فمعظمهم يقارب عمرهم الأربعين عاما ولا عمل لهم ولا زوجة ولا شقة.. هؤلاء الذين دخلوا في اتفاق ضمني مع الدولة منذ أكثر من 11 عاما حين أعلنت الجماعة الإسلامية مبادرتها الأولي لنبذ العنف وما تبعها من مراجعات لتنظيم الجهاد، التزمت فيه الجماعات الإسلامية بنبذ العنف، واكتفت فيه الدولة بدور الأجهزة الأمنية في المتابعة والمراقبة لهؤلاء المعتقلين المفرج عنهم، دون أي محاولة لإعادة دمجهم مرة أخري في المجتمع بعد سنوات من الإقصاء داخل المعتقلات.

حقيقة سرعان ما تدركها حين تصل إلي غرفة فوق سطوح إحدي عمارات حي شبرا، حيث يسكن أربعة شباب من معتقلي الجماعات الإسلامية المفرج عنهم، يتشابهون في الغربة عن أهلهم في صعيد مصر، وأيضاً في عدم وجود عمل يؤمن لهم قوت يومهم، وفي انتظار التعويض.

«عيد» واحد من الأربعة، خرج من المعتقل عام 2006 بعد 17 عاما من الاعتقال، فسارع أهله بتزويجه، لتكون معه زوجته في رحلة بحثه عن عمل في القاهرة، وبعد شهور طويلة بدون عمل وانتظار لتعويض قدره 50 ألف جنيه، لم ينفذ حتي الآن، أخذت الزوجة طفلتهما الرضيعة وعادت لأهلها!

عام كامل يأكل فيه «عيد» رغيفا مغمسا بالـ”مش» في الصباح، ومثله في المساء أثناء رحلة بحثه عن عمل، حتي استقر به الحال منذ شهرين فقط في محل حلواني!

يرفض عيد الإفصاح عن تصوراته للمستقبل لكن زميله في الغرفة الذي رفض الكشف عن هويته يقول: «كتير لما بنقعد مع بعض بعد شقي بحث فاشل عن عمل بنشوف الدنيا ضلمة ونقول لبعض إحنا استفدنا إيه من المبادرة؟. وهي البلد عاوزانا نخرب فيها علشان نعيش؟!.. لكن اللي شفناه داخل المعتقلات أقسي من اللي بنعيشه الآن بكثير، وهو ما يجعلنا نصبر لدرجة أننا نصوم يوم ونفطر يوم علشان نوفر في المعيشة!.. وعندما تكون معنا مبلغ بمساعدة البعض قمنا بشراء عربة خضار يقف عليها أحدنا، وهو حاصل علي ليسانس حقوق»!

«هي البلد عاوزانا نخرب فيها»!!! عبارة صادمة ألقاها في وجوهنا المعتقل السابق، وهو يعبر عما يدور داخله من شعور خانق باليأس من الضغوط المعيشية التي تحيط به، لتكون بمثابة نذير خطر عما يمكن أن تضطرهم الظروف لفعله، سواءاً كان عنفاً دينياً أم جنائياً.

أما «عبد الناصر»، يبلغ عمره 37 سنة؛ خرج من المعتقل ليعلق أحلامه كلها، منتظراً صرف التعويض الذي حصل عليه بحكم قضائي في بداية عام 2008، قال: «قضيت بالمعتقل سنوات شبابي كلها وخرجت وأنا في نهاية الثلاثين بلا عمل، والجميع يرفضني ويرفض تشغيلي، لأنني معتقل سابق، ولم يبق أمامي سوي أعمال العتالة وحتي تلك لم أعد أقوي عليها لضعف جسدي بسبب سنوات السجن».

يتابع عبد الناصر «ضغطي بيعلي ومش بعرف أعمل إيه لما بفكر إن لي مبلغ تعويض ممكن يحل أزمتي ومش قادر أصرفه!، وكتير بحس بالاختناق وأنا قاعد في البيت بدون عمل ووالدتي المسنة هي التي تصرف علينا من معاش والدي، لكن الخطر لا يكمن فقط فيما يمكن أن تسببه ضغوط الحياة من عودة المعتقلين السابقين لدائرة العنف.. بل هناك مصدر آخر لخطر العنف..فبين عشرات الآلاف ممن وقَّعوا علي مبادرات نبذ العنف للجماعة الإسلامية وتنظيم الجهاد، سيكون هناك غير المقتنع، وهنا يكمن الخطر الذي يوضحه اللواء سامح سيف اليزل الخبير الأمني بقوله: «هناك نسبة تتراوح بين 20 و25% ممن وقَّعوا علي المراجعات لمجرد الإفراج عنهم، مازال بداخلهم شعور بالمرارة والرغبة في الثأر من الأجهزة الأمنية، ومن المحتمل أن يعود أحدهم إلي العنف، لذا فهم يقعون تحت مراقبة أمنية شديدة ويتم استدعاؤهم من وقت إلي آخر».

الخطورة لن تقتصر فقط علي ما قد يحدث نتيجة تعثر صرف التعويضات أو لوجود «غير المقتنع» بالمراجعات، كما يوضح مدير برنامج دراسة الحركات الإسلامية بمركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بالأهرام- د.ضياء رشوان – بل أيضا في «إعطاء مجال للمزايدة من أبناء الحركة الإسلامية، خاصة متشددي الخارج، حيث يقولون للمعتقلين السابقين: هذا حصادكم للمراجعات.. فقر في الدنيا وخزي في الآخرة، مما يخلق مثالا سيئاً لأي شاب يريد العودة عن العنف»!

قتل المجتمع.. وليس تكفيره

لكن نائب مدير أمن الدولة السابق «فؤاد علام» يستبعد عودة المراجعين إلي ما نبذوه من عنف ديني وإن كان يحذر من دخولهم في مسار العنف الجنائي. ويقول: «أتصور أنه من الصعب أن يرتد أحدهم مرة أخري إلي العنف لأن العقيدة هي الشيء الوحيد في حياة الإنسان الذي يدفعه للتضحية من أجلها، وقد فعلوا ذلك وكان لديهم قناعة بأن المجتمع كافر وثبت لهم أن أفكارهم بنيت علي معتقدات خاطئة، وقاموا بالبحث فقهياً في هذه المعتقدات، وأخرجوا ما سُمّي بالمراجعات، وهنا أصبح من الصعب علي أي داعية من دعاة فكر التكفير أن يجند عناصر جديدة تقتنع بأفكاره، لأن الردود علي ادعاءاته أصبحت جلية وواضحة وفي متناول الكثيرين».

لكنه يستدرك قائلا: «أي فرد يخرج من المعتقل ولا يجد لقمة عيش متوفرة، إما أن يأخذ نفس النهج في العنف الذي مارسه من قبل أو يتخذ نهج العنف الجنائي، ومن المؤكد أن هؤلاء إذا لم يتم إعادة دمجهم في المجتمع فسيظلون بمثابة القنابل الموقوتة».

ويتفق كمال حبيب – الباحث في شئون الحركات الإسلامية – مع سابقيه بقوله «من خاض تجربة السجون والمعتقلات يكون من الصعب عودته إلي العنف، ولكن في ظل تلك الظروف قد تكون هناك فئات مهمَّشة تتابع الموقف، وتزيد احتمالية أن يخرج منها جماعة تلجأ إلي الدين وتتخذه أرضية لتحدي الدولة ومبارزتها.. ففضاء الدين قريب من المجتمع المصري ولا يحتاج لشروط مسبقة».

ومع تعثر صرف الدولة للتعويضات المستحقة للمعتقلين المفرج عنهم قام محامون عن معتقلي الجماعات الإسلامية مؤخرا بتصنيف قضايا التعويضات إلي أربعة أقسام هي: دعوي التعويض عن الاعتقال وتقام أمام مجلس الدولة، وتتراوح نسبة التعويض فيها بين 40 و60 ألف جنيه حسب سنوات الاعتقال، ودعوي تعويض عن حرمان أسرة المعتقل منه، وتقام أمام مجلس الدولة أيضا، وتتراوح فيها قيمة التعويض بين 15 و25 ألف جنيه.. أما الدعوي الثالثة فهي حرمان المعتقل نفسه من أهله، وتكون قيمة التعويض فيها مماثلة لسابقتها. أما الدعوي الرابعة فخاصة بالتعذيب، وترفع أمام محكمة جنوب القاهرة وتحتاج إلي شهود إثبات وتتراوح قيمة التعويض فيها بين 30 و50 ألف جنيه.. يحصل المحامي منها علي نسبة تتراوح بين 20 و25% من قيمة التعويض، علي أن يتكفل المحامي نفسه بجميع المصروفات لحين الصرف، بحسب مصادر المحامين.

فلتفتحوا لهم أبواب السجون مرة أخري!

يقول منتصر الزيات محامي الجماعات الإسلامية «والذي سبق أن اعتقل في بداية حياته بسبب انتمائه للجماعة الإسلامية» تستغرق القضية هنا قرابة عام، وبعد الحكم تطعن الداخلية عليه أمام محكمة الاستئناف، وهو ما يستغرق سنة تقريبا، وإما أن تؤيد الحكم ويزيد المبلغ، وإما أن تقلله، وفي الغالب يتم تأييده .. أما التعثر فقد بدأ منذ خمس سنوات تقريبا ليصل ذروته منذ عامين، والداخلية عادة ما تنفي التعثر وتردد أن المعتقلين يبحثون عن الثراء من قضايا التعويضات التي أصبح لا حصر لها».

يتابع الزيات: «هناك قضية تعويض أخري ترفع أمام محكمة القضاء الإداري تختلف عن الأولي، لأن هذه ترفع تعويضا عن الأضرار التي سببها قرار الاعتقال باعتباره قرارا إداريا خاطئا، وهذه القضية تستغرق عاماً تقريبا، وتقدر المحكمة الضرر جزافيا عن كل سنة قضاها المعتقل».

وطوال هذه المراحل تزداد أزمة المعتقلين الاقتصادية، خاصة أنه قد خرج أغلبهم بعد تخطي الأربعين من عمره ليجد أمامه الصعوبات والعراقيل، ولا يجد أحداً يقف جانبه في محنته. فالجماعات الإسلامية التي دخل أعضاؤها المعتقل بتهمة الانتماء لها رفع قاداتها شعار: «أدخلناكم المعتقل وأخرجناكم منه، ولا يبقي لطرف شيئاً عند الآخر»!! ـ كما يقول أحد المفرج عنهم – والدولة لا تبدي أي جدية في تعويضهم وإعادة دمجهم مرة أخري داخل المجتمع!

ويبقي السؤال الذي يطرح نفسه بقوة: هل من الممكن أن تنتج ظروف المعتقلين السابقين للجماعة الإسلامية تحت وطأة الظروف الحياتية والعزلة الاجتماعية التي يعيشونها، إضافة إلي شعورهم بتخلي الدولة عنهم، موجة جديدة من العنف وتتحول مرحلة الهواجس الحالية التي تثور بداخلهم إلي عنف جنائي يعاني منه المجتمع؟.

يقول الدكتور إبراهيم البيومي غانم «أي عمل جماعي متماسك يقوم علي ثلاثة ركائز أولاها فكرة واضحة، بصرف النظر عن مدي صحتها من خطئها، وأي فرد مؤمن بهذه الفكرة وجماعة تنظم جهود مجموعة من الأفراد وتوجه جهودها لتنفيذ هذه الفكرة .. ولو راجعنا الأركان الثلاثة سنجد أنه تم تقويضها خطوة خطوة، وأن الفكر والجماعة والفرد صاروا صفراً، وأصبحنا أمام حالة جديدة ومجموعة من أبناء المجتمع خاضوا تجربة مريرة، وعلي الأجهزة الأمنية أن تسارع بإعادة منهجية التعامل معهم، أما إذا لم يتم استغلال هذه الفرصة فسوف يتوفر سبب موضوعي لإعادة إنتاج العنف في دوائر أخري بعيدة عن هؤلاء».

وعن ذلك يقول أيضا ضياء: رشوان «قيمة هذه التعويضات تتضح حين نعرف أن هناك حوالي 200 فرد من المعتقلين السابقين طلبوا العودة إلي المعتقلات، وهو عدد تقريبي أخذته بشكل مباشر من بعض المعتقلين الذين أكدوا طلبهم العودة إلي المعتقل، وهؤلاء الشباب قاسوا حياتهم الحالية في فوضي مصر ووجدوا أن العودة إلي السجن سوف تحلهم من جميع الالتزامات التي لا يستطيعون الوفاء بها خارج السجن وهي مسألة يجب أن يتوقف عندها المجتمع، فأعضاء الجماعة الإسلامية والجهاد المراجعون شكَّلوا طبقة عازلة في الأوساط المتدينة بين المترددين علي المساجد وبين العنف، وإذا حدث خلل في هذه النماذج وانشغلوا بأكل العيش فسوف يحدث بالضرورة خلل في تلك الطبقة العازلة وتزيد احتمالية تعرض المجتمع للعنف».

هل يفعلها..رجال الأعمال ؟

وإذا كانت الآراء السابقة اتفقت علي ضرورة إعادة دمج وتعويض المعتقلين المفرج عنهم، وتشكيل مؤسسة أهلية تطوعية يبادر بها رجال الأعمال المصريون الوطنيون من منطلق أهمية تلك القضية وخطورة إهمالها ليس فقط علي البلاد كلها بل علي مصالحهم وأعمالهم، تكون مهمتها خلق فرص عمل للمعتقلين في شركاتهم ومصانعهم، مع ضرورة تدبير أموال التعويضات وليكن الاعتبار أنها قضية تهدد الأمن القومي المصري. فيبقي السؤال الأكثر خطورة: هل يمكن الرهان علي أن يقاوم هؤلاء المعتقلون المفرج عنهم، تلك الظروف التي يعيشون فيها تحت ضغوط اجتماعية واقتصادية بالغة الصعوبة؟!.. وإلي أي مدي سيقتصر الأمر علي هواجس تنتابهم من وقت لآخر وتحدثهم بالعودة لمسلسل العنف سواء أكان في فضاء الإرهاب أو الجريمة الجنائية، فمن تعرض إلي خبرة السجون التي تعرضوا لها لم يعد لديه ما يخسره، خاصة وقد خرج معظمهم في عمر يقارب الأربعين عاما إلي سجن أوسع لا عمل به ولا زوجة ولا مجتمع يقبل وجودهم بينه. أما المجتمع فسيظل هو الخاسر الأكبر.

ويشهد تاريخ الحركات الإسلامية بأن الدولة سبق أن فوّتت فرصاً مشابهة، أنتجت أسوأ مراحل العنف في أواخر الستينيات»، فبرغم ما أفرزته من مراجعات كثيرة بعد أحداث 1965 في سجون عبد الناصر، في مقدمتها الكتاب الشهير «دعاة لا قضاة» الذي كتبه قادة جماعة الإخوان المسلمين، وهم تحت الضغط في السجون وتضمن مراجعات فقهية تقول إن السلوك التكفيري الذي اتخذه بعض أعضائهم مثل «شكري مصطفي» وآخرين غير صحيح، لكن الدولة لم تستفد من هذه المراجعات، كما خرجت جماعات أخري لم تكن داخل البؤرة الأمنية، ومارست العنف وعاني منها المجتمع علي مدار 20 سنة منذ السبعينيات وحتي منتصف التسعينيات.

والأمر نفسه قد يحدث الآن ويأتي العنف من المحيط الاجتماعي حول المعتقلين المفرج عنهم في ظل الظروف السيئة التي تضغط عليهم، سواء أكان عنفا اجتماعيا أو سياسيا، فهل من تحركٍ جاد قبل أن يفوت الأوان فيتحول تساؤل المعتقلين السابقين: «هي البلد عاوزانا نخرب فيها عشان نعيش؟» إلي قناعة وإلي جملة بلا علامة استفهام تقرر واقعا علي الأرض؟!.


تعليقاتكم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.